رُسُلُ اللهِ

إلَى خَلِيفَتِهِ عَلَى الأرْضِ

تَألِيفُ

حَسَن عَلِي النَّجَّار

1447 ه \ 2026 م

***

الْفَصْلُ الأوَّلُ

***

الْفَرْقُ بَينَ الأنْبِيَاءِ وَالرَّسُلِ ،

ومُعْجِزَاتُ النَّبِيِ وَنَبُوءَاتُهُ

 

***

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ،

خَاتَمِ الأنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ

 

***

 

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الْحَجُّ ، 22: 75).

 

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ (الأْنْعَامُ ، 6: 130).

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 144).

***

مُقَدِّمَةٌ

يتألفُ الكتابُ الرابعُ (رُسُلُ اللهِ إلَى خَلِيفَتِهِ عَلَى الأرْضِ) مِنْ تِسْعَةِ فصولٍ. ويبدأُ بِفَصْلٍ عَنْ الْفَرْقُ بَينَ الأنْبِيَاءِ وَالرَّسُلِ ، ومُعْجِزَاتُ النَّبِيِ وَنَبُوءَاتُهُ ، يَتْلُوهُ فصلٌ عنْ رُسُلِ اللهِ وأنْبِيَائِهِ ، المذكورينَ في القرآنِ الكريمِ ، فَفَصْلٌ عنْ الملائكةِ ، وهم رُسُلُ اللهِ وعِبَادُهُ الِمُكْرَمُونَ. ويلي ذلكَ خمسةُ فصولٍ عن أُولي العزمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَهُمْ نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ ، عليهِم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعينَ. وهناكَ فصلٌ تاسِعٌ عنْ مُعْجِزَةِ الإسراءِ والمعراجِ ، التي أكرمَ بها اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، خاتَمَ أنبيائِهِ برحلةٍ عظيمةِ إلى السماواتِ الْعُلَى وما بَعْدَها. وهي أيضاً معجزةٌ عِلميةٌ تُبَشِّرُ الإنسَ وتدعوهم للنفاذِ إلى أقطارِ السماواتِ والأرضِ.

وَيَحْتَوِي هذا الْفَصْلُ عَلَى خَمْسَةِ أقسامٍ ، هي: اسْتِمْرَارِيَّةُ رَسَالاتِ اللهِ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، ورُسُلُ اللهِ وأنْبِيَاؤهُ وَأتْبَاعُهُم الذينَ كَانُوا جَمِيعَاً مُسْلِمِينَ ، والْفَرْقُ بَينَ الأنْبِيَاءِ وَالرَّسُلِ ، ومُعْجِزَاتُ النَّبِيِ ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، وَنَبُوءَاتُهُ ، التي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وفي الْحَدِيثِ الشريفِ.

***  

أوَّلاً ، اسْتِمْرَارِيَّةُ رَسَالاتِ اللهِ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ

بعدَ خَلْقِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، للبشرِ على هذهِ الأرضِ ، شاءَ ألَّا يَتْرُكَهُم دونَ هدايةٍ لهم بالإيمانِ بهِ ، وذلكَ مِن خلالِ رسالاتِهِ لهم ، والتي أرسلها إلى رُسُلِهِ ، عليهمُ صلاةُ اللهِ وسلامُهُ أجمعين. فالإيمانُ بِهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يَجْلُبُ السلامَ لعقولِهِم ، لإدراكِهِم بأنَّ وجودَهُم ليسَ صُدفةً عَبَثِيَّةً (الْمُؤمِنُونَ ، 23: 115) ، على هذا الكوكبِ الصغيرِ مِن مَلَكُوتِهِ الشاسع.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115).

ومِن رحمةِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، وحبِّهِ وعنايتِهِ لخلقهِ ، أنهُ قد أكملَ رسالاتِهِ للبشريةِ ، وذلك بتنزيلِ القرآنِ الكريمِ على رسولِهِ وخاتَمِ أنبيائِهِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ. وقد ذكرَ لنا القرآنُ الكريمُ أسماءَ خمسةٍ وعشرينَ مِنْ أنبياءِ اللهِ ورُسُلِهِ ، لكنَّ بعضَ الأحاديثِ ذكرتْ أنهُ كانَ هناكَ مئاتٌ مِنَ الرُّسُلِ وآلافٌ مِنَ الأنبياءِ ، إلا أنَّ عُلماءَ الحديثِ حَكَموا بضعفِها ، وذَكَرَ بعضُهُم أنها موضوعةٌ أساساً.


[1]

أمَّا بالنسبةِ لأسماءِ الأنبياءِ والرُّسُلِ ، الذينَ جاءَ ذِكْرُهُم في القرآن الكريمِ ، بما في ذلكَ أولو العزمِ منهم (نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدُ) ، فهيَ كما يلي:

آدمُ ، وإدريسُ ، ونوحُ ، وهود ُ، وصالحُ ، وإبراهيمُ ، ولوطُ ، وإسماعيلُ ، وإسحاقُ ، ويعقوبُ ، ويوسفُ ، وشعيبُ ، وأيوبُ ، وموسى ، وهارونُ ، وداودُ ، وسليمانُ ، ويونسُ ، وإلياسُ ، والْيَسَعُ ، وذو الكفلِ ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، ومحمدُ ، عليهمُ الصلاةُ والسلامُ أجمعينَ.

وقد تَمَّ ذِكْرُ ثَمَانِيَةَ عشرَ مِنَ الأنبياءِ والرُّسُلِ في الآياتِ الكريمةِ 6: 83-86 ، كما يلي:

تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦ (الأنْعَامُ ، 6: 83-86).

أمَّا السَّبْعَةُ الباقونَ ، فهم آدمُ ، وإدريسُ ، وهودُ ، وصالحُ ، وشعيبُ ، وذو الكفلِ ، ومحمدُ ، عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ أجمعينَ. وقد ذُكِرُوا في الآياتِ الكريمةِ 3: 33 ، 21: 85 ، 11: 89 ، 7: 85 ، وَ 3: 144 ، كما يلي: 

إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 33).   

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 85).

وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (هُودُ ، 11: 89).

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (الأعْرَافُ ، 7: 85).    

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 144). 

وتخبرُنا الآياتُ الكريمةُ 164-165 ، مِنْ سورةِ النِّسَاءِ (4) ، بأنَّ هناك رُسُلاً وأنبياءً لم يتمْ ذكرُهم في كتابِ اللهِ ، لكنهم قد أُرسلوا أيضاً لهدايةِ الناسِ ، مبشرينَ للطائعينَ منهم بالفوزِ برضى اللهِ وجنتِهِ ، ومنذرينَ للعُصاةِ بالعذابِ ، لكيلا يكونَ لهم معذرةٌ عندَ وقوفِهِم للحسابِ أمامَ خالِقِهِم ، في اليومِ الآخِرِ.

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 164).  

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 165).  

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، يخبرُنا القرآنُ الكريمُ أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، أرسلَ الرُّسُلَ والأنبياءَ لهدايةِ الناسِ ، أينما وُجِدوا على الأرضِ ، أي في كافةِ القاراتِ ، مؤكِّداً أنَّهُ لمْ ولنْ يُعذِّبَ أيةَ أمَّةٍ حتى يبعثَ فيها من يُنذرُها ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 35: 24 ، 16: 36 ، 17: 35.

وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فَاطِرُ ، 35:24).

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ (النَّحْلُ ، 16: 36).

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسْرَاءُ ، 17: 15).

***

ثَانِيَاً ، رُسُلُ اللهِ وأنْبِيَاؤهُ وَأتْبَاعُهُم ، كَانُوا جَمِيعَاً مُسْلِمِينَ

يَذْكُرُ لنا القرآنُ الكريمُ أنَّ الرُّسُلَ والأنبياءَ السابقينَ وأتباعَهم كانوا مسلمينَ للهِ ، ربِّ العالمين. وذلكَ تأكيدٌ بأنَّ الإسلامَ هُوَ دينُ اللهِ ، الذي هدى بِهِ عِبادَهُ على فتراتٍ متفرقةٍ مِنَ الزمنِ ، مِنْ خلالِ رسالاتِهِ ورُسُلِهِ ، كما وردَ في الآياتِ الكريمةِ 3: 19 (عَنْ الإسلامِ) ، وَ 10: 72 (عَنْ نوحٍ) ، وَ 2: 131-133 (عَنْ إبراهيمَ وأبنائِهِ) ، وَ 12: 101 (عَنْ يوسفَ) ، وَ 5: 44 (عَنْ الأنبياءِ) ، وَ 3: 52 (عَنْ الحواريينَ) ، 3: 20 (عَنْ محمدٍ) ، عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ أجمعين ، وذلكَ كما يلي: [2]

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 19).

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يُونُسُ ، 10: 72). إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٣١﴾ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣﴾ (الْبَقَرَةُ ، 2: 131- 133). 

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (يُوسُفُ ، 12: 101).

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا (الْمَائِدَةُ ، 5: 44).

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 52). 

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّـهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 20).

***

ثَالِثَاً ، الْفَرْقُ بَينَ الأنْبِيَاءِ وَالرَّسُلِ

ذّكَرَتْ الآياتُ الكريمةُ أنهُ كانَ هناكَ ثلاثةَ عَشَرَ رسولاً واثنا عَشَرَ نبياً ، يختلفونَ عَن بعضِهِم في أمرينِ أساسيين. يتمثلُ الأمرُ الأولُ في أنَّ الرسولَ كانَ رَجُلاً أَوْحَى لهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، وأنزلَ عليهِ رسالةً جديدةً ، لِيُبَلِّغُهَا للناس. أما النبيُ ، فكانَ رَجُلاً أَوْحَى اللهُ لهُ وأرسلَ إليهِ بأنْ يَعِظَ الناسَ ويُعَلِّمَهُم ويُذَكِّرَهُم برسالةِ رسولٍ جاءَ قَبْلَهُ. [3]

وتشيرُ الآيةُ الكريمةُ 3: 19 (السالفةُ الذِّكْرِ) بأنَّ رسالاتِ اللهِ للبشريةِ ما هيَ إلا دينٌ واحدٌ ، هوَ الإسلام. وتذكُرُ الآيةُ الثالثةُ مِنْ سورةِ الْمَائِدَةِ (5) ، أنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد أكملَ دينَ الإسلامِ للبشرِ ، بإنزالِ القرآنِ ، الذي وعدَ بحفظهِ ، كما تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ التاسعةُ مِنْ سورةِ الْحِجْرِ (15). وذلكَ يعنى أنهُ لم يعدْ هناكَ لزومٌ لأيِ رسولٍ أو نبيٍّ آخَرَ بعدَ مُحَمَّدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلام.  

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ (الْمَائِدَةُ ، 5: 3).

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

وهكذا ، فباكتمالِ دينِ اللهِ ، فإنَّ مُحَمَّدَاً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، كان آخِرَ رُسُلِ اللهِ ، وآخِرَ أنبيائِهِ أيضاً ، كما صرحتْ بهِ الآيةُ الكريمةُ (الأحزاب ، 33: 40). ولم يَعُدْ هناكَ لزومٌ للأنبياءِ ، لِيَعِظُوا وَيُعَلِّمُوا وَيُذَكِّرُوا النَّاسَ بِما في كتابِ اللهِ ، مثلما كانَ ما يقومُ بهِ الأنبياءُ مِن بعدِ مُوسَى ، عليهِمُ السلامُ جميعاً ، كما تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 5: 44. فقدْ أصبحَ ذلكَ مِنْ وظائفِ العُلَماءِ ، الذينَ ذكرَتْهُم الآيةُ الكريمةُ 3: 18 بالتقديرِ ، مباشرةً بعدَ ذكرِ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتعالى ، والملائكةِ المُكْرَمين ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ:

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ (الأحِزَابُ ، 33: 40).  

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا (الْمَائِدَةُ ، 5: 44).

 شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 18).

