اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

تأليف حسن علي النجار

1445ه \ 2023 م

 

***

 

 

 

 

 

 

 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

تأليف حسن علي النجار

1445 ه \ 2023 م

***

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف حسن علي النجار

Copyright © 2023/1445

طبع في الولايات المتحدة الأميركية:

P.O. Box 2401, Alpharetta, GA 30023, USA

sales@ccun.org

كلمات للبحث:

اللهُ ، الأسماءُ الحُسنى ، صفاتُ اللهِ ، الغرضُ مِنَ الْخَلْقِ ، الملائكةُ ، الجنُّ ، الإنسُ ، اليومُ الآخِرُ.

Allah, His Good Names, Who Is He? What Does He Want for Humans (in Arabic)

Copyright © 2023 by Hassan Ali El-Najjar. All rights reserved.

Printed in the United States of America. No part of this publication may be reproduced, translated, or transmitted in any form or by any means, electronic or mechanical, including photocopy, recording, or any information storage and retrieval system, without permission in writing from the publisher.

Published in the United States of America by the author.

P.O. Box 2401, Alpharetta, GA 30023, USA

sales@ccun.org

ISBN: 978-1-7923-4541-8 

Keywords:

Allah, traits of God, Good Names of Allah, purpose of creation, Godhood, angels, jinn, humans, the hereafter.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللهُ

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

"هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"

(غَافِرُ ، 40: 65)

***

اللهُ ، الرَّحْمَـٰنُ ، الرَّحِيمُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّسُ ، السَّلامُ ، الْمُؤمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْخَالِقُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، الغَافِرُ ، الْقَاهِرُ ، الْوَهَّابُ ، الرَّزَّاقُ ، الْفَتَّاحُ ، الْعَلِيمُ ، الْمُحِيطُ ، السَّمِيعُ ، الْبَصِيرُ ، الْحَكِيمُ ، اللَّطِيفُ ، الْخَبِيرُ ، الْحَلِيمُ ، الشَّكُورُ ، الْعَلِيُّ ، الْكَبِيرُ ، الْعَظِيمُ ، الْحَفِيظُ ، الْمُقِيتُ ، الْحَسِيبُ ، الْكَرِيمُ ، الرَّقِيبُ ، الْقَرِيبُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَدُودُ ، الْحَمِيدُ ، الْمَجِيدُ ، الشَّهِيدُ ، الْحَقُّ ، الْمُبِينُ ، الْوَكِيلُ ، الْكَفِي ، الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْمُسْتَعَانُ ، الْوَلِيُّ ، النَّصِيرُ ، خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، الْهَادِيُ ، الْحَيُّ ، مُحْيِيُ الْمَوْتَى ، مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيْيِّ ، الْقَيُّومُ ، الأحْدُ ، الصَّمَدُ ، غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، الْقَدِيرُ ، نِعْمَ الْقَادِرُونَ ، نِعْمَ الْمَاهِدونَ ، الأوَّلُ ، الآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْبَاطِنُ ، الْبَرُّ ، التَّوَّابُ ، الْعَفُوُّ ، الرَّؤُوفُ ، الْغَنِيُّ ، نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، الْوَارِثُ ، خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ، فَالِقُ الإصْبَاحِ ، فَالِقُ الْحَبَّ وَالنَّوَى ، شَدِيدُ الْمِحَالِ ، شَدِيدُ الْعِقَابِ ، شَدِيدُ الْعَذَابِ ، ذُو انْتِقَامٍ ، أهْلُ التَّقْوَى ، ذُو الْفَضْلِ ، ذُو الطَّوْلِ ، ذُو الْمَعَارِجِ ، ذُو الْجَلالِ والإكْرَامِ ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، رَبُّ الْعَرْشِ ، رَبُّ الْعِزَّةِ ، رَبُّ الشِّعْرَى ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، رَبُّ الْمَشَارِقِ والْمَغَارِبِ ، رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، رَبُّ النَّاسِ ، رَبُّ الْعَالَمِينَ.

***


 تَعْرِيفٌ بِالْمُؤَلِّفِ

 

مؤلفُ هذا الكتابِ هو حسن علي النجار جوده الهاروني. واسمه كاملاً هو حسن علي حسن أحمد محمد عبدالهادي (النجار) محمد جوده الهاروني. وقد هاجرَ جدُّهُ السادسِ ، جوده ، من منطقةِ عربِ وادي فاطمةَ ، بالقربِ من مكةَ المكرمةِ ، إلى فلسطينَ ، في القرنِ الحادي عشر الهجري ، أي السابعِ عشر الميلادي. واستقر في قريةِ اسدود ، وهي في أصولِها أشدود الكنعانية ، والتي استوطنها الفلسطينيونَ فيما بعد.

وقد وُلد المؤلفُ في غزةَ ، فلسطين ، في عامِ 1369 للهجرةِ ، الموافقُ لعامِ 1950 للميلاد ، وتلَقى السنواتِ الإحدى عشرةَ الأولى من تعليمهِ في مدارسِ دير البلح ، بقطاعِ غزة ، ثم حصلَ على شهادةِ الثانويةِ العامةِ من مدرسةِ رَغَدَانِ ، بالأردن ، عام 1968. والتحقَ بعد ذلك بكليةِ التربيةِ ، بجامعةِ عينِ شمسِ المصريةِ ، وحصلَ منها على بكالوريوس الآدابِ في تدريسِ اللغةِ الإنكليزيةِ ، في عامِ 1972. ثم عمِلَ مدرِّساً وصحافياً في طرابلس ، ليبيا ، حتى نوفمبر 1976. وانتقلَ وعائلتُهُ إلى الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ ، حيث عملَ مدرساً في رأسِ الخيمةِ ، حتى عامِ 1986. وقد هاجرَ مع عائلتِهِ في ذلك العامِ إلى الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ ، حيثُ التحقَ بجامعةِ جورجيا ، وحصلِ منها على الماجستير في علمِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا الثقافية) عامِ 1988 وعلى الدكتوراه في علمِ الاجتماعِ في عامِ 1993. ومنذُ عامِ 1991 ، وحتى عام 2020 ، عمِلَ بالتدريسِ في كليةِ دَلتُن التابعةِ لنظامِ جامعةِ جورجيا. 

وقد كتبَ المؤلفُ هذا الكتابِ باللغةِ الإنكليزيةِ أيضاً بعنوانِ:

Allah and His Good Names: Who Is He? What Does He Want for Humanity? As He Described Himself in the Holy Quran

 

حسن علي النجار

أطلنطا ، جورجيا ، الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُ ، في الثامن من ربيع الثاني 1444 هجرية ، الموافقُ للثالث والعشرينَ من أكتوبر \ تشرين الأول 2023 ميلادية.


 

تَعْرِيفٌ بِكُتِبِ الْمُؤلِفِ عَنْ الإسْلَامِ

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النَّحْلُ ، 16: 125).

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فُصِّلَتْ ، 41: 33).

وقال عليه الصلاة والسلام: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً" (الْبُخَاَرِيُّ: 3461)

هذا العملُ يقدمُ الإسلامَ على أنه رسالةُ اللهِ لهدايةِ البشريةِ ، من خلال رؤيةٍ علميةٍ لمجموعةٍ من الموضوعاتِ العصريةِ المترابطة. وبالإضافةِ إلى ذلك ، فهو يُعطي القراءَ بعضَ المعلوماتِ الأساسيةِ عن دينِ اللهِ الحنيفِ ، كما أنه يحاولُ الإجابةَ على بعضِ الأسئلةِ الجوهريةِ عن الوجودِ الإنساني ، والغرضِ منه. والنيةُ أن يكونَ مصدراً للتعريفِ بالإسلامِ ، ليس فقط للقارئِ العاديِ ، وإنما أيضاً للدُعاةِ والإعلاميينَ والمربينَ والباحثينَ ، مسلمينَ وغيرِ مسلمين ، على حدٍ سُواء.

وتمثلُ آياتُ القرآنِ الكريمِ المرجعَ الأساسَ لمختلفِ الموضوعاتِ التي تُنَاقِشُها كُتُبُ هذا المؤلِّفِ ، يلي ذلكَ الحديثُ الشريفُ ، ثم ما أوردَهُ أشهرُ المفسرينَ ، خاصةُ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ ، الذينَ ذكروا في تفاسيرِهم أحاديثَ الرسولِ ، عليه الصلاةُ والسلامُ ، وآراءَ الصحابةِ ، رضوانُ اللهِ عليهِم ، بالإضافةِ إلى آرائِهِم وترجيحاتِهم. ويتبعُ ذلكَ ، خاصةً في الكتابينِ الأوليينِ ، تفسيرُ الآياتِ الكريمةِ بما تم اكتشافُهُ في العلومِ الاجتماعيةِ والطبيعيةِ ، بما في ذلكَ علومِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) والاجتماعِ والأحياءِ والفلكِ ، لتبيانِ الإعجازِ العلميِ لكتابِ اللهِ ، لتثبيتِ المؤمنينَ على إيمانِهِم ، ولدعوةِ غيرِهِم للإيمانِ بربِّ العالمينَ وبرسالتهِ للبشرية. 

وينقسمُ هذا العملُ إلى سبعةِ أجزاءٍ ، أي كُتُبٍ مُتَّصِلَةٍ. يضمُّ الكتابُ الأولُ منها (الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ) عشرةَ فصولٍ ، تتناولُ مصادرَ التعريفِ بالإسلامِ ومستوياتِ العقيدةِ الثلاثِ: الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ ، والإثباتَ العلميَّ لوجودِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، وأنَّ القرآنَ الكريمَ هو رسالتُه لهدايةِ البشريةِ. ويلي ذلك بحثٌ في الخَلقِ والتطورِ ، بما في ذلك كيفَ بدأتْ الحياةُ على الأرضِ ، وكيفَ تطورتْ ، مع تدخلِ الخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، في مسارِها. ويبحثُ هذا الجزءُ أيضاً في تكريمِ اللهِ للإنسانِ ، عندما شاءَ أن يجعلَهُ خليفتَهُ في حكمِ الأرضِ ، وما تلا ذلك من استغرابِ الملائكةِ ، وفوزِ آدمَ عليهِم ، ثم خروجِه من الجنةِ. ويلي ذلك مناقشةٌ لمسألةِ ما إذا كان الإنسانُ حراً في اختيارِهِ ، بالإيمانِ بخالقِهِ أو بالكفرِ به. وتبحثُ الفصولُ الثلاثةُ الأخيرةُ من الكتابِ الأولِ في علاقةِ النواحي الروحيةِ بالنواحي الحسيةِ في التعاليمِ الإسلاميةِ ، وفي العلاقةِ ما بينَ الروحِ والعقلِ والنفسِ والسعادةِ ، وأخيراً في العلاقةِ بينَ العقلِ والقلبِ (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نُسَخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلف:www.ccun.org   و www.aljazeerah.info).

أما الكتابُ الثاني (الأرْكَانُ الْخَمْسَةُ لِلإِسْلامِ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِلْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ) فهوَ عَنِ العباداتِ الخمسِ الرئيسةِ في الإٌسلامِ ، ويضمُّ خمسةَ فصولٍ تتناولُ الشهادتينِ ، والصلاةَ ، والزكاةَ ، والصومَ ، وتنتهي بفصلٍ عنِ الحَجِّ. ويهدفُ هذا الكتابُ إلى إعطاءِ معلوماتٍ عن هذه العباداتِ الإسلاميةِ ، وتبيانِ الهدفِ منها ، وفوائدَ كلٍّ منها للفردِ والجماعةِ والمجتمعِ ، وذلكَ كلهِ استناداً إلى آيِّ الذكرِ الحكيمِ والسُّنةِ المشرفة (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نُسَخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلف المذكورَيْنِ أعلاهُ).

وتبحثُ الأجزاءُ (الْكُتُبُ) الثلاثةُ التاليةُ في المستوى الثاني من العقيدةِ الإسلاميةِ ، ألا وهو الإيمان. فيختصُّ الكتابُ الثالِثُ (اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَأسْمَاؤهُ الْحُسْنَى ، مَنْ هُوَ؟ وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟) بالتعريفِ باللهِ ، تباركَ وتعالى ، مِن خلالِ صفاتِهِ وأسمائهِ الْحُسْنَى ، التي ذكرها لنا في القرآنِ الكريم ، كما يتضمنُ الحكمةَ مِنْ خلقِ الإنسانِ على الأرضِ (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نسخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً ، على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

ويتألفُ الكتابُ الرابعُ (رُسُلُ اللهِ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ خَلْقِهِ) مِنْ سبعةِ فصولٍ ، وهوَ عَنْ رُسُلِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لخلقِهِ مِنْ جِنٍّ وإنسٍ. ويبدأُ بفصلٍ عنْ الملائكةِ ، وهم رُسُلُ اللهِ وعِبَادُهُ الِمُكْرَمُونَ. كما أنَّ هناكَ خمسةَ فصولٍ عن أُولي العزمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وهم نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ ، عليهِم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعينَ. وهناكَ فصلٌ سابعٌ عنْ الإسراءِ والمعراجِ ، التي أكرمَ بها اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، خاتَمَ رُسُلِهِ برحلةٍ عظيمةِ إلى السماواتِ العُلى. وهي أيضاً معجزةٌ عِلميةٌ تبشرُ الإنسَ وتدعوهم للنفاذِ إلى أقطارِ السماواتِ والأرضِ (ولم يَتُم نشرُهُ ورقياً بعدُ ، على شبكةِ أمازون. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ منه ، وتنزيلُهُا مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

ويتناولُ الكتابُ الخامسُ (الْقَدَرُ والْقَضَاءُ وَالْيَوْمُ الآخِرُ) استكمالاً للمستوى الثاني مِنَ العقيدةِ الإسلاميةِ ، أي الإيمانِ ، وذلكَ في ثلاثةِ فصولٍ ، عنْ أماراتِ الساعةِ ، واليومِ الآخِرِ ، والقدرِ والقضاءِ (ولم يَتُم نشرُهُ ورقياً بعدُ ، على شبكةِ أمازون. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ منْ فصلي اليومِ الآخِرِ ، والقدرِ والقضاءِ ، وتنزيلُهُما مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

وبالنسبةِ للمستوى الثالثِ للعقيدةِ الإسلاميةِ ، وهو الإحسانُ ، فإنه سَيَتِمُّ تناوُلَهُ ، بمشيئةِ اللهِ ، في كتابينِ. يَتَضَمَّنُ الأولُ منهما (مَدْخَلٌ إِلَى الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَةِ: أوَامِرُ التَّحْرِيمِ والنَّهْيِّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ) ما نهى عنهُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، وما حَرَّمَهُ. ويتضمنُ الثاني "أوَامِرَ اللهِ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ" (ولم يكتملْ هذانِ الكتابانِ بعدُ. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ للأولِ منهُما وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).


 

مُحْتَوَيَاتُ الْكِتَابِ

***

مُقَدِّمَةٌ ........................................................................................................... 001

الْفَصْلُ الأوَّلُ: الصِّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ لِلهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، دُونَ تَشْبِيه .......................................... 002

الْفَصْلُ الثَّانِي: لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ ،  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، الْإنْسَانَ عَلَى الْأرْضِ؟ .................................. 006

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: الْخَلْفِيَّةُ الْبَحْثِيَّةُ لِلْقَائِمَةِ الْمُطَوَّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ......................................... 011

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ، كَمَا ذُكِرَتْ مُبَاشَرَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ............... 017 

الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَسْمَاءُ الْأفْعَالِ ، وَالْمَمَادِحُ السَّلْبِيَّةُ ، والصِّفَاتُ الْمُسْتَنْبَطَة ................................ 226

 الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ الْتَي تَتَضَمَّنُ 151 اسْمَاً مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ............................................ 237

 الْقَائِمَةُ الْمُصَغَّرَةُ الْتَي تَتَضَمَّنُ 99 اسْمَاً مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ............................................ 238

الْمُلاحَظَاتُ الاسْتِطْرَادِيَّةُ وَالتَوْثيِقِيَّةُ .................................................................... 239-289

***

الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ، حَسْبَ وُرُودِهَا فِي الْكِتَابِ:

1.    اللهُ ......................................................................................... 018  

2.    إلَهُ ......................................................................................... 019

3.    إِلَٰهُ النَّاسِ .................................................................................. 020

4.    الرَّحْمَـٰنُ .................................................................................. 022

5.    الرَّحِيمُ .................................................................................... 025

6.    أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ........................................................................... 026

7.    خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .............................................................................027

8.    ذُو الرَّحْمَةِ ................................................................................ 029

9.    الْمَلِكُ ...................................................................................... 030

10.  الْمَلِيكُ .................................................................................... 032

11.  مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ .......................................................................... 032

12.  مَالِكُ الْمُلْكِ .............................................................................. 034

13.  الْقُدُّوسُ .................................................................................. 035

14.  السَّلَامُ ................................................................................... 036

15.  الْمُؤْمِنُ .................................................................................. 038

16.  الْمُهَيْمِنُ .................................................................................. 039

17.  الْعَزِيزُ ................................................................................... 040

18.  الْجَبَّارُ ................................................................................... 042

19.  الْمُتَكَبِّرُ .................................................................................. 043

20.  الْخَالِقُ ................................................................................... 044

21.  الْخَلَّاقُ ................................................................................... 046

22.  أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ...........................................................................047

23.  الْبَارِئُ ................................................................................... 048

24.  بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ............................................................... 050

25.  فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ...............................................................051

26.  الْمُصَوِّرُ ................................................................................. 052

27.  غَافِرُ الذَّنْبِ .............................................................................. 054

28.  الْغَفُور ................................................................................... 056

29.  الْغَفَّارُ .................................................................................... 057

30.  خَيْرُ الْغَافِرِينَ ........................................................................... 058

31.  ذُو المَغْفِرَةٍ .............................................................................. 059

32.  وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ........................................................................... 060

33.  أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ............................................................................. 061

34.  أَهْلُ التَّقْوَىٰ .............................................................................. 062

35.  الْقَاهِرُ .................................................................................... 065

36.  الْقَهَّارُ .................................................................................... 066

37.  الْوَهَّابُ .................................................................................. 067

38.  الرَّزَّاقُ .................................................................................. 068

39.  خَيْرُ الرَّازِقِينَ ........................................................................... 070

40.  الْفَتَّاحُ .................................................................................... 071

41.  خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ............................................................................ 073

42.  الْعَلِيمُ .................................................................................... 074

43.  عَالِمُ الْغَيْبِ .............................................................................. 076

44.  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ .................................................................... 077

45.  عَلَّامُ الْغُيُوبِ ............................................................................ 078

46.  وَاسِعٌ عَلِيمٌ ............................................................................... 079

47.  الْمُحِيطُ .................................................................................. 080

48.  السَّمِيعُ ................................................................................... 082

49.  الْبَصِيرُ .................................................................................. 084

50.  الْحَكِيمُ ................................................................................... 085

51.  خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ........................................................................... 087

52.  أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ .......................................................................... 088

53.  واسعٌ حكيمٌ .............................................................................. 089

54.  اللَّطِيفُ .................................................................................. 090

55.  الْخَبِيرُ ................................................................................... 092

56.  الْحَلِيمُ .................................................................................... 094

57.  الشَاكِرُ ................................................................................... 095

58.  الشَكُورُ .................................................................................. 096

59.  الْعَلِيُّ .................................................................................... 097

60.  الْمُتَعَالُ .................................................................................. 099

61.  الأعْلَى ................................................................................... 100

62.  الْكَبِيرُ .................................................................................... 101

63.  العَظِيمُ ................................................................................... 103

64.  الحَافِظُ ................................................................................... 105

65.  الحَفِيظُ ................................................................................... 106

66.  المُّقِيتُ ................................................................................... 107

67.  الحَسِيبُ ................................................................................. 108

68.  سَرِيعُ الْحِسَابِ .......................................................................... 109

69.  أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ......................................................................... 111

70.  الْكَرِيمُ ................................................................................... 111

71.  الْأكْرَمُ ................................................................................... 113

72.  الرَّقِيبُ ................................................................................... 113

73.  القَرِيبُ ................................................................................... 114

74.  المُّجِيبُ .................................................................................. 116

75.  نِعْمَ الْمُجِيبُونَ ............................................................................ 118

76.  الْوَدُودُ ................................................................................... 119

77.  الْحَمِيدُ ................................................................................... 120

78.  الْمَجِيدُ ................................................................................... 122

79.  الشَهِيدُ ................................................................................... 123

80.  الْحَقُّ ..................................................................................... 125

81.  الْمُبِينُ .................................................................................... 126

82.  الْوَكِيلُ ................................................................................... 128

83.  نِعْمَ الْوَكِيلِ .............................................................................. 130

84.  الْكَافِي ................................................................................... 130

85.  الْقَوِيُّ .................................................................................... 132

86.  ذُو الْقُوَّةِ ................................................................................. 134

87.  الْمَتِينُ .................................................................................... 134

88.  الْمُسْتَعَانُ ................................................................................ 135

89.  الْوَلِيُّ .................................................................................... 136

90.  المَوْلَى ................................................................................... 137

91.  نِعْمَ المَوْلَى .............................................................................. 139

92.  النَّصِيرُ .................................................................................. 140

93.  نِعْمَ النَّصِيرُ .............................................................................. 140

94.  خَيْرُ النَّاصِرِينَ .......................................................................... 141

95.  خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ........................................................................... 142

96.  خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ........................................................................... 143

97.  الْهَادِي ................................................................................... 144

98.  الْحَيُّ ..................................................................................... 145

99.  مُحْيِي الْمَوْتَى ........................................................................... 149

100.                     مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ......................................................... 149

101.                     الْقَيُّومُ ............................................................................ 150

102.                     الْوَاحِدُ ........................................................................... 151

103.                     الْأَحَدُ ............................................................................ 153

104.                     الصَّمَدُ ........................................................................... 154

105.                     غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ................................................................ 155

106.                     فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ................................................................... 156

107.                     الْقَادِرُ ............................................................................ 157

108.                     القَدِيرُ ............................................................................ 158

109.                     المُّقْتَدِرُ .......................................................................... 160

110.                     نِعْمَ الْقادِرُونَ .................................................................... 161

111.                     نِعْمَ الْمَاهِدونَ .................................................................... 162

112.                     الْأَوَّلُ ............................................................................ 163

113.                     الْآخِرُ ............................................................................ 165

114.                     الظَّاهِرُ .......................................................................... 165

115.                     الْبَاطِنُ ........................................................................... 166

116.                     الْبَرُّ .............................................................................. 167

117.                     التَّوَّابُ ........................................................................... 169

118.                     قَابِلُ التَّوْبِ ...................................................................... 170

119.                     الْعَفُوّ ............................................................................. 172

120.                     الرَؤوفُ ......................................................................... 174

121.                     الْغَنِيُّ ............................................................................ 175

122.                     نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ....................................................... 178

123.                     الْوَارِثُ .......................................................................... 182

124.                     خَيْرُ الْوَارِثِينَ ................................................................... 184

125.                     خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ................................................................... 185

126.                     فَالِقُ الْإصْبَاحِ ................................................................... 186

127.                     فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ .............................................................. 187

128.                     شَدِيدُ الْمِحَالِ .................................................................... 189

129.                     شَدِيدُ الْعِقَابِ .................................................................... 191

130.                     شَدِيدُ الْعَذَابِ .................................................................... 192

131.                     ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ................................................................... 194

132.                     ذُو انتِقَامٍ ......................................................................... 195

133.                     ذُو الْفَضْلِ ....................................................................... 196

134.                     ذُو الطَّوْلِ ....................................................................... 198

135.                     ذُو الْمَعَارِجِ ..................................................................... 199

136.                     ذُو الْعَرْشِ ...................................................................... 200

137.                     ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ............................................................ 202

138.                     رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ .................................................................. 203

139.                     الرَبُّ ............................................................................ 204

140.                     رَبُّ الْعَرْشِ ..................................................................... 206

141.                     رَبُّ الْعِزَّةِ ....................................................................... 207

142.                     رَبُّ الشِّعْرَى .................................................................... 208

143.                     رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ....................................................... 211

144.                     رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ........................................... 212

145.                     رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ......................................................... 214

146.                     رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ................................................. 216

147.                     رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ....................................................... 217

148.                     رَبُّ الْفَلَقِ ....................................................................... 219

149.                     رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ................................................................... 220

150.                     رَبُّ النَّاسِ ....................................................................... 221

151.                      رَبُّ الْعَالَمِينَ .................................................................... 223

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التَّرْتِيبُ الأبْجَدِيُّ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْكِتَابِ

***  

مُلاحَظَةٌ 1: لا تُوجَدُ أسْمَاءٌ فِي هَذِهِ الْقَائمَةِ تبدأ بِالْحُرُوفِ: ث ، د ، ز ، ض ، ط ، ي

مُلاحَظَةٌ 2: تَمَّ تَكْرَارُ الأسماءِ التي تبدأُ بِ: ذُو ، وَخَيْرُ ، وَ نِعْمَ ، و وَاسِعُ.

مُلاحَظَةٌ 3: ص: صفحة ، ر: رقم

*** 

أَ

الْأَحَدُ: ص 153 ، ر 103

الْآخِرُ: ص 165 ، ر 113

اللهُ: ص 18 ، ر 1

إلَهُ: ص 19 ، ر 2

إِلَٰهُ النَّاسِ: ص 30 ، ر 3

الْأَوَّلُ: ص 163 ، ر 112

ب

الْبَارِئُ: ص 48 ، ر 23

الْبَاطِنُ: ص 166 ، ر 115

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرضِ: ص 50 ، ر 24

الْبَرُّ: ص 167 ، ر 116

الْبَصِيرُ: ص 84 ، ر 49

ت

أَهْلُ التَّقْوَىٰ: ص 62 ، ر 34

التَّوَّابُ: ص 169 ، ر 117

قَابِلُ التَّوْبِ: ص 170 ، ر 118

ج

 

الْجَبَّارُ: ص 42 ، ر 18

ح

 

الحَافِظُ: ص 105 ، ر 64

 

الحَفِيظُ: ص 106 ، ر 65

الحَسِيبُ: ص 108 ، ر 67

سَرِيعُ الْحِسَابِ: ص 109 ، ر 68

أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ: ص 111 ، ر 69

الْحَقُّ: ص 125 ، ر 80

الْحَكِيمُ: ص 85 ، ر 50

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: ص 87 ، ر 51

أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ: ص 88 ، ر 52

الْحَلِيمُ: ص 94 ، ر 56

الْحَمِيدُ: ص 123 ، ر 77

الْحَيُّ: ص 145 ، ر 98

خ

 

الْخَالِقُ: ص 44 ، ر 20

الْخَلَّاقُ: ص 46 ، ر 21

أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ص 47 ، ر 22

الْخَبِيرُ: ص 92 ، ر 54

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: ص 27 ، ر 7 

خَيْرُ الْغَافِرِينَ: ص 58 ، ر 30

خَيْرُ الرَّازِقِينَ: ص 70 ، ر 39

خَيْرُ الْفَاتِحِينَ: ص 73 ، ر 41

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: ص 87 ، ر 51

خَيْرُ النَّاصِرِينَ: ص 141 ، ر 94

خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: ص 142 ، ر 95

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ: ص 143 ، ر 96

خَيْرُ الْوَارِثِينَ: ص 184 ، ر 124

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: ص 185 ، ر 125

ذ

ذُو الرَّحْمَةِ: ص 29 ، ر 8

ذُو الْمَغْفِرَةِ: ص 59 ، ر 31

ذُو الْقُوَّةِ: ص 134 ، ر 86

 

ذُو انتِقَامٍ: ص 195 ، ر 132

ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ: ص 202 ، ر 137

ذُو الطَّوْلِ: ص 198 ، ر 134

ذُو الْعَرْشِ: ص 200 ، ر 136

ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ: ص 194 ، ر 131

ذُو الْفَضْلِ: ص 196 ، ر 133

ذُو الْمَعَارِجِ: ص 199 ، ر 135

ر

الرَبُّ: ص 204 ، ر 139

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ص 211 ، ر 143

رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: ص 212 ، ر 144

رَبُّ الشِّعْرَى: ص 208 ، ر 142

رَبُّ الْعَالَمِينَ: ص 223 ، ر 151

رَبُّ الْعَرْشِ: ص 206 ، ر 140

رَبُّ الْعِزَّةِ: ص 207 ، ر 141

رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: ص 220 ، ر 149

رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ: ص 214 ، ر 145

رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ: ص 216 ، ر 146

رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ: ص 217 ، ر 147

رَبُّ النَّاسِ: ص 221 ، ر 150

الرَؤوفُ: ص 174 ، ر 120

الرَّحْمَـٰنُ: ص 22 ، ر 4

الرَّحِيمُ: ص 25 ، ر 5

أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: ص 26 ، ر 6

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: ص 27 ، ر 7

ذُو الرَّحْمَةِ: ص 29 ، ر 8

الرَّزَّاقُ: ص 68 ، ر 38

خَيْرُ الرَّازِقِينَ: ص 70 ، ر 39

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ: ص 203 ، ر 138

الرَّقِيبُ: ص 113 ، ر 72  

س

السَّلَامُ: ص 36 ، ر 14

 

السَّمِيعُ: ص 82 ، ر 48

ش

الشَاكِرُ: ص 95 ، ر 57

الشَكُورُ: ص 96 ، ر 58

شَدِيدُ الْعَذَابِ: ص 192 ، ر 130

شَدِيدُ الْعِقَابِ: ص 191 ، ر 129

شَدِيدُ الْمِحَالِ: ص 189، ر 128

الشَهِيدُ: ص 123 ، ر 79

ص

الصَّمَدُ: ص 154 ، ر 104    

ظ

الظَّاهِرُ: ص 165 ، ر 114

ع

 

الْعَزِيزُ: ص 40 ، ر 17

العَظِيمُ: ص 103 ، ر 63

الْعَفُوّ: ص 172 ، ر 119

الْعَلِيمُ: ص 74 ، ر 42

عَالِمُ الْغَيْبِ: ص 76 ، ر 43

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ: ص 77 ، ر 44

عَلَّامُ الْغُيُوبِ: ص 78 ، ر 45

وَاسِعُ عَلِيمٌ: ص 79 ، ر 46

الْعَلِيُّ: ص 97 ، ر 59

الْمُتَعَالُ: ص 99 ، ر 60

الأعْلَى: ص 100 ، ر 61

غ

 

غَافِرُ الذَّنْبِ: ص 54 ، ر 27

الْغَفُور: ص 56 ، ر 28

الْغَفَّارُ: ص 57 ، ر 29

 

خَيْرُ الْغَافِرِينَ: ص 58 ، ر 30

ذُو المَغْفِرَةٍ: ص 59 ، ر 31

وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ: ص 60 ، ر 32

أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ: ص 61 ، ر 33

غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ: ص 155 ، ر 105

الْغَنِيُّ: ص 175 ، ر 121

ف

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ: ص 143 ، ر 95

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ: ص 51 ، ر 25

فَالِقُ الْإصْبَاحِ: ص 186 ، ر 126

فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ: ص 187، ر 127

الْفَتَّاحُ: ص 71 ، ر 40

خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ص 73 ، ر 41

فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ: ص 156 ، ر 106

ق

الْقَادِرُ: ص 157 ، ر 107

القَدِيرُ: ص 158 ، ر 108

المُّقْتَدِرُ: ص 160 ، ر 109

نِعْمَ الْقادِرُونَ: ص 161 ، ر 110

الْقَاهِرُ: ص 65 ، ر 35

الْقَهَّارُ: ص 66 ، ر 36

الْقُدُّوسُ: ص 35 ، ر 13

القَرِيبُ ص 114 ، ر 73

الْقَوِيُّ: ص 132 ، ر 85

ذُو الْقُوَّةِ: ص 134 ، ر 86

الْقَيُّومُ: ص 150 ، ر 101

ك

الْكَافِي: ص 130 ، ر 84

الْكَبِيرُ: ص 101 ، ر 62

الْكَرِيمُ: ص 111 ، ر 70

الْأكْرَمُ: ص 113 ، ر 71 

ل

اللَّطِيفُ: ص 90 ، ر 54  

م

 

خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: ص 142 ، ر 95

نِعْمَ الْمَاهِدونَ: ص 162 ، ر 110

الْمُبِينُ: ص 126 ، ر 81

الْمُتَكَبِّرُ: ص 43 ، ر 19

الْمَتِينُ: ص 134 ، ر 87

الْمَجِيدُ: ص 122 ، ر 78

المُّجِيبُ: ص 116 ، ر 74

نِعْمَ الْمُجِيبُونَ: ص 118 ، ر 75

الْمُحِيطُ: ص 80 ، ر 47

مُحْيِي الْمَوْتَى: ص 149 ، ر 99

مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ: ص 149 ، ر 100

الْمُصَوِّرُ: ص 52 ، ر 26

الْمُسْتَعَانُ: ص 134 ، ر 88

المُّقِيتُ: ص 107 ، ر 66

الْمَلِكُ: ص 30 ، ر 9

الْمَلِيكُ: ص 32 ، ر 10

مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ: ص 32 ، ر 11

مَالِكُ الْمُلْكِ: ص 34 ، ر 12

الْمُهَيْمِنُ: ص 39 ، ر 16

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: ص 185، ر 125

الْمُؤْمِنُ: ص 38 ، ر 15

المَوْلَى: ص 137 ، ر 90

نِعْمَ المَوْلَى: ص 139 ، ر 91

ن

النَّصِيرُ: ص 140 ، ر 92

خَيْرُ النَّاصِرِينَ: ص 141 ، ر 94

نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ: ص 178 ، ر 122

 

نِعْمَ الْمُجِيبُونَ: ص 118 ، ر 75

نِعْمَ الْوَكِيلِ: ص 130 ، ر 83

نِعْمَ الْمَوْلَى: ص 139 ، ر 91

نِعْمَ الْمَاهِدُونَ: ص 162 ، ر 111

نِعْمَ النَّصِيرُ: ص 140 ، ر 93

ه

الْهَادِي: ص 144 ، ر 97

و

 

الْوَاحِدُ: ص 151 ، ر 102

الْوَارِثُ : ص 182 ، ر 123

خَيْرُ الْوَارِثِينَ: ص 184 ، ر 124

الْوَدُودُ: ص 119 ، ر 76

الْوَكِيلُ: ص 128 ، ر 82

نِعْمَ الْوَكِيلِ: ص 130 ، ر 83

الْوَلِيُّ: ص 136 ، ر 89

الْوَهَّابُ: ص 67 ، ر 37

وَاسِعٌ حَكِيمٌ: ص 89 ، ر 53

وَاسِعٌ عَلِيمٌ: ص 79 ، ر 46

وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ: ص 60 ، ر 32


مُقَدِّمَةٌ

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

أمرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المسلمينَ بالاستعاذةِ ، أيْ بقولِ: "أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ، المطرودِ من رحمةِ اللهِ ، وذلك َعندما يبدؤونَ بقراءةِ القرآنِ الكريمِ (النَّحْلُ ، 16: 98) ، ويتبعُ ذلك عند أدائهم للصلاةِ ، التي تبدأ بأولِ سورةٍ مِنهُ ، وعندَ القيامِ بأي عملٍ آخرَ ، وذلكَ اتقاءً لشرِّ الشيطانِ ومقاومةً لوسوستِهِ. وَوَصْفُ الشيطانِ بأنهُ رجيمٌ هوَ أيضاً إشارةٌ إلى قصةِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، الذي رَجَمَ الشيطانَ عندما حاولَ أنْ يُثنيَهُ عَن طاعةِ اللهِ ، في قصةِ ذبحِ ابنِهِ إسماعيلَ ، عليهِ السلام. [1]

فَأعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ، والصلاةُ والسلامُ على خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلينَ ، مُحَمَّدٍ ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ ، وعلى مَنْ اتَّبَعَ هُدَاهُ بإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

يختصُّ هذا الكتابُ بالحديثِ عن اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، كما شاءَ أن يصفَ نفسَهُ في القرآنِ الكريم. ويهدفُ على وجهِ الخصوصِ إلى التعرفِ عليهِ من خلالِ أسمائهِ الحُسنى ، التي ذكرَها لنا في كتابِهِ العزيزِ. كما يهدفُ إلى معرفةِ ما يريدُهُ لخلقهِ مِنَ البشرِ. وهوَ مُقسمٌ إلى خمسةِ فصولٍ.