وَيَتَمَثَّلُ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُ الثَّاني بينَ الأنبياءِ والرُّسُلِ في أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أيَّدَ رُسُلَهُ بِمُعجزاتٍ حِسِّيَّةٍ عظيمةٍ ، نُصرةً للمؤمنينَ ، وَلِيُساعِدَهُم في إقناعِ الناسِ بأنهم رُسُلُهُ حَقاً. ومِنْ أمثلةِ ذلكَ سفينةُ نوحٍ ، وناقةُ صالِحٍ ، ونجاةُ إبراهيمَ مِنَ النارِ ، وعَصا مُوسَى ، والْمُعجزاتُ الطبيةُ التي قامَ بها عيسى ، والقرآنُ الكريمُ الذي أُنزلَ على مُحَمَّدٍ ، عليهِم صلاةُ اللهِ وسلامُهُ أجمعين. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ الرسالاتِ التي بلَّغوها للناسِ قد اشتملتْ على نُبوءاتٍ عَنْ أحداثٍ ستقعُ في مُستقبلِ الأيامِ ، بهدفِ تعزيزِ إيمانِهِم عندَ وقوعِها.

أمَّا الأنبياءُ ، فقدْ أيدَهُم اللهُ ، سُبحانهُ وتعالَى ، بتمكينِهِم مِنَ التنبؤِ بأحداثِ المستقبلِ ، وذلكَ حتى يُصَدِّقَهُم الناسُ ويَتَّبِعُونَ تعاليمَهم عندما يَرونَ حدوثَ تلكَ النُّبوءاتِ أمامَ أعيُنِهِم. لكنَّ الرُّسُلَ جاؤوا هُمْ أيضاً بنُبوءاتٍ عديدةٍ ، تضمنتها رسالاتُ اللهِ التي أنزلها عليهِم. وهكذا ، فإنهم كانوا رُسُلاً وأنبياءَ مَعاً. أمَّا الأنبياءُ ، فلمْ يكونوا رُسُلاً ، بمعنى أنهم لم ترسلْ لهم رسالاتٌ جديدةٌ ليبلِّغوها للناس.

أمَّا بشأنِ ما أوتِيَ بِهِ نَبِيُّ اللهِ ، سُلَيْمانُ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ عِلْمٍ بمنطقِ الطيرِ والحشراتِ (ِالنَّمْلُ ، 16: 17-18) ، وتسخيرِ الريحِ والْجِنِّ لخدمتهِ (سَبَأُ ، 34: 12-14) ، فلم يكنْ ذلكَ لإقناعِ الناسِ برسالةٍ جديدةٍ ، حيثُ أنَّ بَني إسْرَائيلَ كانوا يؤمنونَ بالتوراةِ ، التي أنزلتْ على موسى ، عليهِ السلامُ. وإنما كانَ ذلكَ استجابةً مِنَ اللهِ ، تَبارَكَ وتَعالَى ، لِدُعائِهِ ، الذي وَرَدَ في الآيةِ الكريمةِ 38: 35.

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (صَ ، 38: 35).

***

رَابِعَاً ، الْمُعْجِزَاتُ وَالنَبُوءَاتُ ، الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِ ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ،  في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ، نَفْسُهُ

أيدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، رسولَهُ مُحَمَّدَاً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بالمعجزةِ الكُبرى ، أي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، الذي تُمَثِّلُ آياتُهُ حقائقَ علميةً ساطعةً ، يكتشفُها الناسُ في مُختلفِ العصورِ ، كأدلةٍ واضحةٍ على أنهُ كلامُ اللهِ ، الذي " لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ" (فُصِّلَتْ ، 41: 42). وقد تقدمَ بيانُ ذلكَ في الكتابِ الأولِ مِنْ هذهِ السلسلةِ ، لهذا المؤلِّفِ ، (الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ) ، وخاصةً في الفصلينِ الثالثِ والرابعِ مِنهُ. والقرآنُ الكريمُ هو المعجزةُ الكُبرى لأنهُ مستمرٌ في وجودِهِ وتأثيرِهِ ، وفي أنهُ مُوَجَّهٌ للناسِ كافةً ، حتى يأتيَ أمرُ الله. أمَّا المعجزاتُ الأُخرى التي أيدَ اللهُ بِها رُسُلَهُ السابقينَ ، فكانتْ وقتيةً ولم يعدْ لها وجودٌ ، كما كانتْ محدودةَ التأثيرِ، حيثُ أنها كانتْ مُوَجَّهَةً لمجموعةٍ خاصةٍ مِنَ الناسِ ، الذينَ كانوا على قيدِ الحياةِ أثناءَ وقوعِها ، ولم تكنْ مُوَجَّهَةً للناسِ كافةً.

***

2. الإسْرَاءُ والْمِعْرَاجُ

ومِنْ أهمِّ المعجزاتِ الأُخرى التي أيدَ اللهُ بِها رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مُعْجِزَةَ الإسْرَاءِ والْمِعْرَاجِ ، التي هيَ موضوعُ الفصلِ السابعِ مِنْ الكتابِ الرابعِ في هذهِ السلسلة ، لهذا المؤلِّفِ (رُسُلُ اللهِ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ خَلْقِهِ). فقدْ شاءَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنْ يُرِيَه بعضاً مِنْ عظيمِ قدرتِهِ ، فأسرى بهِ ليلاً مِنْ مكةَ المكرمةَ إلى الْقُدْسِ الشريفِ ، ثُمَّ عَرَجَ بهِ إلى السماواتِ السبعِ وما فوقِهِن ، وأعادَهُ بعدَ ذلكَ إلى فراشِهِ في مكةَ. وقدْ حدثَ ذلكَ كلُّهُ في وقتٍ قصيرٍ مِنْ آخِرِ الليلِ ، الأمرُ الذي كانَ عسيراً على الناسِ فَهْمُهُ ، ليسَ فقط أثناءَ حدوثِ المعجزةِ ، وإنما لقرونٍ عديدةٍ بعدَ ذلك. أمَّا في زمانِنا هذا ، فقدْ أصبحَ مِنَ الممكنِ قطعُ المسافةِ بينَ مكةَ المكرمةِ والقدسِ الشريفِ في دقائقَ معدودةٍ ، باستخدامِ الطائراتِ ، خاصةً النفاثةِ منها ، التي تطيرُ بأسرعِ مِنَ الصوتِ. كما أصبحَ في مقدورِنا إرسالَ السفنِ والمِجساتِ الفضائيةِ لاستكشافِ الكواكبِ الأُخرى في مجموعتِنا الشمسيةِ ، وحتى خارجِها. وهكذا ، كانتْ رحلةُ الإسراءِ والمعراجِ ، بالإضافةِ إلى ما تقدَّمَ ، إخباراً عَنْ إمكانيةِ الطيرانِ على الأرضِ وفي الفضاءِ الخارجيِ ، وتدليلاً على الإعجازِ العلميِ في القرآنِ الكريم (لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ مُعْجِزَةَ الإسْرَاءِ والْمِعْرَاجِ ، أنظرْ الفصلَ السابعَ مِنْ هذا الكتاب ، الذي يتناولها) .[4]

***

3. انْتِصَارُ الرُّومِ عَلَى الْفُرْسِ فِي بِضْعِ سِنِينَ

كذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قدْ أيَّدَ نبيَهُ مُحَمَّدَاً ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، بنبوءاتٍ عديدةٍ عَنْ أحداثِ المستقبلِ ، مِنها ما جاءَ ذِكْرُهُ في القرآنِ الكريمِ ، وتحققَ في سنواتٍ قليلةٍ ، كتثبيتٍ لإيمانِ المؤمنينَ وبُشْرَى لهم ، مثلَ نبوءةِ انتصارِ الرومِ على الفُرسِ في بضعِ سنينَ ، بعدَ هزيمتِهِم ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 2-4 مِنْ سورةِ الرُّومِ (30).

عندما انتصرَ الْفُرْسُ على الرومِ في عامِ 614-615 للميلادِ ، حَزِنَ المسلمونَ آنذاكَ ، لأنَّ الرومَ كانوا مِنْ أهلِ الكتابِ ، أي أنهم كانوا أقربَ لهم في العقيدةِ من الفُرسِ. فنزلتْ الآياتُ الكريمة ُ30: 2-4 ، تُبَشِّرُ بانتصارِ الرومِ على الفُرسِ في بضعِ سنينَ ، أي في أقلِّ مِنْ عشرِ سنينَ ، بَعْدَ هزيمتِهِم. وتحققتْ هذه النبوءةُ القرآنيةُ عندما حَدَثَ ذلكَ في الأعوامِ 622-624 للميلادِ.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّـهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ (الرُّومُ ، 30: 1-5).

ووصفتْ الآيةُ الكريمةُ 30: 3 تحديداً أنَّ المعاركَ التي هُزِمُ فيها الرومُ كانتْ في "أدْنَى الأرْضِ" ، أي في أكثرِ مناطقِ الأرضٍ انخفاضاً ، الأمرُ الذي لم يَعْلَمُهُ المفسرونَ القُدامى. فقد حدثتْ المعاركُ في منطقةِ الْغَوْرِ ، في بلادِ الشَّامِ ، والتي يقعُ فيها البحرُ الْمَيِّتُ ، ويجري فيها نهرُ الأردنِ ، وهي أكثرُ مناطقِ العالَمِ انخفاضاً ، حيثُ تصلُ إلى حَوَاَلْي 400 مترٍ تحتَ مُسْتَوَى سطحِ البحرِ. وهكذا ، فإنَّ استخدامَ كلمتي "أدْنَى الأرْضِ" لوصفِ منطقةِ الغورِ ، يُمَثِّلُ حقيقةً علميةً في غايةِ الدِّقَّةِ ، لم تُكتشفْ إلا حديثاً جداً ، ابتداءً مِنْ نِهايةِ القرنِ التاسعِ عشرِ للميلادِ ، وبذلكَ فإنها تُعْتَبَرُ مِنْ آياتِ الإعجازِ الْعِلْمِيِّ في القرآنِ الكريمِ. [5]

***

4. إفْسَادُ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ، وعُلُوُّهُم الْكَبِيرِ ، وَعِقَابُهُم الْمَحْتُومِ

يُخْبِرُنا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بأنَّ بَني إسْرَائِيلَ سَيُفْسِدُونَ في الأرضِ مَرَّتَيْنِ ، وَيَعْلُونَ فيها عُلُوَّاُ كبيراً ، وأنَّهُم سَيُعَاقَبُونَ على إفْسادِهِم ، بِتدميرِ دَوْلَتِهِم ، وإذلالِهِم ، وإنهاء عُلُوِّهِم في الأرضِ ، كَما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 1-8 مِنْ سورَةِ الإسْرَاءِ. كَذلكَ ، فإنَّهُ طبقاً لما جاءَ في كُتُبِهِم ، فإنَّهُم استحقوا العقابَ لأنَّ ملوكَهُم قد طغَوا وتجبروا بقتلِهم الكثيرَ مِنَ الناسِ الأبرياءِ ، كما أنهُم قد عبدوا آلهةً أخرى ، غيرَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وعَصَوْا أوامرَ اللهِ ، وكفروا بِعَهْدِهِ معَ أسلافِهم (كَمَا هوَ مُفَصَّلٌ في الْمَلاحِقِ الثلاثةِ لِهذِا الفصلِ).

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾‏ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا ﴿٢﴾‏ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾ [6]

وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [7]  وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾‏ [8]

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴿٥﴾‏    [9]

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾‏ [10]

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴿٧﴾‏ [11]

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴿٨﴾ (الإسْرَاءُ ، 17: 1-8). [12]

***

***

5. عَوْدَةُ الْمَسِيحِ ، عِيسَى بِنْ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، إلَى الأرْضِ

وَمِنَ النبوءاتِ القرآنيةِ التي لم تتحققْ بعدُ ، لأنَّها مِنْ علاماتِ الساعةِ الكُبرى ، عودةُ الْمَسِيحِ ، عليهِ السلامُ ، إلى الأرضِ ، وإيمانُ أهلِ الكتابِ كلِّهِم بِهِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 159 ، مِنْ سورةِ النِّسَاءِ (4):

"وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" (النِّسَاءُ ، 4: 159).

يُخْبِرُنَا القرآنُ الكريمُ ، في الآية 4: 157 ، أنَّ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، لَمْ يُصْلَبْ ولَمْ يُقْتَلْ ، في نهايةِ بِعْثَتِهِ الأولى على الأرضِ ، وإنما رَفَعَهُ اللهُ إلى السماءِ. وهُوَ حَيٌّ يُرْزَقُ هناكَ إلى أنْ يَأمُرُهُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، بالعودةِ إلى الأرضِ ، لأداءِ بِعثتِهِ الثانيةِ ، والتي سيؤمنُ بِهِ خلالَها أهلُ الكتابِ كُلُّهُم جميعاً ، بما في ذلكَ اليهودُ الذين لم يؤمنوا بِهِ بعدُ. وبعدَ إتمامِ رسالتِهِ ، فإنَّهُ يموتُ ، عليهِ السلامُ (كما روى الطبري ، استناداً لتفسير الحسنِ والضحاكِ وسعيدٍ بنِ جبيرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُم أجمعينَ).

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّـهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (النِّسَاءُ ، 4: 157).

***

خَامِسَاً ، نُبُوءَاتُ النَّبِيِ ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، في الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ

ذَكَرَ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في أحاديثِهِ لأصحابِهِ ، رِضوانُ اللهِ عليهِم ، العديدَ مِنَ النُّبوءاتِ ، التي وَقَعَ بعضُها بالفعلِ ، بينما لم يقعْ بعضُها الآخَرَ بعدُ. وفيما يلي أمثلةٌ منها.

1. هَزِيمَةُ الدَّوْلَتَيْنِ السَّائِدَتَيْنِ آنَذاكَ ، الْبِيزَنْطِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ ، عَلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ

جاءَ في إحدى النُّبُوءَاتِ أنَّ المسلمينَ سيهزمونَ الدولتينِ السائدتينِ آنذاكَ ، البيزنطيةِ والفارسية. وقدْ وقعَ ذلكَ بالفعلِ ، عندما هزمَ المسلمونَ الرومَ البيزنطيينَ في معركةِ اليرموكِ ، عام 15 هجرية (636 ميلادية) ، ثُمَّ هزموا الفُرْسَ بعدَ ذلكَ ، في معركةِ القادسيةِ ، في نفسِ العامِ أيضاً. ودخلتْ الشعوبُ التي كانتْ محكومةً لهما في الإسلام.

فَعَنْ أبي هريرةَ ، رضي اللهُ عنهُ ، أنَّ رسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ ، قال: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ." [13]

2. تَطَاوُلُ الْحُفَاةِ ، الْعُرَاةِ ، الْعَالَةِ ، رِعَاءِ الشَّاءِ فِي الْبُنْيَانِ

جاءَ في نُبُوءَةٍ أُخرى أنهُ سيأتي يومٌ يتنافسُ فيهِ رُعاةُ الشاةِ في بناءِ أعلى المباني. وقدْ حدثَ ذلكَ في زمانِنا هذا ، حيثُ تَمَّ تشييدُ أعلى بناءٍ في العالمَ ، وهو بُرْجُ خليفةٍ ، في دُبي ، في الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ. وقدْ ذُكِرَتْ هذهِ النبوءةُ في الحديثِ الشريفِ الذي سألَ فيهِ جبريلُ ، عليهِ السلامُ ، النبيَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عَنِ الساعةِ ، وقالَ: أخبرني عَنْ أمارَتِها؟ فقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "أنْ تَرى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشاءِ يتطاولونَ في البنيان."

فقبلَ ظهورِ النِّفطِ في منطقةِ الخليجِ العربيِ ، كانَ كثيرٌ مِنَ الناسِ هناكَ حُفاةً فقراءَ يرعونَ الأغنامَ في الْبَرِّ ، وكانَ بعضُهُم يغوصونَ في البحرِ عُرَاةً ، بحثاً عَنْ اللؤلؤِ. واستمرَّ ذلكَ حتى القرنِ العشرينَ مِنَ الميلادِ ، عندما مكنتهم الثروةُ النفطيةُ مِنَ الاستغناءِ عَنْ الرعيِّ وصيدِ اللؤلؤِ ، وأخذوا يتطاولونَ في البُنيانِ. [14] 

3. سِتُّ نُبُوءَاتٍ ، تَحَقَّقَتْ خَمْسٌ مِنْها

اشتملَ الحديثُ التالي على ستِّ نُبُوءَاتٍ ، تحققتْ خمسٌ مِنها. أمَّا النُّبُوءَةُ الأولى (يُقبَضُ العِلْمُ) فلم تتحققْ بعدُ. فلا تزالُ الدُّنيا بخيرٍ ، بتوفرِ كتاباتِ أهلِ العلمِ السابقينَ والحاضرينَ ، والأحاديثِ المسموعةِ والمرئيةِ للمعاصرينَ منهم ، والتي تصلُ إلى الناسِ في كلِّ مكانٍ وبكلِّ اللغاتِ ، بسببِ توفرِ الشبكةِ العالميةِ وانتشارِها في جميعِ أنحاءِ العالَم. أما النُبُوءَاتُ الخمسُ الأُخرى ، فقدْ تحققتْ في زمانِنا هذا ، فكَثُرَتْ الزلازلُ ، وتقارَبَ (قَصُرَ) الزمنُ الذي نقطعهُ مِنْ مكانٍ إلى آخرَ بسببِ وسائلِ المواصلاتِ السريعةِ ، وظهرتْ الفِتنُ في معظمِ البُلدانِ ، وخاصةً الإسلاميةَ مِنها ، وكثُرَ القتلُ نتيجةً للحروبِ المستمرةِ ، كما كَثُرَ مالُ المسلمينَ خاصةً نتيجةً لوفرةِ النِّفطِ في بعضِ بلادِهم. وكَثُرَ المالُ في العالَمِ بصفةٍ عامةٍ ، نتيجةً لإصدارِ العُمُلاتِ دونما رصيدٍ مِنَ الذهبِ ، ونتيجةً لاستعمالِ المالِ نفسِهِ كسلعةٍ تُباعُ وتُشترى ، ونتيجةً لقدرةِ المصارفِ على زيادةِ رأسمالِها بوسائلَ مختلفةٍ ، مثلَ تحقيقِ الأرباحِ مِنْ بيعِ عقودِ القروضِ ، حتى مِنْ قبلِ أنْ تبدأَ باستلامِ الفوائدِ المستحَقَةِ عليها.

فَعَنْ أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: قالَ النبيُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَضُ العِلْمُ ، وتَكثُرُ الزلازلُ ، ويتقارَبُ الزمانُ ، وتظهرُ الفِتَنُ ، ويَكثُرُ الهرَجُ (وهوَ القتلُ) ، حتى يَكْثُرَ فيكم المالُ ، فيَفيضُ." [15]

4. أرْضُ الْعَرَبِ سَتَعُودُ مُرُوجَاً وَأنْهَارَاً

ذَكَرَ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنَّ أرضَ العربِ ستعودُ مُروجاً وأنهاراً ، وهي التي كانتْ لآلافِ السنينَ وحتى الآنَ صحراءً بِلا أنهار. وهذا الحديثُ يشتملُ على حقيقةٍ جغرافيةٍ مُؤداها أنَّ شبهَ الجزيرةِ العربيةِ كانتْ مملوءةً بالمروجِ والأنهارِ قبلَ حوالي ثلاثٍ وعشرينَ ألفَ سنةٍ ، وهذا إعجازٌ علميٌ مِنْ لدنْ حكيمٍ خبيرٍ أوحاهُ لنبيهِ ، وليسَ مِنْ قولِ البشر. كما أنَّ النبوءةَ في هذا الحديثِ يمكنُ تفسيرُها إمَّا بعودةِ المناخِ الذي كانَ سائداً آنذاكَ بشكلٍ طبيعيٍ ، أي مِنْ خلالِ الدوراتِ المناخيةِ التي تمرُّ بِها الأرضُ ، وإمَّا بتدخلِ الإنسانِ الذي أصبحَ باستطاعتِهِ الآنَ استخراجَ المياهِ الارتوازيةِ الوفيرةِ مِنْ باطنِ الأرضِ ، وبتحليةِ مياهِ البحرِ وضخِّها في أنابيبَ ضخمةٍ كالأنهارِ ، تُحيلُ الصحراءَ الجرداءَ إلى مروجٍ خضراء.

فَعَنْ أبي هُريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عِنْ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنهُ قالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ ... حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا." [16]

5. ظُهُورُ الْمَهْدِيِّ ، هُوَ أوَّلُ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى

ومِنْ أهمِّ النُّبُوءَاتِ التي لم تتحققْ بعدُ ، والتي تُعتبرُ مِنْ علاماتِ الساعةِ الكُبرى ، أي التي تُؤَشِّرُ إلى اقترابِ قيامِ الساعةِ ، ظهورُ المهديِّ ، ونزولُ المسيحِ إلى الأرضِ ، وقتالِهِ للدجالِ وانتصارِهِ عليهِ ، كما جاءَ في الأحاديثِ الثلاثةِ التالية:

عَنْ أبي سعيدٍ الخُدري ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "المهديُّ مِنِّي ، أجْلَى الجَبهةِ ، أُقْنَى الأنفِ ، يَملأُ الأرضَ قِسطاً وعدلاً ، كما مُلِئتْ جَورًاً وظلماً ، ويَملِكُ سبعَ سنينٍ." [17]

وعَنْ حُذيفةَ بنُ أَسيدٍ الغفاريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، قالَ: اطَّلَعَ النبيُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، علينا ونحنُ نتذاكرُ، فقالَ: "ما تَذاكرونَ؟" قالوا: نذكرُ الساعةَ. قالَ:

"إنها لنْ تقومَ حتى تَرَوْنَ قبلَها عشرَ آياتٍ. فذكَرَ الدُّخانَ والدجَّالَ ، والدابَّةَ ، وطُلوعَ الشمسِ مِنْ مغرِبِها ، ونزولَ عيسى ابنِ مريمَ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ويأجوجَ ومأجوجَ ، وثلاثةَ خُسوفٍ: خَسفٌ بالمشرقِ ، وخَسْفٌ بالمغربِ ، وخَسْفٌ بجزيرةِ العربِ. وآخرُ ذلكَ نارٌ تَخرجُ مِنَ اليمنِ تَطرُدُ الناسَ إلى مَحشرِهِم." [18]

كما رَوى الصحابيانِ ، النَّواسُ بنُ سَمعانَ وأبو أمامةَ الباهليِّ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، حديثاً طويلاً عَنْ ظُهورِ إمامِ المسلمينَ (المهدي) وخُروجِ الدَّجَّالِ ونُزولِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، في الشامِ ، وصلاتِهِ بصلاةِ المسلمينَ ، خلفَ إمامِهِم ، ثُمَّ قَتْلِهِ للدَّجَّالِ ، وَحُكْمِهِ بالعدلِ في الأرضِ ، التي يملَؤها سلاماً ورخاءً. [19]

***

الْخُلاصَةُ

بعدَ خَلْقِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، للبشرِ على هذهِ الأرضِ ، شاءَ ألَّا يَتْرُكَهُم دونَ هدايةٍ ، وذلكَ مِن خلالِ رسالاتِهِ لهم ، والتي أرسلها إلى رُسُلِهِ ، عليهمُ صلاةُ اللهِ وسلامُهُ أجمعين. كما كَلَّفَ أنبياءَهُ بتعليم الْمُؤمِنِينَ بأوامِرِ اللهِ ونواهيهِ ، التي أنْزِلتْ على رُسُلِهِ ، والحُكْمِ بِها ، حتى ينالوا رِضى اللهِ ، ويزدادوا إيماناً ، مِمَّا يَجْلُبُ السلامَ لعقولِهِم ، لإدراكِهِم بأنَّ وجودَهُم ليسَ صُدفةً عَبَثِيَّةً (23: 115) ، على هذا الكوكبِ الصغيرِ مِن ملكوتِ اللهِ الشاسع.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (الْمُؤمِنُونَ ، 23: 115).