يتناولُ الفصلُ الأولُ ما ذُكرَ في القرآنِ الكريمِ عن الصفاتِ الحسيةِ للخالقِ ، عزَّ وجلَّ. ويبحثُ الفصلُ الثاني في الهدفِ منَ الحياةِ الدُنيا وفيما يريدُهُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، لخلقهِ من البشرِ. ويعرِضُ الفصلُ الثالثُ الخلفيةَ البحثيةَ للقائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى. أما الفصلُ الرابعُ ، فهوَ أكبرُها ، لاحتوائهِ على قائمةِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تمَّ لهذا المؤلفِ إحصاءُ كلٍّ منها ، كنصٍ صريحٍ مباشرٍ في القرآنِ الكريمِ ، بالإضافةِ إلى توثيقِها وتقديمِ شروحٍ لها ، والنظرِ في تطبيقِ العلمِ بها في حياتِنا اليومية.

ويحتوي الفصلُ الخامسُ على ثلاثِ مجموعاتٍ مِنْ صفاتِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، التي تمَّ استثناؤها مِنَ القائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى. وتضمُّ هذهِ المجموعاتُ أسماءَ الأفعالِ ، والصفاتِ التي لا تنطبقُ إلَّا على اللهِ ، سبحانهُ وتعالى (الممادحَ السلبيةَ) ، والصفاتِ التي استنبطَها مؤلفونَ آخرونَ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ.

كما يقدمُ الفصلُ الخامسُ جدولاً يتضمنُ 151 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تُمثلُ صِفَاتِهِ وقُدُرَاتِهِ ، والتي ذُكرتْ مفصلةً في الفصلِ الرابعِ. ويحتوي الفصلُ الخامسُ أيضاً على جدولٍ آخَرَ يتضمنُ 99 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي اختارها هذا المؤلفُ استجابةً للدعوةِ المشهورةِ لرسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. وقد تم اختيارُها من القائمةِ الأكبرِ ، والتي أحصاها في الفصلِ الرابعِ ، بعدَ استثناءِ الأسماءِ الأخرى المشتقةِ من نفسِ الفعلِ.

وتحتلُّ الْمُلاحَظَاتُ الاسْتِطْرَادِيَّةُ وَالتَوْثيِقِيَّةُ ، التي تلي الفصلَ الخامسَ ، جُزءاً كبيراً مِنْ هذا الكتابِ. وذلكَ لاشتمالِها على نصوصِ كثيرٍ مِنَ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ ، التي تمتْ الإشارةُ إليها في الفصولِ المختلفةِ. كما تشتملُ على توثيقٍ لآياتٍ وأحاديثَ أخرى ، وعلى بعضِ التوسُعِ في تناولِ الموضوعاتِ.

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الأوَّلُ

***

الصِّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ لِلهِ

  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

دُونَ تَشْبِيه

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

 

اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأحَدُ ، وهوَ الصَّمَدُ ، الذي "لَمۡ يَكُن لَّهُ ۥ ڪُفُوًا أَحَدُۢ" (الإخْلَاصُ ، 112: 1-4) ، وهوَ الذي "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشُّورَى ، 42: 11). 

وبناءً على ذلكَ ، فإنَّ الصفاتِ الْحِسِّيَّةِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، المذكورةِ في القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشريفِ ، لا تَعني أنها كتلكَ التي لمخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ البشر. ولذلكَ ، فإنَّ ذِكْرَهَا لا ينبغي أنْ يُفهمَ منهُ أنَّ بالإمكانِ مقارنتَها بالصفاتِ الجسديةِ للبشرِ ، كما قالَ الطبريُّ وعلماءُ الأمةِ في مختلفِ القرون. [2]

وفيما يلي استعراضٌ لأمثلةٍ على هذهِ الصفاتِ الإلهيةِ كما وردتْ في القرآنِ الكريمِ ، والتي تشملُ ذِكرَ أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، قد استوى على العرشِ ، وهوَ يسمعُ ويَرى ، وأنَّ لهُ وجهٌ ويدانِ. 

1. في تفسيرِهم لآيةِ الكُرسي ، ذكرَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الْقُرْطُبِيُّ والطَّبَرِيُّ وابنُ كَثِيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً عَنْ جهودِهِم العظيمةِ في تفسيرِ كتابِ اللهِ ، بأنَّ وَجْهَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، يُنيرُ العرشَ. وعندما يقومُ المؤمنونَ بالعباداتِ وبصالحِ الأعمالِ ، فإنما يريدونَ بها وجهَ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التالية (2: 115 ، 2: 272 ، 30: 38 ، 30: 39 ، 76: 9): [3]

وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115).

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 272).  

فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  (الرُّومُ ، 30: 38).

وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ  (الرُّومُ ، 30: 39).

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا  (الإنْسَانُ ، 76: 9).

2. تُشيرُ بعضُ آياتِ القرآنِ الكريمِ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ عرشٌ يستوي عليهِ ، كما يلي:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ (الأعْرَافُ ، 7: 54).

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (يُونُسُ ، 10: 3).

3. تشيرُ آيةُ الكُرسي (2: 255) إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ كرسيٌّ ، يضعُ قدميهِ عليهِ ، كما جاءَ في الحديثِ الصحيح. [4]

4. تخبرُنا الآياتُ الكريمةُ التاليةُ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ يدانِ يَبْسُطْهُما بالرزقِ لخلقهِ ، وبالعونِ للمؤمنينِ بهِ ، وبهما يُعطي ما يشاءُ ويمنعُ ما يشاءُ لِمن يشاءُ ، وهو على كلِّ شيءِّ قدير.

إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73).

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 64).

وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (النَّمْلُ ، 27: 63).

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26(.

وقد قدَّمَ المفسرونَ الثلاثةَ التفسيراتَ التاليةَ للآيةِ الكريمةِ 3: 26 ، التي تذكرُ يدَ اللهِ ، عزَّ وجل:

يركزُ التفسيرُ الأولُ على أنَّ الخيرَ والمُلكَ والعزةَ بيدِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، يُعطيها لِمنْ يشاءُ وينزعُها ممن يشاء. فهوَ قد نزعَ شرفَ تلقي رسالاتِ اللهِ ، مِن بني إسرائيلَ ، لكفرِهِم بالمسيحِ عيسى بنِ مريمَ ، عليهِ السلامُ ، وبالرسالةِ التي جاءَ لهم بها من ربِّهِم ، ومنحَهُ للنبيِّ محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي شرَّفهُ ربُّهُ باختيارِهِ ليكونَ خاتَمَ رسلِهِ ، لتبليغِ آخِرِ وأكملِ رسالاتِهِ للبشريةِ ، أي القرآنِ الكريم.

ويرجحُ التفسيرُ الثاني أنَّ الآيةَ الكريمةَ قد نزلتْ في نصارى نجران ، الذينَ كانوا يعبدونَ المسيح َ، عليهِ السلامُ ، كإلهٍ لهم ، بسببِ قيامِهِ بالمعجزاتِ التي أتى بها لِبني إسرائيلَ ، بهدفِ إقناعِهِم أنهُ رسولُ الله. فتردُّ عليهِم الآيةُ الكريمةُ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.

ويقولُ التفسيرُ الثالثُ بأنَّ هذهِ الآيةُ الكريمةُ كانتْ استجابةً مِنَ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لدعاءِ نبيهِ محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ ينصُرَ المسلمينَ على الدولتينِ الفارسيةِ والرومانية. وقد تحققَ ذلكَ عندما انتصرَ المسلمونَ على الدولةِ الفارسيةِ ، ودخلَ الفرسُ في الإسلامِ ونشروه في أرجاءِ آسيا الأخرى. وكذلكَ انتصرَ المسلمونَ على الدولةِ الرومانيةِ ، ودخلَ عربُ وأتراكُ المشرِقِ في الإسلامِ ، وامتدتْ الدولةُ الإسلاميةُ إلى شَمالِ أفريقيا كلِّهِ وإلى الأندلسِ وجزرِ البحرِ الأبيضِ المتوسط. ولم يبقَ مِنَ الدولةِ الرومانيةِ إلا دولَ وشعوبَ الشواطئِ الشماليةِ منهُ. وعندما انتقلتْ الخلافةُ الإسلاميةُ إلى العثمانيينَ ، توسعتْ الدولةُ الإسلاميةُ لتشملَ اليونانَ وأجزاءَ كبيرةٍ مِن أوروبا الشرقيةِ أيضاً.

5. تخبرُنا آياتٌ عديدةٌ مِنَ القرآنِ الكريمِ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يَسمعُ ويَرى ، وتصفهُ 47 آيةٌ بأنهُ "سميعٌ" وعشرونَ آيةٍ بأنهُ "السميعُ." وتصفهُ 42 آيةٌ بأنهُ "بصيرٌ" ، وثلاثُ آياتٍ بأنهُ "البصيرُ" ، وهي: الإسراء ، 17: 1 ، الشورى ، 42: 11 ، غافر ، 40: 20. وفيما يلي أمثلةٌ مِن هذهِ الآياتِ الكريمة:

قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (طَهَ ، 20: 46).

 

لَّقَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )آلِ عِمْرَانَ ، 3: 181(.

 

قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 1).

 

6. تذكرُ لنا الآيةُ الكريمةُ 95: 4 أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ ، بما في ذلكَ صورةِ وجههِ وعينيهِ وأذنيهِ ويديهِ وقدميه.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التِّينُ ، 95: 4).

وقد فسر الطبري وابنُ كثيرٍ الكلمةَ الأخيرةَ في الآيةِ الكريمةِ ، أي "تقويم" ، بأنها "صورةٌ." ووفاقَهُما القرطبيُّ على ذلكً التفسيرِ ، ولكنهُ أضافَ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد خلقَ الإنسانَ على أحسنِ صورةٍ ، وهي صورتُهُ ، عزًّ وجلَّ. ولذلكَ ، خلقَ للإنسانِ وجهاً وعينينِ وأذنينِ ويدينِ وقدمين ، ولكنْ مِن غيرِ تشبيهٍ لصفاتِ الخالقِ الجسدية ِ ، سبحانهُ وتعالى. كما أودعَ فيهِ خالِقُهُ بعضاً مِنْ صفاتهِ التي نفخَها فيهِ ، مثلَ العدلِ والرحمةِ وحُبِّ الخيرِ ، وميزَهُ عَنْ باقي مخلوقاتِهِ على الأرضِ بتمكينِهِ مِنَ المشيِّ منتصباً على قدمين ، ومِنَ التفريقِ ما بينَ الخيرِ والشرِّ ، ومِنَ القُدرةِ على الاختيارِ بينهما. وقد جاء هذا المعنى أيضاً في الآية الكريمة 64: 3 ، كما يلي:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3).

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الثَّانِي

***

لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ

  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

الْإنْسَانَ عَلَى الْأرْضِ؟

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

يهدفُ هذا الفصلُ إلى محاولةِ تقديمِ إجابةٍ على كلٍّ مِنَ السؤالينِ التاليين: لماذا خلقَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الإنسانَ على الأرضِ؟ وماذا يريدُ للبشرِ مِن حياتِهم الدُّنيا على هذا الكوكبِ؟

1. يخبرُنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في القرآنِ الكريمِ ، أنهُ قد خلقَ الجنَّ والإنسَّ لغرضٍ واحدٍ فقط ، وهو عبادتِهِ ، عزَّ وجل ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ (الذاريات ، 51: 56). كذلكَ ، فإنهُ أخبرَنا عَنْ كيفيةِ عبادتِنا لهُ ، وذلكَ بأداءِ الفرائضِ الخمسِ ، وهيَ الشهادتينِ والصلاةِ والزكاةِ وصومِ رمضانَ وحِجِّ البيتِ لِمنْ استطاعَ إليهِ سبيلا. كما أخبرَنا أننا نتقربُ إليهِ بالقيامِ بصالحِ الأعمالِ. وإذا ما تأملنا في معانيَ هذهِ العباداتِ وفيما ينتجُ عنِ القيامِ بها ، نجدُ أنها تهدُفُ إلى منفعةِ المتعبدِ أولاً ، ثم أسرتهِ ومجتمعهِ بعدَ ذلكَ ، بل وخيرِ الإنسانيةِ جمعاءَ ، في هذهِ الحياةِ الدَّنيا وفي الآخِرةِ ، كما تمتْ مناقشتُهُ في الجزءِ الثاني من هذا الكتاب. [5]

وهكذا ، فإنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، لم يَخلِقْنا عبثاً ، كما ذكرَ في الآيةِ الكريمةِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115) ، وما كانَ خلقُهُ للسماواتِ والأرضِ وما بينهما لَعِباً ، وإنما كانَ عملاً جدياً مقصوداً ، أي بالحقِّ ، كما تخبرُنا الآيتانِ الكريمتانِ (الدُّخَانُ ، 44: 38-39). وبالمقابلِ ، فإنهُ أرادَ للمكلَّفينَ مِن خلقهِ ، أي الإنسِ والجنِّ ، أنْ يعبدوهُ ، بطاعةِ أوامرِهِ لهم ، والتي تعودُ عليهِم بالخيرِ والفوائدِ العديدةِ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ. [6]

وأوضحَ لنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ما يعنيهِ من صالحِ الأعمالِ ، وذلكَ بتلخيصِها في ثلاثِ كلماتٍ هيَ الْبِرِّ والتقوى والإحسان. فوصفَ البرَّ بأنهُ "مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 177).

والملاحَظُ مِن هذهِ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الْبِرَّ يشتملُ على جميعِ متطلباتِ الإيمانِ ، وعلى اثنتينِ مِنْ متطلباتِ الإسلامِ (وهيَ الصلاةِ والزكاةِ) ، بالإضافةِ إلى بعضِ أوجُهِ الإحسانِ (الوفاءِ بالعهدِ والصبرِ والصدق). وهناكَ ملاحظةٌ أخرى ، وهيَ أنَّ مَنْ يقومُ بأعمالِ البِرِّ هذهِ فهوَ مِنَ المتقينَ. وذلكَ يعني أنَّ أعمالَ البرِّ هيَ ذاتُها أعمالُ التقوى ، ولكنها تؤدَّى مِن منظورينِ مختلفين. فالبرُّ هوَ القيامُ بهذهِ الأعمالِ طاعةً للهِ ، عزَّ وجلَّ ، عن محبةٍ واقتناعٍ كاملٍ بخيرِها للفردِ والأسرةِ والمجتمع. أما التقوى ، فهيَ القيامُ بهذهِ الأعمالِ أيضاً طاعةً للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ولكنْ اتقاءً (أي تجنباً) لغضبِهِ وعقابه.

وهناكَ العديدُ مِنَ الآياتِ الكريمةِ التي تشيرُ إلى هذا المعنى لكلمةِ التقوى. فهيَ تعني اتقاءَ (أي تجنبَ) غضبِ اللهِ وعقابِهِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 2) ، وهيَ تعني اتقاءَ (أي تجنبَ) العذابِ في النارِ ، كما جاءِ في الآيةِ الكريمةِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 131). وتعني اتقاءَ (أي تجنبَ) الفتنةِ ، كما ذكرتْ الآيةُ الكريمةُ (الأنْفَالُ ، 8: 25). [7]

أمَّا الكلمةُ الثالثةُ التي تشيرُ إلى أعمالِ الخيرِ فهي الإحسانُ ، وهو اسمٌ مشتقٌ من الفعل أحْسَنَ ، أيْ أجادَ في القولِ وأتقنَ في العملِ. والمعنى أنَّ المُحسنَ ينشُدُ الأحسنَ في أقوالِهِ وأفعالِهِ ، ولا يوجدُ ما هوَ أحسنُ مِنِ اتباعِ أوامرِ اللهِ وتجنبِ نواهيهِ ، والدعوةِ لهُ.

وقد عَبَّرَتْ آياتُ كثيرةُ في القرآن الكريم عَن المعاني الساميةِ لكلمةِ "الإحسانِ." فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يأمرُ بالإحسانِ (النَّحْلُ ، 16: 90) ، قولاً وعملاً (فُصِّلَتْ ، 41: 33) ، وبمعاملةِ الوالدينَ بالحُسنى (الإسْرَاءُ ، 17: 23) ، ويُثني على المحسنينَ بإعلانِ حبِّهِ لهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 195) ، ويطمئنُهُم بألا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 112) ، ويعدُهُم بالجزاءِ الأوفرِ في جنةِ خُلده (الْمَائِدَةُ ، 5: 85). [8]

وتخبرُنا آياتٌ عديدةٌ أنَّ الإحسانَ يتمثلُ في أعمالِ الذينَ ينفقونَ في سبيلِ اللهِ ، والذين يمتنعونَ عَن إهلاكِ أنفسهِم (الْبَقَرَةُ ، 2: 195) ، والكاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن الناسِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 134) ، والذينَ يمتنعونَ عن الإفسادِ في الأرضِ ، ويتوجهونَ بالدعاءِ لربِّهِم خوفاً وطمعاً (الأعْرَافُ ، 7: 56) ، والمخلصينَ في طاعتِهِم للهِ ورسولِهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 91) ، والصابرينَ (هُودُ ، 11: 115) ، والمجاهدين (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 69). [9]

وقد قدَّمَ لنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أمثلةً تطبيقيةً على ما تحتويهِ هذهِ الكلماتُ الثلاثُ مِن معاني. فقالَ إنَّ الإحسانَ "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ" ، أيْ أنَّ الإحسانَ هوَ مرتبةٌ في العقيدةِ يصلُها الإنسانُ عندما يعبدُ اللهَ وهوَ يعلمُ يقيناً أنَّ اللهَ يراهُ. وهذا يعني أنَّ المُحسنَ يعلمُ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يسمعُ كُلَّ ما يقولُهُ ويرى كُلَّ ما يفعلُهُ. وهوَ لذلكَ يتحرى ألا يقولَ ولا يفعلَ إلا الأحسنَ ، فيسعى إلى ما يُرضي ربَّهُ ، متَّبِعاً لأوامرِهِ ومتجنباً لنواهيهِ ، إدراكاً منهُ بأنَّ ذلكَ هوَ الخيرُ ، وهوَ عينُ الصوابِ.

وقالَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في حديثٍ آخَرَ: "إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ." وذكرَ في حديثٍ ثالثٍ أنَّ التقوى هيَ صِدقُ اللسانِ ونقاءُ القلبِ "الذي لا إِثْمَ فيه ولا بَغْيَ ولا حَسَدَ." وأضافَ بأنَّ التقيَّ هوَ "الَّذي يَشْنَأُ الدُّنيا ، ويُحِبُّ الآخِرةَ" ، ويليهِ "مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ." وفي حديثٍ رابعٍ ، نهانا ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عَنِ الأعمالِ التي تُبعدُنا عَنِ التقوى ، فقالَ: "لا تحاسَدُوا ، ولا تناجَشُوا ، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا ، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا ، المسلِمُ أخُو المسلِمِ ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ ، ولا يَحقِرُهُ ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ ، دمُهُ ، ومالُهُ ، وعِرضُهُ." [10]

2. إذا ما فكَّرنا في تأثيرِ القيامِ بالعباداتِ المفروضةِ والأعمالِ الصالحاتِ (مِن برٍّ وتقوى وإحسان) على الناسِ ، يصبحُ جلياً أنها وسائلُ لتدريبِهِم ليكونوا مخلوقاتٍ خيرةٍ ، أثناءَ حياتِهِم الدُّنيا على الأرضِ ، وذلكَ إعدادٌ لهم ليكونوا أفضلَ في الحياةِ الأخرى. وهكذا ، فإنهم يصبحونَ مؤهلينَ للانتشارِ في ملكوتِ اللهِ الواسعِ في جنةِ خُلدِهِ ، التي عرضُها السماواتُ والأرضُ ، أعدتْ لسُكنى المتقينَ مِن عبادِهِ ، عزَّ وجل.

ودليلُ ذلكَ قولُ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ قد "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (هُودُ ، 11: 7) ، و "الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ" ليرى أيهم "أَحْسَنُ عَمَلًا" ۚ (الْفَاتِحَةُ ، 67:1-2). وسخرَ لهمُ "اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ " وَالنُّجُومَ (النَّحْلُ ، 16: 12) ، و " مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (الْجَاثِيَةُ ، 45: 13). ودعا الجنَّ والإنسَ أنْ يَنفُذوا "مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 33). وأخبرنا أنهُ أعدَّ للمتقينَ مِن عبادِهِ جنةً "عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133). ووعدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن عبادِهِ بأنهُ سَيُدْخِلُهُمْ "جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ " (4: 57) ، ووصفَهُم بأنهم "خَيْرُ الْبَرِيَّةِ" (الْبَيِّنَةُ ، 98: 7) ، وتوعدَ الذينَ يكفرونَ بآياتِ اللهِ  (النِّسَاءُ ، 4: 56) والذينَ يعصُون اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُم "نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" (الْجِنُّ ، 72: 22-23). [11]

وضربَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أمثلةً على فئات الناس الذين سينتهون إما إلى الجنة أو النار. فقال بأن الضعفاء والمساكين سينالون رحمة الله ، التي تدخلهم إلى الجنة. أما الجبارون والمتكبرون ، فسينالهم سخطه ، الذي يدخلهم إلى النار. وذكر في حديث آخر أنه عندما يخلُص المؤمنون من النار ، فإنهم يحبسون على قنطرة بينها وبين الجنة ، حيث يتم القصاص بينهم على المظالم التي اقترفوها بحق بعضهم البعض ، في الحياة الدنيا. وبعد تنقيتهم من الذنوب هناك ، يؤذن لهم بدخول الجنة. وقال في حديث ثالث أن الناس عموماً سيدخلون الجنة من أبوابها الثمانيَ إذا ما شهدوا في الحياة الدنيا بأنه " لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ، ورُوحٌ منه ، وأنَّ الجنَّةَ والنَّارَ حقٌّ."  [12]  

3. وهكذا ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، بأمرِهِ لعبادِهِ مِنَ البشرِ بالقيامِ بالعباداتِ المفروضةِ وبالأعمالِ الصالحةِ ، فإنهُ يريدُ الخيرَ لهم في الحياةِ الدُّنيا والآخِرةِ. وبينما هوَ الْغَنِيُّ عَنْ عِبادِتِهِم لهُ (فَاطِرُ ، 35: 15) ، فإنهُ يَرضى عندما ينالُهُ التقوى منهم (الْحَجُّ ، 22: 37) ، والتي يؤدونها بإرادتِهِم الحرةِ (الإنْسَانُ ، 76: 3 ، 90: 10). فقد عَلِمَ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ الكثيرينَ مشنَ البشرِ هم خيرونَ ، في أقوالِهِم وأفعالِهِم ، كما أخبرَ ملائكةَ قدسِهِ الذينَ استغربوا استخلافَهُ لهم في الأرضِ ، بقولِهِ: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 30).  

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يحبُّ معاقبةَ الناسِ إنْ شكروا لهُ وآمنوا بِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 147) ، ولولا دُعاؤهم لهُ لَمَا اكترثَ لهم (الْفُرْقَانُ ، 25: 77). ولو يؤاخذُهم بظلمِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، لَمَا تركَ منهم أحداً دونَ عقابٍ ، ولكنهُ شاءَ تأخيرَ ذلكَ للآخِرةِ (النَّحْلُ ، 16: 61). وأنذرَ مَنْ يرتدونَ عَن دينِهِ بعدَ إيمانِهِم بهِ ، بأنهُ سيستَبدِلُهُم بقومٍ آخرينَ يحبُّهُم ويحبونهُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54). [13]

وأخبرَنا الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عن بعضِ الفئاتِ مِنَ المؤمنينً الذينَ يحبُّهُم الله ، سبحانهُ وتعالى ، لأنهم يتأسونَ ببعضِ صِفاتِهِ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كريمٌ وجوادٌ ، ولذلكَ فهوَ يحبُّ الكرماءَ والجَوَدَةَ ، كما يحبُّ الذينَ يتصفونَ بالأخلاقِ العالية. وقالَ في حديثٍ آخرَ أنَّ اللهَ يحبُّ الذينَ يُتقنونَ الأعمالَ التي يقومونَ بها. وذكَّرَنا في حديثٍ ثالثٍ بأنَّ الخيرَ الحقيقيَ هوَ في الآخِرةِ ، لأنهُ دائمٌ ، بالمقارنةِ مَعْ خيرِ الدُّنيا الزائل.[14]

4. والخلاصةُ أنَّ خلافةَ الإنسانِ للهِ على الأرضِ هيَ شرفٌ أسبغه الخالقُ ، عزَّ وجلَّ ، على البشرِ (الإسْرَاءُ ، 17: 70). وهي أيضاً إثباتٌ على ثقتِهِ بأنهم قادرونَ على تحملِ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتِقِهِم ، وأنَّ بإمكانِهِم النجاحَ في الاختبارِ الذي قررهُ عليهِم في الحياةِ الدُّنيا (الأحْزَابُ ، 33: 72-73 ، 11: 61). ويؤدي ذلكَ إلى أنْ يصبحَ الناجحونَ منهم خيِّرينَ بالاختيارِ ، الأمرُ الذي يؤهلُهُم لسُكنى جنتَهُ ، إعماراً لملكوتِهِ الواسعِ ، في الحياةِ الأخرى (الأعْرَافُ ، 7: 43). [15]

وقد نصحَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، المسلمينَ بأنَّ النجاحَ في اختبارِ الحياةِ الدُّنيا يتطلبُ منهم أنْ يعيشوا فيها كالغرباءِ أو المسافرين. وحثَّهم في حديثٍ آخرَ على القيامِ بأفضلِ الأعمالِ ، التي تفيدُهم في الآخِرةِ ، وهيَ الصدقةُ الجارية ، والعلمُ الذي ينفعُ الناسَ ، والولدُ الصالحُ الذي يدعو اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، ليغفرَ لأبويهِ ويُدخلُهُم الجنة. وبشَّرَهم في حديثٍ ثالثٍ بأنَّ ربَّهم ، تباركَ وتعالى ، قد أعدَّ لهم في جنتِهِ ما لا عينٌ رأتْ ، وما لا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بشر. [16]

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

***

الْخَلْفِيَّةُ الْبَحْثِيَّةُ

لِلْقَائِمَةِ الْمُطَوَّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

 

 

يتضمنُ هذا الفصلُ تعريفَ القارئِ بكيفيةِ تَوَصُّلِ المؤلفِ للقائمةِ الْمُطَوَّلِةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى ، بما في ذلكَ أساليبِ البحثِ في هذا الموضوعِ. فقد تمَّ إحصاءُ كلِّ اسمٍ منها كنصٍ مباشرٍ من القرآنِ الكريم ، وتوثيقُهُ بذكرِ بعضِ الآياتِ الكريمةِ التي وردَ فيها. وتلا ذلكَ شرحٌ لمعانيهِ بناءً على المعانيَ الواردةِ في تلكَ الآياتِ ، بالاستعانةِ بقواميسِ اللغةِ ، خاصةً معجمِ المعاني الجامعِ ، وتفسيراتِ المفسرينَ الثلاثةِ ، الطَّبَرِيِّ والْقُرْطُبِيِّ وابنِ كَثِيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً ، خاصةً ما أوردوهُ مِنَ الأحاديثِ الشريفةِ ذاتِ العلاقةِ. وامتدَّ البحثُ عَنْ معانيَ الأسماءِ الحُسنى أيضاً إلى كُتُبِ الغزالي والقرطبي والشعراوي والقرضاوي والنجدي ، جزاهم اللهُ خيراً عن أعمالِهم القيمةِ في هذا الخصوص. وأخيراً ، اكتملتْ القائمةُ باحتوائِها فقط على الأسماءِ الحُسنى التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، كوصفٍ للهِ ، جلَّ وعلا ، لِنَفْسِهِ. [17]

وهناكَ العديدُ مِنَ الكتبِ والمقالاتِ والمواقعِ على الشبكةِ العالميةِ ، بالعربيةِ والإنكليزيةِ (واللغاتِ الأخرى) ، التي تتضمنُ قوائمَ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، أو شرحاً لمعانيها ، أو الإشارةَ إليها. وهناكَ مواقعُ أخرى تقدمُ تعريفاً لكلِّ اسمٍ بكلماتٍ قليلة ، أو ترجمةً للاسمِ بكلمةٍ واحدةٍ ، بدونِ شرحٍ أو تفسيرٍ لمعناه. والغالبيةُ العُظمى مِن هذهِ المواقعَ تستخدمُ القائمةَ الملحقةَ بالحديثِ الشريفِ الذي أخرَجَهُ التِّرْمِذِيِّ عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، الْمُخْتَلَفِ عليهِ ، والتي تَجْمَعُ ما بينَ بعضِ أسماءِ اللهِ الحُسنى التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المشرَّفةِ ، وصفاتِ اللهِ المستنبَطةِ منهما بشكلٍ غيرِ مباشرٍ ، مِن كلماتٍ تُعَبِّرُ عَن أفعالهِ أو صفاتهِ ، عزَّ وجل.

أمَّا القائمةُ التي أحصاها هذا المؤلفُ ، ويُقدمُها في الفصلِ الرابعِ مِنْ هذا الكتابِ ، فإنها تختلفُ عن تلكَ القوائمِ في أنها تشتملُ فقطْ على أسماءِ اللهِ الحُسنى التي ذكرَها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، نَصًّاً ، كوصفٍ لنفسهِ ، بشكلٍ مباشرٍ في كتابِهِ العزيز ، أي إنها ليست مستنبطةً ، كما هو الحال فيما اشتملتْ عليهِ القوائمُ الأخرى. وتمَّ إثباتُ ذلكَ بإيرادِ بعضِ الآياتِ التي وردتْ فيها. وتُمَثِّلُ أسماءُ اللهِ الحُسنى في هذهِ القائمةِ صِفاتِ اللهِ وقُدُرَاتِهِ ، بما في ذلكَ الأسماءِ المركبةِ ، والأسماءِ المضافةِ ، والتي تصفُ الاسمَ الأساسَ ، مثلَ تلكَ التي تحتوي على أفعلِ التفضيلِ ، كأسرعِ الحاسبينَ وأحكمِ الحاكمين. ولذلكَ ، وصلَ عددُ أسماءِ اللهِ الحُسنى في هذه القائمةِ المطولةُ إلى 151.

وتلا ذلكَ الوصولُ إلى قائمةٍ أخرى مصغرةٍ منها ، تحتوي على 99 مِنَ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ استجابةً لحديثِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي شجعَنا فيهِ على إحصائِها. واقتصرَ واحدٌ وثمانونَ اسماً في هذهِ القائمةِ على كلمةٍ واحدةٍ. أما الأسماءُ الثمانيةَ عشرَ الأخرى ، فهيَ أسماءٌ مُرَكَّبَةٌ من كلمتينِ أو أكثرَ ، كما وردتْ تماماً في القرآنِ الكريم.

وقد تمَّ اختيارُ الأسماءِ في هذهِ القائمةِ المصغرةِ من القائمةِ المطولةِ ، المقدَّمةِ في الفصلِ الرابعِ ، وذلكَ باستثناءِ الأسماءِ الأخرى ، المشتقةِ من نفسِ الفعلِ. فمثلاً ، تمَّ اختيارُ اسمِ "الرحيمِ" ممثِلاً للأسماءِ الأخرى ، المشتقةِ مِنْ نفسِ الفعلِ ، وهيَ: "أرحمُ الراحمينَ ، وخيرُ الراحمينَ ، وذو الرحمةِ."

وأُدْرِجَ اسمُ "الخالقِ" ممثِّلاً لأسماءِ الخلاقِ ، وأحسنِ الخالقينَ. واختيرَ "الغفورُ" ممثِّلاً لأسماءِ الْغَفَّارِ وخيرِ الغافرينَ ، وذي المغفرةِ ، وواسعِ المغفرةِ ، وأهلِ المغفرةِ. وكذلكَ كانَ الحالُ بالنسبة "للقهارِ" ، ممثِّلاً للقاهرِ. وهكذا أيضاً ، كانَ اسمُ "رَبِّ العالمينَ" ممثِلاً للأسماءٍ العشرةِ التي تحتوي على ذكرِ اسمِ "الرَّبِّ" ، في نهايةِ هذهِ القائمة.

وغنيٌ عن القولِ أنَّ هذا المؤلفَ لا يزعمُ أنَّ هذهِ القائمةَ هيَ الكاملةُ. وعلى العكسِ مِن ذلكَ ، فإنهُ يشجعُ الباحثينَ والقراءَ عموماً للاستمرارِ في دراُسةِ القرآنِ الكريمِ ، والتعرفِ على أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وفهمِ معانيها ، والدعاءِ إلى اللهِ بها ، والاستفادةِ منها في حياتِهِم الدُّنيا. فقد أشارَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لأسمائِهِ الحُسنى ، وأمرَنا أنْ ندعوهُ بها ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التالية:

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 180).

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الإسْرَاءُ ، 17: 110).

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (طَهَ ، 20: 8).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كذلكَ ، فإنَّ النبيَ محمداً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قد أوصانا بأنْ ندعو اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، بأسمائِهِ الحُسنى عندما نتوجهُ لهُ بالسؤال. وأضافَ بأننا نعلمُ عن بعضِ هذهِ الأسماءِ التي أخبرَنا عنها ربُّنا في القرآنِ الكريمِ ، ولكننا لا نعلمُ عن أسماءٍ أخرى لم يكشفْها لنا. 

فعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، قالَ: "اللهمَّ ... أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ ، سَمَّيْتَ به نفسَكَ ، أو أَنْزَلْتَه في كتابِكَ ، أو عَلَّمْتَهُ أحداً من خَلْقِكَ ، أو استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندكَ ، أنْ تَجعلَ القرآنَ ربيعَ قَلبي ، ونورَ صَدري ، وجلاءَ حُزْني ، وذَهابَ هَمِّي." [18]

وفي حديثٍ آخرَ ، حثَّ الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، المسلمينَ على إحصاءِ تسعةً وتسعينَ مِنْ أسماءِ اللهِ ، بهدفِ تشجيعِهِم لمعرفةِ ربِّهم ، حتى يفوزوا برضاهُ وجنةِ خُلدِه. فعن أبي هريرةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أنَّ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ." [19]

وقد قدَّمَ علماءُ المسلمينَ الأوائلِ ، مثلُ الغزالي والقرطبي وابنِ تيمية ، والمعاصرينَ مثلِ الشعراوي والقرضاوي والقحطاني ، جزاهمُ اللهُ كلَّ خيرٍ ، شرحاً مفيداً لهذا الحديثِ الشريفِ. فقالوا إنهُ لا يَعني أنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى مقتصرةٌ على هذهِ التسعِ والتسعينَ منها ، التي شَجَّعَنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، للتعرفِ عليها ودراستِها ، وذلكَ بالبحثِ عنها ، وتعلُّمِ معانيها ، والعملِ بما تعنيه. وأجمعوا بأنَّ التسعةَ والتسعينَ اسماً لم يردْ في تعيينِها حديثُ صحيحٌ ، وأيدَهُم في ذلكَ الألبانيُّ ، الذي ضَعَّف الحديثَ المنسوبَ إلى أبي هريرةَ ، المشتملَ على قائمةِ بهذهِ الأسماء. [20]

وإجمالاً ، هناكَ أربعةُ دلائلٍ على ضعفِ هذا الحديثِ. تَمَثَّلَ الدليلُ الأولُ في اضطرابِ الروايةِ عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، الذي نُسِبَتْ إليهِ روايتانِ ، تشتملانِ على تباينٍ ظاهرٍ في الإبدالِ والتغيير.

وقد ذهبَ القرطبيُ إلى ما ذهبَ إليهِ الغزالي ، في ذِكْرِ آراءِ العلماءِ السابقينَ لهما ، في أنهُ مِنَ المرجحِ أنْ تكونَ قائمةُ الأسماءِ الملحقةِ بحديثِ أبي هريرةَ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، مِنْ قولِ الراوي ، لا مِنْ قولِ النبيِّ ، عليه الصلاةُ والسلامُ. كما أنَّ أصحابَ الصحيحينِ (البخاري ومسلم) لم يورِدا قائمةَ الأسماءِ معَ الحديثِ. وأضافَ ابنُ تيميةَ إلى ذلكَ قولَهُ بأنَّ "التسعةَ والتسعينَ اسماً لم يردْ في تعيينِها حديثٌ صحيحٌ عن النبي ، عليهِ الصلاةُ والسلام. وأشهرُ ما عندَ الناسِ فيها حديثُ الترمذي ، الذي رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن شعيبٍ ، عن أبى حمزة. وحُفاظُ أهلِ الحديثِ يقولونَ (أنَّ) هذهِ الزيادةَ مما جَمَعَهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ عنْ شيوخِهِ مِنْ أهلِ الحديثِ ، وفيها حديثٌ ثانٍ أضعفُ مِنْ هذا ، رواهُ ابن ماجه."

والدليلُ الثاني على ضعفهِ أنَّ هناكَ أسماءً قد وردتْ في القرآنِ الكريمِ ولم تردْ في الروايتينِ. ومن أمثلةِ ذلكَ المولى ، النصيرُ ، الغالبُ ، القريبُ ، الربُّ ، الناصرُ ، شديدُ العقابِ ، قابلُ التوبِ ، غافرُ الذنبِ ، ومخرجُ الميتِ مِنَ الحي.

والدليلُ الثالثُ أنَّ القائمةَ الملحقةَ بهِ تحتوي على 28 مِنَ الأسماءٍ التي لم يردْ نصٌ بها في القرآنِ الكريمِ.  وهذهِ الأسماءُ هيَ: القابضُ ، الباسطُ ، الخافضُ ، الرافعُ ، المعزُّ ، المذلُّ ، الحكمُ ، العدلُ ، الجامعُ ، الجليلُ ، الباعثُ ، المُحصي ، المبدئُ ، المعيدُ ، المميتُ ، الواجدُ ، الماجدُ ، المقدمُ ، المؤخرُ ، الوالي ، المقسطُ ، المغنيُ ، المانعُ ، الضارُّ ، النافعُ ، الباقي ، الرشيدُ ، الصبور.

ويتمثلُ الدليلُ الرابعُ في أنَّ سردَ الأسماءِ في الحديثِ يتناقضُ مع دعوةِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، للمسلمين ليقوموا بإحصائها ، وذلكَ لأنهُ يكونُ قد أحصاها وأخبرنا بها. [21]

أساليبُ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى

ذكرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لنا أنَّ لهُ أسماءٌ حُسنى ، أوردَها في آياتٍ عديدة من القرآنِ الكريمِ ، وأوصانا بأنْ ندعوهُ بِها (الأعْرَافُ ، 7: 180 ؛ الإسْرَاءُ ، 17: 110 ؛ طَهَ ، 20: 8). وعددَ لنا منها ثمانيةَ عشرَ اسماً بشكلٍ مباشرٍ في الآيات الكريمة 22-24 من سورة الْحَشْرِ (59) ، كما يلي:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾‏ (الْحَشْرُ ، 59: 22-24).

والأسماءُ التي شاءَ ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أنْ يَذْكُرَها لنا في كتابهِ الكريمِ ، هيَ التي يمكننا فهمَها وإدراكَها. أمَّا غيرُ ذلكَ مِنْ أسمائهِ ، فلم يَذْكُرْها لنا لأننا لا يُمكننا فهمَها إذا ما كانتْ تصفُ عِلْمَهُ وتدبيرَهُ ومشيئتَهُ في الأجزاءِ الأخرى مِنْ ملكوتِهِ الواسعِ ، من سماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ وما فيها ومَن فيها. كما أنَّ عِلْمَ اللهِ مُطْلَقٌ ، بما كان ويكونُ وما سيكونُ ، بينما عِلمُ مخلوقاتِهِ محدودٌ كمَّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً وحالاً ، فأنَّى لنا أنْ نفهمَ أسماءَهُ التي تُعَبِّرُ عن ذلك؟

وعليهِ ، فينبغي ذِكْرُ أسماءِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، كما أتتنا في كتابِهِ الكريمِ ، وعلى لسانِ نبيهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وعدمُ الألحادِ فيها ، أي بتغييرِها ، كما نهانا عنهُ في الآيةِ الكريمةِ (الأعراف ، 7: 180) المذكورةِ أعلاهُ ، حتى نتجنبَ ما فعلَهُ المشركونَ قبلَ البِعثةِ ، بتسميةِ أصنامِهم "باللاتِ والْعُزى ومَنَاةٍ" ، وذلكَ إلحاداً مِنَ "اللهِ العزيزِ المنان."

وقياساً على ذلكَ ، فإنهُ لا ينبغي استحداثُ مسمياتٍ للهِ غيرَ أسمائِهِ التي ذُكرتْ لنا نصاً مباشراً في القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المُشَرَّفَةِ. ولم ينتبهْ العديدُ مِنَ الباحثينَ لذلكَ ، أثناءَ انكبابِهم على إحصاءِ أكبرَ عددٍ من أسماءِ اللهِ الحُسنى في القرآنِ والسُّنة. ومِثالٌ على ذلكَ ابنُ الوزيرِ (المتوفي عام 822 هجرية ، 1419 ميلادية) ، جزاهُ اللهُ خيراً ، الذي أعدَّ قائمةً اشتملتْ على مائةٍ وخمسةٍ وخمسينَ اسماً ، ذَكرَ أنها وردتْ كنصٍ صريحٍ في القرآنِ الكريمِ ، دونَ اشتقاقٍ ، ما عدا "الأعز" ، الذي اشتقَهُ مِنَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (الْمُنَافِقُونَ ، 63: 8). والحقيقةُ أنَّ هناكَ واحداً وعشرينَ اسماً منها لم تَرِدْ نصاً في القرآنِ الكريم.  [22]

وقد اضطربَ بعضُ الذينَ كتبوا في موضوعِ أسماءِ اللهِ الحُسنى في تكييفهِم لهذهِ الأسماء ، هل هي صفاتٌ أم أسماءٌ؟ وكانَ سببُ اضطرابِهِم هو أنها صفاتٌ ، إذا ما أخضعناها لقواعدِ اللغةِ العربيةِ التي وضعها النحويونَ العرب. فكيفَ يشيرُ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، إليها على أنها أسماؤهُ ، مع أنها صفاتُهُ ، جلَّ وعلا؟

ومِنَ الطريفِ أنهُ قد سُهِيَ عليهِم أنَّ القرآنَ الكريمَ قد نزلَ بلسانِ العربِ آنذاك ، بما في ذلكَ لهجاتِ القبائلِ المختلفةِ. أما عِلْمُ النحوِ العربيِّ ، فقد نشاً بعدَ موتِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، بهدفِ تعليمِ اللغةِ العربيةِ للشعوبِ التي دخلتْ في الإسلامِ ، حتى يفهمَ المسلمونَ كتابَ اللهِ وسَنَّةَ رسولِهِ. 

وهكذا ، فإنَّ تقسيمَ الكلامِ إلى أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ ، ثمَّ تقسيمَ الأسماءِ إلى أسماءِ أعلامٍ وأسماءِ صفاتٍ وأسماءِ أفعالٍ كانَ مِنْ عملِ النحويينَ العربِ ، ابتداءً من أبي الأسودِ الدؤليِّ والخليلِ بنِ أحمدَ ومروراً إلى سيبَوَيهِ والمازني وابنِ السكيتِ ، ومَنْ تبعَهُم مِنْ علماءِ النحوِ العربيِّ حتى القرنِ السادسِ للهجرة. [23]

أما إشارةُ اللهِ ، جلَّ وعلا ، لأسمائهِ بأنها أسماؤه ، بدلَ الإشارةِ إليها بأنها صفاتُهُ ، فكانتْ منسجمةً معْ ما كانَ يعرفهُ ويفهمهُ العربُ آنذاك. أي أنَّ القرآنَ الكريمَ والحديثَ الشريفَ أصلانِ سابقانِ لعلمِ النحوِ ، وبالتالي فهما المرجعانِ اللذانِ كانَ ينبغي أنْ يسودا على ما فَعَلَهُ النحويونَ بعدهما ، بما في ذلكَ ما استطاعوا وضعَهُ منَ القواعدِ لتعليمِ لغةِ العربِ للمسلمينَ في كلِّ مكان.

وعلى ذلكَ ، فإنهُ حتى لفظُ الجلالةِ ، اللهُ ، هوَ اسمُ صفةٍ. فهوَ يعني "الإلهَ" ، حيثُ دخلتْ ألُّ التعريفِ على كلمةِ "إله" فأصبحتا "اللهَ" بالإدغام. ولكنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، قد مَيَّزَهُ مَعَ أربعةِ أسماءِ صفاتٍ أخرى لهُ بأنْ أشارَ إلى نفسِهِ بهِ ، باستخدامِ الضميرِ "أنا" ، في ثلاثٍ مِنَ الآياتِ الكريمةِ (طَهَ ، 20: 14 ؛ النَّمْلُ ، 27: 9 ؛ الْقَصَصُ ، 28: 30). وأشارَ لنفسهِ أيضاً باستخدامِ الضميرِ "أنا" ، بأنهُ "إلهٌ" (النَّحْلُ ، 16: 2) ؛ وأنهُ الغفورُ الرحيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49) ؛ والرَّبُّ (طَهَ ، 20: 12 ؛ الأنْبِيَاءُ ، 21: 92 ؛ الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 52). [24]

وقد اتفقَ علماءُ النحوِ على أنَّ الكلمةَ يُمكنُ فهمُها بعواملَ لفظيةٍ ، هيَ الأسماءِ والأفعالِ والحروف. كما أنَّ هناكَ عاملاً معنوياً ، يُدرَكُ بالعقلِ دونَ أنْ يُلفظَ ، وتقعُ علامتُهُ الإعرابيةُ ، ولكنهُ لا يوجَدُ في الكلامِ ولا يُكتبُ ، مثلَ الضميرِ المستترِ المقدَّر. كما اختلفتْ مدارسُ النحويين في أمورٍ كثيرةٍ. فمثلاً ، قالَ البصريونَ أنَ الاسمَ هو أصلُ الاشتقاقِ في اللغةِ. أمَّا الكوفيونَ ، فقالوا بأنَّ الفعلَ هوَ الأصلُ الذي تُشْتَقُّ منهُ الأسماءُ. [25]

كما قسَّموا العواملَ اللفظيةَ الثلاثةَ إلى فروعٍ أخرى ، فاعتبروا الصفةَ فرعاً مِنْ فروعِ الأسماءِ. وذكروا أنَّ الصفاتِ إما أنْ تكونَ مفردةً ، أو جملةً فعليةً ، أو اسميةً ، أو ظرفاً ، أو شبهَ جملةٍ مِنَ الظرفِ ، والجارِّ والمجرور.

وأضافوا بأنهُ يُمكنُ اشتقاقُ مجموعةٍ مِنَ الكلماتِ مِنْ مادةٍ لغويةٍ واحدة. فمِنَ الفعلِ "ضَرَبَ" ، يُمكنُنا استخراجَ اسمِ الفاعلِ: "ضارب" ، وكذلكَ صيغةِ المبالغةِ مِنهُ ، أي مِضْراب (مِفْعال). وهناكَ صيغُ مبالغةٍ أخرى على أوزانٍ مختلفةٍ ، بالإضافة إلى مِفعالٍ ، وهيَ فاعِلٌ ، وفَعِلٌ ، وفَعِيلٌ ، وفَعُولٌ ، وفَعَّالٌ.[26]


وبناءً على ذلكَ ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى هيَ أسماءُ صفاتٍ أو أسماءُ أفعالٍ لهُ ، عزَّ وجلَّ ، سواءٌ كانتْ مفردةً أو غيرَ ذلكَ. كما أنها يُمكنُ أنْ تأتيَ على هيئةِ اسمِ الفاعلِ ، مثلِ الخالقِ والبارئِ والقاهرِ ، وعلى سبيلِ المبالغةِ في صفاتِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، مثلِ الرحيمِ ، كصيغةِ مبالغةٍ مِنَ الرحمن ؛ والمليكِ مِنَ المَلِكِ ؛ والخلاقِ مِنَ الخالِقِ ؛ والقهارِ مِنَ القاهرِ ؛ والعلَّامِ والعليمِ مِنَ العالِم ، والغفورِ مِنَ الغافرِ ؛ والشكورِ مِنَ الشاكرِ.

وعبَّرَ الشعراوي ، رَحِمَهُ اللهُ ، عن رأيهِ في ضرورةِ الالتزامِ بأسماءِ اللهِ الحسنى كما وردتْ في القرآنِ الكريمِ ، سواءً كانتْ أسماءَ صفاتٍ أو أسماءَ أفعال ، وأنهُ لا يجوزُ اشتقاقُ أسماءٍ من أفعالِ الحقِّ ، تباركَ وتعالى ، مثلِ المُبتلي والماكرِ مِنَ الفعلينِ ابتلى ومكرَ. فأسماءُ الصفاتِ في هذهِ الحالةِ تنطبقُ على الحياةِ الدنيا فقط. أمَّا في الآخرةِ ، فلا ابتلاءَ ولا مكر. وعلى ذلكَ ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى ينبغي أنْ تنطبقَ على الحياةِ الدنيا والآخرةِ ، لأنَّ صفاتَهُ ، جلَّ وعلا ، دائمةٌ وأزلية. وأضافَ بأنهُ لا ينبغي اشتقاقُ اسمٍ مُكَوَّنٍ مِنْ كلمةٍ واحدةٍ مِنَ الأسماءِ المُضافةِ ، مثلِ الشديدِ والقابلِ والغافرِ ، من شديدِ العقابِ وقابلِ التوبِ وغافرِ الذنبِ ، أي أنَّهُ لا ينبغي اجتزاءُ هذهِ الأسماءِ الْمُرَكَّبَةِ ، بل إبقاؤها كما هيَ.

وهكذا ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى التي تمَّ إحصاؤها هُنا هيَ التي ذُكرتْ كنصٍ حَرْفِيٍّ مباشرٍ في كتابِ الله ، وقد تمتْ كتابتُها في القائمةِ المطولةِ كما هيَ ، دونَ تغييرٍ أو تبديل. أمَّا القائمةُ المصغرةُ ، فاستُبعدَ منها ما تكررَ من الأسماء ، التي تشتركُ في اشتقاقِها مِن فعلٍ واحدٍ. فمثلاُ ، تمَّ اختيارُ اسمِ "الغفورِ" ممثلاُ للستةِ الأخرى مِنَ الأسماءِ التي تشتركُ معهُ في اشتقاقِها مِنَ الفعلِ "غَفَرَ." كما استُبعدَ مِنَ القائمتينِ ما يُمكنُ تصنيفُهُ بأنهُ أسماءُ أفعالٍ ، أو مَمَادِحُ سلبيةِ أو أسماءٌ استنبطَها مؤلفونَ آخرونَ من القرآنِ الكريم والسنةِ المشرفةِ. وَوُضِعَتْ هذه المجموعاتِ الثلاثِ في آخِرِ القائمة.

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الرَّابِعُ

***

الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى

كَمَا ذُكِرَتْ مُبَاشَرَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

 

 

تشتملُ القائمةُ المطولةُ التاليةُ على 151 اسمٍ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تمكنَ هذا المؤلفُ مِنَ التعرفِ عليها وإحصائِها وجمعِها ، والتي تُمثلُ صِفَاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وقُدراتِهِ ، المذكورةِ مباشرةً في القرآنِ الكريم. وقد تمَّ توثيقُ كلِّ اسمٍ منها بذكرِ بعضِ الآياتِ الكريمةِ التي وَرَدَ فيها. وتلا ذلكَ شرحٌ لمعانيهِ بناءً على المعانيَ الواردةِ في تلكَ الآياتِ ، وتفسيراتِ المفسرينَ الثلاثةِ ، جزاهم اللهُ خيراً ، وما أوردوهُ مِنْ أحاديثَ شريفةٍ ، والكتبِ المُشارِ إليها آنفاً ، والتي تشرحُ أسماءَ اللهِ الحُسنى وصفاتِهُ.

والجديرُ بالذكرِ أنَّ مِنْ بينِ تطبيقاتِ العِلْمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعوةَ إلى اللهِ بها ، والعملَ بمقتضاها ، وتسميةَ المسلمينَ لأبنائِهِم بها ، وذلكَ بإضافةِ كلمةِ "عَبْدٍ" لتسبقَ اسمَ اللهِ ، عزَّ وجل. ومثالُ ذلكَ عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ ، أي الذي يعبدُ اللهَ والذي يعبدُ الرحمنَ ، كما مَرَّ شرحُهُ في الفصلِ السابعِ مِنْ كتابِ المؤلفِ: "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟"  [27]

1. اللهُ

"اللهُ" ، اسمُ صفةٍ اختصَّ بِهِ الخالِقُ العظيمُ ، وأطلقَهُ على نفسِهِ ، وهوَ وما عداهُ مِنْ أسماءٍ حُسنى ، أسماءُ صفاتٍ لهُ ، تباركَ وتعالى. ولغوياُ ، فإنَّ لفظَ الجلالةِ ، أي "اللهَ" ، يعني "الإلهَ" ، الذي حُذفتْ ألِفُهُ المهموزةُ لدخولِ أداةِ التعريفِ عليه ، فأصبحتا "اللهَ" بالإدغامِ. وقد كانَ اسمُ "اللهِ" هذا معروفاً أيضاً لرسلِهِ السابقينَ ، عليهمُ السلامُ أجمعين.

وأخذاً برأيِّ الكوفيينَ الذينَ قالوا باشتقاقِ الاسمِ مِنَ الفعل ، فإنَّ هذا الاسمَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلهاً ليعبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلهاً ، حتى يعرفَهُ خلقُهُ فيعبُدُونَهُ.

وقد ذُكِرَ لفظُ الجلالةِ ، "اللهُ" ، سبحانهُ وتعالى ، في القرآنِ الكريمِ 2669 مَرَّةً ، بصيغٍ مختلفةٍ. وذُكِرَ اسمُ "اللهِ" وحدَهُ 2247 مرةً في آياتِ كتابِ اللهِ ، و113 مرةً في بسملاتِ السورِ (حيثُ أنَّ سورةَ التَّوْبَةِ ليسَ لها بسملةٌ). كما جاءَ في 309 مراتٍ بصيغٍ أخرى ، وهي: اللَّهُمَّ (5 مرات) ، للهِ (143 مرة) ، تَاللهِ (9 مرات) ، فَاللهِ (6 مرات) ، بِاللهِ (139 مرة) ، فلَلهِ (6 مرات) ، أبِاللهِ (مرةً واحدةً). [28]

ومِنْ أمثلةِ ذِكْرِ اسمِ "اللهِ" ، ما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ "(الْفَاتِحَةُ ، 1: 1) ، و "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26) و "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"ُ (الْحَدِيدُ ، 57: 1). 

وقد وَصَفَ الخالقُ العظيمُ نفسَهُ لنا بأنهُ "اللهُ" ، سبحانهُ وتعالى ، أي أنهُ الإلهُ الأوحدُ الذي أوجدَ الكونَ بما فيهِ ومَن فيهِ ، ولذلكَ توجبتْ عبادتُهُ على مخلوقاتِهِ ، وخاصةً بإقامةِ الصلاةِ لذكرِهِ أبداً ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 14 مِن سورةِ طَهَ (20). وذكرَ لنا ذلكَ أيضاً في الآيةِ 9 مِن سورةِ النَّمْلِ (27) ، التي تُقْرِنُ إلاهيتَهُ باسمينِ آخَرَيْنِ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، هما "العزيزِ" و "الحكيمِ." أما في الآيةِ 30 مِن سورةِ الْقَصَصِ (28) ، التي يصفُ ربُّنا ، جلَّ وعلا ، فيها نفسَهُ بأنهُ هوَ "اللهُ" ، فإنهُ يُخبرُنا بأنهُ ربُّ العالمينَ ، أي المُربي والحافظُ والمنعمُ على عوالمِ خلقِهِ.  ولذلكَ ، فهوَ أهلٌ للعبادةِ مِن قِبَلِ خلقِهِ ، كتعبيرٍ منهم عن شكرِهِم لَهُ على نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، كنعمةِ الحياةِ ، والبرَكةِ ، والرحمةِ ، والحياةِ الأبديةِ في جنَّةِ خُلدهِ لعبادهِ المؤمنينَ الصالحينَ مِنَ الجنِّ والإنسِ. فيقولُ عزَّ وجل:

إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طَهَ ، 20: 14).

يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (النَّمْلُ ، 27: 9).

يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 30).

وذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانه وتعالى ، في الآيةِ الكريمةِ 56 مِن سورةِ الذَّارِيَاتِ (51) بأنهُ خَلَقَ الجنَّ والإنسَ ليعبدوهُ ، على الرغمِ مِن عدمِ حاجتِهِ لعبادتِهِم لهُ ، لأنهُ هوَ الغنيُ وهمُ الفقراءُ إليهِ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 57 ، فَاطِرُ ، 35: 15 ، الْحَجُّ ، 22: 37). وإنما فرضَ العبادةَ عليهِم لفائدتِهِا لهم أفراداً وجماعاتٍ ومجتمعاتٍ ، كما نعلمُ من الآياتِ الكريمةِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 184 ، 271-272 ، الإسْرَاءُ ، 17: 7 ، الْحَجُّ ، 22: 77 ، الْجُمُعَةُ ، 62: 9).

فَمِنْ حُبِّ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، وعطفِهِ على مخلوقاتِهِ مِنَ الجنِّ والإنسِ ، أنهُ أرسلَ لهم رسالاتِهِ ليهديَهُم إلى العيشِ في سعادةٍ ، في حياتِهِم الدُّنيا وفي الآخِرة. وإذا ما تأملنا فيما يَنتجُ عن القيامِ بالعباداتِ المفروضةِ ، أي الشهادتينِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وصومِ رمضانَ وحَجِّ البيتِ لِمَن استطاعَ إليهِ سبيلا ، بالإضافةِ إلى القيامِ بأعمالِ الخيرِ ، نجدْ أنها تؤدي إلى خيرِ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ والأرضِ كلِّها ، التي استُخلِفنا فيها ، كما مرَّ تفصيلهُ في الفَصْلِ الثَّامِنِ من كتابِ المؤلِّفِ ، "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّة لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "العَلَاقَةُ مَا بَيْنَ النَّوَاحِي الرُّوحِيَةِ وَالْجَسَدِيَّةِ فِي التَّعَاليمِ الإسْلَامِيَّةِ."

وقالَ الغزالي بأنّ هذا الاسمَ هوَ أعظمُ أسماءِ اللهِ وأخصُّها. وذكرَ القرطبيُّ أنَّ "اللهَ" ، سبحانهُ وتعالى ، قد انفردَ بهذا الاسمِ ، الذي لم يتسمَ بهِ أحدٌ غيرُهُ ، وأنَّ جميعَ أسمائِهِ الأخرى صفاتٌ لهُ ، ولذلكَ فهوَ اسمهُ الأعظمُ. واتفقَ ابنُ كثيرٍ معهُ على ذلكَ ، ولكنهُ رأى أيضاً أنَّ "القيومَ" ربما يكونُ اسمهُ الأعظمُ. وعرَّفه الشعراوي بأنهُ الاسمُ الدالُّ على الذاتِ الجامعةِ لصفاتِ الألوهيةِ.

كيفَ يستفيدُ المسلمُ مِنَ العِلْمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى؟

مِنْ تطبيقاتِ العلمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِها إليهِ ، تباركَ وتعالى ، كما أمرَ في كتابِهِ الكريمِ: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا" (الأعْرَافُ ، 7: 180). فيبدأُ الدُّعاءُ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ وَحْدُكُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثُمَّ يدعو بما يشاءُ مِنْ خيرٍ لهُ ولأسرتِهِ وأقارِبِهِ ولِمَنْ يُحِبُّ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الأعظمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ اللهِ الذي اختارَهُ لنفسهِ ، ولا ينطبقُ على غيرِهِ. فهوَ الخالقُ العظيمُ لكلِّ مَنْ هوَ في الوجودِ ، ولا إلهٌ غيرُهُ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ اللهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ الأعظمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

2. إِلَٰهٌ

"الإلَهُ" اسمُ صفةٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلَهَاً لِيَعْبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلَهَاً ، حتى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ فيعبُدُونَهُ. ومَنْ عَرَفَهُ بأنهُ إلَهَهُ ، فإنهُ يَألَهُ إليهِ ، أيْ يعتمدُ عليهِ ، ويَحْمَدُهُ في الرخاءِ ، ويفزَعُ إليهِ في الشدةِ ، أيْ أنهُ يُقِرُّ بعبادتِهِ ويقومُ بِها استجابةً لأمرِهِ ، جلَّ وعلا ، الذي قالَ فيهِ:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 25).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الإلَهَ" هوَ الخالقُ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 91) والرَّبُّ (الصَّافَاتُ ، 37: 4-5) ، والرَّزاَّقُ (النَّمْلُ ، 27: 64) ، وباعثُ الحياةِ على الأرض ، مِن خلالِ تناوِبِ الليلِ والنهارِ عليها (الْقَصَصُ ، 28: 71-72). وهوَ إلَهٌ وَاحِدٌ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4) ، وهوَ "رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9).

وقد ذُكرتْ كلمةُ "إلَهٍ" ، في صيغتِها المفردةِ ، 97 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 17 مرةً بصيغةٍ محايدةٍ أو بالإشارةِ إلى إلهٍ زائفٍ ، مِنْ آلهةِ المشركين. [29]  كما ذُكرتْ في 80 مرةً منها كوصفٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، أو بالإشارةِ إليهِ ، أيْ كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مثلما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 84 مِنْ سورةِ الزُّخْرُفِ (43):

 وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 84).

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ،  فإنها جاءتْ أيضاً بصيغتِها المفردةِ ولكنْ للجمعِ المخاطَبِ ، "َإِلَٰهُكُمْ" ، 11 مرةً. وجاءتْ مرةً واحدةً للمفردِ المخاطَبِ ، "إِلَٰهَكَ" ، ومرةً أخرى لجمعِ المتكلمينَ "إِلَٰهُنَا" ، كما في الآياتِ الكريمةِ 2: 133 ، 2: 163 ، 29: 46.

قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 133).

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 46).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ الواحِدُ الأحَدُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثُمَّ يدعو بما يشاءُ مِنْ خيرٍ لهُ ولأسرتِهِ وأقارِبِهِ ولِمَنْ يُحِبُّ.  ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الأعظمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ لا إلهٌ غيرُهُ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفاُ أو مُنَكَّرَّاً. فهوَ الخالقُ العظيمُ لكلِّ مَنْ هوَ في الوجودِ ، ولا إلهٌ غيرُهُ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الإلَهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

3. إِلَٰهُ النَّاسِ

"إلَهُ النَّاسِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٍ مِنْ كلمتينِ. أولاهُما "إلَهُ" ، وهي اسمُ صفةٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلَهَاً لِيَعْبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلَهَاً ، حتى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ فيعبُدُونَهُ. ومَنْ عَرَفَهُ بأنهُ إلَهَهُ ، فإنهُ يَألَهُ إليهِ ، أيْ يعتمدُ عليهِ ، ويَحْمَدُهُ في الرخاءِ ، ويفزَعُ إليهِ في الشدةِ ، أيْ أنهُ يُقِرُّ بعبادتِهِ ويقومُ بِها.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "النَّاسُ" ، فهيَ اسمٌ في صيغةِ الجمعِ ، ومفردُها "إنْسَانٌ. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "نَسِيَ" الذي يعني "فَقَدَ الْمَعْرِفَةَ بأمرٍ ما." فالنسيانُ مِنْ خواصِّ الإنسانِ ، كما جاءَ في آياتٍ عديدةْ مِنَ القرآنِ الكريمِ ، مِثلَ قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (طَهَ ، 20: 115).

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (الْكَهْفُ ، 18: 61).

كما أنَّ كلمةَ "النَّاسِ" مشتقةٌ أيضاً مِنَ الفعلِ "أَنِسَ" ، الذي يعني "أحَبَّ الصُّحْبَةَ" ، وألِفَهَا واطمأَنَّ إليها ، والذي جاءَ أحدُ مُشتقاتِهِ في صيغة الفعلِ المضارِعِ الجمعي ، "تَسْتَأْنِسُوا" (النُّورُ ، 24: 27). وجاءَ أيضاً في اشتقاقٍ آخَرَ ، في صيغةِ اسمِ الصفةِ الجمعي ، "مُسْتَأْنِسِينَ" (الأحْزَابُ ، 33: 53) ، مِمَّا يُشيرُ في الحالتينِ إلى الصفةِ الاستئناسيةِ للإنسانِ ، وميلِهِ إلى الأنسِ والصحبةِ والتفاعُلِ الاجتماعي معَ غيرِهِ مِنَ الناسِ ، مثلما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النُّورُ ، 24: 27).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (الأحْزَابُ ، 33: 53).

وهناكَ معنىً ثالثٌ لكلمةِ "النَّاسِ" ، يشيرُ إلى المخلوقاتِ الْمُكَلَّفَةِ بالعبادَةِ مِنْ إنسٍ وجِنِّ معاً ، كما دلَّنا على ذلكَ معنى الآيتين الكريمتين 5 و 6 مِنْ سورةِ النَّاسِ (114). وهكذا ، فإنَّ "إلَهَ النَّاسِ" كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي ذُكِرَ في القرآنِ الكريم مرةً واحدةً ، يعني أنهُ الإلهُ الذي تعبدُهُ مخلوقاتُهُ المكلَّفةِ من ملائكةٍ في السماءِ ، وإنسٍ على الأرضِ (الزخرف ، 43: 84) ، وجنٍ بينهما (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾‏ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾إِلَٰهِ النَّاسِ ﴿٣﴾‏ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾‏ (النَّاسُ ، 114: 1-6).

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 84).

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).

وكما تخبرُنا آياتُ سورةِ الناسِ ، فإنَّ الاستعاذةَ بربِّ الناسِ وإلهِهِم ، تُذْهِبُ وسوسةَ الشيطانِ للجنِّ والإنسِ ، وتُبْطِلُ مفعولَها ، إذ ليسَ للشيطانِ سلطانٌ حقيقيٌ على عبادِ اللهِ المؤمنينَ بهِ ، والمتوكلينَ عليهِ. فهوَ وكيلُهُم الذي يكفيهِم شرَّ الْوَسْواسِ الخناسِ ، كما جاءَ في الآيتينِ الكريمتينِ 7: 65 و16: 99.

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 65).

لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (النَّحْلُ ، 16: 99).

والاستعاذةُ تكونُ لفظاً ، بقولِ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ، وكذلكَ بقراءةِ سورةِ الناسِ ، استجابةً لأمرهِ ، جلَّ وعلا ، في أولِ السورةِ: "قل أعوذ برب الناس" ، والذي جاءَ أيضاً في الآيةِ الكريمةِ 7: 200 ، التي قالَ فيها ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى:

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأعْرَافُ ، 7: 200).

ومِن رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أنهُ يعفو عَنِ المؤمنِ الذي تحدثُهُ نفسهُ عنْ وَسْوَسَةِ الشيطانِ لهُ ، ما لمْ يتكلمْ أو يعملْ بِها ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ ، عن رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في قولِهِ: "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا ، ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا ، أَوْ يَعْمَلُوا بهِ." [30]  

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" أو "يا إلَهَ الناسِ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ الواحِدُ الأحَدُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثمَّ التوسُّلُ إليهِ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحميَ الداعي من شرورِ الناسِ ، وأنْ يُكْسِبَهُ حُبَّهُم بدلاً مِن ذلك. 

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، بل ينبغي إبقاؤهُ كما هوَ ، أي "إلَهُ النَّاسِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى." ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "إلهَ الناسِ" أو "إلهَ" أو "الإلهَ" ، أي مُنَكَّرَاً أو مُعَرَّفاً. ولكنْ يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الإلهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

4. الرَّحْمَـٰنُ

"الرَّحْمَـٰنُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ. واشْتُقَتْ "الرحمةُ" مِنْهُ ، وهيَ النِّعْمَةُ والْخَيْرُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الرَّحْمَـٰنَ" يعني أنَّهُ القريبُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، الذي يَرِقُّ لأحوالِهِم ، ويَعْطِفُ عليهِم ، ويُحْسِنُ إليهم ، ويَرْزُقُهُم في بيئاتِهم المختلفةِ. ويشترِكُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ الفعلِ "رَحِمَ" مع أربعةِ أسماءٍ أخرى ، هيَ: الرَّحِيمُ ، وأرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وخَيْرُ الرَّاحِمِينَ ، وذُو الرَّحْمَةِ.

وقد اشتملتْ الآيةُ الأولى مِنَ القرآنِ الكريمِ ، أي البسملةُ ، على لفظِ الجلالةِ ، "اللهِ" ، سبحانهُ وتعالى ، وعلى اسمينِ آخَرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما الرَّحْمَـٰنِ والرَّحِيمِ ، وذلكَ في رَبْطٍ واضحٍ بينَ اسمِ اللهِ الأعظمِ ورَحْمَتِهِ بخلقِهِ ، تبارَكً وتعالى.

وأوردَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الطبري و القرطبي وابنُ كثيرٍ ، شروحاً لهذينِ الاسمين ، رواها أبو علي الفارسي والعَرْزَمِيُ ، رَحِمَهُم اللهُ جميعاً وجزاهم خيراً على جهودِهِم في تفسيرِ كتابِ اللهِ. فذكروا أنهما يشتملانِ على الرحمةِ ، لكنَّ "رَحْمَنَ" أشدُّ مبالغةً مِن رَحِيمِ." وذلكَ يَعني أنَّ اسمَ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" يشيرُ إلى رحمةِ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، لجميعِ مخلوقاتِهِ ، مِن خلالِ توفيرِ الرزقِ لها ، والعنايةِ بها جميعاً. فهوَ الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" (الأنْعَامُ ، 6: 12) ، وهوَ الذي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156). أمَّا اسمُ "الرَّحِيمِ" ، فإنهُ يشيرُ إلى رحمةِ اللهِ الخاصةِ بعبادهِ المؤمنينَ ، والعنايةِ بِهِم في الدُّنيا والآخِرة ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 43 ، مِنْ سورةِ الأحْزَابِ (33).

قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 12).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 156).

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 43).

وفي تفسيرِه للآياتِ الأربعِ الأولى مِن سورةِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ (55) ، والتي تبدأُ باسمِ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" ، ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ بأنَّ اللهَ ، سبحانه وتعالى ، يخبرُنا عن "فَضْله وَرَحْمَته بِخَلْقِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَاده الْقُرْآن وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ." أما الطبري ، فأضافَ بأنَّ معنى "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" أنهُ قد بسطَ رحمتَهُ للناسِ بتنزيلهِ القرآنَ عليهِم ، وتعليمِهِم ما بهِ الحاجةِ إليهِ مِن أمرِ دينِهِم ودنياهِم." وأوردَ القرطبيُ تفسيرَ سعيدٍ بنِ جُبير وعامرٍ الشعبي ، فقالَ بأنَّ اسمَ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" قد افتُتِحَتْ بهِ ثلاثُ سورٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسماً مِن أسماءِ اللهِ تعالى: "الر" و "حم" و "ن" ، فيكونُ مجموعُ هذهِ "ٱلرَّحۡمَـٰنُ." وذكرَ قولَ الزَّجَّاجِ بأنَّ معنى "عَلَّمَ القُرآنَ" أي سهلهُ لأنْ يُذَّكَّرَ ويٌقرأ. وأشارَ بأنهُ عَلَّمَ الإنسانَ أيضاً "بيانَ الحلالِ مِنَ الحرامِ ، والهُدى مِنَ الضلالِ."  وذَكرَ الغزالي أنَّ رحمةَ اللهِ تامةٌ ، بمعنى أنهُ أرادَ قضاءَ حاجاتِ المحتاجين وقضاها. وهي عامةٌ ، لشمولِها المستحقِ وغيرِ المستحقِ ، في الدُّنيا والآخِرة. وعَرَّفَ الشعراوي "الرَّحْمَـٰنَ" بأنهُ واسعُ الرحمةِ في خَلْقِهِ ، مؤمنِهِم وكافرِهِم ، في معاشِهِم ومعادِهِم.


أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الرَّحْمَـٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ (ٱلرَّحۡمَـٰنِ ، 55: 1- 4).

وجوهرُ القولِ أنَّ هذهِ الآياتُ الأربعُ الأولى مِن سورةِ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" تخبرُنا عَن أربعِ بركاتٍ أنْعَمَهَا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، على الإنسانِ. فالآيةُ الأولى تعلِّمُنا بأنَّ اللهَ هوَ "ٱلرَّحۡمَـٰنُ" ، الذي وسعتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ. وتشيرُ الآيةُ الثانيةُ إلى تنزيلِهِ للقرآنِ العظيمِ ، لهدايةِ الناسِ في الدُّنيا ولِينالوا حُسْنَ الثوابِ في الآخِرة. وتذكِّرُنا الآيةُ الثالثةُ بأنهُ هوَ الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ هيئةٍ وصورةٍ. وتشيرُ الآيةُ الرابعةُ إلى نِعْمَةِ البيانِ التي منحها "ٱلرَّحۡمَـٰنُ" للإنسانِ ، بخلقهِ للمتطلباتِ الجسديةِ الضروريةِ للكلامِ ، في الفمِ والحنجرةِ والدماغِ ، ولتسهيلِ حياتِهِ في بيئاتِ الأرضِ المختلفةِ ، كما مَرَّ شرحُهُ في الفصلِ الرابعِ مِنْ كتابِ المؤلِّفِ ، "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّة لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ."

وقد ذُكِرَ "الرَّحْمَـٰنُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، 170 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. جاءَ ذلكَ في الْبَسْمَلِةِ ، التي تُفتتحُ بها 113 سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ (حَيْثُ أنَّ سُورَةَ التوبةِ ليسَ لها بَسْمَلَةٌ) ، وكذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 30 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ (27). وبالإضَافَةِ إلى الْبَسْمَلِةِ ، جاءَ اسما "الرَّحْمَـٰنِ" و "الرَّحِيمِ" معاً في خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، تأكيداً لرحمةِ اللهِ بعبادِهِ ، وذلكَ في الآياتِ الكريمةِ 1: 3 ، 2: 163 ، 41: 2 ، 59: 22.       

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 1).   

الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 3).

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (فُصِّلَتْ ، 41: 2).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 22).

كما جاءَ اسمُ "الرَّحْمَـٰنِ" 47 مَرَّةً مَعَ ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وأفْضَالِهِ على عِبَادِهِ (الْفُرْقَانُ ، 25: 59) ، ومَعً ذِكْرِ وعدِهِ بالجنةِ لعبادِهِ المؤمنينَ (مَرْيمَ ، 19: 61) ، ومَعَ اصطفافِ الرُّوحِ والملائكةِ أمامَهُ في اليومِ الآخِرِ (النَّبَأُ ، 78: 38) ، ومَعً وعدِ اللهِ للمؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصالحات بِالْوُدِّ في قلوبِ المؤمنينَ (مَرْيَمُ ، 19: 96) ، ومَعَ ذِكْر الذينَ يكفرونَ بِهِ ، على الرغمِ مِنْ علمِهِم برسالتِهِ لهم (الرَّعْدُ ، 13: 30). وجاءَ تِسْعَ مَرَّاتٍ في صيغةِ "للرَّحْمَـٰنِ" ، مِنها سِتِ مَرَّاتٍ في سُورَةِ مَرْيمَ (19) ومَرَّتَانِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (43). [31]  

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 59).

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (مَرْيمَ ، 19: 61).

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النَّبَأُ ، 78: 38).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (مَرْيَمُ ، 19: 96).

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (الرَّعْدُ ، 13: 30).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ ، بقولِ: "يا رَحْمَـٰنُ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حولَهُ ، مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ وعطفِهِ ورزقِهِ وعنايتِهِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الرَّحْمَـٰنَ" أو "رَّحْمَـٰنَ" ، أي لا مُنَكَّرَاً ولا مُعَرَّفاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، القادرُ على منفعةِ جميعِ خلقهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّحْمَـٰنِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُقَدِّمَ الشُّكرَ والعرفانَ "للرَّحْمَـٰنِ" على نِعَمِهِ التي لا تُحصى على جميعِ خلقِهِ ، وأنْ يؤمِنَ بهِ ويَعْبُدَهُ حقَّ العبادَةِ ، فينالُ السعادَةَ في الدارينِ ، الأولى والأخِرَةِ. كما أنَّ عليهِ تقديمَ العونِ والنصحِ والإرشادِ لكلِّ مَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهِم ، بما في ذلكَ الغافلينَ والعُصاةِ ، حتى يعودوا للرَّحْمَـٰنِ ، ليشملَهُم برحمتهِ.

5. الرَّحِيمُ

"الرَّحِيمُ" اسمُ صفةٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وهيَ صفةُ الرحمةِ العامةِ التي كَتَبَهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ (الأنْعَامُ ، 6: 12) ، والتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156). وهوَ يشتركُ فيها معَ اسمِ "الرَّحْمَـٰنِ" ، ولكنهُ يتميزُ بِرَحْمَةٍ خاصةٍ مِنَ اللهِ للمؤمنينَ في حياتِهِم الدُّنيا ، وفي الآخِرَةِ.

واسمُ "الرَّحِيمِ" مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ. واشْتُقَتْ "الرحمةُ" مِنْهُ ، والتي تعني العطفَ والشفقةَ والرعايةَ والمغفرةَ والنِّعْمَةَ والْخَيْرَ.  وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يعني أنَّهُ القريبُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، وخاصةً المؤمنينَ مِنْهُم ، الذي يَرِقُّ لأحوالِهِم ، ويَعْطِفُ عليهِم ، ويُحْسِنُ إليهم ، ويَرْزُقُهُم في بيئاتِهم المختلفةِ. كما أنهُ الغفورُ ، التوابُ ، الرؤوفُ ، العزيزُ ، البَرُّ ، الودودُ لعبادِهِ المؤمنينَ.

وقد وَرَدَ اسمُ "الرَّحِيمِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، 146 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. جاءَ ذلكَ في الْبَسْمَلِةِ ، التي تُفتتحُ بها 113 سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ (حَيْثُ أنَّ سُورَةَ التوبةِ ليسَ لها بَسْمَلَةٌ) ، وكذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 30 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ (27). كما جاءَ أربعَ مَرَّاتٍ مُقْتَرِنَاً مَعَ اسمِ "الرَّحْمَـٰنِ" ، في غيرِ الْبَسْمَلِةِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163). وجاءَ اسمُ "الرحيمِ" أيضاً مقترناً مَعَ اسمِ "الْبَرِّ" مّرَّةً واحِدَةً (الطُّورُ ، 52: 28) ، ومَعَ اسمِ "التَّوَّابِ" سِتِّ مَرَّاتٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 160) ، ومَعَ اسمِ "الْغَفُورِ" ثَمَانيَ مَرَّاتٍ (الْحِجْرُ ، 15: 49) ، ومَعَ اسمِ "الْعَزِيزِ" ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً (الدُّخَانُ ، 44: 42). وهكذا ، فإنَّ رَحْمَةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بعبادِهِ إنما هيَ تعبيرٌ عَنْ عِزَّتِهِ وبِرِّهِ بهِم ، وتوبتِهِ عليهِم ، ومغفرَتِهِ لهم. [32]

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (الطُّورُ ، 52: 28).

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 160).

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤١﴾‏ إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 42).

كما وّرَدَ هذا الاسمُ 81 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ وَحْدَهُ ، أيْ "رَحِيماً" ثَلاثَ مَرَّاتٍ (الأحْزَابُ ، 33: 43). كما جاءَ مُقْتَرِنَاً مَعَ أسماءٍ أُخرى ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هي: "رَبٌ" مّرَّةً واحِدَةً (يَس ، 36: 58) ، و "وَدُودٌ" مّرَّةً واحِدَةً (هُودُ ، 11: 90) ، و "تَوَّابٌ" مّرَّةً واحِدَةً ، و "تَوَّابَاً" مّرَّتَيْنِ ، و "رَؤوفٌ" تِسْعَ مّرَّاتٍ ، و "غَفُورَاً" 15 مَرَّةً ، و "غَفُورٌ" 49 مَرَّةً. وهكذا ، فإنَّ رَحْمَةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بعبادِهِ إنما هيَ تعبيرٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ لهم ، و وَدُودِهِ نَحْوَهُم ، ورَأفَتِهِ بِهِم ، وتوبتِهِ عليهِم ، ومغفرَتِهِ لهم.

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 43).

سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (يَس ، 36: 58).

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (هُودُ ، 11: 90).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 12).

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْحَدِيدُ ، 57: 9).

فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (المائدةُ ، 5: 39).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ ، بقولِ: "يا رَحِيمُ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حولَهُ ، مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ وعطفِهِ ورزقِهِ وعنايتِهِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الرَّحِيمَ" أو "رَحِيمَ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، القادرُ على إسباغِ رحمتِهِ على جميعِ خلقهِ ، وخاصةً على المؤمنينَ منهم. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِم لخالقِهِم ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُقَدِّمَ الشُّكرَ والعرفانَ "للرَّحِيمِ" ، على نِعَمِهِ التي لا تُحصى على جميعِ خلقِهِ ، وعلى المؤمنينَ بصفةٍ خاصةٍ. كما أنَّ التخلقَ بمعانيَ هذا الاسمِ يعني معاملةَ خَلْقِ اللهِ بالرحمةِ والعطفِ والرعايةِ والمساعدةِ ما أمكنْ ، ويشملُ ذلكَ الإنسانَ والحيوانَ بصفةٍ عامةٍ ، والضعفاءَ والقاصرينَ على وجهِ الخصوصِ.

6. أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

"أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أرْحَمُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي تمَّ تناوُلُهُ في اسمي "الرَّحْمَـٰنِ" و "الرَّحِيمِ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّاحِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ أيضاً مِنَ نفسِ الفعلِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ أكثرُ رحمةً على خَلْقِهِ عامةً ، وعلى عبادِهِ المؤمنينَ بشكلٍ خاصٍ ، مِنْ أيٍّ مِنهُم.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلك في دُعَاءِ موسى ، عليهِ السلامُ ، لربِّهِ بأنْ يُدخلَهُ هوَ وأخاهُ في رحمتِهِ ، ويغفرَ لهما ، وذلك حتى لا يقعُ غضبُهُ عليهِما نتيجةً لعبادةِ قومِهِما للعجلِ ، أثناءَ غيابِ موسى. فكانَ دعاؤه لربِّهِ ، "أرْحَمِ الرَّاحِمِينَ" ، حتى يُعَظِّمَ الاستجابةَ بالرحمةِ لهما (الأعْرَافُ ، 7: 151).

كما أنَّ يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، دعا ربَّهُ باسمِ "أرْحَمِ الرَّاحِمِينَ" ، حتى يضمنَ أكبرَ قدرٍ من رحمةِ اللهِ وحفظهِ لولدِهِ ، بنيامين ، الذي طلبَ أخوتُهُ أنْ يرافقَهم إلى مصرَ. فكانَ يعقوبُ غيرَ مرتاحٍ لذلكَ الطلبِ ، لأنهم لم يحافظوا على أخيهِ ، يوسفَ ، مِن قبلُ (يُوسُفُ ، 12: 64).

كذلكَ ، دعا يوسفُ ، عليهِ السلامُ ، ربَّهُ باسمِ "أرحمِ الراحمينَ" ، ليغفرَ لإخوتِهِ ويرحَمَهُم على ما فعلوهُ بهِ وهو صغير ، مِنَ التخلصِ منهُ ، بإلقائِهِ في الجُّبِّ (يُوسُفُ ، 12: 92). ومثلُهُ فعلَ أيوبُ ، عليهِ السلامُ ، الذي نادى "أرحمَ الراحمينَ" ، بأنْ يشفيَهُ من مرضِهِ الذي أصابَهُ لوقتٍ طويلٍ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 83).

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 151).

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 92).

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأنْبِيَاُء ، 21: 83).

وقد جعلَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، "الرَّحْمَةَ" في قلوبِ الكثيرينَ من البشرِ والجنِّ والملائكةِ ، ولكنَّ رحمتَهُ لمخلوقاتِهِ أكبرُ بكثيرٍ مِنْ رحمتِهِم لبعضهِم ، فهوَ "أرحمُ الراحمينَ." ولذلكَ ، فَمِنَ الأجدى الدعاءُ إلى اللهِ بهذا الاسمِ ، الذي سمَّى بهِ نفسَهُ ، عندَ طلبِ رحمتِهِ التي "وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" ، كما أخبرَنا في كتابِهِ الكريمِ (الأعْرَافُ ، 7: 56). ويكونُ التوجهُ بالدعاءِ إلى اللهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحسنى ، بقولِ: "يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ" ، ثمَّ سؤالِهِ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حَوْلَهُ مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أَرْحَمِ" أو "الرَّاحِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل. ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "أرحمَ الراحمينَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، القادرُ على إسباغِ رحمتِهِ على جميعِ خلقهِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِم لخالقِهِم ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تبارَكَ وتعالى.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، فيعاملُهم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ما أمكنهُ ذلكَ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ دائمَ السؤالِ لربِّهِ بالرحمةِ لهُ ولِمَن يُحِبُّ ، وألَّا يقنطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مهما كانتْ الظروفُ ، كما أوصاهُ رَبُّهُ في كتابِهِ العزيزِ:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الزُّمَرُ ، 39: 53).

7. خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

"خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّاحِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ.

ويشتركُ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ في اسمِ التفضيلِ ، "خَيْرُ" ، معَ تسعةِ أسماءٍ مُرَكَّبَةٍ أخرى ، هيَ: خَيْرُ الْغَافِرِينَ ، وخَيْرُ الرَّازِقِينَ ، خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ، وخَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، وخَيْرُ النَّاصِرِينَ ، وخَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، وخَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، وخَيْرُ الْوَارِثِينَ ، وخَيْرُ الْمُنْزِلِينَ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الرَّاحِمِينَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الأكثرُ والأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ رحمةً لِخَلْقِهِ عامةً ، ولِعِبَادِهِ المؤمنينَ بشكلٍ خاصٍ ، مِنْ أيٍّ مِنهُم ، لأنَّ رحمتَهُ صِفَةٌ فيهِ ، يُنْزِلُهَا على خَلْقِهِ ، بمعزلٍ عنْ أفعالِهم. وهي أوسعُ وأشملُ وأدومُ مِنْ صِفَةِ الرحمةِ التي وضعها فيهِمِ ، كما يتجلى ذلكَ في قُرْبِهِ منهم ، وإشْفَاقِهِ وعَطْفِهِ عليهِم ، وإحْسَانِهِ إليهم ، ورِزْقِهِ لهم في بيئاتِهم المختلفةِ.

وقد ذُكرَ "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرتينِ في سياقٍ واحدٍ في القرآنِ الكريمِ ، حيثُ يخبرُنا رَبُّنَا ، سبحانهُ وتعالى ، في الآياتِ الكريمةِ 101-111 مِن سورةِ "المُؤْمِنُونَ" (23) ، عمَّا سيجري لفريقينِ مِنَ الناسِ في اليومِ الآخِر. يتكونُ الفريقُ الأولُ مِنَ المؤمنينَ الذينَ كانوا يعبدونَهُ في الحياةِ الدنيا ، وكانوا يدعونَهُ ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، وذلكَ بالتوجِهِ إليهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، وهوَ "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 109). فجزاؤهم الفوزُ بجنتِهِ ، خالدِينَ فيها أبداً. فهؤلاءِ هُمُ الذينَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُم ، "فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 102).    

ويتكونُ الفريقُ الثاني مِنَ الذينَ كانوا يُكَذِّبُونَ بآياتِ اللهِ ، ويسخرونَ مِنَ المؤمنينَ الصابرينَ ، ويضحكونَ عليهِم ، لا لشيءٍ إلا لأنهم كانوا يعبدونَ ربَّهُم ويدعونَهُ ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، بالتوجهِ إليهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فهؤلاءِ هم ُ الذينَ خَفَّتْ مَوَازِينُهُم ، "فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 103). ويختمُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، السورةَ الكريمةَ بالتأكيدِ للمؤمنينَ على أهميةِ التوجهِ لهُ بالدعاءِ ، ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، وذلكَ بذكرِ اسمِهِ ، "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 118) ، حتى يكونوا مِنَ الفائزينَ برضائِهِ وجنةِ خُلْدِهِ.

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (المُؤْمِنُونَ ، 23: 109).

وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (المُؤْمِنُونَ ، 23: 118).

وقد وَرَدَتْ الإشارةُ إلى اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، أنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أيِّ شَيْءِ أو أحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وذلكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريم. فجاءَ ذلكَ في سياقِ إعلانِ السَّحَرَةِ بأنَّهم قد آمنوا بِرَبِّهِم ، الذي وصفوهُ بأنَّهُ خَيْرٌ وأبقى لهم. وذلك َ يعني أنَّهُ ، جَلَّ وعَلا ، أفضلُ وأحسنُ وأنفعُ لهم مِنْ فرعونَ ، لأنَّهُ وَعَدَ المؤمنينَ بالمغفرةِ لخطاياهُم ، وبالخلودِ في الجنةِ . أمَّا فرعونُ ، فلمْ يَعِدْهُمْ إلا بما مَلَكَ في هذهِ الدُّنيا الزَّائلةِ (طه ، 20: 73). وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً في سياقِ ذِكْرِ قصةِ صاحِبِ الجَنَّتيْنِ الذي كَفَرَ بأنْعُمِ اللهِ عليهِ ، وتَكَبَّرَ على صاحِبِهِ ، فعاقبَهُ اللهُ بتدميرِهِما. أمَّا صاحِبُهُ المؤمنُ ، فقد وعَدَهُ اللهُ بأنَّهُ خَيْرٌ لهُ ، وذلك بالثوابِ الدَّائمِ وحُسْنِ العاقبةِ في الآخِرَةِ (الكهف ، 18: 44).

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (طه ، 20: 73).

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (الكهف ، 18: 44).

كما جاءَ هذا الوصفُ للهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، في سياقِ ما قالَهُ يعقوبُ ، عليهِ السلامُ ، لبنيهِ ، عندما طلبوا منهُ السماحَ لهم بأخذِ أخيهم معهم إلى مصرَ. فأجابَهم بأنهُ لا يأمنُهم عليه ، لكنهُ يأمنُ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ خَيْرٌ منهم في الحفاظِ عليهِ (يُوسُفُ ، 12: 64). وجاءَ أخيراً معَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ خَيْرٌ مِمَّن أشركَ بهِ المشركونَ ، أي أنهُ أفضَلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ لِمخلوقاتِهِ منهم (النَّمْلُ ، 27: 59).

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (النَّمْلُ ، 27: 59).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ." أنتَ خَيْرٌ حَافِظًا ، وَخَيْرٌ ثَوَابًا ، وَخَيْرٌ عُقْبًا. أللهمَّ احفظني مِنْ كُلِّ سوءٍ ، واكتبْ لي خَيْرَ الثوابِ على ما أقومُ بهِ مِنْ عملٍ في طاعتِكَ ورضاكَ ، واجعلْ الجنَّةَ عُقْبَى الدَّارِ لي ولأهلي وللمؤمنينَ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "خَيْرَ الرَّاحِمِينَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في رحمتِهِ لِخَلْقِهِ مِنْ أيِّ رَحِيمٍ آخَرَ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادَتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الرَّاحِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على ثقةٍ تامةٍ بأنَّ اللهَ هو "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" ، فيتوجَهُ إليهِ بطلبِ رحمتِهِ لهُ ولِمَنْ يُحِبُّ ، في كل حال. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، نافعاً لهم ، يُعَامِلُهُم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ، ما أمكنهُ ذلكَ.

8. ذُو الرَّحْمَةِ

"ذُو الرَّحْمَةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، التي تَجُرُّ ما بعدَها ، والَّتِي تُرْفَعُ بالواوِ ، وتُنْصَبُ بالأَلفِ ، وُتَجَرُّ بالياءِ ، ويعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، وَهيَ: ذُو الرَّحْمَةِ ، وَذُو مَغْفِرَةِ ، وَذُو الْقُوَّةِ ، وَذُو الْفَضْلِ ، وَذُي الطَّوْلِ ، وَذُو عِقَابٍ ألْيمٍ ، وَذُو انْتِقَامٍ ، وَذُي الْمَعَارِجِ ، وَذُو الْعَرْشِ ، وَذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ. [33]

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّحْمَةُ" ، فإنها تعني العطفَ والشفقةَ والرعايةَ والمغفرةَ والنِّعْمَةَ والْخَيْرَ. وهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذا الرَّحْمَةِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مالِكُ الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِهِ ، ينشرُها عليهِم كيف يشاءُ ، فيعطِفُ عليهِم ، ويرعاهُم ، ويغفرُ لِمَن يشاءُ منهُم ، ويرزقُهم ، ويوفرُ لهم ما يحتاجونَهُ للحياةِ في بيئاتِهِم المُختلفةِ.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مرتينِ مُعَرَّفَاً ، ومرةً واحدةً مُنَكَّرَاً ، وذلك في سياقِ التذكيرِ بأنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ الغنيُّ عن إيمانِ مخلوقاتِهِ بِهِ وعبادتِهِم لهُ. فعلى الرغمِ من ظلمِ وعصيان الكثيرينَ مِنَ الناس ، فإنهُ "ذُو الرَّحْمَةِ" ، الذي أبقى على الجنسِ البشريِّ ، مع أنهُ قادرٌ على عقابِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى استخلافِ غيرِهِم على الأرضِ (الأنْعَامُ ، 6: 133).

وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً في سياقِ تذكيرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للناسِ ، بأنهُ "ذُو الرَّحْمَةِ" ، ولولا مغفرتُهُ ورحمتُهُ ، لعجَّلَ العذابَ للمعاندينَ الذينَ يرفضونَ آياتِ ربِّهِم في هذهِ الدنيا ، ولكنهُ شاءَ أن يؤجلَ عذابَهم إلي الآخِرةِ ، عسى أنْ يرجعوا عن عصيانِهم ويتوبوا إليه (الْكَهْفُ ، 18: 58).

كما جاءَ هذا الاسمُ في سياقِ تخفيفِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، عَنْ رسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، عندما كذَّبَهُ قومُهُ. فقالَ لَهُ أنهُ لا ينبغي أنْ تذهبَ نفسُهُ حسراتٌ عليهِم (فَاطِرُ ، 35: 8). فما عليهِ نحوَهُم إلَّا "الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" (النَّحْلُ ، 16: 82). وليسَ عليهِ أنْ يُكْرِهَ الناسَ على الإيمانِ بربِّ العالَمينَ (يُونُسُ ، 10: 99).  [34]

ولذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، أوصى رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يقولَ للذينَ كذَّبوهُ بأنَّ اللهَ "ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ" ، لِيُحَبِّبَهُم في الإيمان بِهِ. ولكنَّ عذابَهُ سيقعُ على المجرمينَ مِنْهُم ، لا محالةً ، في اليومِ الآخِر (الأنْعَامُ ، 6: 147).

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 133).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا (الْكَهْفُ ، 18: 58).

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 147).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا الله! أنتَ ذُو الرَّحْمَةِ." ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بالرحمةِ للداعيَ ومَن حولَهُ ، ومَنْ ماتَ مِنَ الأقاربِ والأعزاءِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "ذَا الرَّحْمَةِ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ. فهوَ مالِكُ الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِهِ ، ينشرُها عليهِم كيف يشاءُ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادَتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "ذُو" أو "الرَّحْمَةِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قَبْلُ.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على ثقةٍ تامةٍ بأنَّ رحمةَ اللهِ واسعةٌ ، تكفي لإسباغِها على جميعِ خلقِهِ ، إنْ شاءَ. ولذلكَ ، فعليهِ ألَّا يترددَ في لهُ ولِمَنْ يُحِبُّ ، في كل حال. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، فَيُعَامِلُهُم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ، ما أمكنهُ ذلكَ.  

9. الْمَلِكُ

"الْمَلِكُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يعني استولى على شيءٍ ، واستحوذَ عليهِ ، وتمكنَ مِنْهُ ، وقدِرَ عليهِ ، وأصبحَ لهُ التصرُّفُ فيهِ. كما يعني أنهُ سيطرَ وتغلَّبَ عليهِ ، وتحكَّمَ فيهِ. وهوَ يشترِكُ في هذا الاشتقاقِ معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هيَ: "الْمَلِيكُ" ، و "مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ" ، و "مَالِكُ الْمُلْكِ" ، كما سيأتي بيانُهُ لاحِقاً.  

وكأحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَ "الْمَلِكَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هُوَ الحاكمُ المُطْلَقُ ، مِن غيرِ منازعٍ ، في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما في ذلكَ السماواتِ والأرضينَ والكُرسيِّ والعرشِ ، وما فيهم مِن مخلوقات. وهوَ "القَدِيرُ" على كُلِّ شيءٍ (الْمُلْكُ ، 67: 1) ، وهو الْقَهَّارُ لخلقِهِ جميعاً ، في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَةِ. وعندما يقفُ خلقُهُ أمامَهُ للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، فإنهُ يسألُهُم: "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟" فلا يُجيبُهُ أحدٌ مِنْهُم. فَيُجِيبُ هوَ بأنهُ "لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (غَافِرُ ، 40: 16) ، ويقولُ بأنهُ لهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "الْمَلِكُ" ، "الْجَبَّارُ" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [35]

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

وقد ذُكِرَ "الْمَلِكُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، وهوَ "الْحَقُّ" ، ليعني أنهُ بالفعلِ "مَلِكُ" السماواتِ والأرضِ ، ومَنْ فيها ، الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ (طَهَ ، 20: 114). كما أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "الْمَلِكُ الْحَقُّ" الذي يحكمُ بينَ خلائقِهِ ، بما فيهم الملائكةِ الحافينَ بعرشِهِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 59). وجاءَ اسمُ "الْمَلِكِ" معَ أسماءٍ أخرى من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تُضفي معانيَ وصفاتٍ أخرى لهُ ، وهيَ: "الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ" (الْحَشْرُ ، 59: 23). وجاءَ مُقترناً أيضاً معَ "الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طَهَ ، 20: 114).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 59).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

والجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ أسمَ "الْمَلِكِ" جاءَ كأولِ أسماءِ اللهِ الحُسنى في الآيةِ 23 من سورةِ الْحَشْرُ (59) ، وهيَ السورةُ التي تتضمنُ 19 اسماً مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في الآياتِ الثلاثِ الأخيرةِ مِنها ، كما يلي:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾‏ (الْحَشْرُ ، 59: 22-24).

وأجادَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، في تطبيقِهِ لمعنى هذا الاسمِ من أسماءِ اللهِ الحُسنى على البشرِ. فقال بأنَّ الْمَلِكَ من العبادِ هوَ الذي لا يملُكُهُ إلا الله ، أي أنهُ الذي لا يَدَعُ شهوتَهُ وغضبَهُ وهواهُ مِن أنْ تملُكَهُ. بل هوَ الذي يملُكُها ويسيطرُ عليها ، وعلى لسانهِ وعينيةِ ويديهِ وسائرِ أعضائِهِ. فإذا مَلَكَهَا ولم تَمْلُكْهُ ، وأطاعتْهُ ولم يُطِعْها ، فقد نالَ درجةَ الْمُلْكِ في حياتِهِ ، وتقرَّبَ بها إلى اللهِ ، سبحانه وتعالى ، بعدَ مماتِهِ. 

ويُمْكِنُ التوجهُ بالدعاءِ إلى اللهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحسنى ، بقولِ: "يا مَلِكَ المُلُوكِ ، وصاحبَ الملكوتِ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بالحمايةِ مِن جَوْرِ الحكامِ وطغيانِهِم. ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "المَلِكَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، المَلِكُ على مملكتِهِ كلِّها ، بما في ذلكَ مِن عرشٍ وكُرسيٍ وسماواتٍ وأرضين. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَلِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، عزَّ وجل. وعلى الرغمِ مِن أنَّ أحداً مِنَ الناسِ يمكنُ أن يصبحَ مَلكاً ، إلا أنَّ ذلكّ لقبٌ لهُ ، ولا ينبغي أن يكونَ اسماً ، لا مُعرفاً ولا مُنكراً.

والتخلقُ بمعاني هذا الاسمِ يعني الرأفةَ والرعايةَ للرعيةِ ، والحكمَ بينَ الناسِ وعليهِم بما أنزلَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى. كما يعني أنْ تتحكمَ النفسُ في أهوائِها ، فلا تشطُطُ يميناً أو يساراً ، وإنما تَبْقَى على صراطِ اللهِ المستقيمِ.

10. الْمَلِيكُ

"الْمَلِيكُ" أسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، كما تمَّ ذِكْرُهُ مِنْ قبلُ. وهوَ في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرَ ، هو "مَالِكُ" ، وفي صيغةِ تعظيمٍ مِنَ اسمِ "الْمَلِكِ."

وكأحدِ أسماء الله الحسنى ، فإنَّ "الْمَلِيكَ" يعني أنهُ ، عزَّ وجلَّ ، عزيزُ المُلكِ وواسِعُهُ. وقد جاءَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في وصفِ مكانةِ المتقينَ في الجنةِ ، بأنهم سيكونونَ بالقربِ من ربِّهمِ ، القادرِ على كلِّ شيءٍ يريدُهُ (الْقَمَرُ ، 54: 54-55).

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴿٥٥﴾‏ (الْقَمَرُ ، 54: 54-55).

ويمكنُ الاستفادةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى بالرجوعِ إلى ما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْمَلِكِ" أعلاهُ.

11. مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ

"مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ. أوَّلُها "مَالِكُ" ، وهوَ اسم صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، والذي يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يملكُ ، أي يحكمُ ، ويسيطرُ ، ويستحوذُ على ، ويتصرفُ في ، ويقدِرُ على ما في الْكَوْنِ ومَنْ فيهِ. أما كَلِمَتَا "يَوْمِ الدِّينِ" فهما تشيرانِ إلى ظرفِ زمانٍ ، هوَ "اليومُ الآخِرُ" ، "يَوْمُ الْحِسَابِ" ، الذي تُقضى فيهِ دُيُونُ الخلقِ أمامَ مَالِكِ ذلكَ اليومِ ، وهوَ خالِقُهُم العظيمُ.

وقد ذُكرَ اسمُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الرابعةِ من سورةِ الفاتحةِ ، التي تفتتحُ كتابَ اللهِ بتعريفِ خلقِهِ بأنهُ هوَ اللهُ ، الرَّحْمَٰنُ ، الرَّحِيمُ ، رَبُّ الْعَالَمِينَ ، مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾‏ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾‏ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 4).

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ" يعني أنهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ وحدَهُ الذي لهُ الحكمُ والسيطرةُ والتصرفُ والقُدرةُ في ذلكَ اليومِ. فهوَ المالكُ الوحيدُ لملكوتِهِ الواسعِ في يومِ الدين. فعلى الرغمِ مِن أنَّ خلقَهُ يملكونَ أشكالاً مختلفةً مِنَ الْمِلْكِيَاتِ أثناءَ حياتِهم الدُّنيا ، مِنْ عقاراتٍ وأموالٍ ونفوذٍ وسلطانٍ ، إلا إنهم يأتونَ في يومِ الدينِ لا حولَ لهم ولا قوةً ، مجردينَ مِن أيةِ ملكيةٍ كانتْ لهم مِن قبلُ ، إلا مِنْ أعمالِهِم. فإنْ كانتْ صالحةً ، فلهم جناتُ النعيمِ ، التي وَعَدَهُم بها مالكُ ذلكَ اليومِ. أما إنْ كانوا مِنَ الذينَ كفروا باللهِ وآياتِهِ في الحياةِ الدُّنيا ، فلهم العذابُ المُهينُ في نارِ جهنمَ ، التي تَوَعَدَهُم بِهِ ربُّ العالمينَ ، كما جاءَ في كتابِهِ الكريمِ (الْحَجُّ ، 22: 56-57).

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٥٦﴾‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥٧﴾‏ (الْحَجُّ ، 22: 56-57).

كما أنَّ يومَ الدينِ هوَ أيضاً يومَ الفصلِ بينَ الناسِ مِنَ الإنسِ والجنِّ وبينَ الملائكةِ فيما اختلفوا فيهِ في الحياةِ الدُّنيا ، حيثُ يقفونَ أمامَ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" للفصلِ بينهُم ، ولا يتكلمُ أحدٌ منهُم إلا بعدَ أنْ يأذنَ لهُ الرَّحْمَـٰنُ ، ولا يقولُ إلا الحقَ والصوابَ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 22: 17 ، 55: 39 ، 39: 75 ، 78: 38 ، كما يلي:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْحَجُّ ، 22: 17).

... وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (هُودُ ، 11: 119).

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الزُّمَرُ ، 39: 75).