ومِن رحمةِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، وحبِّهِ وعنايتِهِ لِخَلْقِهِ ، أنهُ قد أكملَ رسالاتِهِ للبشريةِ ، وذلك بتنزيلِ القرآنِ الكريمِ على خاتَمِ أنبيائِهِ ورُسُلِهِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ. ويعززُ ذلكَ كلُّهُ وجودُ كِتابِ اللهِ ، محفوظاً بمشيئتِهِ ، زاخراً بالنُّبوءاتِ والآياتِ المُعْجِزَةِ ، التي تُبَيِّنُ للناسِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ بأنهُ كتابُهُ ، الذي أنزلَهُ هدايةً لهم. ويتعمقُ إيمانُ المؤمنينَ بالتأملِ في نُبوءاتِ خاتَمِ الأنْبِيَاءِ التي تحققتْ ، ويزدادُ اطمئنانُهُم بِتَحَقُقِ ِما لم يقعْ مِنها بعدُ ، وخاصةً فيما جاءَ في القرآنِ الكريمِ ، بِما يتعَلَّقُ بإفسادِ بني إسرائيلَ في الأرضِ ، وعِقابِهِم المحتومِ ، على الرغمِ مِنْ عُلُوِّهِم الآنِيِّ اليومَ.  

***



[1] صَحَّحَ الألبانيُّ ، رَحِمَهُ اللهُ ، حديثاً شريفاً ذكرَ أنهُ كانَ هُناكَ ثلاثمائةٍ وخمسةَ عشرَ رسولاً ، كما يلي:

فعن أبي أُمامَةَ الباهليِّ ، رَضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، قالَ: "كانَ آدَمُ نبيًّا مُكَلَّمًا ، كانَ بينَهُ و بينَ نُوحٍ عشرَةُ قُرُونٍ ، و كَانَتِ الرُّسُلُ ثلاثُمَّائةٍ و خمسةَ عشرَ (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَة: 2668).

وبالنسبةِ لعددِ الأنبياءِ ، ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ الحديثَ الذي يشيرُ إلى إنه كانَ هناكَ 124.000 مِنَ الأنبياءِ ، و313 مِنَ الرُّسُلِ ، وذلكَ في تفسيرِهِ للآيةِ الكريمةِ 164 من سورةِ النِّسَاءِ (4). ثُمَّ أوردَ آراءَ عُلماءِ الحديثِ ، الذينَ أجمعوا على أنَّهُ كانَ حديثاً ضعيفاً ، وحتى أنَّ بعضَهم قالوا إنَّهُ حديثٌ موضوعٌ. كما أجمعوا على نفسِ الرأيِّ بشأنِ الأحاديثِ التي تَذْكُرُ أعداداً أخرى للأنبياءِ والرُّسُلِ. ولمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ تخريجِ تلكَ الأحاديثِ والحكمِ عليها ، أنظرْ ما كتبهُ الشيخُ محمد صالح المنجد ، على الرابط التالي:     

    https://islamqa.info/ar/answers/95747/هل-صح-في-عدد-الانبياء-والرسل-شيء

[2] هناكَ سِتٌ مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ ، على الأقلِّ ، التي تشيرُ إلى أنَّ دِينَ اللهِ (أي رسالاتِهِ الهاديةِ للبشريةِ) هُوَ الإسلامُ. وهذهِ الآياتُ هِيَ: 3: 19 ، 3: 85 ، 5: 3 ، 6: 125 ، 39: 22 ، 31: 27.

كما أنَّ هناكَ ما لا يَقِلُّ عَنْ 27 مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ ، التي تشيرُ إلى أنَّ الأنبياءَ والرُّسُلَ السابقينَ وأتباعَهُم كانوا مُسلمينَ. وهذهِ الآياتُ هِيَ: 

2: 128 ، 2: 131 ، 2: 132 ، 2: 133 ، 3: 20 ، 3: 52 ، 3: 67 ، 3: 84 ، 5: 44 ، 5: 111 ، 6: 14 ، 6: 163 ، 7: 126 ، 10: 72 ، 10: 84 ، 11: 14 ، 12: 101 ، 27: 42 ، 27: 81 ، 27: 91 ، 28: 53 ، 29: 46 ، 39: 12 ، 40: 66 ، 46: 15 ، 51: 36 ، 72: 14.

[3] بالإضافةِ إلى ما وَرَدَ في سورةِ الأنْبِيَاءِ ، ذَكَرَتْ آياتُ القرآنِ الكريمِ خمسةً وعشرينَ مِنْ رُسُلِ اللهِ وأنبيائِهِ بالاسمِ ، كانَ منهم ثَلاثَةَ عشرَ رسولاً واثْنَا عشرَ نبياً. وفيما يلي الآياتُ التي ذَكَرَتْ الرُّسُلَ ، عليهِم جميعاً صلواتُ اللهِ وسلامُهُ.

1. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ (الأعْرَافُ ، 7: 59 ، هُودُ ، 11: 25).

2. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٢٥﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 124-125).

3. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٤٢﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٤٣﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 142).

4. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (الْحَدِيدُ ، 57: 26).

5. وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (الصَّافَّاتُ ، 37: 133).

6. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 54).

7. لم يُذكَرْ شُعَيْبٌ ، عليهِ السلامُ ، نَصاً في القرآنِ الكريمِ ، على أنهُ رسولٌ. ولكنَّ قِصَّتَهُ توحي بذلكَ. فقد جاءتْ في سياق قِصَصِ أربعةٍ مِنَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ ، الذين كذَّبَتْهُم أقوامُهُم ، وهُم نوحٌ وهُودٌ وصالحٌ ولوطٌ ، عليهِم صلواتُ اللهِ وبركاتُهُ أجمعينَ (الأعْرَافُ ، 7: 59-84).

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 85).

8. وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 104).

9. فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 16).

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ (طَهَ ، 20: 47).

وَتُبَينُ لنا الآيةُ الكريمةُ 26: 16 أنَّ مُوسَى وَهَارُونَ معاً ، عليهِما السلامُ ، كانا يقومانِ بمهمةِ رسولٍ واحدٍ. أمَّا الآيةُ الكريمةُ 20: 47 ، فقد أشارتْ إليهِما بصيغةِ الْمُثَنَّى ، كرسولَيْنِ للهِ ، عزَّ وجلَّ. وذلك يعني أنهما كانا رسولَيْن يحملانِ رسالةً واحدةً إلى فرعونَ ، مؤداها السماحَ لبني إسرائيلَ بالخروجِ مِنْ مِصْرَ. وكانتْ البدايةُ أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، اختارَ موسى لتبليغِ هذهِ الرسالة ، لكنهُ استجابَ لطلبِهِ بإرسالِ أخيهِ هارونَ مَعَهُ لأنَّهُ كانَ أفصحَ لساناً.

10. وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (الصَّافَّاتُ ، 37: 139).

11. وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (الصَّافَّاتُ ، 37: 123).

12. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ  (النِّسَاءُ ، 4: 171).

13. مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 40).

***

وكذلكَ ، ذَكَرَتْ آياتُ القرآنِ الكريمِ اثْنَي عشرَ نَبِيَّاً ، مِنْ أنبياءِ اللهِ ، عليهِم جميعاً صلواتُ اللهِ وسلامُهُ ، كما يلي:

14. لا يوجدُ نصٌّ صريحٌ في القُرآنِ الكريمِ ، يُفيدُ بأنَّ آدَمَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّه كانَ نبياً أو رسولاً ، ولكنَّ رسولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، أخبرنا بأنّهُ كانَ نبياً مُكَلَّمَاً.

فعن أبي أُمامَةَ الباهليِّ ، رَضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، قالَ: "كانَ آدَمُ نبيًّا مُكَلَّمًا ، كانَ بينَهُ و بينَ نُوحٍ عشرَةُ قُرُونٍ ، و كَانَتِ الرُّسُلُ ثلاثُمَّائةٍ و خمسةَ عشرَ (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَة: 2668).

15. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 56).

16. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 49).

17. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 49).

18. لا يوجدُ نصٌّ صريحٌ في القُرآنِ الكريمِ ، يُفيدُ بأنَّ يُوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، كانَ نبياً أو رسولاً ، ولكنَّ اسمَهُ قد وَرَدَ معَ أسماءِ النبيينَ والرُّسُلِ الذينَ ذُكِرُوا في الآيةِ الكريمةِ 6: 84. أمَّا في الحديثِ الشريفِ ، فإنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ذَكَرَ بأنَّهُ كانَ نبياً كريماً ،  كما يلي:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 84).

عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رَضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قد قِيلَ للنبيِّ ، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قالَ: "أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ." قالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ، ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ. قالَ: "فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ ، نَبِيُّ اللَّهِ ، ابنُ نَبِيِّ اللَّهِ ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ، ابْنُ خَلِيلِ اللَّهِ ..." (أخرجَهُ البُخارِيُّ في صحيحِه: 3374).

19. لا يوجدُ نصٌّ صريحٌ في القُرآنِ الكريمِ ، يُفيدُ بأنَّ أَيُّوبَ ، عليهِ السلامُ ، كانَ نبياً أو رسولاً ، ولكنَّ اسمَهُ قد وَرَدَ معَ أسماءِ النبيينَ والرُّسُلِ الذينَ ذُكِرُوا في الآيةِ الكريمةِ 4: 163. لكنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ذكرَ في الحديث الصحيحِ أنه كانَ نبياً ، كما يلي:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (النِّسَاءُ ، 4: 163).

عَنْ أنسٍ بنِ مالِكٍ ، رَضِيَ اللهُ عنهُما ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، قال: "إنَّ نبيَّ اللهِ أيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ثَمانيَ عَشرَةَ سنةً ، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ والْبَعِيدُ ، إلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إخْوَانِهِ ، كانا يَغْدُوَانِ إلَيْهِ وَيَرُوحانِ ..." (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في السلسلةِ الصحيحةِ: 17 ، وأخرجهُ البزارُ: 6333 ، وابن حِبان: 2898 ، والحاكمُ: 4115 ، باختلافٍ يسيرٍ).

20-25. ذَكَرَ لنا القُرآنُ الكريمُ أنَّ الذين حكموا بالتوراةِ ، التي أنزلت على رَسُولِ اللهِ ، مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، وحتى مَجِيءِ رَسُولِ اللهِ ، عيسَى ، عليهِ السلامُ ، كانوا مِنْ أنبياءِ الله ، سبحانهُ وتعالى ، كما جاء في الآيةِ الكريمةِ 5: 44. وينطبقُ ذلكَ على دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ والْيَسَعَ وزَكَرِيَّا ويَحْيَى  (الأنْعَامُ ، 6: 83-86) ، وذِي الْكِفْلِ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 85) ، عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعينَ. وأشارتْ الآيةُ الكريمةُ 17-55 إلى داوودَ ، عليهِ السلامُ ، على أنهُ مِمَّنْ فَضَّلَ اللهُ مِنَ النبيين.

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ... (الْمائدةُ ، 5: 44).

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (الإسْرَاءُ ، 17: 55).

***

لآدمَ وداوودَ ، عليهِما السلامُ ، خصوصيةٌ مِنْ بينِ الأنبياءِ. فقد تلقى آدمُ مِنْ رَبِّهِ كلماتٍ ، فتابَ عليهِ بعدما دعاهُ بها مُستغفراً. أما داوودُ ، فقد آتاهُ اللهُ الزبورَ ، أي الأناشيدَ الملحقةَ بالتوراةِ ، ليترنمَ بِها الناسُ في حَمْدِهِم وشُكْرِهِم للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وللتوبةِ إليهِ.