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النَّبَأُ ، 78: 38).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ" ، ثمَّ رجاؤُهُ ، جلَّ وعلا ، بالرحمةِ والرفقِ والمغفرةِ للداعي ومَن حولَهُ ، عندَ الوقوفِ أمامَهُ في يومِ الدينِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ " ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ في ذلكَ اليومِ العظيم ، الذي تقفُ فيهِ مخلوقاتُهُ المكلَّفةُ كلُّها أمامَهُ للحسابِ ، مِن ملائكةٍ وجنٍ وإنس ، لا حولَ لهُم جميعاً ولا قوةً. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَالِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، عزَّ وجل. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "مَالِكِ" أو " يَوْمِ الدِّينِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لكي تتحكمَ نَفْسُهُ في أهوائِها ، فلا تَشْطُطُ يميناً أو يساراً ، وإنما تَبْقَى على صراطِ اللهِ المستقيمِ. كما أنَّ عليهِ الحُكمَ بينَ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم بما أنزلَ اللهُ مِنْ عدلٍ ورأفةٍ ورعايةٍ ، "فَكُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عَنْ رعيتِهِ" ، كما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [36]

 

12. مَالِكُ الْمُلْكِ

"مَالِكُ الْمُلْكِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ مشتقتينِ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، والذي يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يملكُ ، أي يحكمُ ، ويسيطرُ ، ويستحوذُ على ، ويتصرفُ في ، ويقدِرُ على ما في الْكَوْنِ ومَنْ فيهِ.

وذَكرَ المفسرونَ الثلاثة أن "مَالِكَ الْمُلْكِ" ، عزَّ وجلَّ ، قد أنزلَ آخِرَ رسالاتِهِ على خاتَمِ رسلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، تكريماً وتشريفاً لهُ وللعربِ الذينً آمنوا بِهِ ، بعد أنْ نزعَ ذلكَ الشرفَ العظيمَ مِنْ بني إسرائيلَ ، الذينَ كانتْ رسالاتُهُ تتنزلُ على أنبيائِهِم ورُسُلِهِم ، وذلكَ لعصيانِهِم ، وقتلِهِم الأنبياءِ ، وتكذيبِهِم لرسولِ اللهِ عيسى ، عليهِ السلام. ونقلَ القرطبيُّ تفسيرَ مُجاهدٍ والزَّجَّاجِ ، لِلْمُلْكِ بأنهُ النبوةُ والغلبةُ والمالُ والعبادُ وما ملكوا في الدُّنيا والآخرة. وأضافَ بأنَّ ذلكَ إشارةٌ إلى إعطاءِ ممتلكاتِ الدولتينِ الفارسيةِ والرومانيةِ إلى المسلمينَ ، ليحكموا فيها بدينِ الله.

وقد ذُكرَ اسمُ "مَالِكُ الْمُلْكِ" مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، مَالِكٌ لجميعِ أشكالِ المِلْكِياتِ ، يُعطي منها لِمَنْ يشاءُ ويَنْزِعُها مِمَّنْ يشاءُ. كما أنهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ ، فَيُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ ، وهوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

ووردتْ كلمةُ "الْمُلْكِ" ، مُعَرَّفَةً ، عشرينَ مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها إحدى عشرةَ مرةً في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كمالكٍ للمُلْكِ كُلَّهِ في الدُّنيا والآخرةِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26). كما وردتْ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنَّ: "لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ" (الأنْعَامُ ، 6: 73) ، وأنَّهُ "لَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" (الإسْرَاءُ ، 17: 111) ، وأنَّ "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ" (الْحَجُّ ، 22: 56) ، وأنَّهُ "الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" (مرتانِ في "الْفُرْقَانُ" ، 25: 2) ، وفي قولِهِ: "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ" (الْفُرْقَانُ ، 25: 26) ، و "رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ" (فَاطِرُ ، 35: 13) ، و "ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ" (الزُّمَرُ ، 39: 6) ، و "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (غَافِرُ ، 40: 16) ، و "لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التَّغابُنُ ، 64: 1) ، وفي قولِه: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 111).

كما وردتْ هذهِ الْكَلِمَةُ مُنَكَّرَةً ثمانٍ وعشرينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريم ، منها تِسْعَ عشرةَ مَرَّةً في الإشارةِ إلى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، لَهُ ”مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ( مثلما جاءَ في آلِ عِمْرَانَ ، 3: 189) ، وأنَّ لَهُ "مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" (الْمَائِدَةُ ، 5: 17). كما جاءتْ في وصفِ الجنَّةِ: "وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا" (الإنْسَانُ ، 76: 20) ، وفي ذِكْرِ أنَّ اللَّهَ "يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 247).

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 189).

... وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا مَالِكَ الْمُلْكِ" ، ثمَّ الطلبُ منه ، جلَّ وعلا ، التوفيقَ فيما يسعى إليهِ الطالبُ من متاعِ الدُّنيا الزائلِ. والأهمُّ من ذلكَ الاتعاظُ مِن تداولِ المُلْكِ بينَ الناسِ ، كلما نُزِعَ مِن بعضِهِم وأُعطِيَ لآخرين.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "مَالِكَ الْمُلْكِ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ في ذلكَ اليومِ العظيم ، الذي تقفُ فيهِ مخلوقاتُهُ المكلَّفةُ كلُّها أمامَهُ للحسابِ ، مِن ملائكةٍ وجنٍ وإنس ، لا حولَ لهُم جميعاً ولا قوةً. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَالِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، عزَّ وجل. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "مَالِكِ" أو "الْمُلْكِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يتذكرَ دائماً بأنَّ مُلْكَ السماواتِ والأرضِ كُلَّهُ للهِ ، تبارّكَ وتعالى ، فلا يَغُرَّنَهُ امتلاكُ المالِ والعقارِ في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، لأنهُ زائلٌ لا محالةَ. أمَّا ما لهُ عندَ اللهِ ، مِنْ عملٍ صالحٍ ، فهوَ باقٍ ودائمٌ لهُ في ميزانِ حسناتِهِ ، وفي الثوابِ الذي ينتظرُهُ عندّ "مَالِكِ الْمُلْكِ" ، في جَنَّةِ خُلْدِهِ.

13. الْقُدُّوسُ

"الْقُدُّوسُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "قَدَّسَ" ، الذي يعني صَلَّى للهِ ، وَعَظَّمَهُ ، وَبَجَّلَهُ ، وَنَزّهَهُ عَمَّا لا يَلِيقُ بِألُوهيِّتِهِ. وَقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، في الآيتينِ الكريمتينِ اللتينِ تشتملانِ على عشرةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الحشر ، 59: 23) ، والْحَكِيمُ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

.هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

و "الْقُدُّوسُ" هوَ المُطْلَقُ في كمالِهِ وجمالِهِ وجلالِهِ. وهو المتنزهُ "عن كلِّ وصفٍ يُدْرِكُهُ حسٌ أو يتصورُهُ خيالٌ ، أو يسبقُ إليه وهمٌ ، أو يختلجُ بهِ ضميرٌ أو يقضي بهِ تفكيرٌ" ، كما قال الغزالي. وذكرَ المفسرونَ الثلاثةُ أنَّ "الْقُدُّوسَ" هوَ "المُبَارَكُ" و "الطَّاهِرُ" ، الذي تقدسهُ الملائكةُ. واستدلَّ القرطبيُّ في كتابِهِ ، "الأسنى" ، على ذلكَ مِن وصفِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للأرضِ المقدسةِ بأنها الأرضُ المباركةُ. فقد ذَكَرَ "الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ" (في المائدة ، 5: 21) ، ثُمَّ وصفها بأنها التي بَارَكَ فيها (الأنْبِيَاءُ ، 21: 81).

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 21).

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 81).

كما أنَّ "الْقُدُّوسَ" هوَ الذي تُقَدِّسُهُ الملائِكَةُ ، تسبيحاً وتحميداً وتعظيماً ، اعترافاً منهم بإلهيتِهِ وربوبيتِهِ لهم ، ولكلِّ مَنْ هوَ في ملكوتِهِ العظيمِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 2: 30 ، وفي الآيةِ الكريمةِ 62: 1 الآنفةِ الذكرِ.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 30).

وهناكَ كلمةٌ أخرى مشتقةٌ مِنَ الفعلِ "قَدَسَ" ، وهيَ "الْقُدُسُ" التي جاءتْ في الإشارةِ إلى جبريلَ ، عليهِ السلامُ. فقد وصفهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مَرَّةً بأنهُ "رُوحُ الْقُدُسِ" (النَّحْلُ ، 16: 102) ، ومَرَّةً أخرى "رُوحَنَا" ، تكريماً وإشادةً بهِ (مَرْيَمُ ، 19: 17).

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (النَّحْلُ ، 16: 102).

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 17).

وهكذا ، فإنَّ "الْقُدُّوسَ" هُوَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المباركُ ، الطاهرُ ، المطلقُ في صفاتِ الكمالِ والجمالِ والجلالِ. وهوَ أهلٌ للعبادةِ والحمدِ والتسبيحِ والتعظيمِ والتبجيلِ والتنزيهِ مِن خلقهِ جميعاً ، وخاصةً المُكلَّفينَ منهم ، مِن ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍ ، اعترافاً بإلاهيتِهِ وربوبيتِهِ وأفضالِهِ ونِعَمِهِ عليهِم ، التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا "ْقُدُّوسُ" ، وذلكَ ثناءً وحمداً وتنزيهاً لهُ ، تباركَ وتعالى ، ثمَّ بطلبِ الحصولِ على بركتِهِ والمزيدِ مِنْ نعمتِهِ في هذهِ الدُّنيا ، وعلى جزائهِ الأوفى في الآخِرةِ. وكانَ النبيُّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، يقولُ في ركوعِهِ وسجودِهِ ، بعدَ التسبيحِ: "سبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائِكةِ والرُّوحِ." [37]

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْقُدُّوسَ" أو "قُدُّوسَ" ، أيْ لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرّاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، الذي تُسَبِّحُ لهُ السماواتُ والأرضُ ومَنْ فيهِنَّ (الإسْرَاءُ ، 17: 44) ، وتقدسهُ ملائكتُهُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 30) ، ويَحْمَدَهُ ويثني عليهِ المؤمنونَ مِن خلقهِ ، مِنْ جنٍ وإنس ، وتُسَبِّحُ له الطيرُ والجبالُ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 79). ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ "الْقُدُّوسِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، وحدَهُ لا شريكَ له.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يَبْذُلَ ما في وسعهِ ليجعلَ أعمالَهُ تتحلى بالكمالِ والجمالِ والإتقانِ والوقارِ ، ما أمكنَهُ ذلك. ويُمْكِنُهُ ذلكَ أيضاً إذا ما تحكَّمَ في إشباعِ حاجاتِ نفسِهِ في حدودِ ما سمحَ لهُ ربُّهُ بِه ، وإذا ما كانَ دائمَ التفكيرِ في صِفاتِ الخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، وفي الكونِ ، وفي اليومِ الآِخِرِ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ قائماً على عبادةِ ربِّهِ وطاعتِهِ في هذهِ الدُّنيا ، لا يُلهِهِ عن ذلكَ لَعِبٌ أو لهوٌ أو خيالٌ. وذلك تطبيقٌ لقول النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنَّ "اللهَ تعالى جَميلٌ يحبُّ الجَمالَ ، ويحبُّ مَعالِيَ الأَخلاقِ ، ويكرَهُ سَفسَافَهَا." [38]

14. السَّلَامُ

"السلامُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "سَلِمَ" ، الذي يعني نَجَا مِنَ الخطرِ ، وأَمِنَ على نفسِهِ ومَالِهِ ، وبَرِءَ مِنَ العيوبِ والآفاتِ والأذى. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "السلامَ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ مصدرُ السلامِ لخلقه. والسلامُ هوَ جوهرُ رسالاتِهِ لعبادِهِ ، التي أرسلها لهم من خلالِ رسلِهِ ، عليهم السلامُ أجمعين. وإذا ما أطاعَ الناسُ أوامرَهُ واجتنبوا نواهيهِ ، فإنهم سيتمتعونَ بالسلامِ ، أي بالأمنِ والاطمئنانِ في حياتِهِم الدُّنيا ، ويدخلونَ جنتهُ التي وصفها لهم بأنها "دارُ السلامِ" ، في الآخِرَة.

ومن معاني "السلامِ" سلامتُهُ ، عزَّ وجل ، من كلِّ نقصٍ أو عيبٍ ، مما استوجبَ تسبيحَ مخلوقاتِهِ لهُ في السماواتِ والأرضِ (الإسْرَاءُ ، 17: 44). وهو الذي سَلِمَ الخلقُ من ظلمهِ (يُونُسُ ، 10: 44) ، وهوَ المُسَلِّمُ على عبادِهِ في الجنةِ (الأحْزَابُ ، 33: 44). [39]

وقد ذُكرَ "السَّلَامُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "الْقُدُّوسِ" ، في الآيةِ الكريمةِ التي تشتملُ على تسعةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وذُكرت كلمةُ "السلامِ" ستَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، مما أظهرَ لنا جوانبَ مختلفةً من معانيها ، حسبَ كلِّ سياق. فجاءتْ لتعني التحيةَ (النِّسَاءُ ، 4: 94) ، والهدايةَ بالقرآنِ الكريمِ (الْمَائدَةُ ، 5: 16) ، وإلى تسميةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للجنةِ على أنها "دارُ السلامِ" (الأنعامُ ، 6: 127 ؛ يُونُسُ ، 10: 25). وجاءتْ أيضاً لتعني البركةَ التي جعلَها اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، في المسيحِ ، عليهِ السلامُ (مَرْيَمُ ، 19: 33). وجاءتْ كَبُشْرَى للذينَ يتَّبعونَ هُدى اللهِ بالسلامِ ، أي بالأمنِ والاطمئنانِ ، في الدنيا والآخرة (طَهَ ، 20: 47).

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (النِّسَاءُ ، 4: 94).

(وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الْمَائدَةُ ، 5: 16).

لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 127).

وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (يُونُسُ ، 10: 25).

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 33).

وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ (طَهَ ، 20: 47).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ." كما كان يفعلُ نبيُنا ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وذلكَ ثناءً وحمداً وتنزيهاً لهُ ، تباركَ وتعالى ، وطلباً للحصولِ على السلامِ مِن مصدرِ السلامِ ، في هذهِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ. [40]

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "السَّلَامَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، في الدنيا والآخِرة. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ السَّلَامُ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، لا إلهَ إلَّا هوَ ، وحدَهُ لا شريكَ له.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، إذا ما جاهدَ ليكونَ في سلامٍ داخليٍ في نفسِهِ وسلامٍ خارجيٍ مَعَ غيرهِ. والسلامُ في النفسِ يكونُ في تصالُحِ الجزئينِ المكونينِ لها ، بما يخدمُ النزوعَ إلى الحُلولِ الخيِّرةِ والقناعةِ والرضا ، وفي تنقيتِها منَ المشاعرِ السلبيةِ تجاهَ الأبرياءِ الغافلين. [41]

والسلامُ معَ الآخَرينَ يكونُ بعدمِ إلحاقِ الضررِ بهم. فالمسلمُ هوَ "مَنْ سلِمَ الناسُ مِنْ لسانِهِ ويدِهِ" ، والمؤمنُ هوَ "مَنْ أمِنَهُ الناسُ على دمائِهِم وأموالِهِم" ، كما جاء في الحديثِ الشريف. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فالأعمالُ الطيبةُ الخيِّرَةُ ، مِن إفشاءِ السلامِ وإطعامِ الطعامِ ووصلِ الأرحامِ وقيامِ الليلِ ، هي التي تُدخُلُ الناسَ الجنةَ ، أي دارَ السلامِ ، كما أخبرنا بذلكَ النبيُّ ، عليه الصلاةُ والسلام. [42]

15. الْمُؤْمِنُ

"الْمُؤْمِنُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "آمَنَ" بمعنى صَدَّقَ واتَّبَعَ ، ومِنَ الفعلِ "أمَّنَ" بمعنى حَافَظَ على ، وأعْطَى الأمَانَ ، وضَمِنَ السلامةَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي وصفَ اللهُ نفسَهُ بها ، فإنهُ يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مؤمنٌ بإلاهيتِهِ ، أي بأنَّهُ "لَا إلَهَ إلَّا هُوَ" ، وشَهِدَ على ذلكَ "هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18).

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18).

وقد ذُكرَ "الْمُؤْمِنُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "السَّلَامِ" ، في الآيةِ الكريمةِ التي تشتملُ على تسعةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وَذَكَرَ الطبريُّ أنَّ "الْمُؤْمِنَ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ الذي آمنَ بأنهُ الحقُّ ، جلَّ وعلا (آل عمران ، 3: 18). وأضافَ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ بأنهُ قد أمَّن خلقَهُ من أن يَظلِمَهُم (يُونُسُ ، 10: 44). وقال القرطبيُّ أنَّ أصلَ هذا الاسمِ هوَ الفعلُ "أمَّنَ" ، أي أنَّ اللهَ ، "الْمُؤْمِنَ" ، عزَّ وجل ، هو الذي أعطى الأمانَ للمؤمنينَ مِن ظلمهِ ومِنَ الخوفِ (قريش ، 106: 3-4) ، وأمَّنَ للمؤمنينَ الجنةَ ، التي وعَدَهُم بها (النِّسَاءُ ، 4: 122) ، وللكافرينَ النارَ التي توعَّدَهُم بها (التَّوْبَةُ ، 9: 68).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يُونُسُ ، 10: 44).

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾‏ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾‏ (قُرَيْشُ ، 106: 3-4).

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (النِّسَاءُ ، 4: 122).

وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (التَّوْبَةُ ، 9: 68).

وقد وردَ في الحديثِ الشريفِ ، أنَ "الْمُؤْمِنَ" هو "مَن أمِنَه المؤمنونَ على أنفُسِهم وأَموالِهم." وهكذا ، فإنَّ هذا المعنى يتفقُ مَعَ المعنى الذي تضمنتهُ الآيةُ الكريمةُ 106: 4 المذكورةُ أعلاه ، أي أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أمَّنَ المؤمنينَ بإعطائِهِم الأمانَ مِنْ أنْ يقعَ عليهِم ظلمٌ أو خوفٌ منهُ.

فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو ، رصيَ اللهُ عنهُ ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، يقولُ: "تَدرونَ مَن المُسلمِ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: مَن سلِمَ المُسلمونَ مِن لِسانِه ويدِه. قالَ: تَدرونَ مَن المؤمنُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: مَن أمِنَه المؤمنونَ على أنفُسِهم وأَموالِهم. والمُهاجِرُ مَن هجَرَ السُّوءَ فاجْتنَبَه." [43]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُؤمِنُ" ، بأنهُ لا إلهَ إلَّا أنتَ. اللهمَّ تقبلْ إيمانَنا وصالِحَ أعمالِنا خالِصَيْنِ لوجهكَ الكريمِ. اللهمَّ أمِّنَّا وسلِّمْنا مِن شرورِ الدنيا وعذابِ الآخِرةِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْمُؤمِنَ" لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو القادرُ على تأمين خلقهِ ورعايتهم ، في الدنيا والآخِرةِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْمُؤمِنِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الشهادةِ على أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لا إلهَ إلُّا هوَ ، كما شهدَ اللهُ والملائكةِ وألو العلمِ بذلك. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ دائمَ الحرصِ على أموالِ المؤمنينَ وأرواحِهِم ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [44]

16. الْمُهَيْمِنُ

"الْمُهَيْمِنُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "هَيْمَنَ" ، الذي يعني سَيْطَرَ وحَكَمَ وغَلَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، جلَّ وعَلا ، هوَ المسيطرُ على مخلوقاتِهِ كلِّها ، من عرشٍ وكُرسيٍ وسماواتٍ وأرضينَ ، وما فيهنَّ مِنْ ملائكةٍ وجنٍ وإنس. وهو الحاكمُ على سلوكِ مخلوقاتِهِ المكلَّفَةِ في الحياةِ الدُّنيا ، فيوفيهِم أجورَهم على ذلكَ في الآخِرة (غَافِرُ ، 40: 48). وهوَ المطَّلِعُ على أقوالِهِم وأفعالِهم ، سِرِّها وعلَنِها ، وسجَّلَ ذلكَ في كتابٍ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (الْكَهْفُ ، 18: 49) ، وهوَ الغالبُ على أمرِهِ (يُوسُفُ ، 12: 21).

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرُ (59) ، معَ ثمانيةٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ مِنْ قبلُ.  

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وقد وردتْ كلمةُ "مُهَيْمِنٍ" مرةً أخرى ، ولكنْ بدونِ ألِّ التعريفِ ، في الآيةِ الكريمةِ 5: 48 ، كوصفٍ للقرآنِ الكريم في علاقتِهِ بالكتبِ السماويةِ التي سبقتْهُ. فهوَ مُهَيْمِنٌ عليها ، كما يُهَيْمِنُ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، على مخلوقاتِهِ كلِّها (الْمَائِدَةُ ، 5: 48).

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ (الْمَائِدَةُ ، 5: 48).

أوردَ الطبري العديدَ مِنْ تفسيراتِ مَنْ سبقهُ لكلمةِ "مُهَيْمِنَاً" ، المذكورةٍ في الآيةٍ الكريمةٍ 48 مِنْ سورةِ الْمَائِدَةِ (5) ، التي تصفُ علاقةَ القرآنِ الكريمِ بكتبِ اللهِ التي سبقتهُ. فذكرَ مِنها أنَّ القرآنَ الكريمَ مصدّقٌ للكتبِ التي جاءتْ قبلَهُ ، وشهيدٌ عليها أنها حقٌ مِنْ عندِ اللهِ ، أمينٌ عليها ، حافظٌ لها ، ومؤتَمَنٌ عليها. ثمَّ ذكرَ أنَّ ابنَ عباسٍ قالَ بأنَّ "أمينًا عليهِ" يعني أنهُ "يحكمُ على ما كانَ قبلَهُ مِنَ الكتب."

وقالَ القرطبي بتفسيرٍ مماثلٍ ، فذكرَ أنَّ "مُهَيْمِنَا عليهِ" يعني "حافظاً لهُ" ، ولكنهُ "عالياً عليهِ ومرتفعاُ" عنهُ. ووافقَ ابنُ كثيرٍ مَعَهُما على ما ذكراهُ ، وأضافَ أنَّ معنى "أمينٌ" على ما قبلِهُ مِنَ الكتبِ أنهُ "حاكمٌ" عليها ، نقلاً عَنْ ابنِ عباس. وهذا يعني أنَّ "ما وافقَهُ منها فهوَ حقٌ ، وما خالفَهُ منها فهوَ باطل" ، كما قالَ جُرَيج.

والسببُ الرئيسُ في هيمنةِ القرآنِ الكريمِ على ما سبقَهُ مِنْ كتبِ اللهِ أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد تعهدَ بحفظِهِ  (الْحِجْرُ ، 15: 9). أما الكتبُ السابقةُ ، فقد اعتراها الكثيرُ مِنَ التغييراتِ ، نتيجةً لتدوينِها بعدَ موتِ الرُّسٌلٍ بوقتٍ طويلٍ ، مثلما حدث لكتب العهد القديم ، خاصة التوراة ، أو بسببِ الترجماتِ مِنْ عدةِ لغاتٍ متعاقبةٍ ، مثلما حدثَ للأناجيلِ ، التي لم تصلُنا باللغةِ الآراميةِ التي تحدثَ بها المسيحُ ، عليهِ السلام. وإنما كُتبتْ باليونانيةِ ، ثم تُرجمتْ إلى اللغاتِ الأوروبيةِ القديمةِ ، وأخيراً إلى اللغاتِ الحديثةِ ، مما أدى إلى حدوثِ الكثيرِ مِنَ التغييراتِ فيها. [45]

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ "الْمُهَيْمِنُ" على مخلوقاتِكَ كلِّها ، فنجِّنا وأحفظنا مِن شرورِ الطُغاةِ والظالمينَ في هذه الدنيا ، واقتصْ لنا منهم في الآخِرة.

 ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْمُهَيْمِنَ" ، لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو المسيطرُ والرقيبُ والحاكمُ على كلِّ مخلوقاتِهِ ، في الدنيا والآخِرةِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْمُهَيْمِنِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يراعيَ اللهَ فيمن يسيطر عليهِم مِنَ الناسِ ، فلا يظلمُهم ، ولا يحكمُ عليهِم وبينهم إلا بما أنزلَ اللهُ ، المهيمنُ ، ربُّ العالمينَ.

17. الْعَزِيزُ

"الْعَزِيزُ" هوَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ من الفعل "عَزَّ" ، الذي يعني قَوِيَ ، ونَدَرَ ، وتعالى ، وارتفعَ مكانةً وموقعاً ، وبَرِئَ مِنَ الذُّلِّ ، كما جاءَ في معجم المعاني الجامع. ومنهُ جاءَ "العزيزُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أي القويُ المنيعُ ، تعالى شأنهُ ، وارتفعت مكانتُهُ على جميعِ خلقِهِ ، سبحانهُ ، الذي تَنَزَّهَ عنْ أيةِ نقائصٍ. وجاءتْ العزةُ أيضاً ، أي القوةُ والمجدُ والسؤددُ ، كما جاء في قواميس اللغة ، وكما توضحُ لنا الآياتُ الكريمةُ 3: 26 ، 4: 139 ، 63: 8. [46]

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 139).

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (الْمُنَافِقُونَ ، 63: 8)

وذكرَ الطبريُّ أن "الْعَزِيزَ" هوَ القويُّ الذي لا يُعجزهُ شيءٌ أرادَهُ ، واتفقَ معهُ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ ، وزادَ بقولِهِ أنهُ القادرُ على كلِّ شيء. وأضافَ القرطبيُّ أقوالَ السابقينَ ، أي أنَّ "الْعَزِيزَ" هوَ الغالبُ ، الذي لا يُنالُ ولا يُغالَبُ ، الذي لا مِثلَ له. وزادَ على ذلكَ بأنهُ الشريفُ ، الجليلُ ، المُعِزُّ لغيرِهِ ، وهوَ النادرُ في وجودِهِ ، ولكنهُ فعالٌ لِما يُريدُ ، بالمقارنةِ مع ما ندرَ من خلقِهِ. وقالَ الغزالي بمثلِ ذلكَ ، فعرَّفَ "الْعَزِيزَ" بأنهُ الخطيرُ الذي يقِلُّ وجودُ مثلِهِ ، وتشتدُ الحاجةُ إليهِ ، ويصعبُ الوصولُ إليهِ.

والخُلاصةُ أنَّ العزةَ ، كصفةٍ للهِ عزَّ وجلَّ ، هيَ الرفعةُ والمنعةُ والكمالُ والقوةُ المطلقةُ. ومَنْ يَطلبُها مِنْ غيرِ اللهِ فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا. أمَّا مَنْ يَطلبُها مِنْ مالكِها ، مالكِ المُلكِ ، فهوَ على الصراطِ المستقيم. وصدقَ تباركَ وتعالى في قولِهِ: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ " (فَاطِرُ ، 35: 10).

وقد ذُكِرَ "الْعَزِيزُ" كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفَاً ، 60 مرةً في القرآن الكريم ، جاءَ فيها مقترناً مَعَ اسمٍ آخَرَ أو أكثرَ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، تباركَ وتعالى ، تعريفاً وتوضيحاً له. فقد اقترنَ معَ "الْحَكِيمِ" 29 مرةً ، ومعَ "الرَّحِيمِ" 13 مرةً ، ومعَ "الْعَلِيمِ" 6 مراتٍ ، ومعَ "الْحَمِيدِ" 3 مرَّاتٍ ، ومعَ "الْغَفَار" 3 مرَّاتٍ أيضاً ، ومعَ "الْقَوِّيِّ" مرَّتينِ. وجاءَ مرَّةً واحدَةً معَ كلِّ مِنَ "الْغَفُورِ" و "الْوَهَّابِ." كما جاء مرَّتينِ في الآيتينِ الكريمتين 23 و24 من سورة الحشرِ (53) ، اللتينِ تشتملانِ على 18 اسماً مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. وهكذا ، فإنَّ عِزَّتَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد ارتبطت بحكمتِهِ ورحمتِهِ وعلمِهِ وغفرانِهِ وقوتِهِ وكرمِهِ ووهبِهِ ومغفرَتِهِ لعبادِهِ ، مما يستحق عليهِم حمدِهِ وشكرِهِ والثناءِ عليهِ ، ، كما توضحهُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ.

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 118).

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤١﴾‏ إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 42).

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 9).

الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 1).

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (غَافِرُ ، 40: 42).

أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (ص ، 38: 9).

وذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُنَكَّرَاً ، أي "عَزِيزُ" ، 20 مرةً في القرآن الكريم ، جاءَ فيها مقترناً مَعَ اسمٍ آخَرَ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، تباركَ وتعالى ، تعريفاً وتوضيحاً له. فقد اقترنَ معَ "ْحَكِيمِ" 8 مرَّاتٍ ، ومعَ "قَوِّيٍّ" 5 مرَّاتٍ ، ومعَ "ذُو انْتِقَامٍ" 5 مرَّاتٍ أيضاً ، ومعَ كلٍّ مِنْ "غَفُورٍ" و "مُقْتَدِرٍ" مرَّةً واحدَةً. وهكذا ، فإنَّ عِزَّتَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد جاءت مرتبطةً معَ حكمتِهِ وقوتِهِ وانتقامِهِ واقتدارِهِ وغفرانِهِ ، كما توضحهُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ:

بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 158).

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 21).

كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (الْقَمَرُ ، 54: 42).

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 28).

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ" ، أعزَّنا بِعزَّتكَ ، وأمِدَّنا بِقوتِكَ ، حتى لا نحيدَ عن صراطِكَ المستقيمِ في هذهِ الدُّنيا ، ونفوزَ بجنةِ خُلدِكَ في الآخِرة.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْعَزِيزَ" ، مُعَرَّفاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو القويُّ القادرُ الغالبُ ، الذي لا يُعجزهُ شيءٌ أرادَهُ ، سبحانهُ ، جلَّ شأنُهُ ومُقامُهُ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْعَزِيزِ" ، بما يُفِيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يستعملَ صفاتِ القوةِ والقُدرَةِ والغُلبِ ، التي يُمَكِّنُهُ اللهُ مِنَ الحصولِ على بعضِها ، فيما يُرضي ربَّ العزةِ ومصدرَها وواهبَها.

18. الْجَبَّارُ

"الْجَبَّارُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ من الفعلِ "جَبَرَ" ، الذي يعني قَوَّى وقَوَّمَ وصَحَّحَ ، كما يحدث في حالةِ تجبيرِ الذراعِ المكسورةِ ، مما يؤدي إلى تقويةِ عظامِها وتقويمِها وتصحيحِها ، فتصبحُ قادرةً على أداءِ وظائفِها مرةً أخرى. وكذلك يعنى "أكْرَهَ" أو "أرْغَمَ" أحداً على فعلِ شيءٍ. وفي عِلْمِ الْجَبْرِ ، فإنهُ يعني استبدالَ عَدَدٍ بحرفٍ أو رَمْزٍ لِيَحِلَّ محلَّهُ.

وهكذا ، "فالْجَبَّارُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ الذي يُجْبِرُ أجزاءَ ملكوتِهِ الواسعِ على العملِ طبقاً للقوانينِ الكونيةِ التي وضعها لها ، وهوَ الذي سيجبرُ مخلوقاتَهُ المكلَّفةِ على الوقوفِ أمامَهُ للحسابِ في اليومِ الآخرِ ، بعدما أعطاها الخيارَ في الحياةِ الدُّنيا ، من خلالِ رسالاتِهِ التي تهدفُ إلى هدايتِهِم وإصلاحِهِم ، حتى يفوزوا بجنةِ خُلدِهِ في الآخِرة. وهو المُنتقمُ الجبارُ مِنَ الطغاةِ والعصاةِ الذين يكفرونَ بآياتِهِ ، فيرغمُهُم على الخلودِ في العذابِ المُهينِ بنارِ جهنمَ ، وساءتْ مصيرا.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْجَبَّارِ" مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرِ (59) ، معَ ثمانيةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وقد ذُكرتْ كلمةُ "جَبَّارٍ" أو "جَبَّارِينَ" مُنَكَّرَةً (بدون أل التعريف) في تسعِ آياتٍ من الذكرِ الحكيمِ ، وذلكَ في وصفِ قدماءِ الفلسطينيينَ بأنهم جبارونَ ، أي ذُو قوةٍ (الْمَائِدَةُ ، 5: 22) ، وفي وصفِ عادٍ ، قومِ هودٍ ، عليهِ السلامُ ، بأنهم اتَّبعوا كلَّ جبارٍ عنيد (هُودُ ، 11: 59) ، وفي وصفِ كلِّ جبارٍ عنيد (إبْرَاهِيمُ ، 14: 15) ، وفي وصفِ يَحيى ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ لم يكن جباراً عصياً (مَرْيَمُ ، 19: 14) ، وفي وصفِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، بأنه لم يكنْ جباراً شقياً (مَرْيَمُ ، 19: 32) ، وفي وصفِ عادٍ ، قومِ هودٍ ، عليهِ السلامُ ، بأنهم كانوا جبارينَ في بطشِهِم ، أي كانوا يُكثرونَ القتلَ بغيرِ حقٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 130) ، وفي تذكيرِ المِصريِّ لِموسى ، عليهِ السلامُ ، بألا يكونَ جباراً في الأرضِ ، أي مُفسداً فيها ، إنْ هوَ قتلَهُ (الْقَصَصُ ، 28: 19) ، وفي وصفِ الذي يجادِلُ في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطانٍ ، بأنهُ متكبرٌ جبار (غَافِرُ ، 40: 35) ، 50: 45 وفي وصفِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لمُهمَّةِ الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنها تذكيرٌ للناسِ بالقرآنِ الكريمِ ، لا إجبارٌ لهم. فلهمُ الخَيارُ في الدُّنيا ، ويحاسَبونَ على ذلكَ الاختيارِ في الآخِرة (ق ،  50: 45).

وعلى ذلك ، "فالجبارُ" هو اللهُ وحدَهُ ، القادرُ على إجبارِ خلقهِ كلِّهِم ، ليقفوا أمامَه للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، بما في ذلك رُسُلِهِ ، كالمسيحِ عليهِ السلامُ ، وحتى الملائكةِ المقربينَ ، كما تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 4: 172.

لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 172).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْجَبَّارُ" ، المنتقمُ مِنَ الطغاةِ والعصاةِ في يومِ الدينِ ، قِنا شرورَهم ومكائدَهم في هذهِ الدُّنيا ، واهدِنا إلى سَوَاءِ السبيل.

 ولا ينبغي لبشرِ أنْ يتسمَى باسمِ "الْجَبَّارِ" ، مُعَرَّفَاً ، وذلك لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، جلَّ وعلا. فهوَ الجبَّارُ وَحْدَهُ ، ولا جبَّارَ غيرَهُ. ولا ينبغي لأحدٍ أيضاً أنْ يتسمى "جبَّارَ" ، مُنَكَّرَاً ، لأنَّ ذلكَ وصفٌ للكافرينَ مِنَ الطغاةِ والعُصاةِ والمعانِدين. وإنما يُمكنُ للمسلمِ أنْ يُسَمَّى "عبدَ الْجَبَّارِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْجّبَّارَ" ، مثلما هوَ الحالُ في استعمالِ أسماءِ اللهِ الحُسنى الأخرى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يتجبرَ على خلقِ اللهِ ، فلا يطغى على الناسِ ، ولا يكونُ عنيداً ولا شقياً ، وإنما عطوفاً رحيماً ، ليسَ فقط تجاهَ أفرادِ أسرتِهِ ، بل للناسِ بصفةٍ عامةٍ ، عاملاً بما يُرضِي ربَّهُ "الْجَبَّارَ" ، جلَّ وعلا ، الذي سيجبرُهُ يوماً للمثولِ أمامَهُ للحسابِ ، يومَ لا يكونُ "جَبَّارٌ غيرُهُ.