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 37).

وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (الإسْرَاءُ ، 17: 55).

أمَّا أولو العزمِ الخمسةِ مِنَ الرُّسُلِ ، فقد وردتْ الإشارةُ إليهِم في الآيةِ الكريمةِ 46: 35 ، وَتَمَّ ذِكْرُهُم في الآيةِ الكريمةِ 42: 13 مِنَ القرآنِ الكريمِ ، كما يلي:

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (الأحْقَافُ ، 46: 35).

شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ  (الشُّورَى ، 42: 13).

[4] تَبْلُغُ المسافةُ المحسوبةُ للسفرِ جواً مِنْ مكةَ المكرمةِ إلى القدسِ الشريفِ حَوَالَيْ 769 ميلاً. كما أنَّ أسرعَ طائرةٍ في العالَمِ اليومَ هِيَ x-43 ، التي صَنَعَتْهَا وكالةُ الفضاءِ الأميركيةِ (ناسا) ، والتي تطيرُ بسرعةِ 6,598 مِيلٍ في الساعةِ. وذلكَ يعني أنَّهُ يُمْكِنُ السفرُ جواً مِنْ مكةَ المكرمةِ إلى القدسِ الشريفِ في أقلِّ مِنْ سبعِ دقائقٍ (6 دقائقٍ و54 ثانيةٍ ، تحديداً). وهذهِ هيَ قُدْرَةِ الإنسانِ الآنَ ، فما بالكَ بمقدرتِهِ المستقبليةِ ، ومَقْدِرَةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، الذي أوكلَ القيامَ على رحلةِ الإسراءِ والمعراجِ لِشَدِيدِ الْقُوَى ، جبريلَ ، عليهِ السلامُ.

لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ أسرعِ الطائراتِ في العالَمِ ، أنظرْ المقالةَ التاليةَ:

https://militarymachine.com/fastest-military-jets/ 

المسافةُ المحسوبةُ للسفرِ جواً مِنْ مكةَ المكرمةِ إلى القدسِ الشريفِ حَوَالَيْ 769 مِيلاً:

https://www.distancecalculator.net/from-mecca-to-jerusalem

لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ السرعةِ الممكنةِ للسفرِ الإنسانيِّ في الفضاءِ ، أنظرْ المقالةَ التاليةَ:

http://www.bbc.com/future/story/20150809-how-fast-could-humans-travel-safely-through-space 

[5] أنظرْ مقالةَ محمد زغلول النجار عَنْ الإعجازِ العلميِّ في هذهِ الآية ِالكريمةِ ، على الرابطِ التالي:

 http://www.elnaggarzr.com/pg/51 / غلبت الروم

وانظرْ أيضاً مقالةَ سيسيليا هولاند (2018) ، بعنوان: "هِرَقْلْ يُرَكَّعُ فَارِسَ على رُكْبَتَيْهَا" ، التي تَذْكُرُ فيها المؤلِّفةُ هذهِ الآيةَ الكريمةَ وسَنَةَ هزيمةِ الرومِ ، أي 614 ميلادية ، وهيَّ على الرابطِ التالي:

http://www.historynet.com/heraclius-brings-persia-knees.htm   

[6] تُشِيرُ الآيةُ الْكَرِيمَةُ الأولى مِنْ سورةِ الإسْرَاءِ (17) ، في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، إلى رِحْلَةِ الإسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ ، التي أكرمَ بِها اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، خاتَمَ أنبيائِهِ ، مُحَمَّدَاً ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بأنْ أسرى بِهِ ليلاً مِنَ المسجدِ الحرامِ في مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ ، إلى الْمَسْجدِ الأقْصَى ، في بيتِ الْمَقْدسِ ، بِفِلِسْطِينَ. ثُمَّ صَعَدَ بِهِ جِبْرِيلُ ، عليهِ السلامُ ، إلى السماواتِ الْعُلَى ، وما بَعْدَها ، لِيُرِيَهُ رَبُّهُ بَعْضاً مِنْ آياتِهِ ، في كونِهِ الواسِعِ العظيمِ ، ولِيُؤَكِدَ التواصُلَ والاستمرارَ بينَ رِسالاتِهِ التي أنزلَها لِهُدى البشريةِ.

وَتُذَكِّرُ الآيةُ الثانيةُ بَني إسْرَائِيلَ باتباعِ أوامِرِ اللهِ ، التي أنزلتْ عليهِم مِنْ خلالِ رَسُولِ اللهِ ، مُوسَى ، عليهِ السلامُ.

وَتُذَكِّرُهُم الآيةُ الثالِثَةُ بأنَّهُم مِنْ ذُرِّيَّةِ المؤمنينَ ، الذينَ أنجاهُمُ اللهُ ، تَبَارَكَ وتعالى ، مَعَ نُوحٍ ، عليهِ السلامُ. كما أنَّ هذهِ الآيةَ رَدٌّ على خَطَئِ بعضِ المفسرينَ ، الذينَ قالوا بأنَّ البشرَ كُلَّهُم مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَحدَهُ.

[7] وَتُخْبِرُنا الآيةُ الرَّابِعةُ ، مِنْ سورةِ الإسْرَاءِ ، بِقَضاءِ اللهِ ، بِناءً على عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِالْمَاضي والْحاضِرِ والْمُسْتَقْبَلِ ، بِأنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ سَيُفْسِدُونَ فِي الأرضِ مَرَّتَيْنِ.   

وَقَدْ ذَكَرَ القرطبيُّ في معنى "لَتُفْسِدُنَّ" ، أي لَتَعْصُنّ اللهَ يا معشرَ بني إسرائيلَ ولتُخالفُنّ أمرَهُ ، وفي معنى :وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا" ، أي ولتستكبرنّ على الله باجترائكم عليه استكبارا شديدا. وأضافَ أبنُ كَثِيرٍ بأنهم كانوا يتجبرونَ ويطغونَ ويفجرونَ على الناسِ. وفَصَّلَ الطنطاويُّ ، في الْوَسِيطِ ، بأنَّ الإفسادَ هُوَ التكبرُ والتجبرُ والبغيُ والعدوانُ. ومِن مظاهرهِ تحريفهم للتوراة ، وتركهم العمل بما فيها من أحكام ، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.

وطبقاً لما جاءَ في كُتُبِهِم ، فإنَّ ملوكَهُم قد طغَوا وتجبروا بقتلِهم الكثيرَ مِنَ الناسِ الأبرياءِ ، كما أنهُم قد عبدوا آلهةً أخرى ، غيرَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وعَصَوا أوامرَ اللهِ ، وكفروا بعهدِهِ معَ أسلافِهم (كَمَا هوَ مُفَصَّلٌ في الْمَلاحِقِ الثلاثةِ لِهذِا الفصلِ).

***

وَيَزْخَرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِآياتٍ عديدةٍ عن إفسادِ بَني إسْرَائِيلَ في الأرضِ ، وعَنْ غَضَبِ اللهِ عليهِم ، نَتيجةً لِذلكَ ، مِثلِ الآياتِ الكريمةِ 4: 116 ، 5: 32 ، 2: 61 ، 2: 27 ، كما يلي:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (الْمَائِدَةُ ، 4: 116).

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (الْمَائِدَةُ ، 5: 32).

وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 61).

الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 27).

[8]  وَتُخْبِرُنا الآيةُ الرَّابِعةُ ، مِنْ سورةِ الإسْرَاءِ ، أيْضَاً ، بأنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِناءً على عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِالْمَاضي والْحاضِرِ والْمُسْتَقْبَلِ ، قَدْ قَضَى بِأنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ سَيَعْلُنَّ فِي الأرضِ عُلُوَّاً كَبيراً. وقد بدأَ ذلكَ الْعُلُوِّ في الظِّهورِ مَعَ انعقادِ المُؤتمرِ الصهيونيِّ العالَمِيِّ الأولِ ، في بازل ، بسويسرا ، في عامِ 1897 ، الذي تبنَّى مشروعَ إقامةِ إسرائيلَ على أنقاضِ فلسطين. ولتحقيقِ ذلكَ الهدفِ ، حاولَ قادةُ الحركةِ الصهيونيةِ ، بقيادةِ هِرْتْسِل ، الحُصولَ على تأييدِ السلطانِ العُثمانيِّ ، عَبْدُ الْحَمِيد ، لمشروعِهِم ، لكنَّهُ رَفَضَ ذلكَ. عِندَها ، تَوَجَهُوا إلى بريطانيا ، التي وافقت حُكومَتُها على مُساعَدَتِهِم ، في تحقيقِ هَدَفِهِم ، بإصدارِ وَعْدِ بَلْفور ، في عامِ 1917 ، في مُقابِلِ الدَّعمِ الماليِّ الصهيونيِّ لبريطانيا وحُلفائِها ، في الحربِ العالَميةِ الأولى. وانضمتْ الولاياتُ المتحدةُ الأميرِكيةُ إلى بريطانيا في تأييدِها للمشروعِ الصهيونيِّ ، بتبني وَعْدِ بَلفور وَصَكِّ الانتدابِ الهادِفِ إلى تَحقيقِهِ ، في عامِ 1922. ومُنذُ ذلكَ الحينِ ، اعتمدَ الصهاينةُ على الولاياتِ المتحدةِ وحلفائِها الأوروبيينَ ، ليسَ فقط في إقامَةِ إسرائيلَ ، بَلْ في عُلُوِّهِم المُتَصاعِدِ في الأرضِ.

وَمِنْ الأمثلةِ الْمُعاصِرَةِ لِلْعُلُوِّ الصهيونيِّ في الأرضِ ، الْمَدَدِ الماليِّ والعسكريِّ الْمُسْتَمِّرِّ مِنَ الولاياتِ المُتحدةِ وحليفاتِها الأوروبياتِ ، خاصةً المملكةِ المتحدةِ ، وفرنسا ، وألمانيا ، وإيطاليا ، للنظام الإسرائيلي الاحتلالي العنصري ، أثناءَ حربِ الإبادةِ التي شَنَّها على الشعبِ الفلسطينيِّ ، في قطاعِ غزَّةَ ، طيلةَ عامَيِّ 2023-2025. كذلكَ ، فإنَّ الْكَيانَ الإسرائيليَّ قد تَلَقَّى دعماً كبيراً مِنْ الدولِ المُجاورةِ لهُ ، التي قدمتْ لهُ ما كانَ يحتاجُهُ مِنْ طعامٍ وخدماتٍ ومعلوماتٍ وبضائعٍ. أمَّا باقي الحُكوماتِ في العالَمِ ، فقد كانتْ تُشاهدُ الإبادةَ تُرتكَبُ يومياً ، بِحَقِّ الشعبِ الفلسطينيِّ الأعزلِ ، مِنْ أطفالٍ ونِساءٍ وشيوخٍ ورجالٍ ، دونَ اتخاذِ أيِّ إجراءٍ عَمَلِيٍّ لِوَقْفِها. وقد وصلَ تِعدادُ تلكَ الإبادَةِ إلى 71500 شهيدٍ ، و 171365 جريحٍ ، بحلولِ التاسعَ عَشَرَ مِنْ يناير 2026. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ التدميرَ الإسرائيليِّ الشاملَ لِمَظاهِرِ الحياةِ في غزَّةَ ، جَعَلَ الباقينَ على قيدِ الحياةِ هُناكَ يعيشونَ في عذابٍ مُستمرٍّ ، نتيجةً للجوعِ والبردِ وتفشي الأمراضِ ، بِسَبَبِ الحصارِ الإسرائيليِّ الذي يَمنعُ وصولَ المُساعداتِ الإنسانيةِ بكمياتٍ كافيةٍ.