19. الْمُتَكَبِّرُ

"الْمُتَكَبِّرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَبُرَ" ، الذي يعني عَظُمَ وتَرَفَّعَ في صفاتِهِ كلِّها. وكأحدِ الأسماءِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ أعظمُ وأعلى مَقَاَماً وَقُدْرَةً منْ مخلوقاتِهِ ، مهما عَظُمَتْ وارتفعتْ في قُدُرَاتها. ولذلكَ ، توجبَ عليها عبادَتَهُ بالحمدِّ والشكرِ على خلقهِ لها ، وعلى التفضُّلِ عليها بنعمهِ التي لا تحصى.

وَذَكَرَ الطبريُّ ، في تفسيرِهِ لهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أنَّ "المُتَكَبِّرَ" هوَ الذي تَكَبَّرَ عن كلِّ شيءٍ ، وتبعهُ في ذلكَ ابنُ كثيرٍ. أمَّا القرطبيُّ ، فقالَ إنَّ "المُتَكَبِّرَ" هوَ العالي ، الكبيرُ ، وهوَ الذي "تكبرَ بربوبيتِهِ ، فلا شيءَ مثلُهُ. وهوَ المتكبرُ عن كلِّ سوءٍ ، المتعظمُ عما لا يليقُ مِن صفاتِ الحدثِ والذمِّ."

وقد وَرَدَ اسمُ "الْمُتَكَبِّرِ" مرةً واحدةً ، في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرِ (59) ، معَ ثمانيةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

أمَّا في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فقد جاءتْ كلمةُ "مُتَكَبِّرٍ" ، مفردةً ومُنَكَّرَةً ، كصفةٍ ذميمةٍ لكلِّ مَنْ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ (غَافِرُ ، 40: 27) ، ولِمن يجادلُ في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطان (غَافِرُ ، 40: 35). وجاءتْ كلمةُ "المتكبرينَ" ، مُعَرَّفَةُ وبصيغةِ الجمعِ ، كصفةٍ ذميمةٍ للكافرينَ (غَافِرُ ، 40: 72) ، الذين يظلمونَ أنفسَهم (النَّحْلُ ، 16: 29) ، والذين يكذبونَ بآياتِ اللهِ (الزُّمَرُ ، 39: 60) ، والذين يكذبونَ بِرُسِلِهِ (الزُّمَرُ ، 39: 72). وقد توعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هؤلاء المتكبرين بالعذاب في نار جهنم ، كذلكَ ذكرَ لنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنَّ المستكبرينَ ، الذين يحتقرونَ الناسَ ، لا يدخلونَ الجنةَ. [47]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُتَكَبِّرُ" عَنْ كلِّ سوءٍ ، عَظُمْتً وتَرَفَّعْتَ مَقاماً وقَدْرَاً وقُدْرَةً ، فلكَ الحمدُ والشكرُ على نِعَمَكَ التي لا تُحصى ، وخاصةً نعمةِ التواضعِ لكَ ولعبادِكَ المؤمنين. اصرفْ عَنَّا يا ربُّ كيدَ المستكبرينَ.

 ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يتسمَى "الْمُتَكَبِّرَ" ، مُعَرَّفَاً ، وذلك لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، جلَّ وعلا. ولا ينبغي لأحدٍ أيضاً أنْ يُسمى "مُتَكَبِّرَ" ، مُنَكَّرَاً ، لأنَّ ذلكَ وصفٌ للكافرينَ المستكبرينَ على اللهِ وعلى عبادِهِ الصالحين. وإنما يُمكنُ للمسلمِ أنْ يُسَمَّى "عبدَ الْمُتَكَبِّرِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْمُتَكَبِّرَ" ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يتكبرَ على خلقِ اللهِ ، ولا يحتقرُهم ، ولا يفخرُ عليهِم بأوصافِ جِسمهِ أو بنسبهِ أو بمالِهِ ، فكلُّهم خلقُ اللهِ ويعودونَ في أنسابِهِم إلى أصلٍ واحدٍ هوَ آدمَ ، عليهِ السلامُ. أمَّا المالُ ، فإنهُ لا يدومُ لأحدٍ ، خاصةً بعدَ أنْ يُوارَى الذي كانَ صاحبُهُ تحتَ التراب. وعلى العكسِ مِن ذلكَ ، ينبغي أنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً ، ومُدركاً ومعترفاً بأنَّ "الْمُتَكَبِّرَ" هوَ اللهُ وحدَه ، الذي خَلَقَ الْخَلْقَ وبَرَأَ الكونَ ، سبحانهُ وتعالى.

20. الْخَالِقُ

"الْخَالِقُ" ، اسمُ صفةٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي يعني أوْجَدَ شيئاُ مِنَ غيرِ شيءٍ ، وأنشأهُ وصَوَّرَهُ. وهذا لا ينطبقُ إلا على اللهِ ، تبارَكَ ، الذي يَخْلُقُ ، أي يُوجِدُ شيئاً مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ (الطُّورُ ، 52: 35) ، وهو "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنْعَامُ ، 6: 102) ، بما في ذلكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (الطُّورُ ، 52: 36).

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (الطُّورُ ، 52: 35).

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنْعَامُ ، 6: 102).

أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (الطُّورُ ، 52: 36).

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الخَالِقَ" يعني أنهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الْمُقَدِّرُ والْمُقَرِّرُ لِما يريدُ خلقَهُ ، كما في مثالِ خَلْقِ السماواتِ والأرض. وهوَ يشترِكُ في تبيانِ موضوعِ الخلقِ معَ أربعةِ أسماءٍ أخرى ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. فاللهُ هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي قَرَّرَ خَلْقَهُنَّ وقّدَّرَ خَصَائِصَهُنَّ. وهوَ الْفَاطِرُ ، الذي كانَ أولَ مَنْ ابتدأَ باخْتِرَاعِهِنَّ. وهوَ الْبَارِئُ ، الذي نّفَّذّ قَرَارَهُ بإبْرَازِهِنَّ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَدِيعُ ، الذي أخرجَهُنَّ إلى الوجودِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، الذي شَكَّلّهُنَّ على هيئاتٍ تناسبُ الوظائفَ التي خَلَقَهُنَّ لأدائِها.

وَقَدْ ذَكَرَ الطبريُّ أنَّ "الْخَالِقَ" هوَ الذي لا معبودَ تصلحُ عبادتُهُ غيرَهُ ، مستنداً في هذا التفسيرِ للآيةِ الكريمةِ 24 مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (59) ، على آياتِ الخلقِ الأخرى التي تتضمنُ التقديرَ (الْفُرْقَانُ ، 25: 2) ، والقضاءَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117) ، والإرادةَ ، والكينونةَ (يَس ، 36: 82).

وقالَ القرطبيُّ أنَّ "الْخَالِقَ" هو المُقَدِّرُ ، وتبعهُ في ذلكّ ابنُ كثيرٍ ، الذي قالَ أنَّ الخلقَ هوَ التقديرُ. واتفقَ القرطبيُّ وابنُ كثيرٍ مع الطبريِّ على أنَّ الخلقَ يمرُّ بثلاثِ مراحلٍ ، هي: التَّقْدِيرُ ، والْقَضَاءُ ، والْبَرَاءُ (الذي يبدأُ بكلمةٍ "كُنْ" ، التي تؤدي إلى الوجودٍ ، "فَيَكُونُ").

... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 2).

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117).

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ (يَس ، 36: 81-82).

وفَسَّرَ الطبريُّ الفعلَ "قَضَى" ، في الآية الكريمة 117 مِن سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، بمعنى "حَكَمَ" ، والفعلَ "كُنْ" على أنهُ أمرٌ لِما هوَ غيرِ موجودٍ أنْ يوجَدَ. وهذا يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، عالمٌ بكلِّ ما هوَ كائنٌ قبلَ كونِهِ. أي أنهُ يأمرُ الأشياءَ بالخروجِ مِن حالةِ العدمِ إلى حالةِ الوجودِ ، لعلمِهِ بها في حالةِ العدمِ.

وفَسَّرَ القرطبيُّ "إذا قضى أمراً" أي إذا أرادَ "خَلْقَ" وإحكامَ وإتقانَ أمرٍ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا" (فُصِّلَتْ ، 41: 12) ، أي فخلقهُنَّ في يومينِ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْخَالِقِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ 24 مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (59) ، وذلكَ معَ اسمينِ آخَرَيْنِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لهما صلةٌ بعمليةِ الخلقِ ، هما "الْبَارِئُ" و "الْمُصَوِّرُ."

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كما ذُكرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أرْبَعَ مَرَّاتٍ أخرى ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" ، "وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" (الأنْعَامُ ، 6: 102 ؛ الزُّمَرُ ، 39: 62) ، وهُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الرَّعْدُ ، 13: 16) ، وهُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" (غَافِرُ ، 40: 62).

وجاءَ هذا الاسمُ في سياقِ ذِكْرِ سؤالَيْنِ بلاغيَّيْنِ ، كانَ أولُهُما في قولِهِ تعالى: "أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾‏ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ" ﴿٥٩﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 58-59). وكانَ الثاني في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ" (فَاطِرُ ، 35: 3).

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فقد ذُكرَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً أيضاً مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ولكنْ كاسمِ فعلٍ ، وذلكَ في قولِهِ تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ "(الْحِجْرُ ، 15: 28) ، وفي قولِهِ: "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ" (ص ، 38: 71) ، وفي سؤالِهِ البلاغيِّ ، عزَّ وجلَّ:

والجديرُ بالملاحظةِ أنَّ اسمَ الخالقِ يشترِكُ في الاشتقاقِ مِنْ نفسِ الفعلِ مع اسمينِ آخرينِ ، هما: "الْخَلَّاقُ" و "أحْسَنُ الْخَالِقِينَ." كما أنَّ هناكَ عدةَ أسماءٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، تتعلقُ بالخلقِ ، مثلِ الْبَارِئِ وَالْفَاطِرِ وَالْبَدِيعِ وَالْمُصَوِّرِ ، والتي سيتم تناوُلُها فيما يلي.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَالِقُ" لكلِّ شيءٍ ، فلكَ الحمدُ والشكرُ على نِعَمَتي الخلقِ والحياةِ. اللهمَّ بارِكْ لنا فيهِما ، بالهدايةِ إلى عبادتِكَ وإلى صالحِ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، حتى نفوزَ برضاكَ وجنتَكً في الآخِرة.

ولا يصحُّ ، ولا ينبغي ، أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَالِقِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فالخالقُ هو اللهُ وحدَهُ ، الذي يوجِدُ الموجوداتِ التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ. ولكنَّ الولَدَ يمكنُ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْخَالِقِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْخَالِقَ" ، سبحانهُ وتعالى ، اعترافاً بعبادتِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ عل يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ ، الذي يُوجِدُ مخلوقاتِهِ مِنَ العدمِ ، إنْ شاءَ. أمَّا ما عداهُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فإنهم يوجِدونَ موجوداتِهِم مِنَ الموجودِ. ويتبعُ ذلكَ عبادةَ الخالِقِ ، وعدَمَ الشِّركِ بهِ ، واللجوءَ إليهِ ، والرأفةَ بخلقِهِ ، وعدَمَ التكبرِ عليهِم.

21. الْخَلَّاقُ

"الْخَلَّاقُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ الفاعلِ "خَالِقٍ" ، المشتقِ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي سبقُ تناولُهُ في اسمِ "الْخَالِقِ." و "الْخَلَّاقُ" أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي ذُكرَ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً مرَّتينِ ، ومُقترناً معَ اسمٍ آخَرَ من أسمائهِ الحُسنى ، هوَ "العليمُ" (الْحِجْرُ ، 15: 86) ، الذي يعلمُ ما كانَ مِنْ خلقِهِ ، وما يكونُ منهم ، وما سيكونُ.  وهوَ الذي "إِذَا أَرَادَ شَيْئًا" ، فما عليهِ إلَّا "أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (يَس ، 36: 81-82).

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 86).

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾‏ (يَس ، 36: 81-82).

لغوياً ، "الْخَلَّاقُ" هوَ المُبدعُ والمُبْتَكِرُ والمُنشئُ. وذكرَ الطبريُّ أنهُ الخلاقُ لِمَا يشاءُ ، الفعَّالُ لِما يُريدُ. وقالَ القرطبيُّ بأنَّ الْخَلَّاقَ صيغةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ "الخالِقِ" ، لأنهُ يَخْلُقُ خلقاً بعدَ خلقٍ ، والخلقُ فعلُهُ ، وهو المُقَدِّرُ للخلقِ. وأشار ابنُ كثيرٍ إلى نفس المعنى بقولِهِ أنَّ "الْخَلَّاقَ" تقريرٌ للمعادِ ، وأنهُ تعالى قادرٌ على إقامةِ الساعةِ ، فإنهُ الخلاقُ الذي لا يُعْجِزُهُ خلقَ ما يشاء.

وهكذا ، "فالْخَلَّاقُ" هوَ اسمُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي يشير إلى صفةِ الديمومة في القدرةِ على الخلقِ ، بما في ذلكَ أنهُ يبدأُ الخلقَ ثم يعيدهُ ، مثلَ خلقهِ للسماواتِ والأرضِ ومَن عاشَ فيهِما ، ويخلقُ خلقاً آخرَ إذا أراد ، متى وأينما وكيفَما شاء.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ" ، القادرُ على الخلقِ وإعادةِ الخلقِ متى تشاءُ ، أنتَ العليمُ بِمَنْ تَخْلُقُ قبلَ أنْ تَخْلُقَ ومتى! اللهمَّ إني أسألُكَ خيرَ الدُّنيا والآخِرة.

ولا يصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَلَّاقِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فالخلَّاقُ هو اللهُ وحدَهُ ، الذي أوجِدَ الموجوداتِ ، التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ ، كما فعلَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ، وهوَ القادرُ على خلقِهِنَّ من جديد. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الخلَّاقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ ، الْقادرٌ على إقامةِ الساعةِ والحسابِ ، وما يعقُبُ ذلكَ مِنْ ثوابٍ أو عقابٍ. ويتبعُ ذلكَ أن يستعدَّ المؤمنُ لذلكَ اليومِ بالعبادةِ والطاعةِ لخالقِهِ ، والتقرُّبِ إليهِ بالنوافِلِ وصالِحِ الأعمالِ.

22. أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

"أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتين. أولاهما "أحْسَنُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أحْسَنَ" ، الذي يعني أجَادَ الشَّيْءَ وجَعَلَهُ أفضلَ. وإذا جاءَتْ هذهِ الكلمةُ في موقعِ المُضافِ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليها ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأحْسَنُ ، أي الأفْضَلُ والأجْوَدُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْخَالِقِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي يعني أوْجَدَ شيئاُ مِنَ غيرِ شيءٍ ، وأنشأهُ وصَوَّرَهُ ، كما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْخَالِقِ" ، مِنْ قبلُ.

وهكذا ، فإنَّ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أولاً أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الأوحدُ في قُدرَتِهِ على خلقِ الأشياءَ مِنَ العدمِ. أمَّا غيرُهُ ، فإنهم يَخْلُقُونَ مما هو موجودٌ ، قد خلقهُ هُوَ مِنْ قبلُ. وهُوَ في ذلكَ الأفضلُ والأجودُ فيما يقومُ بهِ مِنْ خلقٍ ، إذا ما قورنَ معَ ما يقومُ بهِ غيرُهُ مِنْ خلقٍ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" مرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ. جاءَ في المرَّةِ الأولى في معرِضِ ذِكْرِ مراحلِ خلقِ الإنسانِ في الرَّحِمِ ، مِنْ نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضغةٍ إلى عِظَامٍ إلى لَحْمٍ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 14) ، في إعجازٍ علميِّ لم تكتشفُهُ البشريةِ إلَّا بعدِ اكتشافِ الوسائلِ الطبيةِ الحديثةِ. وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ على لسانِ إلياسَ ، عليهِ السلامُ ، في تذكيرهِ لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ، بدلاً مِنْ بعلٍ ، الذي لا يملُكُ لهم ضراً ولا نفعاً (الصَّافَاتُ ، 37: 125).

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 14).

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾‏ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾‏ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴿١٢٥﴾ (الصَّافَاتُ ، 37: 125).

وفي تفسيرِهِ للآيةِ الكريمةِ 23: 14 ، نقلَ الطبريُّ عن مجاهدٍ قولَهُ أنَّ الناسَ "يصنعونَ ، ويصنعُ اللهُ ، واللهُ خيرُ الصانعينَ." وذلك لأنَّ العربَ كانوا يقولونَ عن الصانعِ خالقاً. فالنجارُ ، مثلاً ، يقيسُ الخشبَ ويُقَدِّرُهُ على ما يريدُهُ لهُ ، ثُمَّ يقطِّعهُ بعدَ التقديرِ. وقد يكونُ ذلكَ قبلَهُ ، بأنْ يقطعَ الصانعُ قطعةً من جلدٍ أو ثوبٍ قَطعًا مقاربًا ، ثم يُصلِحُها ويسويها بالحسابِ والتقديرِ ، على ما يريدُهُ. كذلكَ ، فاللهُ سبحانهُ وتعالى ، أحسنُ الخالقينَ بالمقارنة مع عبدِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، الذي كان يخلُقُ من الطينِ كهيئة الطيرِ ثم ينفخُ فيهِ "فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ " (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 49). فأينَ ذلكَ من خلقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ؟ تباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ.

وأشارَ الطبريُّ في تفسيرهِ للآيةِ الكريمة 37: 125 إلى قصةِ نبيِّ اللهِ إلياسَ ، عليهِ السلامُ ، الذي نصحَ بني إسرائيلَ بالعودةِ إلى عبادةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، أحسنَ الخالقينَ ، بدلاً من عبادةِ الصنمِ الذي كانوا يصنعونهُ ويسمونهُ بعلاً ، والذي لم يكن بقادرٍ على نفعِهِم أو ضُرِّهِم بشيء.

وأضافَ القرطبيُّ إلى ما ذكرهُ الطبريُّ ، أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يختلفُ عن الخالقينَ من البشرِ ، بما فيهم عيسى ، عليهِ السلامُ ، في أنهُ يَخْلُقُ شيئاً مِنَ العدمِ ، بينما هُم يَخلِقون َمِن أشياءٍ موجودةٍ أمامَهم. كما أنهُ ، جلَّ وعلا ، "أتقنُ صُنْعَ كُلِّ شَيْءٍ" ، كما جاء في الآية الكريمة 27: 88.

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (النَّجْمُ ، 27: 88).

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" ، خلقتَ الخلقَ مِنْ غيرِ شيءٍ ، بينما غيرُك يخلُقون مِمَّا خلقتَ لهم مِنْ قبلُ! اللهمَّ إني أسألُكَ خيرَ الدُّنيا والآخِرة.

وهذا يعني أنهُ لا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فاللهُ وحدَهُ هوَ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، فهوَ الذي أوجِدَ الموجوداتِ التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ ، كما فعلَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ. أمَّا غيرُهُ ، فإنهم يخلُقون مِمَا خلقَ لهم مِنْ قبلُ. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْخَالِقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ التَّغييرُ فيهِ ، أو اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أحْسَنِ" أو "الْخَالِقِينَ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ "أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ." فهوَ الذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ ، فأحسنَ صُورَتَهُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3) ، وهوَ الذي وهبَ لهُ الحياةَ ، فاستحق بذلكَ العبادةَ والطاعةَ والشُّكرَ مِنْهُ. كما على المؤمنِ أنْ يقومَ بإتقانِ ما يقومُ بهِ مِنْ عملٍ ، أي أنُ يقومَ بأدائهِ على أكملِ وجهٍ ممكنٍ ، فَيُحَسِّنَهُ ما استطاعَ ، ويَزِيدُ مِنْ فائدَتِهِ ما أمكنَهُ ذلكَ.

23. الْبَارِئُ

"الْبَارِئُ" اسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "بَرَأَ" ، الذي يعني عَمِلَ وصنعَ ، بصفةٍ عامةِ. أمَّا في الإشارةِ إلى فعلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، فإنهُ يعني نّفَّذّ وأبرزَ شيئاً للوجودِ بعدما خَلَقَهُ ، أي بعدما قَدَّرَهُ وقَرَّرَهُ ، كما قالَ ابنُ كثيرٍ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً مرَّةً واحدةً ، معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في تسلسلٍ واضحٍ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي يُقَدِّرُ ويُقَرِّرُ أنْ يُوجِدَ الموجوداتِ مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَارِئُ ، أي الذي يُنَفِّذُ ما يُقَدِّرُهُ ويُقَرِّرُهُ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، أي الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، وبما يناسبُ كُلَّاً مِنْها ، في أدائِها لوظائفِها (الْحَشْرُ ، 59: 24).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كما ذُكرَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً مرتينِ ، في آيةٍ واحدةٍ ، في سياقِ خطابِ موسى ، عليهِ السلامُ ، إلى قومِهِ الذينَ أشركوا باللهِ ، باتخاذِهِم العجلِ مِنْ بعدهِ ، فأمرَهم بالتوبةِ إلى بَارِئِهِم ، وبقتلِ أنفسِهِم ، حتى يَقْبَلَ اللهُ توبَتَهُم (الْبَقَرَةُ ، 2: 59).

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 59).

وفي تفسيرهِ للآية الكريمةِ 59: 24 ، ذكرَ الطبريُّ أنَّ "الْبَارِئَ" هوَ الذي "بَرَأَ" الخلقَ ، فأوجدَهم بقدرتِهِ. وزادَ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ بقولِهِ أنَّهُ المُنَفِّذُ والمُبْرِزُ للوجودِ ما قدَّرَهُ وقرَّرَهُ. وهو متفردٌ في ذلكَ لأنهُ "ليسَ كلُّ مَنْ قدَّرَ شيئاُ ورتبَهُ بقادرٍ على تنفيذهِ وإيجادِهِ سِوى اللهُ ، عزَّ وجل."

أمَّا القرطبيُّ ، فقد توسعَ في الشرحِ ، وخاصةً في "الأسنى" ، فقالَ أنَّ "الْبَارِئَ" هو المُنشئُ المُبدعُ المخترعُ ، فلا يُسمى ولا يوصَفُ بهِ أحدٌ غيرُ اللهِ ، سبحانه وتعالى. فاللهُ هو البارئُ ومخلوقاتُهُ مِنَ البشرِ هي البريئةِ (البرية). وكذلكّ فإنهُ ميزَ بينَ معاني البارئِ والخالقِ والبديعِ والمُصور. فقالَ بأنَّ "الْبَارِئَ" يختلفُ عَنِ "الخالقِ" في أنهُ يعني الإيجادَ. وبينما "الْبَارِئُ" يعني الذي يوجِدُ كلَّ مُبْرَأ ، أي كلَّ ما وُجِدَ بعدَ أنْ لم يَكُنْ ، فإنَّ "المُصورَ" يختصُّ بكلِّ خلقٍ لهُ صورةٌ ، أي بعدَ أن يوجَدَ.

كذلكَ ، فإنَّ "الْبَارِئَ" هوَ الذي أبدعَ ، أي أوجدَ ، الماءَ والترابَ والنارَ والهواءَ ، من غيرِ شيءٍ ، ثُمَّ خلقَ منها الأجسامَ المُختلفةَ ، أي إنهُ "البديعُ" أيضاً. لكنهُ ، أي "الْبَارِئُ" عزَّ وجلَّ ، يختلفُ عن "الْبَدِيعِ" في أنهُ كانَ عالِماً بما أبدعَ قبلَ أنْ يُبدعَ.

وهناكَ معنىً أخَرَ لاسمِ "الْبَارِئ" ، سبحانهُ وتعالى ، وهوَ الشافي المُعافي ، الذي يدعوهُ بهِ المؤمنونَ عندما يتوسلونَ إليهِ لشفائِهِم مِنَ الأمراضِ. وهوَ في هذه الحالةِ مشتقٌ مِنِ الفعلِ "بَرَأَ" الذي ذُكرتْ لهُ صيغتانِ في القرآن الكريم ، في الإشارة إلى قيامِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، بشفاءِ الأكمهَ والأبرصَ ، كما جاءَ في الآيتينِ الكريمتينِ 3: 49 و5: 110.

وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ (آلِ عِمران ، 3: 49).

وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ (المائدة ، 5: 110).

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَارِئُ" ، سبحانكَ ، خلقتَ مِنَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيِّ ، وخلقتَ الإنسانَ مِنْ طينٍ! اللهمَّ إني أسألُكَ التوفيقَ والسدادَ في هذا الأمر الذي أنوي القيامَ به. وأسألُكَ الشفاءَ مِن هذا الداءِ ، فأنتَ الشافي وأنتَ المُعافي ، يا أرحمَ الراحمين.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَارِئِ" ، لا مُنَكَّرَاً ولا مُعَرَّفَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنسِ. فاللهُ وحدَهُ هوَ الذي خلَقَ العناصرَ الأوليةَ ، التي أوجِدَ الموجوداتِ منها. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَارئِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يقومَ بالاستفادَةِ مِمَّا هوَ موجودٌ حولَهُ ، للانتفاعِ بهِ ، والوصولِ إلى ما يَسُدُّ حاجَتَهُ ، ويُمَكِّنُهُ مِنْ تحقيقِ أهدافِهِ ، على أنْ يكونَ ذلكَ كُلَّهُ في طاعةِ الْبَارِئُ ، تبارَكَ وتعالى ، والتَّقَرُّبَ إليهِ.

24. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ. الكلمةُ الأولى ، "بَدِيعُ" ، هيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "بَدَعَ" ، الذي يعني أحِدَثَ وأنْشَأَ وأوْجَدَ واخْتَرَعَ الأشياءَ على غيرِ مِثالٍ سابقٍ ، أي الذي لم يسبقْهُ إلى ذلكَ أحدٌ. وكاسمٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ اللهَ هوَ "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، أيْ الذي "بّدّعَ" خَلْقَهُنَّ ، فلم يسبقْهُ إلى خلقِهِنَّ أحدٌ ، وهوَ الذي أبدعَهُما جَمَالاً وضَبطاً ووظائفاً. فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْبَدِيعِ" مرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ، بأمرهِ لهما أن يكونا ، فكانتا (الْبَقَرَةُ ، 2: 117). وهوَ وحدَهُ الذي خَلْقَ كُلَّ شيءٍ ، بما في ذلكَ السماواتِ والأرضِ. وهوَ الذي "لَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ" ، وبالتالي فإنهُ ليسَ لهُ ولدٌ (الأنْعَامُ ، 6: 101) ، سبحانهُ وتعالى ، عَمَّا يَأْفِكُونَ.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117).

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الأنْعَامُ ، 6: 101).

واتفقَ القرطبيُّ معَ الطبريِّ على أنَّ "بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ يعني مُبْدِعُهَا ، أي مُنْشِئُهَا ومُوجِدُهَا ومُخْتَرِعُهَا. وأيدَهما في ذلكَ ابنُ كثيرٍ ، الذي قال أنَّ بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ هوَ خالِقُهما على غيرِ مثالٍ سبقَ ، أي أنهُ المُبدِعُ والمُنشئُ والمُحْدِثُ ، الذي لم يسبقْهُ إلى ذلكَ أحد.

واستطردَ القرطبيُّ في معنى "البديعِ" ، فذكرَ أنَّ أصلَ هذا الاسمِ هوَ الفعلُ "بَدَعَ" الذي يعني أبدعَ الأشياءَ وأحدثها ، أي أنَّ "البديعَ" هوَ الأولُ فيما يفعلُ ، وهوَ الذي يبدأُ الخلقَ على ما يريدُ ، على غيرِ مثالٍ قبلهُ. كما أن "البديعَ" هوَ "المُبتدِعُ" ، أي أنهُ المُحْدِثُ لأمرٍ عجيبٍ لم يُعْرَفْ قبلَ ذلكَ ، ومنهُ قولُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى: "قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ" (الأحقاف ، 46: 9). وهكذا ، فإنَّ "بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ هوَ الذي لم يسبقهُ إلى خلقِهِما أحدٌ.

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَدِيعُ" ، سبحانكَ ، أبدعتَ ما خلقتَ جمالاً وضبطاً ، لم يسبقُكَ إلى ذلكَ أحد! اللهمَّ إني أسألُكَ التوفيقَ والسدادَ في هذا الأمر الذي أنوي القيامَ به ، ليكونَ على أفضلِ وجهٍ ممكنٍ.  

ولذلكَ ، لا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَدِيعِ" أو "بَدِيعِ" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس ، لأنهُ مُرتبطٌ بخلقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ ، الذي لم يسبقُهُ إلى ذلكَ أحدٌ. ولكنَّ الولدَّ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَدِيعِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يعملَ ما في وسعهِ ليكونَ مُبدعاً فيما يقومُ بهِ مِنْ أعمالٍ ، الأمرُ الذي يشجعُ على الاختراعِ والابتكارِ ، بما يعودُ بالفائدةٍ عليهِ ، وعلى الناسِ ، وعلى البيئةِ التي يعيشُ فيها.

25. فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولها "فَاطِرُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَطَرَ" ، الذي يعني ابتدأَ واخترعَ الشيءَ ، كما قالَ الْقُرْطُبِيُّ ، الذي نقلَ عَنْ ابنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنهُ قالَ: "كنتُ لا أدري ما فَاطِرُ السماوات ِوالأرضِ ، حتى أتانيَ أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ ، فقالَ أحدُهُما (لِصاحبِهِ): أنا فَطَرْتُهَا ، أنا بَدَأتُهَا."

وكاسمٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الذي ابتدأ خَلْقَ السماواتِ والأرض. فهوَ الْخَالِقُ ، أي الذي قَرَّرَ خَلْقَهُنَّ وقّدَّرَ خَصَائِصَهُنَّ. وهوَ الْفَاطِرُ ، الذي كانَ أولَ مَنْ ابتدأَ باخْتِرَاعِهِنَّ. وهوَ الْبَارِئُ ، الذي نّفَّذّ قَرَارَهُ بإبْرَازِهِنَّ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَدِيعُ ، الذي أخرجَهُنَّ إلى الوجودِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، الذي شَكَّلّهُنَّ على هيئاتٍ تناسبُ الوظائفَ التي خَلَقَهُنَّ لأدائِها.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ سِتَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، جاءّ فيها جميعاً بأنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، الذي "يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ" (الأنْعَامُ ، 6: 14) ، وَلِيُّ المؤمنينَ "فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (يُوسُفُ ، 12: 101) ، الذي يَدْعُو خُلْقَهُ إلى الإيمانِ بهِ ، ليغفرَ لهم ذُنوبَهُم (إبْرَاهِيمُ ، 14: 10) ، "جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ" ، وهوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (فَاطِرُ ، 35: 1) ، عَالِمُ "الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" (الزُّمَرُ ، 39: 46) ، "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشُّورَى ، 42: 11).

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (الأنْعَامُ ، 6: 14).

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ (يُوسُفُ ، 12: 101).

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى (إبْرَاهِيمُ ، 14: 10).

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فَاطِرُ ، 35: 1).

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزُّمَرُ ، 39: 46).

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشُّورَى ، 42: 11).

واسمُ "الفَاطِرِ" مشتقٌ من الفعلِ "فَطَرَ" ، أيْ ابْتَدَأَ الخَلَقِ ، والذي ذُكرَ 8 مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. كانت اثنتانِ منهما في الإشارةِ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، الذي "فَطَرَ" السماواتِ والأرضَ (الأنعام ، 6: 79 ، الأنبياء ، 21: 56) ، وكذلكَ في الإشارةِ إلى النبيَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (هود ، 11: 51) ، والناسَ في الحياةِ الدُّنيا (الإسراء ، 17: 51 ، الروم ، 30: 30) ، والسحرةَ (طه ، 20: 72) ، والرجلَّ المُؤمِنَ الذي جاءَ مِن أقصى المدينةِ يسعى ، لينصحَ قومَهُ باتباعِ المُرسلينَ (يس ، 36: 22) ، وإبراهيمَ ، عليهِ السلامُ (الزخرف ، 43: 27).

وجاءَ فعلُ الانفطارِ مرتينِ بصيغةِ المضارعِ: "يَتَفَطَّرْنَ" (مريم ، 19: 90 ، الشورى ، 42: 5) ، ومرةً واحدةً بصيغةِ المستقبلِ: "إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ" (الانفطار ، 82: 1) ، ومرةً أخرى كصفةٍ: "السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ" (المزمل ، 73: 18). [48]  

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِهِ ، بقولِ:  "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، خالِقُ كلَّ شيءٍ! اللهمَّ اهدِنا واهدِ بِنا إلى صراطِكَ المستقيم ، وآتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً ، وفي الآخِرَةِ حسنةً ، وقِنا عذابَ النار.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْفَاطِرِ" أو "ْفَاطِرِ" ، أيْ لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فاللهُ وحدَهُ هو الذي فَطَرَ السماواتِ والأرضِ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْفَاطِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يؤجلَ العملَ في شيءٍ مطلوبٍ منهُ ، أو خَطَرَ ببالِهِ ، ما دامَ ذلكَ مشروعاً وحلالاً لهُ. بلْ عليهِ أن يبدأ في عملهِ بدونِ تأخيرٍ ، متوكلاً على اللهِ ، وطالباً منهُ التوفيقَ والعَوْنَ.

26. الْمُصَوِّرُ

"الْمُصَوِّرُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "ًصَوَّرَ" ، الذي يعني رَسَمَ أو جَسَّمَ أو شَكَّلَ شيئاً على هيئةٍ مُعَيَّنَةٍ. وقد ذُكرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في القرآنِ الكريمِ ، مرَّةً واحدةً ، مُعَرَّفَاً. جاءَ فيها مَعَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، المُتَعَلِّقَةِ بالْخَلْقِ ، وفي تسلسلٍ واضحٍ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي يُقَدِّرُ ويُقَرِّرُ أنْ يُوجِدَ الموجوداتِ مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَارِئُ ، أي الذي يُنَفِّذُ ما يُقَدِّرُهُ ويُقَرِّرُهُ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، أي الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، وبما يناسبُ كُلَّاً مِنْها ، في أدائِها لوظائفِها (الْحَشْرُ ، 59: 24).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

وفي تفسيرهِ للآية الكريمةِ 59 ، مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (24) ، ذكرَ الطبريُّ أنَّ "الْمُصَوِّرَ" هوَ الذي خلقَ خلقَهُ كيفَ شاءَ وكيفَ يشاءُ. وقالَ القرطبيُّ أنَّ "الْمُصَوِّرَ" هو "مصورُ الصورِ ومُرَكِّبِها على هيئاتٍ مختلفةٍ ، والتصويرُ هوَ التخطيطُ والتشكيلُ." ووَافَقَهُ على ذلكَ ابنُ كثيرٍ في شرحهِ لمعانيَ الأسماءِ الثلاثةِ (الخالقُ ، البارئُ ، المصورُ) معاً ، بقولهِ: "الذي إذا أرادَ شيئاُ ، قالَ لهُ كنْ ، فيكونُ ، على الصفةِ التي يريدُ ، والصورةِ التي يختارُ."