[9]  وَتُشِيرُ الآيةُ الْخامِسَةُ مِنْ سُورَةِ الإسْرَاءِ إلى عِقابِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لبني إسْرائيلَ ، على فَسادِهِم الأوَّلِ ، في الأرضِ. وقد حدثَ ذلكَ في عامِ 586\587 قَبْلَ الميلادِ ، على يَدِ الْمَلِكِ البابِلِيِّ نَبُوخَذْ نِزارِ (نَبُوخَذْ نَصْر، بُختنَصْر) الثاني ، الذي جاسَ (اجْتاحَ) خِلالِ دِيارِهِم ، في فِلِسْطِينَ ، وَدَمَّرَ مَعبَدَهُم في الْقُدسِ ، وأخّذَ مَلِكَهُم ، صِدِيقْيا ، وبِطانَتَهُ مِنْ قادَةٍ ورِجالِ دينٍ أسْرى إلى عاصِمَتِهِ ، بابل (لِمَزِيدٍ مِنَ التَّفصِيلِ عَنْ الْفسَادِ الأوَّلِ لِبَنِي إسْرائيلَ ، وعِقابِ اللهِ لَهم على ذلكَ ، أنْظُرْ الْمُلْحَقَيْنِ الأوَّلَ والثَّاني ، في نِهايَةِ هذهِ الْمُقَدِّمَةِ).

ولمْ يَجِدْ الْمُفسرونَ الثلاثةُ الكِبارُ ، الطَّبَرِيُّ والْقُرْطُبِيُّ وابنُ كَثِيرٍ ، مُشْكِلَةً في الإشارةِ إلى أنَّ الْمَلِكَ البابليَّ نَبُوخَذْ نِزارِ الثاني وجنودَهُ هُم المقصودونَ بِوَصْفِ اللهِ ، عّزَّ وَجَلَّ ، لَهُم بِأنَّهُم عِبَادُهُ ، في الآيةِ الكريمةِ. كذلكَ فعلَ كثيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرينَ الْمُعَاصِرينَ ، مثلُ الطَّاهِرِ بِنْ عاشور. لكنَّهُ ذَكَرَ أنَّ كَلِمةَ "عِبادٍ" تُشيرُ إلى الْبَشَرِ عُموماً ، المملوكينَ للهِ ، تَبارَكَ وَتَعَالَى. وَجَانَبَهُ الصَّوابُ أيضاً في ذِكْرِهِ بِأنَّ الْعِقابَ الثانيَ لِبَني إسرائيلَ قد وقعَ على يَدِ الرُّومانِ ، في الْقَرْنِ الأوَّلِ الْمِيلادِيِّ. وذلكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، لأنَّ بَنِي إسْرائيلَ آنَذَاكَ كانوا ضِعافاً ، ولمْ يكنْ لَهُمْ عُلُوٌّ في الأرضِ ، كما هوَ الحالُ لَهُمُ الآنَ.

وَهُناكَ بعضُ الْمُفَسِّرينَ الْمُعَاصِرينَ ، الذينَ خالَفوا هذا التفسيرِ ، مثلُ مُتَوّلِّي الشَّعْرَاويِّ ، الذي قالَ بأنَّ المقصودَ بِكَلِمَةِ "عِبادٍ" هُمُ الْمُسْلِمُونَ ، بِقِيادَةِ الْخَليفَةِ عُمَرٍ بنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وذلكَ غَيْرُ صَحِيحٍ أيضاً ، لأنَّ فِلِسْطِينَ وبَيْتَ الْمَقْدِسِ كانتا تَحْتَ حُكْمِ الْمَسِيحِيينَ آنَذاكَ ، وليسَ حُكْمُ بَني إسْرَائيلَ.

والكلمةُ الْفَصْلُ في هذا الشأنِ هِيَ فيما نَجِدُهُ في كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، الذي قالَ لنا: "تَرَكْتُ (خَلَّفْتُ) فِيكُم شَيْئَينِ ، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُما: كِتابَ اللهِ ، وسُنَّتي. وَلَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضِ" (رَوَاهُ أبو هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وصَحَحَهُ الألْبَانِيُّ ، في صَحِيحِ الْجَامِعِ: 2937 ، و 3232).

وهَكَذا ، وبِالنَّظَرِ إلى ما جاءَ في الْقُرْآنِ الكريمِ والحديثِ الشريفِ ، فإننا نَجِدُ أنَّ كَلِمَةَ "عِبَادٍ" ، يَرْتَبِطُ مَعْناها "بِالْعِبَادةِ." جاءَ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ في ارْتِباطِ كَلِمَتَيِّ "عَبْدٍ" و "عِبَادَةٍ" الْمَذْكُورَتَيْنِ في الآيةِ الكريمةِ 4: 172 ، مِنَ الْقُرْآنِ الكريمِ ، وكذلكَ في الْحَديثِ الشريفِ الذي رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةٍ ، رَضِيَ اللهُ عنهُ. وَمِنْ ثّمَّ ، فإنَّ وَصْفَ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، للذينَ اجتاحوا فِلِسْطِينَ ، وعاقبوا بَنِي إسرائيلَ على إفسادِهِم الأوَّلِ بأنَّهُم كانوا عِبادَاً للهِ ، يَعْنى أنهم كانوا يَعْبُدونَهُ (واللهُ أعْلَمُ).

أمَّا عِنْدَما أشارَ اللهُ ، تَبارَكَ وَتَعَالَى ، لِمَعْنَىً آخَرَ لِكَلِمَةِ "عَبْدٍ" ، فإنَّهُ جَلَّ وَعَلا ، قال: "عَبْداً مَمْلُوكَاً" ، كما جاءَ في الآيةِ الْكَرِيمَةَ 16: 75 ، لِيُمَيِّزَهُ عَنْ "عَبْدِهِ" الذي يَعْبُدُهُ ، وذلكَ كما يَلِي:

لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 172).

عنِ المغيرة ِ بنِ شعبةٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ روى عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، أنها قالتْ: "قامَ النَّبيُّ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، حتَّى تورَّمَت قدماهُ. فقيلَ لَهُ: قد غَفرَ اللَّهُ لَكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. قالَ: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا."

(صححهُ الألباني ، في صحيحِ الترغيبِ: 619 ، وأخرجه البخاري: 4836 ، ومسلم: 2819 ، والنسائي: 1644 ، واللفظ له ، وابن ماجه: 1419 ، وأحمد: 18198 ، والترمذي: 412 ، باختلافٍ يسير. وفي روايةِ مسلم: 2820 ، أنَّ أمَّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، هيَ التي سألتهُ).

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ (النَّحْلُ ، 16: 75).

***

وَتَارِيخِيَّاً ، فَإنَّ الْبابِلِيينَ كانوا يُؤمِنونَ بِبَعْضِ التعاليمِ الإسلاميةِ ، التي وَرَدَ ذِكْرُها في القُرآنِ الكريمِ ، وكُتُبِ أهْلِ الْكِتابِ مِنْ قَبْلِهِ. فَالْمَلِكُ البابِلِيُّ ، نَبُوخَذْ نِزارِ (نَبُوخَذْ نَصْر، بُختنَصْر) الثاني ، وَجَيْشُهُ ، الذينَ دَمَّرُوا الدَّوْلَةَ الإسْرَائِيلِيَّةِ الأولَى ، كانوا يُمَثِّلُونَ الْمَرْحَلَةَ الأخِيرَةَ مِنَ الْحَضارَةِ الْبابِلِيَّةِ ، التي بَدَأتْ بِأكْثَرَ مِنْ ألْفٍ وخَمَسْمائةِ عامٍ قَبْلَهُم. فقد عُرِفَ الْبابِلِيُّونَ الأقْدَمُونَ بِأنَّه كانتْ لَدَيْهِم مَجْموعةُ قَوانينَ يَحْكُمُ بها الْمَلِكُ "عُرَاق جينا." وَبَعْدَهُ بِحَوَالِيِّ خَمَسْمائةِ عامٍ ، حَكَمَ حَمُورابِي (1795-1750) بابِلَ بِمَجْموعةِ مِنَ الْقَوانينَ ، التي أصْبَحَتْ مُرْتَبِطَةً باسْمِهِ ، والتي كانتْ تَعْتَمِدُ على مَبْدَأ الْمُساواةِ في الْعُقُوبَةِ ، تَمامَاً مثْلَما جاءَ في الآيتينِ الكريمتينِ 16: 126 و 5: 45.

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (النَّحْلُ ، 16: 126).

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 45).

[10] وَتَتَضَمَّنُ الآيةُ السَّادِسَةُ مِنْ سُورَةِ الإسْرَاءِ ذِكْرَ قَضاءِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لبني إسْرائيلَ ، بأنَّ الْكَرَّةَ سَتَعُودُ لَهُم على أعْدَائِهِم. وقد حَدَثَ ذَلِكَ بالفعلِ ، بَعْدَ حوالِي 2483 سَنًةٍ مِنْ دَمارِ دَوْلَتِهِم الأولى.

فَمُنْذُ عامِ 1897 لِلْمِيلادِ ، وحتَّى الآنَ (2026) ، تَمًكَّنتْ الحركةُ الصِّهيونيةُ الْعالَمِيةُ ، التي تُمَثِّلُ بَنِي إسْرائيلَ ، مِنَ هَزيمَةِ أعدائِهِم ، مِنْ خِلالِ سِيْطَرَتِهِا على النِّظامِ العالَمِيِّ ، الذي مَكَّنَّها مِنْ إقامةِ دَوْلَةِ الاحتلالِ الْعُنصُري الإسْرَائيليِّ في فِلِسْطِينَ ، ومِنْ الْهَيْمَنَةِ على الشرقِ الأوسطِ كُلِّهِ.     

وقد نَتَجَ عَنْ هذهِ الْكَرَّةِ لبني إسرائيلَ على أحفادِ شُعُوب الإمبراطوريةِ البابليةِ ، اغتصابُهُم لِفِلِسْطِينَ (1917-1948) ، مِنْ خلالِ قرارِ التقسيمِ في عامِ 1947 ، وحَرْبِ النكبةِ في عامِ 1948 ، واتفاقياتِ الهُدنةِ في عامِ 1949 ، ثُمَّ الاحتلالِ الكاملِ لِفِلِسْطِينَ في عامِ 1967.

كَما تَمَكَّنَ الكيانُ الإسرائيليُّ ، بفضلِ المُساعداتِ الأميرِكيةِ والأوروبيةِ ، مِنْ شَنِّ حُروبٍ مُتَتَابِعَةٍ على الشُّعوبِ العربيةِ وغيرِ العربيةِ ، في أرجاءِ الشرقِ الأوسطِ ، بِهَدَفِ تحقيقِ الْحُلْمِ الصهيوني في إقامَةِ إسرائيلَ الكبرى ، مِنَ النِّيلِ إلى الْفُراتِ. فقامتْ إسرائيلُ بِشَنِّ حَرْبٍ على مِصْرَ وغَزَّةَ في عامِ 1956 ، وعلى مِصْرَ وغَزَّةَ والأردُنِّ وسورِيَّا في عامِ 1967 ، وعلى جَنُوبِ لُبْنانَ في عام 1978 ، وعلى لُبنانَ كُلِّهِ ، بما في ذلكَ العاصمةِ بيروتَ في عامِ 1982 ، وعلى الشعبِ الفلسطينيِّ في الضَّفَّةِ الْغرْبِيَّةِ وقِطاعِ غزَّةَ خلالَ الانتفاضَةِ الأولى في الأعوامِ 1987-1993 ، والانتفاضَةِ الثانيةِ في الأعوامِ 2000-2004 ، وعلى لُبنانَ لِلْمَرَّةِ الثالثةِ في عامِ 2006.

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، تَعَرَّضَ الشَّعْبُ الْعَرَبِيُّ الفلسطينيُّ في قِطاعِ غَزَّةَ لسلسلةٍ مِنَ الحروبِ الْجَوِّيَّةِ ، التي كانتْ تهدفُ إلى إخضاعِ مُنَظَماتِ الْمُقاوَمِةِ فيهِ ، وذلكَ في الأعوامِ 2007-2008 ، 2014 ، وَ 2021. ثُمَّ قامَ النِّظامُ الإسرائيليُّ الاحتلاليُّ الْعُنْصُرِيُّ ، بِشَنِّ حَرْبِ الإبادةِ على القِطاعِ ، طيلةِ عامينِ كامِلينِ (أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025) ، وبِدَعْمٍ كامِلٍ مِنَ الولاياتِ الْمُتَّحِدةِ وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ، بالإضافةِ إلى العديدِ مِنْ دولِ الشرقِ الأوسطِ المُجاوِرَةِ لَهُ.

وفي نَفْسِ الوقتِ ، قامَ النِّظامُ الإسرائيليُّ الاحتلاليُّ الْعُنْصُرِيُّ ، بِمُساعدةٍ مُطلقةٍ مِنْ مُسانِديهِ الْمَذكورينَ أعلاهُ ، بِشَنِّ حُرُوبٍ على إيرانَ ولُبنانَ والْيَمَنِ ، أثناءَ حَرْبِ الإبادةِ التي شَنَّها على قِطاعِ غَزَّةً. كما قام بِشَنِّ حَرْبٍ أخرَى على الشَّعْبِ الْعَرَبِيِّ الفلسطينيِّ في الضفةِ الغربيةِ ، قَتَلَ فيها المئاتِ وخطفَ وجرحَ الآلافَ ، وشَرَّدَ عشراتِ الآلافِ بَعْدَ هَدْمِ مَنَازِلِهِم ، والاستيلاءِ على أراضيهِم وممتلكاتِهِم ، لبناءِ المُستوطناتِ غيرِ الشرعيةِ عليها ، خاصةً في جنينَ وطولكَرمٍ ونابلُس.

وَقامَ النِّظامُ الإسرائيليُّ الاحتلاليُّ الْعُنْصُرِيُّ أيضاً بِتَنْفِيذِ العديدِ مِنَ عَمَلِيَّاتِ الاغتيالِ ، التي طالَتْ السياسيينَ والعسكريينَ والعُلماءَ والصحفيينَ ، فلسطينيينَ وعَرَبَاً وغيْرَ غَرَبٍ ، في بُلدانٍ كثيرةٍ ، خاصةً في فلسطينَ ولُبنانَ وسوريَّا والعراقِ واليمنِ وتونُسَ وقَطَر ، على مّرِّ سنواتِ وجُودِهِ الْمَشْؤمِ.

[11] تُخْبِرُ الآيةُ السابعةُ مِنْ سورةِ الإسْرَاءِ بني إسرائيلَ أنَّ اللهَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قد أعطاهُم الفرصةَ ، عِنْدَ عُلُوِّهِم في الأرضِ ، في أنْ يُحْسِنُوا لأنفسِهِم ولِغيرِهِم ، بالقيامِ بأعمالِ الخيرِ ، بما يُفيدُ خَلْقَهُ على الأرضَ. فإنْ فعلوا ذلكَ ، فإنَّهُ يعودُ عليهِم برضى الله وبِحُبِّ الناسِ لَهم. لكنَّهم إنْ أسَاؤوا لأنفسِهِم ولِغيرِهِم ، بِقيامِهِم بِشَرِّ الأعمالِ ، فإنَّهم سَيَجْلِبونَ على أنْفُسِهِم سَخَطَ اللهِ وكُرْهِ الناس لهم.

وبما أنَّهُم قد أساؤوا للبشريةِ فِعْلاً ، بإشاعةِ الْفَسادِ في الأرضِ ، وبالحروبِ ، وسفكِ دِماء الأبرياءِ ، وتخريبِ الْعُمْرَانِ ، فإنِّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَ ، قد قَضَى بِعِقَابِهِم المحتومِ في هذهِ الدُّنْيا ، قَبْلَ الآخِرَةِ ، وذلكَ بانتصارِ أعدائهِم عليهِم ، وإذلالِهِم ، وتدميرِ ما اسْتَحْوَذُوا عليهِ ظُلْماً وعدواناً ، مِنْ أموالِ وممتلكاتِ عِبادِ اللهِ الصالحينَ.

[12] تُحَذِّرُ الآيةُ الثامِنَةُ مِنْ سورةِ الإسراءِ بني إسرائيلَ بألَّا يعودوا للإفسادِ في الأرضِ بعدَ تدميرِ دولَتِهِم وإنهاءِ عُلُوِّهِم في الأرضِ. فإنْ حَاوَلُوا الْعَوْدَةَ لِلإفْسَادِ ، فإنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَ ، سَيَعودُ لِعِقابِهِم. وهكذا ، فإنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تُشِيرُ إلى أنَّ تدميرَ الكيانِ الفاسدِ ، الذي أنشَأَهُ بنو إسْرَائيلَ ، لا يؤدِّي إلى أحداثِ اليومِ الآخِرِ ، ونِهايةِ الحياةِ على الأرض ، أي أنَّهُ ليسَ مِنْ علاماتِ الساعةِ الكُبرى ، كما يزعُمُ بعضُ أهلِ الكتابِ.

[13] تحققتْ نبوءَةُ إلحاقِ المسلمينَ الهزيمةَ بالدولةِ الفارسيةِ أولاً في عهدِ الخليفةِ عثمانَ بنِ عفانَ ، رضيَ اللهُ عنهُ. ثم هزمَ المسلمونَ البيزنطيينَ في اليرموكَ أولاً ، ثُمَّ في عهدِ الخليفةِ محمدٍ الفاتحِ ، رحمهُ اللهُ ، الذي فتحَ القسطنطينيةَ في عامِ 1453 للميلاد ، وبذلك انتهى حُكْمُ قياصرةِ الرومِ البيزنطيينَ إلى الأبد. والحديثُ الشريفُ المتضمن لهذه النبوءة رواهُ أيضاً جابرٌ بنُ سمرةٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وأخرجَهُ البخاريُّ: 3121 و3618 ، ومسلمُ: 2919 ، وصححهُ الألبانيُّ: 846. ولمزيد من التفصيلِ عنْ معنى هذا الحديثِ الشريفِ ، أنظرْ مقالةَ محمد إبراهيم السعيدي: "حديثُ إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَهُ: بيانٌ ورفعُ إشكالٍ" ، على الرابطِ التالي:

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال | مركز سلف للبحوث والدراسات (salafcenter.org)

[14] وقدْ ذُكِرَ هذا الحديثُ الشريفُ (عَنْ تَطَاوُلِ الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشاءِ في البنيان) كاملاً في بدايةِ الفصلِ الثاني مِنْ الكتابِ الأولِ في هذهِ السلسلةِ ، لهذا المؤلِّفِ (الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ) ، وهوَ بعنوانِ: "مُسْتَوَيَاتُ العَقِيدَةِ الثَّلَاثِ: الإسْلامُ وَالإيمَانُ وَالإحْسَانُ." وهو حديثٌ صحيحٌ ، صححهُ الألبانيُّ في صحيحِ الجامعِ: 2672 ، وأخرجَهُ مسلمُ: 8 ، وأبو داودُ: 4695 ، والترمذيُّ: 2610 ، والنسائيُّ: 4990 ، وابنُ ماجه: 63 ، وأحمدُ: 367 ، باختلافٍ يسيرٍ بينهم.

ويمكنُ تطبيقُ هذهِ النبوءةِ أيضاً على الجماعاتِ السُّكانيةِ التي كانتْ تعيشُ في غاباتِ الأمازون ، والتي كانَ أفرادُها عُراةً تماماً ، مثل اليانومامو. وبعدَ اكتشافِ النِّفطِ والمعادِنِ الأُخرى هناكَ في القرن العشرين الميلاديِّ ، نشأتْ مدنٌ ضخمةٌ ذاتَ مبانٍ عاليةٍ ، انتقلَ كثيرٌ منهم للعيشِ فيها ، مثلَ مدنِ مَناوس وسنتارِم وبيلِم في ، البرازيل. والمعنى العامُّ لهذهِ النبوءةِ أنَّ العِمارةَ والتقدمَ التقني سينتشرُانِ في كافةِ أرجاءِ المعمورةِ ، حتى أفقرِها.

أمَّا الشِّقُّ الأولُ مِنَ النبوءةِ (أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَها) ، فقد وردَ شرحٌ لها في موقع "دُرَرٍ" ، مؤداهُ أنْ تَلِدَ الأمَةُ المَملوكَةُ رَبَّتَها. وقيلَ إنَّ ذلكَ قد حدثَ بعدَ كثرةِ الفُتوحِ ، وجَلبَ الرَّقيقِ ، فكانت المرأةُ تُجلَبُ من بلادِ غيرِ المسلمينَ صَغيرةً ، فتُعتَقَ في بَلدِ الإسلامِ ، ثمَّ تُجلَبُ أُمُّها بعدَها ، فتَشتريَها البِنتُ وتَستخدِمَها ، جاهلةً كَونَها أُمَّها.

[15] الحديثُ الشريفُ المتضمِّنُ للنبوءاتِ السِّتِّ أخرجَهُ البخاريُّ: 7121 ، 1036 ، وصححهُ الألبانيُّ: 7428 ، ولكنْ بِخَمْسِ نُبُوءَاتٍ ، أي بدونِ ذِكْرِ النبوءةِ الأخيرةِ (حتى يَكْثُرَ فيكم المالُ ، فيَفيضُ).

[16] الحديثُ الشريفُ المتضمِّنُ لنبوءةِ عودةِ شبهِ الجزيرةِ العربيةِ إلى ما كانتْ عليهِ مِنْ مُروجٍ وأنهارٍ صححهُ الألبانيُّ: 50 ، وأخرجّهُ البخاريُّ: 1036 ، وابنُ ماجه: 4047 ، ومسلمُ: 157 ، وأحمدُ: 8833 ،

أنظرْ البحثَ الذي نشرَهُ آش بارتون وآخرون ، عن التاريخِ الجيولوجي للجزيرةِ العربيةِ ، في العددِ 43 من مجلةِ الجيولوجيا ، المجلدِ الرابعِ ، الصفحات 295-298 (2015) ، بعنوانِ:

"Alluvial fan records from southeast Arabia reveal multiple windows for human dispersal.”

https://pubs.geoscienceworld.org/gsa/geology/article-abstract/43/4/295/131827/alluvial-fan-records-from-southeast-arabia-reveal?redirectedFrom=fulltext

وقد لخصَّ مايكل مارشال نتائجَ بحثِ بارتون ، وذكرَ أنَّ شبهَ الجزيرةِ العربيةِ كانتْ تَعُجُّ بالمروجِ والأنهارِ قبلَ حوالي 23 ألفَ سنةٍ ، وذلكَ في مقالتِهِ الموجودةِ على الرابطِ التالي:

http://www.bbc.com/earth/story/20150223-arabia-was-once-a-lush-paradise

أنظرْ أيضاً شرحَ زغلولٍ النجار لحديثِ "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ ... حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا" ، على الرابطِ التالي:

 http://www.elnaggarzr.com/pg/483/أرض%20العرب%20مروجا%20وأنهارا.html

[17] الحديثُ الشريفُ المتضمِّنُ لنبوءةِ ظهورِ المهديِّ أخرجَهُ أبو داودَ ، 4285 ، والحاكمُ: 8670 ، وصحَّحهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 6736.

[18] الحديثُ الشريفُ المتضمِّنُ للنبوءاتِ العشرِ ، التي تُعتبرُ مِنْ علاماتِ الساعةِ الكبرى ، بما فيها نزولِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، أخرجُه مسلمُ: 2901 ، وأبو داودَ: 4311 ، ولكنْ بترتيبٍ مختلفٍ للنبوءاتِ ، وصححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 1635 ، وعن صحيحِ ابنِ ماجه: 3282 ، 3294 ، وصحيحِ الترمذيِّ: 2183.

[19] الحديثُ الشريفُ المتضمِّنُ لنبوءةِ ظُهورِ المهديِّ وخُرُوجِ الدَّجَّالِ ونُزولِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، رواهُ النَّواسُ بنُ سَمعانَ وكذلكَ أبو أمامةَ الباهليِّ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، وأخرجَهُ مسلمُ: 2937 ، في صحيحهِ. وصححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 7875 ، وأخرجَهُ أبو داودَ: 4322 ، بنحوهِ مختصراً ، وابنُ ماجه: 4077 ، باختلافٍ يسيرٍ.

أنظرْ مقالةَ محمدٍ بنِ عبدِ السلامِ ، "صِدْقُ نُبُوءَاتِ النَّبِيِّ" ، التي نشرَها على شبكةِ الألوكةِ عام 1434 هجرية \ 2013 ميلادية ، والتي تَذْكُرُ هذهِ الأحاديثِ ، وتقدمُ شرحاً مختصراً لها ، وهي على الرابطِ التالي:

https://www.alukah.net/sharia/0/50918/

وكذلك مقالةَ "نُبُوءَاتُ النَّبِيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ" ، على الرابطِ التالي:

http://www.alsiraj.net/prophecy/html/page00.html

وأيضاً كتابَ "نبوءاتُ الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّم: دروسٌ وعبرٌ" ، في أربعِ مجلداتٍ (2064 صفحة) ، من تأليفِ عبد الستار الشيخ ، الذي نشرَتهُ وزارةُ الأوقافِ والشئونِ الإسلاميةِ في قطر ، عام 1433 هجرية ، 2012 ميلادية. وهوَ موجودٌ على الرابطِ التالي:

 https://www.moswrat.com/books_view_27593.html 

نَصُّ الحديثِ الشريفِ:

عَنْ أبي أمامةَ الباهليِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "يا أَيُّها الناسُ ! إنها لم تكن فتنةٌ على وجهِ الأرضِ ، منذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدمَ أَعْظَمَ من فتنةِ الدَّجَّالِ ، وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لم يَبْعَثْ نبيًّا إلا حَذَّرَ أُمَّتَه الدَّجَّالَ ، وأنا آخِرُ الأنبياءِ ، وأنتم آخِرُ الأُمَمِ. وهو خارجٌ فيكم لا مَحالةَ ، فإن يخرجْ وأنا بين أَظْهُرِكم ، فأنا حَجِيجٌ لكلِّ مسلمٍ. وإن يخرجْ من بَعْدِي ، فكلٌّ حَجِيجُ نفسِه ، واللهُ خَلِيفَتِي على كلِّ مسلمٍ. وإنه يخرجُ من خُلَّةٍ بين الشامِ والعراقِ ، فيَعِيثُ يمينًا وشمالًا.

يا عبادَ اللهِ! أَيُّها الناسُ! فاثبُتوا. فإني سأَصِفُه لكم صفةً لم يَصِفْها إياه قبلي نبيٌّ. يقولُ: أنا ربُّكم ، ولا تَرَوْنَ ربَّكم حتى تَمُوتُوا. وإنه أَعْوَرُ ، وإنَّ ربَّكم ليس بأَعْوَرَ. ، وإنهُ مكتوبٌ بين عَيْنَيْهِ: كافرٌ ، يقرؤُه كلُّ مؤمنٍ ، كاتِبٌ أو غيرُ كاتِبٍ. وإنَّ من فتنتِه أنَّ معه جَنَّةً ونارًا ، فنارُه جنةٌ ، وجنتُه نارٌ. فمَن ابتُلِيَ بنارِه فلْيَسْتَغِثْ باللهِ ، ولْيَقْرَأْ فواتِحَ الكهفِ.

وإنَّ من فتنتِه أنْ يقولَ للأعرابيِّ: أرأيتَ إن بَعَثْتُ لك أباك وأمَّك ، أَتَشْهَدُ أني ربُّك؟ فيقولُ: نعم. فيتمثلُ له شيطانانِ في صورةِ أبيه وأمِّه ، فيقولانِ: يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ ، فإنه ربُّك. وإنَّ من فتنتِه أن يُسَلَّطَ على نفسٍ واحدةٍ فيَقْتُلُها ، يَنْشُرُها بالمِنْشارِ حتى تُلْقَى شِقَّيْنِ ، ثم يقولُ: انظُرُوا إلى عَبْدِي هذا ، فإني أَبْعَثُه ثم يَزْعُمُ أنَّ له ربًّا غيري. فيبعثُه اللهُ ، ويقولُ له الخبيثُ: مَن ربُّك؟ فيقولُ: رَبِّيَ اللهُ ، وأنت عَدُوُّ اللهِ ، أنت الدَّجَّالُ ، واللهِ ما كنتُ قَطُّ أَشَدُّ بصيرةً بك مِنِّي اليومَ.

وإنَّ من فتنتِه أن يأمرَ السماءَ أن تُمْطِرَ ، فتُمْطِرُ ، ويأمرَ الأرضَ أن تُنْبِتَ ، فتُنْبِتُ. وإنِّ من فتنتِه أن يَمُرِّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه ، فلا يَبْقَى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَت. وإنَّ من فتنتِه أن يَمُرَّ بالحيِّ ، فيُصَدِّقونه ، فيأمرُ السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرُ ، ويأمرُ الأرضَ أن تُنْبِتَ فتُنْبِتُ ، حتى تَرُوحَ مَواشِيهِم من يومِهِم ذلك أَسْمَنَ ما كانت ، وأَعْظَمَه ، وأَمَدَّه خَواصِرَ وأَدَرَّهُ ضُروعًا.

وإنه لا يَبْقَى شيءٌ من الأرضِ إلا وَطِئَه وظَهَر عليه ، إلا مكةَ والمدينةَ ، لا يأتِيهِما من نَقَب من أنقابِهِما إلا لَقِيَتْهُ الملائكةُ بالسيوفِ صَلْتَةً ، حتى يَنْزِلَ عند الضَّرِيبِ الأحمرِ ، عند مُنْقَطَعِ السَّبَخةِ ، فتَرْجُفُ المدينةُ بأهلِها ثلاثَ رَجْفاتٍ ، فلا يَبْقَى فيها منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه ، فتَنْفِي الخبيثَ منها ، كما يَنْفِي الكيرُ خَبَثَ الحديدِ ، ويُدْعَى ذلك اليومُ يومَ الخَلَاصِ.

قيل: فأين العربُ يَوْمَئِذٍ؟ قال: هم يَوْمَئِذٍ قليلٌ ، وإمامُهم رجلٌ صالحٌ. فبَيْنَما إمامُهم قد تَقَدَّم يُصَلِّي بهِمُ الصُّبْحَ ، إذ نزلَ عليهم عيسى ابنُ مريمَ الصُّبْحَ ، فرجع ذلك الإمامُ يَنْكُصُ يَمْشِي القَهْقَرَى ليتقدمَ عيسى. فيضعُ عيسى يدَه بين كَتِفَيْهِ ، ثم يقولُ له: تَقَدَّمْ فَصَلِّ ، فإنها لك أُقِيمَتْ. فيُصَلِّى بهم إمامُهم.

فإذا انصرف ، قال عيسى: افتَحوا البابَ. فيَفْتَحُونَ ووراءَه الدَّجَّالُ ، معه سبعونَ ألفَ يهوديٍّ ، كلُّهم ذو سيفٍ مُحَلًّى وسَاجٍ. فإذا نظر إليهِ الدَّجَّالُ ، ذاب كما يذوبُ المِلْحُ في الماءِ. وينطلقُ هاربًا ، فيُدْرِكُه عند بابِ لُدٍّ الشرقيِّ ، فيقتلُهُ. فيَهْزِمُ اللهُ اليهودَ ، فلا يَبْقَى شيءٌ مِمَّا خلق اللهُ ، عَزَّ وجَلَّ ، يَتَواقَى به يهوديٌّ ، إلا أَنْطَقَ اللهُ ذلك الشيءَ ، لا حَجَرٌ ولا شجرٌ ولا حائطٌ ولا دابةٌ ، إلا الغَرْقَدَةُ ، فإنها من شَجَرِهِم لا تَنْطِقُ ، إلا قال: يا عبدَ اللهِ المسلمَ ، هذا يهوديٌّ فتَعَالَ اقتُلْه.

فيكونُ عيسى ابنُ مريمَ في أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا ، وإمامًا مُقْسِطًا ، يَدُقُّ الصليبَ ، ويَذْبَحُ الخِنْزيرَ ، ويضعُ الجِزْيةَ ، ويتركُ الصدقةَ ، فلا يُسْعَى على شاةٍ ولا بعيرٍ. وتُرْفَعُ الشحناءُ والتباغُضُ ، وتُنْزَعُ حِمَةُ كلِّ ذاتِ حِمَةٍ ، حتى يُدْخِلَ الوليدُ يدَه في فِيِّ الحَيَّةِ ، فلا تَضُرُّه ، وتَضُرُ الوليدةُ الأسدَ فلا يَضُرُّها ، ويكونُ الذئبُ في الغنمِ كأنه كلبُها ، وتُمْلَأُ الأرضُ من السِّلْمِ كما يُمْلَأُ الإناءُ من الماءِ ، وتكونُ الكلمةُ واحدةً ، فلا يُعْبَدُ إلا اللهُ ، وتضعُ الحربُ أوزارَها ، وتُسْلَبُ قريشٌ مُلْكَها ، وتكونُ الأرضُ كفاثورِ الفِضَّةِ ، تُنْبِتُ نباتَها بعَهْدِ آدمَ حتى يجتمعَ النَّفَرُ على القِطْفِ من العنبِ فيُشْبِعُهم ، ويجتمعُ النَّفَرُ على الرُّمَّانةِ فتُشْبِعُهم ، ويكونُ الثُّوْرُ بكذا وكذا وكذا من المالِ ، ويكونُ الفَرَسُ بالدُّرَيْهِماتِ.

وإنَّ قبلَ خروجِ الدَّجَّالِ ثلاثَ سنواتٍ شِدادٍ ، يُصِيبُ الناسَ فيها جُوعٌ شديدٌ. يأمرُ اللهُ السماءَ السنةَ الأولى أن تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِها ، ويأمرُ الأرضَ أن تَحْبِسَ ثُلُثَ نباتِها ، ثم يأمرُ السماءَ في السنةِ الثانيةِ فتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِها ، ويأمرُ الأرضُ فتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نباتِها. ثم يأمرُ السماءَ في السنةِ الثالثةِ فتَحْبِسُ مطرَها كلَّه ، فلا تَقْطُرُ قُطْرةً ، ويأمرُ الأرضَ فتَحْبِسُ نباتَها كلَّه فلا تُنْبِتُ خضراءَ. فلا يَبْقَى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هَلَكَت إلا ما شاء اللهُ. قيل: فما يُعِيشُ الناسَ في ذلك الزمانِ؟ قال: التهليلُ ، والتكبيرُ ، والتحميدُ. ويُجْزِئُ ذلك عليهم مَجْزَأَةَ الطعامِ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 7875 ، وأخرجَهُ أبو داودَ: 4322 ، بنحوهِ مختصراً ، وابنُ ماجه: ،4077 باختلافٍ يسيرٍ).

*** 

الْمُلاحَظَاتٌ الاسْتِطْرَادِيَّةٌ وَالتَّوْثِيقِيَّةٌ لِلْفَصْلِ الأوَّلِ للْكِتَابِ الرَّابِعِ: قَصَصُ الأنْبِيَاءِ وَالرَّسُلِ ، وَالْعِبْرَةُ مِنْ ذِكْرِها ، في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***