ويمثلُ "التصويرُ" المرحلةَ الرابعةَ مِنَ الخَلقِ الأولِ ، أي بعدَ بثِّ الحياةِ في الخليةِ والتسويةِ والاعتدالِ (الانْفِطَارُ ، 82: 7-8) ، وهيَ المرحلةُ التي سبقتْ الخلافةَ الإنسانيةَ على الأرضِ ، والتي عبَّرَ عنها سُجودُ الملائكةِ لآدمَ (الأعْرَافُ ، 7: 11).

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾ (الانْفِطَارُ ، 82: 7-8).

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 11).

و "التصويرَ" إشارةٌ إلى أنَّ الخالقَ ، عزَّ وجلَّ ، شاءَ أن يَجْعَلَ (يُصَوِّرَ) الإنسانَ في أحسنِ صورةٍ ، بالمقارنةِ مَع مخلوقاتِهِ الأخرى (غَافِرُ ، 40: 64 ؛ التَّغَابُنُ ، 64: 3). أمَّا "التصويرُ" في الخلقِ الثاني ، في الرَّحِمِ ، فإنهُ يعني مشيئةَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، في انتقاءِ الصفاتِ الوراثيةِ للجنينِ مِنَ الوالدينِ والأقاربِ ، لِتُشَكِّلَ صفاتِهِ الداخليةِ وصورتَهُ الخارجية (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 6). [49]

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (غَافِرُ ، 40: 64).

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3).

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 6).

وأوردَ الْقُرْطُبِيُّ ، في كتابِهِ "الأسْنَى" تعريفَ ابنِ العربيِّ لاسمِ "الْمُصَوِّرِ" بأنهُ الذي أنشأ خلقَهُ على صورٍ مختلفةٍ. وعللَ ذلكَ الْخَطَّابِيُّ ، بقولهِ أنَّ ذلكَ حتى يتعارفوا بها. وذكرَ ابنُ الْحَصَّارِ أنَّ هذا الاسمَ يتضمنُ جميعَ الصفاتِ التي لا يتمُّ التصويرُ إلَّا بِها ، مِنْ اقتدارٍ وعلمٍ واختيارٍ وخبرةٍ وحكمةٍ بالغةٍ. وهذهِ الصفاتُ كلُّها ضروريةٌ للتصورِ والاختراعِ والتقديرِ والتصويرِ. وهذا يعني أنَّ التصويرَ لاحِقٌ للخلقِ والبرايةِ ، كما قالَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ" (الأعْرَافُ ، 7: 11).

وهكذا ، "فَالْمُصَوِّرُ" ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، في نظامٍ داخليٍّ بديعٍ ، يُمَكِّنُها مِنْ أداءِ وظائِفِها على أكملِ وجهٍ ممكنٍ ، وفي أحسنِ شكلٍ خارجيٍّ ممكنٍ ، سواءً كانتْ كائناتٍ حيةٍ ، أو أجراماً سماويةً.

ومن الطريفِ أنَّ اسمَ "الْمُصَوِّرِ" في عصرِنا الحاليِّ ، أيْ في القرنِ الخامسِ عَشَرَ الهجريِّ (الحادي والعشرينَ للميلادِ) لهُ معنىً آخرَ. فهوَ يشيرُ إلى الذي يَكْسِبُ قوتَهُ باستخدامِ آلةِ التصويرِ. وبالنظرِ إلى ما ينتُجُ عن ذلكَ ، فالأصحُ أن يُسمى بمسجِّلِ الصورِ ، أو الْعَكَّاسَ الذي تَعكِسُ آلتُهُ صورَ الناسِ والحيواناتِ والنباتاتِ والمناظرِ الطبيعيةِ. وهو فيما يفعلُ لا يَمُتُّ بِصَلَةٍ "لِلْمُصَوِّرِ" ، عزَّ وجلَّ ، الذي يُشكِّلُ مخلوقاتِهِ في الطبيعةِ وفي الأرحامِ ، قلباً وقالِباً ، كيفَ يشاءُ. وحتى المَثَّالُ ، الذي يَصنعُ التماثيلَ ، لا تَصحُ تسميتُهُ بِالْمُصَوِّرِ أيضاً ، كما قالَ القرطبيُّ ، لأنه يُحاكي أشكالَ الناسِ في صُوَرِهِم الخارجيةِ ، وتماثيلُهُ جامدةٌ ساكنةٌ ، لا حياةَ فيها ، بالمقارنةِ مع تصويرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لمخلوقاتِهِ الحيةِ ، وعلى رأسِها الْبَشَرُ ، حيثُ يشكِّلُها داخلياً وخارِجياً كيفَ يشاء.

والأقربُ لمعنى هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الْحُسْنَى ، ما يقوم ُبهِ مُصَمِّمُو الآلاتِ ، مثلَ السياراتِ ، وليسَ مُسَجِّلُو الصِّوَرِ والْمَثَّالونَ. فهناكَ الذينَ يأتونَ بالأفكارِ التي يريدونَ أنْ تكونَ الآلةُ عليها. وهناكَ الذينَ يُقَدِّرُونَ مقاديرَ وأحجامَ مُكَوِّناتِ الآلةِ. وهناكَ الذينَ يُحَوِّلونَ تلكَ المقاديرِ والأحجامِ إلى رسوماتٍ. وهناكَ الذينَ يقومونَ بتنفيذِ تلكَ الرسوماتِ فيما يُعْرَفُ بتصنيعِ تلكَ الآلةِ. وأخيراً ، هناكَ الذينَ يفحصونَ الآلةَ للتأكدِ من سلامةِ أدائِها لوظيفتِها على الشكلِ المطلوبِ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُصَوِّرُ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! اللهمَّ اجعلْ ذريتَنا في أحسنِ صورةٍ ، وأقومِ هيئةٍ ، وأفضلِ صحةٍ ، حتى يعبدونكَ حقَّ العبادةِ ، ويقومونَ بصالحِ الأعمال.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْمُصَوِّرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُصَوِّرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بانْ يقومَ بالتحضيرِ للعملِ الذي يُريدُ القيامَ بِهِ ، وذلكَ بوضعِ أفضلَ تَصَوِّرٍ لِما يرغبُ أنْ يكونَ ذلكَ العملُ عليهِ ، قلباً وقالِباً. وذلك يعني أنْ يكونَ مُحتَواهُ الداخليِّ مناسباً لأداءِ الوظائفِ المرجوةٍ منهُ ، كما يعني أن يكونَ شكلُهُ الخارجيِّ مَبْعَثاً للغبطةِ ومُحَفِّزَاً للتفاؤل.

27. غَافِرُ الذَّنْبِ

"غَافِرُ الذَّنْبِ" هوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، وجميعُها مُشتقةٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، وهذهِ الأسماءُ هيَ غَافِرُ الذَّنبِ والغفورُ والغفارُ وخيرُ الغافرينَ وأهلُ المغفرةِ وواسعُ المغفرةِ وذو مغفرة. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي تجبُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّه "غَافِرُ الذَّنْبِ."  

ولغوياً ، "غَفَرَ" يعني سامَحَ وعفا عَنْ ، وغَفَرَ الشّيءَ أي سترَهُ وخبَّأهُ ، وغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ أي سَتَرَهُ وَعَفَا عَنْهُ ، لِما سَلَفَ مِنَ الذنبِ ، كما ذكرَ ابنُ كثيرٍ. وهذا هوَ وعدُ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، للمؤمنينَ ، الذين يشهدونَ أنَّ لا إلهَ إلَّا هوَ ، كما قالَ القرطبي ، الذي أضافَ في "الأسنى" أنَّ "الغَافِرَ" هو المُسامِحُ الساتِرُ. أمَّا الغفارُ ، فهوَ المُبالِغُ في السَّترِ والمغفرةِ ، والغفورُ هوَ الذي يفعلُ ذلك مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يحصى من السَّترِ والغفران.

أولُ هذهِ الأسماءُ السبعةُ هوَ "غَافِرُ الذَّنْبِ" ، الذي ذُكِرَ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ ثلاثةِ أسماءٍ مركبةٍ أخرى ، تُشِيرُ إلى مغفرتِهِ وكَرَمِهِ لعبادِهِ ، وقبولِهِ التوبةَ مِنهُم ، وإلى شِدَّةِ عقابِهِ للكافرينَ الجاحدينَ لفضلِهِ (غَافِرُ ، 40: 3).

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غَافِرُ ، 40: 3).

وقد ذَكرَ لنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ يغفرُ الذنوبَ جميعاً مهما كانتْ ، لِمن يشاءُ ، إلَّا الشركَ بهِ ، لأنَّ الاعتقادَ بوجودِ شركاءَ له هوَ محضُ افتراءٍ ، وبالتالي فهوَ إثمٌ عظيمٌ لا يُغتفرُ (النِّسَاءُ ، 4: 48) ، كما أنَّهُ ضلالٌ بعيدٌ (النِّسَاءُ ، 4: 116).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 48).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النِّسَاءُ ، 4: 116).

والحكمةُ من مبدأ المغفرةِ استقامةُ حياةِ الفردِ والمجتمعِ. ومِن غيرِ ذلكَ ، يستمرُّ ارتكابُ المعاصيَ والذنوبِ ، فَيَفْسَدُ الناسُ وتنهارُ الحضارةُ الإنسانيةُ. ولكنَّ الوعدَ بالمغفرةِ يُعطِي الأمَلَ للعُصاةِ والمُذنبينً في العفوِ عنهم ، فيتوقفونَ عن ارتكابِ الذنوبِ ويرجعونَ إلى ربِّهم الذي وعدَهم بالمغفرةِ إنْ هم توجهوا لهُ بالدعاءِ والرجاءِ ، مهما كانتْ ذنوبُهم ، ما داموا لا يشركونَ بهِ. وذلكَ كما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في حديثهِ القدسيِّ: يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعَوتَني ورجَوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي." [50]

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإن وَعْدَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بالمغفرةِ يشجعُ الناسَ على القيامِ بالعباداتِ وصالحِ الأعمالِ ، لِما لها مِن فوائدَ عظيمةٍ تعودُ على الفردِ والمجتمعِ ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وقالَ فيهِ أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ." [51]

وبَشَّرَ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، المذنبينَ بمغفرةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لهم ، قائلاً: "ما من رجلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ، ثُمَّ يصلِّي ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ ، إلَّا غفرَ اللهُ لهُ." جاءَ ذلكَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو بكرٍ الصديقِ ، رضيَ اللهُ عنه ، والذي خُتِمَ بالآيةِ الكريمةِ: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 135). [52]

وقد ذُكِرَ الفعلُ "غَفَرَ" أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في الإشارةِ إلى مغفرةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لموسى ، عليهِ السلامُ ، عندما اعترفَ بأنهُ ظلمَ نفسَهُ بقتلِ المصريِّ ، وطلبَ المغفرةَ مِنَ الغفورِ الرحيم (الْقَصَصُ ، 28: 16) ، وكذلكَ في التذكيرِ بمغفرةِ اللهِ لداوودَ ، عليهِ السلامُ ، الذي أدركَ تعجُّلَهُ في الحُكمِ ، فاستغفرَ ربَّهُ ، فغفرَ لهُ (ص ، 38: 25) ، وفي مديحِ اللهِ للمؤمنينَ الصابرينَ ، الذينَ يَغفرونَ لِمَن ظلمَهم ، بأنَّ ذلكَ مِن عزمِ الأمورِ (الشورى ، 42: 43) ، وفي الرجلِ الصالحِ الذي نصحَ لقومهِ باتباعِ المُرسلينَ ، فغفرَ لهُ ربُّهُ وأدخلَهُ الجنةَ وجعلَهُ من المُكْرَمِينَ (يَس ، 36: 27). [53]

وذُكِرَتْ مُشتقاتُ الفعلِ "غَفَرَ" 132 مرة في 121 آيةً ، مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ. ومِن أمثلةِ ذلكَ أنهُ تعالى شأنهُ "يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 129) ، وأنهُ أمرَ رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، بقولِهِ: "وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 106) ، وكذلكَ وعدُ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بالاستغفارِ لأبيهِ ، حيث "قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" (مَرْيَمُ ، 19: 47) ، واستغفارُ موسى ، عليه السلام ، قائلاً: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي" (الأعْرَافُ ، 7: 151) ، ونُصْحُ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بذلكَ ، في قولهِ: "وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ" (هُودُ ، 11: 90). وقد وعَدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّ المؤمنينَ لهم "مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" (الأنْفَالُ ، 8: 4) ، وأنهُ لا يُعَذِّبُ الناسَ "وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" ‎‎(الأنْفَالُ ، 8: 33).  [54]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا : "اللَّهُمَّ يا غَافِرَ الذَّنْبِ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! ثُمَّ القولُ بدعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، وبدعاءِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ: " رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" (نُوحُ ، 71: 28).

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على كلمةِ "غَافِرِ" أو كلمةِ "الْذَّنْبِ" مُنْفَرِدَتَيْنِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ ، في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى."

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكِّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "َعَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفُورِ" أو "َعَبْدَ الْغَفَارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى ، حيثُ أنهُ الوحيدُ القادرُ على مغفرةِ الذنوبِ ، في يومِ الحساب.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

28. الْغَفُورُ

"الْغَفُورُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "غَافِرُ." وهوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، المشتقةُ جميعاً مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غَافِرُ الذَّنْبِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْغَفُورَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يغفرُ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يحصى من السَّترِ والغفرانِ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ 91 مرةَ في القرآنِ الكريمِ ، جاءَ مُعَرَّفَاً في إحدى عشرةَ آيةً منها ، مثلما هوَ الحالُ في الآيةِ الكريمة 49 مِنْ سورةِ الْحِجْرِ (15). وجاءَ مُنَكَّرَاً في الآياتِ الأخرى. وذُكِرَ وحدَهُ مرةً واحدة في الآيةِ الكريمةِ 25 مِنْ سورةِ الإسراء (17) ، ولكنهُ ذُكِرَ في التسعينِ آيةٍ الأخرى مع اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحُسنى. ودلَّ ذلكَ على أنَّ مغفرةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لعبادِهِ التائبينَ المستغفرينَ الشاكِرينَ مرتبطةٌ برحمتِهِ وحِلمِهِ وعفوِهِ ووُدِّهِ وربوبيتِهِ لهم ، كما يُفهمُ من ذكرهِ معطوفاً على أسماءٍ اللهِ الحُسنى الأخرى ، مثلما هوَ الحالُ في الآياتِ التاليةِ: [55]

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (الإسْرَاءُ ، 17: 25).

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 225).

فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (النِّسَاءُ ، 4: 99).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ (الْكَهْفُ ، 18: 58).

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الْمُلْكُ ، 67: 2).

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 30).

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (الْبُرُوجُ ، 85: 14).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا غَفُورُ يا رَحِيمُ " سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! ثُمَّ القولُ بدعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاِهيمُ ، 14: 41) ، وبدعاءِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ: " رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" (نُوحُ ، 71: 28).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْغَفُورِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى ، حيثُ أنهُ الذي يغفرُ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يُحصى من السَّترِ والغفران.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

29. الْغَفَّارُ

"الْغَفَّارُ" اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِنْ اسمٍ آخرً ، هوَ "غَافِرُ." وهوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، وجميعُها مُشتقةٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." و "الْغَفارُ" هو اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي يُبالِغُ في السَّترِ والمغفرةِ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ليشملَ ذلكَ كافةَ أنواعِ الذنوبِ والخطايا ، ما دام المستغفرُ لا يُشْرِكُ بِرَبِّهِ أحداً. وهذا الاسمُ أكثرُ تعبيراً عن صفةِ المغفرةِ منَ الأسماءِ الأخرى ، يليهُ في ذلك الغفورُ ثُمَّ الغافرُ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً في ثلاثِ آياتٍ منها ، هي 38: 66 ، 39: 5 ، 40: 42 ، والتي اقترنَ فيها معَ اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحسنى ، هوَ "الْعَزِيزُ." وهكذا ، فهو ، عزَّ وجلَّ ، يغفرُ لعبادِهِ المستغفرين من موقعِ العزةِ والقوةِ والمقدرة. كما وردَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً في آيتينِ أخريين ، هما 20: 82 و71: 10 ، وعدَ فيهما ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، المؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصالحات بالمغفرة ، إذا ما تابوا إليهِ وطلبوا مغفرته.

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (ص ، 38: 66).

... وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (الزُّمَرُ ، 39: 5).

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (غَافِرُ ، 40: 42).

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (طَهَ ، 20: 82).

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (نُوحُ ، 71: 10).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا أيها الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاِهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْغَفَّارِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْغَفَّارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

30. خَيْرُ الْغَافِرِينَ

"خَيْرُ الْغَافِرِينَ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خَيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ ، يعني الأفضَلَ والأحْسَنَ والأنْفَعَ. وهوَ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ واخْتَارَ وانتقى. أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْغَافِرِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْغَافِرِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هو أفضلُ وأحسنُ الغافرينَ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، لشمولِ مغفرَتِهِ كافةَ أنواعِ الذنوبِ والخطايا ، ما دام المستغفرُ لا يُشْرِكُ بِرَبِّهِ أحداً.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلك في سياقِ الإشارةِ إلى غضبِ الله ، عزَّ وجلَّ ، على بني إسرائيلَ ، لأنهم أشركوا بهِ ، بعبادتِهِم للعجلِ (الأعْرَافُ ، 7: 152-154). فاختارَ موسى ، عليهِ السلامُ ، سبعينَ رجلاً من قومِهِ ، ليعلنوا التوبةَ ويطلبوا الصفحَ والغفرانَ مِن ربِّهِم ، الذي غفرَ لهم بعد توبتهم إليه ، لأنهُ "خَيْرُ الْغَافِرِينَ" (الأعْرَافُ ، 7: 155).

وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (الأعْرَافُ ،7: 155).

ثمَّ ذَكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أن رحمتَهُ "وسعَتْ كلَّ شيءٍ" ، كتبَها للمؤمنينَ الذينَ يتقون ويؤتون الزكاة ويؤمنون بآخر رسلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، الذي ذكره مِن قبلُ في التوراةِ والإنجيل. وفي ذلكَ دعوةٌ لليهودِ والنصارى للدخولِ في الإسلامِ ، حتى يكونوا من الْمُفْلِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 156-157).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾‏ (الأعْرَافُ ، 7: 156-157).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا خَيْرَ الْغَافِرِينَ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "خَيْرِ الْغَافِرِينَ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خِيْرِ" أو "الْغافِرِينَ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى مَعَ مَنْ أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ. وقد ذَكَرَ لنا رسولُ الله ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنهُ "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ (لَيالٍ). يَلْتَقِيانِ ، فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا ، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ." [56]

31. ذُو الْمَغْفِرةِ

"ذُو الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ"

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذَا الْمَغْفِرةِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، صاحبُ المغفرةِ ومصدرُها ، الذي وَعَدَ عبادَهُ بها ، عند توبتِهِم وعودتِهم إليه ، جلَّ وعلا ، كما جاءَ في الأحاديثِ الشريفةِ ، التي تمتْ الإشارةُ إليها آنفاً ، في اسمِ "غَافِرِ الذَّنْبِ."

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرتينِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ ذِكْرِ مغفرةِ اللهِ للناسِ على الرغمِ من ظلمهِم لأنفسهِم ولبعضِهِمِ البعضِ ، مع أنهُ شديدُ العقابِ للعتاةِ والطغاةِ الذينَ يُصرُّونَ على معاصيهِم (الرَّعْدُ ، 13: 6). وهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، ذو مغفرةٍ لعبادِهِ المستغفرين ، وذو عِقابٍ أليمٍ للكافرين (فُصِّلَتْ ، 41: 43). كما أنَّ مغفرتَهِ لعبادِهِ التائبينَ المستغفرينَ هيَ فضلٌ مِنْهُ عليهِم ، لأنهُ ، جلَّ وعلا ، ذو الفضلِ العظيمِ على جميعِ مخلوقاتِهِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (الرَّعْدُ ، 13: 6).

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 43).

سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا ذُا الْمَغْفِرةِ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "ذُو الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "ذُو" أو "الْمَغْفِرَةِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى مَعَ مَنْ أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، وما أوصى بهِ رسولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "خَيْرِ الْغَافِرِينَ."

32. وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ

"وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "وَاسِعَ الْمَغْفِرةِ" يعني أنَّ مغفرَتَهُ ، تبارَكَ وتعالى ، رَحْبَةٌ وكثيرةٌ ، يَبْسُطُهَا لعبادِهِ عند توبتِهِم وعودتِهم إليه. فهوَ يغفرُ الذنوبَ جميعاً لمن شاء مِنْ عِبادِهِ ، ما داموا لا يشركونَ معهُ أحداً غيرَه (الزمر ، 39: 53 ؛ النساء ، 4: 48 ؛ التحريم ، 66: 8).

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ" ، أي أنَّ مغفرَتَهُ رحبةً وكثيرةً وتَطَالُ مخلوقاتِهِ المكلفةِ كُلِّها ، في سماواتِهِ وأرضِهِ ، من ملائكةٍ وجنٍ وإنسٍ (النجم ، 53: 31). لكنَّ مغفرتَهُ مشروطةٌ بتجنبُ كبائرِ الإثمِ ، مثلِ الشركِ باللهِ ، والفواحشِ ، أي الذنوبِ الكبيرةِ ، كالزنا والسرقةِ وشُرْبِ الخمرِ. أمَّا اللممُ ، أي الذنوبِ الصغيرةِ ، فاللهُ "وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ" ، إذا ما أقلعَ عنها مرتكبوها ، وتابوا إلى ربِّهم واستغفروه (النجم ، 53: 32).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴿٣١﴾‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴿٣٢﴾‏ (النَّجْمُ ، 53: 32).

ولخصَ المفسرونَ الثلاثةَ أقوالَ من سَبَقَهُمْ في شرحِ معنى كلمةِ "اللممِ" ، الواردةِ في الآيةِ الكريمةِ 32 مِن سورةِ النَّجْمُ (53) ، فقالوا بأنها تشملُ الذنوبَ الصغيرةَ. فالزنا ، مثلاً ، يكونُ بحدوثِ الجِماعِ ، وهوَ فاحشةٌ ، أي مِنَ الذنوبِ الكبيرةِ. أمَّا مَا يؤدي إليهِ مِن استخدامِ أعضاءِ الجسمِ المختلفةِ فهو زنىً أيضاً ، ولكنهُ مِنَ اللممِ ، أي مِنَ الذنوبِ الصغيرةِ التي تتسعُ لها مغفرَةُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ورحمتُهُ. وكما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "فالعينُ زِناها النظرُ ، واليدُ زِناها اللمْسُ ، والنفْسُ تَهوَى وتُحَدِّثُ." وهكذا فالنفسُ تزني بالتفكيرِ بالفاحشةِ والعينُ تزني بالنظرِ إلى الحرامِ ، والأذُنُ تزني بالاستماعِ إلى ما يثيرُ الغرائزِ ، والشفةُ تزني بالقبلةِ المحرمةِ ، واليدُ تزني بلمسِ ما ليسَ بحلالٍ ، والرِّجلُ تزني بالسيرِ إلى مكانٍ تُرتكبُ فيهِ الآثامُ.[57]

وقد ذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ الغفورُ الرحيمُ ، أي أنَّ صفتَهُ كغفورٍ قد اقترنتْ مَعَ صفتِهِ كرحيمٍ  (الْحِجْرُ ، 15: 49 ؛ الْكَهْفُ ، 18: 58). وعلى الرغم مِنْ أنَّ رَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ ، فإنَّ عذابَهَ واقعٌ لا محالةَ بالذين يُكَذِّبُونَ رُسَلَهُ (الأنْعَامُ ، 6: 147) ، وأنَّ رَحْمَتَهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156 ؛ غَافِرُ ، 40: 7). وهكذا ، فإنَّ صفتَهُ كواسعِ المغفرةِ (النَّجْمُ ، 53: 32) تلتقي مع صفتُهُ كواسعِ الرحمةِ ، وأنَّهُ غفورٌ ورحيمٌ بمخلوقاتِهِ ، لأنهُ كذلكَ وأهلٌ لذلكَ ، وخاصةً إذا ما أطاعَهُ عبادُهُ ، وتجنبوا نواهيهِ ، وتابوا إليهِ ، وطلبوا مغفرتَهُ ، حتى ينالوا ما وعدَهُم مِنْ رحمةٍ ومغفرة.

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ (الْكَهْفُ ، 18: 58).

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 147).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾‏ (الأعْرَافُ ، 7: 156).

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (غَافِرُ ، 40: 7).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا وَاسِعَ الْمَغْفِرةِ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ"(الأعْرَافُ ، 7: 155).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "وَاسِعِ الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "وَاسِعِ" أو "الْمَغْفِرَةِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مَرَّتْ مُنَاقَشَتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ ، وطاعةً لرسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

33. أهْلُ الْمَغْفِرةِ

"أهْلُ الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أهْلُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ يعني الأسرةَ والأقارِبَ ، كما يعني الذَّوِيِّ والْوَلِيِّ. وهوَ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "أهَلَ" ، الذي يعني عَمِرَ ، وأصبحَ ولياً على ذَوِيهِ مِنْ أقاربَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أهْلَ الْمَغْفِرةِ" يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، ولِيُّ المؤمنينَ ومَصْدَرُ المغفرةِ لهم ، الذي يسامِحُهم ، ويسترُ على أخطائِهِم ، ويعفوا عَنِ الكثيرِ مِنْ ذنوبِهِم.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ مَصْدَرُ المغفرةِ ، خاصةً لعبادِهِ الأتقياءِ ، الذينَ يداومونَ على ذِكْرِهِ وطاعتِهِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56).

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56).

وذكرَ الطبري أنَّ مِنْ معانيَ "أهْلُ الْمَغْفِرةِ" ، أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، شاءَ أن تكونَ مغفرتُهُ حَقٌ عليهِ للتائبينً والمستغفرينً مِنْ عبادِهِ ، والطائعين لهُ ، والذاكرينَ لكتابِهِ ، والعاملينَ لِما فيهِ. وأضاف القرطبي ما قالهُ محمدٌ بنُ نصرٍ عن معناهُ ، كأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: "أنا أهلٌ أنْ يتقيني عبدي ، فإنْ لم يفعلْ ، كنتُ أهلاً أنْ أغفرَ لهُ وأرحمَهُ ، وأنا الغفورُ الرحيمُ." وأوردَ ابنُ كثيرٍ قولَ قتادةَ: "هوَ أهلٌ أنْ يخافَ (عبادُهُ) منه ُ، وهوَ أهلٌ أنْ يغفرَ ذنبَ مَنْ تابَ إليهِ وأنابَ."

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، سُبْحَانَكَ ، إنَّكَ أنتَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ. "أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ"(الأعْرَافُ ، 7: 155).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أهْلِ الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على كلمةِ "أهْلِ" أو كلمةِ "الْمَغْفِرَةِ" مُنْفَرِدَتَيْنِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ ، في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى.".

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، خاصةً مِنْ ذويهِ وأهلِ بيتِهِ ومَنْ يتعاملُ معهم. فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ لهم ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ ، وطاعةً لرسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

43. أهْلُ التَّقْوَى

"أهْلُ التَّقْوَى" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أهْلُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ يعني الأسرةَ والأقارِبَ ، كما يعني الذَّوِيِّ والْوَلِيِّ. وهوَ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "أهَلَ" ، الذي يعني عَمِرَ ، وأصبحَ ولياً على ذَوِيهِ مِنْ أقاربَ.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "التَّقْوَى" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "اتَّقَى" ، الذي يعني حَذِرَ مِنْ شَيْءٍ وتَجَنَّبَهُ ، وقايةً للنفسِ وحمايةً لها مِنْهُ. وهكذا ، فالتقوى هيّ خشيةُ اللهِ حمايةً للنفسِ مِنْ غضبِهِ وعقابِهِ‏.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أهْلَ التَّقْوَى" يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، جديرٌ بأنْ يتقيهِ عِبَادُهُ ، وذلكَ بطاعتِهِ فيما أمَرَ بهِ ، وباجتنابِ ما نَهى عنهُ ، وبالقيامِ بصالحِ الأعمالِ. فقد أمرَنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنَّ نبذُلَ الصدقاتِ ، مهما كانتْ صغيرَةً ، للنجاةِ مِنْ عذابِ النارِ ، فقالَ: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ." [58]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ إخبارِنا بأنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هو مصدرُ التقوى ، خاصةً لعبادِهِ الذينَ يداومونَ على ذِكْرِهِ وطاعتِهِ ، حتى يصلوا إلى درجةِ التقوى ، التي تؤهلهم لتلقي مغفرتِهِ (الْمُدَّثِرُ ، 74: 56). كذلكَ فإنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليةِ وسلمَ ، قالَ: " إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ" ، أيْ أنَّ تكريمَ اللهِ للناسِ والْمُفاضَلَةَ بينَهُم لا يكونانِ إلْا على أساسِ تقوى كلٍّ مِنهُم ، بغضِّ النظرِ عن أنسابِهم وألوانِهم. [59]

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (الْمُدَّثِرُ ، 74: 56).

وقد أخبرنا ربُّنا ، عزَّ وجلَّ ، في الآيةِ الكريمةِ 2: 177 أن التقوى درجةٌ يصلُ إليها العبدُ المؤمنُ بقيامِهِ بصالحِ الأعمالِ ، التي توصلُهُ إلى البرِّ ، الذي يوصله إلى رضى اللهِ وجنتِهِ ، فقالَ في كتابِهِ الكريمِ:

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 177).

وذكرَ الطبري أنَّ مِنْ معانيَ "أهْلُ التَّقْوَى" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أنَّهُ من حَقَّهِ ، جلَّ وعلا ، على عبادِهِ أن يتقوا عقابَهُ ، بالطاعةِ وبذكرِ كتابِهِ والعملِ بما فيهِ ، وبالتوبةِ والاستغفار لذنوبِهم. وأضاف القرطبي ما قالَهُ محمد بن نصر: "أنا أهلٌ أنْ يتقيني عبدي ، فإنْ لم يفعلْ ، كنتُ أهلاً أنْ أغفرَ لهُ وأرحمَهُ ، وأنا الغفورُ الرحيمُ." وأوردَ ابنُ كثيرٍ قولَ قتادة: "هو أهلٌ أنْ يخافُ (عبادُهُ) منه ُ، وهوَ أهلٌ أنْ يغفرَ ذنبَ مَنْ تابَ إليهِ وأنابَ."

وقد وردتْ كلمةُ "التقوى" 15 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مقترنةً مع طاعةِ اللهِ باجتنابِ الرفثِ والفسوقِ والجدالِ في الحَجِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 197) فذلكَ مِنَ التَّقوَى ، كما جاءَ ذكرُها معَ العفوِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 237) ، ومعَ التعاونِ على أعمالِ البرِّ (الْمِائِدَةُ ، 5: 2) ، ومع العدلِ (الْمِائِدَةُ ، 5: 8) ، ومع سَترِ العوراتِ (الأعْرَافُ ، 7: 26) ، ومع تأسيسِ الأعمالِ على الخيرِ (التَّوْبَةُ ، 9: 109) ، ومع الأمرِ للأهلِ بالصلاةِ (طَهَ ، 20: 132) ، ومع تعظيمِ شعائرِ اللهِ (الْحَجُّ ، 22: 32) ، ومع ذبحِ الأضاحي لإطعامِ الناسِ في الحجَّ (الْحَجُّ ، 22: 37) ، ومع السعيِّ للهُدى (مُحَمَّدُ ، 47: 17) ، ومع نزولِ السكينةِ على الرسولِ ، صلى اللهُ عليه وسلمَ ، والمؤمنين (الْفَتْحُ ، 48: 26) ، ومع غضِّ الأصواتِ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 3) ، ومع التناجيَ بالبرِّ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 9) ، ومع ذِكرِ القرآنِ الكريم واتباعِ ما فيهِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56) ، ومع النفسِ الزكيةِ (الشَّمْسُ ، 91: 8-9).

وبالإضافةِ إلى أوصافِ "المُتَّقِينَ" التي ذُكِرَتْ في الآيةِ الكريمة 2: 177 ، جاءتْ أوصافٌ أخرى لهم في 11 آيةً في القرآنِ الكريمِ. فالمتقونَ يوصونً عندَ الموتِ للوالدينِ والأقربينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 180) ، ولا يعتدوا (الْبَقَرَةُ ، 2: 194) ، ويؤتونَ المطلقاتِ حقوقَهُنَّ (الْبَقَرَةُ ، 2: 241) ، ويوفونَ بالعهدِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 76) ، ويفعلونَ الخيرَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 115) ، ويقرِّبونَ صالحَ أعمالِهم خالصةً لوجهِ اللهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 194) ، ويتمونَ عهودَهم (التَّوْبَةُ ، 9: 4) ، ويلتزمونَ بوعودِهم حتى معَ المشركينَ (التَّوْبَةُ ، 9: 7) ، ولا يَظلمونَ أنفُسَهُم ، خاصةً في الأشهرِ الحُرُمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 36) ، ويجاهدونَ بأموالِهم وأنفسِهِم (التَّوْبَةُ ، 9: 44) ، ويقاتلونَ الكفارَ (التَّوْبَةُ ، 9: 123).

ووعدَ اللهُ "المُتَّقِينَ" جزيلَ الثواب ، كما جاء ذلكَ في 16 آيةً من آياتِ الذكرِ الحكيمِ. فذكَرَ أنَّ لهم حسنةٌ في الدُّنيا وخيرٌ من ذلكَ في الآخرةِ (النَّحْلُ ، 16: 30) ، وأنهُ جعلَ القرآنَ الكريمَ بُشرى لهم (مَرْيَمُ ، 19: 97) ، وأنهم أفضلُ المؤمنينَ عِندَهُ (ص ، 38: 28) ، وأنهُ وليُّهُم (الْجَاثِيَةُ ، 45: 19) ، وأنهم يُحشرونَ إليهِ كوفدٍ مُكرَّمٍ (مَرْيَمُ ، 19: 85) ، وفي ذلك اليومُ ، تتمنى النفسُ الإنسانيةُ أنْ تكونَ منَ المتقين (الزُّمَرُ ، 93: 57) ، ويومَ تأتي الساعةُ ، لا خوفٌ عليهِم ولا يحزنونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 67) ، وهم في يومِ الفصلِ ، في مَقامٍ أمينٍ (الدُّخَانُ ، 44: 51) ، وأنَّ جزاءَهم في الآخرةِ جناتُ عدنٍ تجري من تحتِها الأنهارُ (النَّحْلُ ، 16: 31) ، "لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ " (الزُّمَرُ ، 39: 20) ، في جناتٍ وعيونٍ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 15 ؛ الْحِجْرُ ، 15: 45) ، وفي جناتٍ ونعيمٍ (الطُّورُ ، 52: 17) ، وفي جناتٍ ونَهَرٍ (الْقَمَرُ ، 54: 54) ، وفي ظلالٍ وعيونٍ (الْمُرْسَلاتُ ، 77: 41).

وقد أمَرَ اللهُ عبادَهُ ، بأن "يتقوا" غضبَهُ وعقابَهُ وعذابَ نارِهِ في اليوم الآخر ، وذلك باستخدامِ فعلِ الأمرِ "اتَّقُوا" 81 مرةً ، في 77 آيةً من آياتِ القرآنِ الكريم. فقالَ ، عزَّ وجلَّ: "فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 24) ، "وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 131) ، و "اتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 48) ، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 281) ، و "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ " (لُقْمَانُ ، 31: 33) ، و "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ" ، أي اتقوا اليومَ الذي ستحاسبونَ فيهِ على ذنوبِكُم السابقةِ واللاحقةِ (يَس ، 36: 45).

وبيَّنَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ "اتقاءَ" غضبِهِ يكونُ بالإيمانِ بهِ وبخاتَمِ أنبيائهِ ورسله ، فقالَ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ" (الْحَدِيدُ ، 57: 28) ، وأطيعوا اللهَ ورُسُلَهُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 50 ؛ 172 ؛ الْمَائِدَةُ ، 5: 112 ؛ الأنْفَالُ ، 8: 1 ؛ الشُّعَرَاءُ ، 26: 108 ، 110 ، 126 ، 131 ، 132 ، 144 ، 150 ، 163 ، 179 ، 184 ؛ الزُّخْرُفُ ، 43: 63 ؛ الْحُجُرَاتُ ، 49: 1) ، "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ (الْحَشْرُ ، 59: 7) ، و "لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ " ، أي لا تقدموا آراءَكُم على أوامرِ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ (الحجرات ، 49: 1) ، واتبعوا كتابَ اللهِ (الأنْعَامُ ، 6: 155) ، ولا تكفروا باللهِ (النِّسَاءُ ، 4: 131) ، "وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 102). 

وبيَّنَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ "اتقاءَ" غضبِهِ يكونُ أيضاً بالقيامِ بأعمالِ الخيرِ وتجنبِ أعمالِ الشرِّ ، فقالَ: "وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 189) ، فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ (الْبَقَرَةُ ، 2: 194) ، وحافظوا على شعائرِ الحَجِّ والعمرةِ كما أمرَ بها اللهُ (ر ، 2: 196) ، "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ " (الْبَقَرَةُ ، 2: 223) ، وعاملوا المطلقاتِ بالحسنى وبالمعروفٍ (ا الْبَقَرَةُ ، 2: 231 ، 233 ؛ الطَّلاقُ ، 65: 1) ، "لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ " (الْبَقَرَةُ ، 2: 278 ؛ آلِ عِمْرَانَ ، 3: 130) ، "إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ" (البقرة ، 2: 282) ، واشكروا اللهَ على نصرِهِ لكُم (آلِ عِمران ، 3: 123) ، " اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 200) ، وتوادوا وتراحموا (النِّسَاءُ ، 4: 1) ، " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ "(الْمَائِدَةُ ، 5: 2) ، وكلوا الحلالَ مِنَ الطيباتِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 4 ، 88 ، 96 ؛ الأنْفَالُ ، 8: 69) ، واذكروا نعمةَ اللهِ عليكم (الْمَائِدَةُ ، 5: 7).

كما أمرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بأداءِ الشهادةِ بالقسطِ والعدلِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 8 ، 108) ، وتوكلوا على اللهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 11) ، وابتغوا الوسيلةَ إليهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 35) ، ولا تتخذوا المستهزئينَ بدينِكُم أولياءَ (ا الْمَائِدَةُ ، 5: 57) ، وابتعدوا عن الخبائثِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 100) ، واذكروا اللهَ عندَ وسوسةِ الشيطانِ (الأنْعَامُ ، 7: 201) ، "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ " (الأنْفَالُ ، 8: 25) ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التَّوْبَةُ ، 9: 119) ، وتجنبوا السيئاتِ التي فعلَها قومُ لوطٍ (هُودُ ، 11: 78 ؛ الْحِجْرُ ، 15: 69) ، وانظروا كيفَ كانَ عاقبةَ الذينَ من قبلِكُم (يُوسُفُ ، 12: 109) ، "وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" (الأحْزَابُ ، 33: 70) ، وأصلحوا بينَ المؤمنينَ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 10) ، و "اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ" (الْحُجُرَاتُ ، 49: 12) ولا "تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ " (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 9) ، و "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ " ، أي ليومِ الحسابِ (الْحَشْرُ ، 59: 18) ، واعدلوا في التعويضات (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 11) ، "وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ " (التَّغَابُنُ ، 64: 16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أنتَ أهْلَ التَّقْوَى" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. اجعلني مِنْ عبادِكَ المتقينَ ، واشملني بمغفرتِكَ ، أنا وأفرادَ أسرتي وأقاربي ، وعمومَ المؤمنينَ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى. كما لا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أهْلِ" أو "التَّقْوَى" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجاهدَ نفسَهُ ليكونَ مِنَ المتقينَ ، فيما يقولُ وفيما يفعلُ ، حتى يُصبحَ سلوكَهُ مُعَبِّرَاً عنْ طاعتِهِ لأوامِرِ اللهِ ، وعنْ تجنبِهِ لنواهيهِ ، وعنْ تَقَرُّبِهِ إليهِ بالصدقاتِ على عبادِهِ المُحتاجين.

35. الْقَاهِرُ

"الْقَاهِرُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "قَهَرَ" ، الذي يعني غَلَبَ وَسَيْطَرَ وَهَزَمَ وأجْبَرَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَاهِرَ" هوَ الغالِبُ والمسيطرُ فوقَ خَلْقِهِ ، مَنْ آمنَ مِنهم ومن كفرَ ، وذلكَ بما أقامَهُ عليهِم مِنَ الآياتِ الدّالّةِ على إلاهيتِهِ ، وعلى محدوديةِ قدراتِهم وآجالِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى وقوفِهِم بلا حولٍ ولا قوةٍ أمامَهُ للحسابِ في الآخِرة.

وقد ذُكِرَ "الْقَاهِرُ" ، كأحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفاً ، ومُقترناً مَعَ اسميْنِ آخرَينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هُما الْحَكِيمُ والْخَبِيرُ ، بما يعني أنهُ القاهرُ فوقَ عبادِهِ لحكمةٍ يعلمُها هوَ ، وعن خبرةٍ بِهِم وبما يَصْلُحُ لهم (الأنْعَامُ ، 6: 18). كما جاءَ مُقترناً مَعَ الشاهدِ المُطلقِ لقهرِهِ لعبادِهِ ، وهوَ موتِهِم ، الذي ليسَ لهم إزاؤهُ حولاً ولا قوةً (الأنْعَامُ ، 6: 61).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 18).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 61).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِكَ": أعِنِّي على قَهْرِ شهواتِ نفسي ، ولا تجعلْني جباراً شقياً ، وجَنِّبْنِي وأهلي قَهَرَ شياطينِ الإنسِ والجنَّ ، الذينَ يقهرونَ عبادَكَ الصالحين.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَاهِرِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ على قهرِ جميعِ خلقِهِ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32) ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ القاهرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ في قَهَرِ أعدائهِ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، وذلكَ بقهرِ شهواتِ نفسهِ أولاً. فإنْ فعلَ ذلكَ ، فقد قَهَرَ الناسَ كافةً ، فلم يقدرْ عليهِ أحد ، كما قالَ الغزالي. أمَّا القرَضاوي ، فإنهُ رأى أنَّ "القاهرَ" (صفةً لا اسماً) مِنْ عبادِ اللهِ هوَ مَن يسعى لنجاةِ المجتمعِ أيضاً ، بالإضافةِ إلى نجاةِ نفسِهِ ، وذلكَ بالتصدي لشياطينِ الإنسِ الذينَ يفسدونَ في الأرضِ ، ويشوهونَ الدينَ ، ويضيعونَ الدُّنيا ، سواءً كانوا حكاماً أو محكومين.

كما أنَّ على المؤمنِ العملَ على نجاةِ نفسِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءَ ، وذلكَ بقولِ الحقِّ والعملِ بهِ ونشرِهِ بينَ الناسِ ، والتصدي للباطلِ أينما كانَ ، على مستوى العالَمِ كلِّهِ ، خاصةً أنَّ ذلكَ قد أصبحَ مُتاحاً لكلِّ فردٍ ، بفضلِ الثورةِ المعلوماتيةِ والاتصالاتيةِ التي نعيشُها اليوم.

36. الْقَهَّارُ

"الْقَهَّارُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرً ، هوَ "قَاهِرُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "قَهَرَ" ، الذي يعني غَلَبُ وسَيْطَرَ وهَزَمَ وأجْبَرَ ، أي أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هو شديدُ الغلبةِ والسيطرةِ فوقَ عبادِهِ ، مَنْ آمنَ مِنهم ومَنْ كفرَ ، ولا مثيلَ لقدرتِهِ على القهرِ. وهوَ قهارٌ لخلقهِ بإماتتِهِم في الدُّنيا ، وببعثِهِم عاجزينَ أمامَهُ للحسابِ في الآخرة.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ستَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ فيها جميعاً مقترناً مع اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْوَاحِدُ" ، بما يعني أنهُ الإلهُ الواحدُ الذي لا إلهَ غيرُهُ ، القهارُ لخلقهِ جميعاً ، أينما وجدوا في ملكوتهِ الواسعِ ، في الدُّنيا والآخرة.

فاللهَ هوَ "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ." وفي ذلكَ بُطْلانٌ للاعتقادِ بآلهةٍ متعددةٍ ، كما كانّ الحالُ في مِصْرَ ، عندما أُلقيَ يوسُفُ ، عليهِ السلام ُ ، في السجنِ (يُوسُفُ ، 12: 39). وهوَ الخالِقُ لكلِّ شيءٍ ، أيْ إنَّهُ القادرُ على قَهرِ جميعِ خلقِهِ (الرَّعْدُ ، 13: 16). وهوَ "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" الذي يُجْبِرُ خلقَهُ للبروزِ مِنَ الأرضِ ، والوقوفِ أمامَهُ للحساب ، في يومِ القيامةِ ، بلا حولٍ ولا قوةٍ منهم (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48).

وهوَ الذي أرسلَ خاتَمَ رُسُلِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، نذيراً للعُصاةِ مِنْ خلقِهِ (ص ، 38: 65) ، والذي لو أرادَ أنْ يكونَ لهُ ولدٌ لاصطفى مِنْ خلقِهِ مَنْ شاءَ لهذا الغرضِ. لكنهُ ، جلَّ وعلا ، لم يُرِدْ ذلكَ ، لأنهُ ليسَ بحاجةٍ لأيٍّ مِنْ خلقِهِ ، كيفَ لا ، وهو "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. (الزُّمَرُ ، 39: 4).

وهوَ الذي يبرزُ الخلقُ أمامَهُ ، لا يخفى منهم شيءٌ ، في يومِ القيامةِ ، فيقولُ تباركَ وتعالى: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يُجيبُهُ أحدٌ من خلقِهِ ، بما في ذلكَ الملائكةُ. فيجيبُ هوَ ، سبحانهُ وتعالى ، نفسَهُ: "للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" ، أي الذي قهرَهُم بالموتِ ، ثمَّ البعثِ والحسابِ ، فالثوابِ أو العِقاب (غَافِرُ ، 40: 16).

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (يُوسُفُ ، 12: 39).

... اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرَّعْد ، 13: 16).

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48).

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (ص ، 38: 65).

لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الزُّمَرُ ، 39: 4).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْقَهَّارُ فَوْقَ عِبَادِكَ" أعنِّي على قهرِ شهواتِ نفسي ، وجنِّبني وأهلي قهرَ شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، ولا تجعلْني جباراً شقياً ، مِنَ الذينَ يقهرونَ عبادَكَ الصالحين.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَهَّارِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ على قهرِ جميعِ خلقِهِ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ التي نهانا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عنها ، في قولِهِ: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32). ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْقَهَّارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ في قَهَرِ أعدائهِ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، وذلكَ بقهرِ شهواتِ نفسهِ أولاً. كما أنَّ عليهِ أنْ يسعى لنجاةِ المجتمعِ أيضاً ، بالإضافةِ إلى نجاةِ نفسِهِ ، وذلكَ بالتصدي لشياطينِ الإنسِ الذينَ يفسدونَ في الأرضِ ، ويشوهونَ الدينَ ، ويضيعونَ الدُّنيا ، سواءً كانوا حكاماً أو محكومين.

كما أنَّ على المؤمنِ العملَ على نجاةِ نفسِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءَ ، وذلكَ بقولِ الحقِّ والعملِ بهِ ونشرِهِ بينَ الناسِ ، والتصدي للباطلِ أينما كانَ ، على مستوى العالَمِ كلِّهِ ، خاصةً أنَّ ذلكَ قد أصبحَ مُتاحاً لكلِّ فردٍ ، بفضلِ الثورةِ المعلوماتيةِ والاتصالاتيةِ التي نعيشُها اليوم.

37. الوَهَّابُ

"الْوَهَّابُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "واهبُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "وَهَبَ" ، الذي يعني مَنَحَ وأعْطَى وَرَزَقَ وأنْعَمَ ، دونَ مُقابلٍ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْوَهَّابَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي لا مثيلَ لهُ فيما يَهَبُ ، وهوَ كثيرُ العطاءِ لخلقِهِ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

 وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ على لسانِ الراسخينَ في العلمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 7) ، الذينَ أعلنوا إيمانَهم بكتابِ اللهِ ، شاكرينَ لهُ الهدايةَ ، وسائلينَ رحمتَهُ ، متوسلينَ إليهِ ، ومعترفينَ بفضلِهِ عليهِم ، وذلكَ بقولِهِم: "إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8). وجاءَ كوصفٍ للهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، لنفسِهِ ، بأنَّهُ الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ ، وذلكَ في الإشارةِ إلى رحمتِهِ العظيمةِ لخلقِهِ (ص ، 38: 9). كما كانَ وصفاً للهِ ، عزَّ وجلَّ ، على لسانِ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، في مَعرِضِ دعائِهِ لربِّهِ بأنْ يَهَبَ لهُ مُلكاً فريداً لا يُعطَى لأحدٍ مِنْ بعدِهِ ‎‎(ص ، 38: 35).

وهكذا ، توضحُ لنا هذهِ الآياتُ الكريمةُ المعنى الأساسَ لاسمِ ربِّنا ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ "الْوَهَّابُ" ، أي الذي يَهَبُ عبادَهُ بما لا يُمكنُ لأحدٍ غيرهِ أنْ يفعلَ. فهوَ وحدُهُ الذي يملكُ خزائنَ الرحمةِ ، وهوَ وحدُهُ الذي يُمكنُهُ أنْ يَهَبَ مُلكاً ، يَدِينُ فيهِ الإنسُ والجنُّ والطيرُ بالطاعةِ ، لعبدٍ مِنْ عِبادِهِ. 

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8).

أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (صَ ، 38: 9).

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ‎‎(صَ ، 38: 35).

وذُكِرَتْ صفةُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "الْوَهَّابُ" لعبادِهِ ، 16 مرةً في القرآنِ الكريمِ. فجاءت مرتانِ منها بصيغةِ فعلِ الطلبِ "هَبْ" ، وذلكَ في طلبِ المؤمنينَ مِنَ اللهِ: "وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ " (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8) ، وفي طلبِ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ ربِّهِ: "وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ " (ص ، 38: 35). وجاءتْ مرتانِ أخريانِ ، بصيغةِ الفعلِ المضارعِ "يَهَبُ" ، يُقَرِّرُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، فيهما أنهُ الذي "يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ" (الشُّورَى ، 42: 49).

واحتوتْ 12 آيةً أخرى على الفعلِ الماضي "وَهَبَ" ، وذلك َفي ذِكْرِ ما وَهَبَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لِرُسُلِهِ وأنبيائِهِ ، عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعين. فأشارتْ سِتُّ آياتٍ منها إلى أنَّ اللهَ قد "وَهَبَ" إبراهيمَ ابنيهِ إسماعيلَ وإسحاقَ ، وحفيدَهُ يعقوبَ (الأنْعَامُ ، 6: 84 ؛ إبْرَاهِيمُ ، 14: 39 ؛ مَرْيَمُ ، 19: 49 ؛ مَرْيَمُ ، 19: 50 ؛ الأنْبِيَاءُ ، 21: 72 ؛ الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 27).

وأشارتْ سِتُ آياتٍ أخرى إلى أنَّ ربَّنا ، عزَّ وجلَّ ، قد "وَهَبَ" لموسى حُكماً وجعلَهُ مِنَ المرسَلينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 21) ، وَوَهَبَ لهُ مِنْ رحمتِهِ "أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 53). كما وَهِبَ لأيوبَ "أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ" (ص ، 38: 43) ، وَوَهَبَ "لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ" ( ص ، 38: 30) ، وَوَهَبَ ليحيى ابنَهُ زكريا ( الأنْبِيَاءُ ، 21: 90) ، وَأحَلَّ لخاتَمِ رُسُلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ "امْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ" (الأحْزَابُ ، 33: 50).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْوَهَّابُ" ، هَبْ لي ذريةً صالحةً ، واجعلني مِنْ أهلِ جنةِ النعيمِ ، وهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ عملاً صالحاً يقربني إليك ، يا أرحمَ الراحمين.

وقد رأى الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، أنَّ مِنْ غيرِ المُتَصَوَرِ أنْ يصلَ البشرُ إلى مرتبةِ الْوَهْبِ. فقالَ إنَّ الْوَهَّابَ مِنَ الناسِ هوَ "الذي يبذلُ جميعَ ما يملكُهُ ، حتى الروحِ ، لوجهِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فقط ، لا للوصولِ إلى نعيمِ الجنةِ أو الحذرِ مِنْ عذابِ النار ، أو لِحَظٍّ عاجلٍ أو آجلٍ ، مِما يُعَدُّ مِنْ حظوظِ البشريةِ."

ولذلكَ ، لا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْوَهَّابِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنَّ هباتِهِ لخلقِهِ لا يَقْدِرُ على عطائِها غيرُهُ ، منزهةً عن أيِّ غرضٍ أو حاجةٍ لهُ ، عزَّ وجلَّ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْوَهَّابِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ نفسَهُ بأنْ يكونَ عطاؤهُ لغيرِهِ خالصاً لوجهِ الله ، سبحانهُ وتعالى ، وليس بهدفِ الثناءِ عليهِ ، أو لتجنبِ الحسدِ والكراهيةِ مِنَ الآخرينَ في هذهِ الدنيا.

38. الرَّزَّاقُ

"الرَّزَّاقُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "رَازِقُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "رَزَقَ" ، الذي يعني منحَ وأعطى وأكسبَ ما يحتاجُهُ المخلوقُ مِنْ قوتٍ يؤودُهُ. وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي خلقَ الرزقَ وساقهُ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، مِنْ إنسٍ وجنٍ وحيواناتٍ وحشراتٍ ونباتاتٍ ، وهوَ كثيرُ الرزقِ لخلقِهِ المكلَّفينَ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

 وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 52: 58 ، مع اسمينِ آخرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "ذُو الْقُوَّةِ" و "الْمَتِينُ." وذلكَ يعني أنهُ ، جلَّ وعلا ، القويُّ القادرُ على رزقِ مخلوقاتِهِ كلِّها ، بما في ذلكَ المكلَّفةِ منها ، كالجنِّ والإنس والجنِّ. فقد أخبرَتْنا الآيتانِ الكريمتانِ 51: 56-57 بأنه قد خلقَهُم لغرضٍ واحدٍ فقط ، لكي يعبدوهُ ، لا ليرزقوهُ أو يطعموهُ ، تباركَ وتعالى. وعلى العكسِ منْ ذلكَ ، فهوَ الذي يرزقُهُم بما تحتاجُهُ أبدانُهِم وعقولُهم ، دونَ الحاجةِ إليهِم وإلى أعمالِهِم.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ (الذَّريِاَتُ ، 51: 58).

ووردَ الفعلُ "رَزَقَ" ، بأشكالِهِ ومشتقاتِهِ المختلفةِ ، 122 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 37 مرةً في الزمنِ الماضي ، كما جاء في الآيةِ 88 من سورةِ الْمِائِدَةِ (5) ؛ و 15 مرةً في الزمنِ المضارعِ ، كما جاءَ في الآيةِ 212 منْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ؛ و 3 مراتٍ في المستقبَلِ ، كما جاءَ في الآيةِ 58 مِنْ سورةِ الْحَجِّ (22) ، و 5 مراتٍ في صيغةِ الطلبِ ، كما جاء في الآيةِ 114 من سورةِ الْمَائِدَةِ (5).

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 88).

وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 212).  

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْحَجُّ ، 22: 58).

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 114).

وتضمنتْ مشتقاتُ الفعلِ "رَزَقَ" ، التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ 55 اسماً ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 51: 22 ؛ والصفةَ الجمعيةَ "رازقينَ" ، التي ذُكِرَتْ مرةً واحدةً ، في الآيةِ الكريمةِ 15: 20. كما تضمنتْ اسمَ "الرَّزَّاقِ" ، الذي جاء في الآيةِ الكريمةِ 51: 58 ، المذكورةِ أعلاهُ. واشْتُقَ منهُ أيضاً أسمُ "خَيْرِ الرَّازِقِينَ" ، الذي وردَ في 5 آياتٍ كريمةٍ ، سيتمُّ ذكرُها في ذلكَ الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بإذنِهِ تعالى.  

وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 22).

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (الْحِجْرُ ، 15: 20).

وقد أشارَ الغزالي إلى نوعينِ مِنَ الرزقِ ، هما الظاهرِ الذي يتضمنُ "الأقواتَ والأطعمةَ ، وذلكَ للظواهرِ ، وهيَ الأبدانِ ؛ والباطنِ ، وهيَ المعارفِ والمكاشفاتِ ، وذلكَ للقلوبِ والأسرارِ. وهذا أشرفُ الرزقينِ ، فإنَّ ثمرتَهُ حياةُ الأبدِ ، وثمرةُ الرزقِ الظاهرِ قوةُ الجسدِ إلى مدةٍ قريبةِ الأمد. واللهُ ، عزَّ وجلَّ ، هو المتولي لخلقِ الرزقينِ ، والمتفضلُ بالإيصالِ إلى كلا الفريقينِ ، ولكنهُ "يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ "(الرَّعْدُ ، 13: 26).

وعلى ذلكَ ، فإنَّ مِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، لنيلِ النوعينِ مِنَ الرزقِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الرَّزَّاقُ" ، ارزقني وأهلي مِنْ خيرِكَ الكثيرِ ، مِنْ طعامٍ وشرابٍ وكساءٍ ومسكنٍ ، وغيرِ ذلكَ مما يحتاجُ إليهِ البدنُ. اللهُمَّ ، يا رَزَّاقُ ، ارزقني حكمةً مُرشدةً وعلماً نافعاً ، واهدني فيما أقولُ وأفعلُ إلى سواءِ السبيلِ ، واجعلني سبباً لوصولِ الأرزاقِ إلى خلقِكَ ، يا رزاقُ يا كريم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الرَّزَّاقِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ مصدرُ النوعينِ مِنَ الرزقِ لخلقهِ كلِّهم ، يجودُ بهما عليهِم دونما توقعٍ لأي مقابلٍ منهم. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّزَّاقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يساعدَ غيرَهُ في كسبِ الرزقِ الحلالِ ، بالإرشادِ وتقديمِ النصيحةِ والعونِ في الحصولِ على الوظائفِ والمحافظةِ عليها. كما أنَّ عليهِ أنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ للحصولِ على رزقِهِ بالوسائلِ المشروعةِ الحلالِ ، وينفقُهُ في الأوجهِ التي حددها "الّرَّزَّاقُ" ، سبحانهُ وتعالى ، الذي سيحاسبُهُ "عن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ" ، كما جاء في الحديثِ الشريفِ. [60]

39. خَيْرُ الرَّازِقِينَ

"خَيْرُ الرَّازِقِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّازِقِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَزَقَ" ، الذي يعني منحَ وأعطى وأكسبَ ما يحتاجُهُ المخلوقُ مِنْ قوتٍ يؤودُهُ.

وهكذا ، "فخَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، هوَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ أيِّ مخلوقٍ يمنحُ أو يعطي شيئاً لمخلوقٍ آخَرَ. فهوً الذي خلقَ الرزقَ وساقهُ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، مِنْ إنسٍ وجنٍ وحيواناتٍ وحشراتٍ ونباتاتٍ ، وهوَ كثيرُ الرزقِ لخلقِهِ المكلَّفينَ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

وعلى الأخصِّ ، فإنَّ هذا الاسمَ يعني أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ خيرٌ مِنْ أيِّ رازقٍ آخرَ مِنْ خلقِهِ. فهوَ خيرٌ للأولادِ من أبويهِم ، لأنهُ الرازقُ الأساسُ للأبوينِ ، وهو خيرٌ للرعيةِ مِنَ الراعي ، لأنهُ الذي يهبُ الأرضَ مقوِّماتِ الحياةِ فيها ، بما في ذلكَ مصادرَ مياهِها ، وتربتِها ، ومعادِنها.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الرَّازِقِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وقد ذُكِرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هذا الاسمِ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى خمسَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُذَكِّراً المؤمنينَ بأنهُ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، وذلكَ عندما طلبَ منهُ عيسى ، عليهِ السلامُ ، أنْ يُنْزِلَ عليهِ وعلى الحواريينَ مائِدةً مِنَ السماء (المائدة ، 5: 114) ؛ ومبشراً الذينَ يُقتلونَ أو يموتونَ ، وهم في سبيلِ اللهِ ، بأنَّ لهم في الآخرةِ رِزقاً حسناً (الْحِجُّ ، 22: 58) ؛ ومطمئناً رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنَّ أجرَهُ على اللهِ ، لا على الناس (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 72) ؛ ومشجعاً المؤمنينَ على الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ ، وأنهُ سَيُخْلِفُ لهم ما ينفقونَ (سَبَأُ ، 34: 39) ؛ ومعاتباً المؤمنينَ الذينَ كانوا يخرُجونَ إلى اللهوِ والتجارةِ ويتركونَ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في المسجدِ قائماً ، مُذَكِّرَاً لهم بأنهُ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (الْجُمُعَةُ ، 62: 11).

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 114).

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْحَجُّ ، 22: 58).

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 72).

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سَبَأُ ، 34: 39).

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْجُمُعَةُ ، 62: 11).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، لنيلِ النوعينِ مِنَ الرزقِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، ارزقني وأهلي مِنْ خيرِكَ الكثيرِ ، مِنْ طعامٍ وشرابٍ وكساءٍ ومسكنٍ ، وغيرِ ذلكَ مما يحتاجُ إليهِ البدنُ. اللهُمَّ ، يا خَيْرَ الرَّازِقِينَ ، ارزقني حكمةً مُرشدةً وعلماً نافعاً ، واهدني فيما أقولُ وأفعلُ إلى سواءِ السبيلِ ، واجعلني سبباً لوصولِ الأرزاقِ إلى خلقِكَ ، يا رزاقُ يا كريم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الرَّزَّاقِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ مصدرُ النوعينِ مِنَ الرزقِ لخلقهِ كلِّهم ، يجودُ بهما عليهِم دونما توقعٍ لأي مقابلٍ منهم. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّزَّاقِ" ، أو "عَبْدَ الرَّازِّقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ للحصولِ على رزقِهِ بالوسائلِ المشروعةِ الحلالِ ، وينفقُهُ في الأوجهِ التي حددها "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، سبحانهُ وتعالى. كما أنَّ عليهِ أن يساعدَ غيرَهُ في كسبِ الرزقِ ، بالإرشادِ وتقديمِ النصيحةِ والعونِ في الحصولِ على الوظائفِ والمحافظةِ عليها.

40. الْفَتَّاحُ

"الْفَتَّاحُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "فَاتِحُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "فَتَحً" ، الذي يعني هَدَى ، وفَصَلَ بينَ شيئينِ ، وقَضى بينَ الناسِ ، ونصرَ فريقاً على فريقٍ آخرَ. وهكذا ، فاسمُ "الْفَتَّاحِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هو الذي فتحَ على الإنسانيةِ بالهدايةِ مِنْ خلالِ الوحيِّ إلى رُسُلِهِ ، وهوَ الذي يفتحُ ، أي يَفْصِلُ بوضوحٍ بين الحقِّ والباطلِ ، فيقضي على أساسِهِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، في يومِ الحساب. كما أنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرزقِ والمعرفةِ والقوةِ لعبادِهِ ، وأبوابَ الرحمةِ للتائبينَ ، وهوَ الناصرُ للمؤمنينَ في فتوحاتِهم.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 34: 26 ، التي يقولُ فيها ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يخبرَ المشركينَ ، الذينَ رفضوا دعوتَهُ لهم ، أنهُ سيجمعُهُ بِهِم في يومِ الحساب ، ليقضيَ بينهُ وبينهم بالحقِّ.

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (سبأ ، 34: 26).

ووردَ الفعلُ "فَتَحَ" ، بأشكالِهِ ومشتقاتِهِ المختلفةِ ، 33 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 10 مراتٍ ، جاءتْ في صيغةِ الاسمِ ، كما في الآيةِ 141 من سورةِ النِّسَاءِ (4) ، بمعنى النصرِ والغلبة ؛ ومنها 14 مرةً في الزمنِ الماضي ، كما جاء في الآية 76 من سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، بمعنى الوحيِّ برسالاتِ الله لهدايةِ البشرِ ، وفي الآيةِ 44 مِنْ سورةِ الأنْعَاَمِ (6) ، بمعنى فتحِ الأبوابِ. ووردَ 6 مراتٍ في الزمنِ المضارعِ ، كما جاءَ في الآية الثانية منْ سورةِ فَاطِرِ (35) ، بمعنى إنزالِ رحمةِ اللهِ على الناسِ ؛ و مرتينِ في صيغةِ الطلبِ ، كما جاء في الآية 89 من سورةِ الأعْرَافِ (7) بمعنى القضاءِ بينَ الناسِ ؛ ووردَ كصفةٍ مرةً واحدةً ، في الآية 50 مِنْ سورة صَ (38) ، في وصفِ الجنةِ بأنها مفتحةُ الأبوابِ.

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ (النِّسَاءُ ، 4: 141).

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 76).

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 44).

مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (فَاطِرُ ، 35: 2).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 89).

جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (صَ ، 38: 50).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، يا فَتَّاحُ" ، افتحْ لي ولوالديَّ وأهلي أبوابَ رحمتِكَ وجنةَ خُلدِكَ ، وافتحْ عليَّ محبةَ كتابِكَ وَتَعَلُّمَهُ ، وتعليمَهُ للناسِ ، وانصرني على مَنْ ظلمني في هذهِ الدنيا ، وافتحْ بيني وبينَهُ بالحقِّ ، في يومِ الحسابِ ، يا فَتَّاحُ ، يا عليم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الفَتَّاحِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرحمةِ والجنةِ ، وهوَ وحدَهُ الذي يقضي بين الناس في يومِ الحساب. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الفَتَّاحِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وتعليمِهِ للناسِ ، وأنْ يكونَ رحيماً في التعامُلِ معهم ، وأنْ يقضي بينهم بالحقِّ ، سواءً كانَ ذلكَ بينَ أفرادِ أسرتِهِ أو أقارِبِهِ أو مجتمعِهِ ، أو على مستوى الأرضِ كلِّها.

 

 

41. خيرُ الْفَاتِحِينَ

"خيرُ الْفَاتِحِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْفَاتِحِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "فَتَحً" ، الذي يعني هَدَى ، وفَصَلَ بينَ شيئينِ ، وقَضى بينَ الناسِ ، ونصرَ فريقاً على فريقٍ آخرَ.

وهكذا ، فإنَّ "خيرَ الْفَاتِحِينَ" ، كأحَدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ الفاتحينَ الآخرينَ مِنْ خلقِهِ ، وذلكَ بتفرُّدِهِ عنهم بأنهُ هوَ الذي فتحَ على الإنسانيةِ بالهدايةِ مِنْ خلالِ الوحيِّ إلى رُسُلِهِ ، وهوَ الذي يفتحُ ، أي يَفْصِلُ بوضوحٍ بين الحقِّ والباطلِ ، فيقضي على أساسِهِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، في يومِ الحساب. كما أنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرزقِ والمعرفةِ والقوةِ لعبادِهِ ، وأبوابَ الرحمةِ للتائبينَ ، وهوَ الناصرُ للمؤمنينَ في فتوحاتِهم.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الْفَاتِحِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 7: 89 ، التي أخبرتنا بالحوارِ الذي دارَ بينَ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، والمستكبرينَ من قومِهِ ، الذينَ هددوا بإخراجِهِ هوَ والمؤمنينَ معهُ من قريتِهِم ، إن لم يعودا عن إيمانِهِم بالله (7: 88). فأجابَهم بأنهُ لنْ يفعلَ ذلكَ ، وتوجَّهَ إلى اللهِ بالدعاءِ بأنْ يفتحَ بينَهُ وبينَهُم بالحقِّ ، وهوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (7: 89).

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 88).

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 89).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، يا خَيْرَ الْفَاتِحِينَ" ، افتحْ لي ولوالديَّ وأهلي أبوابَ رحمتِكَ وجنةَ خُلدِكَ ، وافتحْ عليَّ محبةَ كتابِكَ وَتَعَلُّمَهُ ، وتعليمَهُ للناسِ ، وانصرني على مَنْ ظلمني في هذهِ الدنيا ، وافتحْ بيني وبينَهُ بالحقِّ ، في يومِ الحسابِ ، يا فَتَّاحُ ، يا عليم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ المركب ، ولا باسمِ "الفَتَّاحِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرحمةِ والجنةِ ، وهوَ وحدَهُ الذي يقضي بين الناس في يومِ الحساب. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الفَتَّاحِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وتعليمِهِ للناسِ ، وأنْ يكونَ رحيماً في التعامُلِ معهم ، وأنْ يقضي بينهم بالحقِّ ، سواءً كانَ ذلكَ بينَ أفرادِ أسرتِهِ أو أقارِبِهِ أو مجتمعِهِ ، أو على مستوى الأرضِ كلِّها.

42. الْعَلِيمُ

"الْعَلِيمُ" أسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِنِ اسمِ آخرَ ، هوَ "عَالِمٌ" ، المشتقُّ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. وهوَ يشتركُ ، في الاشتقاقِ منْ نفسِ الفعلِ ، معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هي: "عَالِمُ الْغَيْبِ" و "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "عَلَّامُ الْغُيُوبِ."

و "الْعَلِيمُ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهً ، سبحانهُ وتعالى ، عليمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ عليمٌ بما كانَ ، وما هوَ كائنٌ ، وما سيكونُ ، وما لم يكنْ ، كما جاء في الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ. [61]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 32 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومقترناً فيها جميعاً مع اسمٍ آخرَ من أسمائِهِ ، عزَّ وجلَّ. فجاءَ مَعَ "السَّمِيعِ" في 15 آيةً منها ، ومَعَ "الْحَكِيمِ" في 6 آياتٍ ، ومَعَ "الْعَزِيزِ" في 6 آياتٍ أخرى. وجاءَ مرتينِ مَعَ "الْخَلَّاقِ" ، ومرةً واحدةً مَعَ كلٍّ مِنَ "الْفَتَّاحِ" و "الْقَدِيرِ" و "الْخَبِيرِ" ، كما في الأمثلة التالية:

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 76).

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 32).

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنْعَامُ ، 6: 96).

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿٨٥﴾‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨٦﴾‏ (الْحِجْرُ ، 15: 85-86).

قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٥﴾‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴿٢٦﴾‏ (سَبَأُ ، 34: 25-26).

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الرُّومُ ، 30: 54).

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3).

وبالنظرِ إلى الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَ فيها اسمُ "الْعَلِيمِ" مُعَرَّفاً ، يمكنُ التعرُّفُ على معانيَ عديدةٍ لهُ فيها.  فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْعَلِيمُ لأنهُ الإلهُ ، الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ وما بينَهُما ومَنْ فيهما. وهوَ العليمُ بخلقِ الإنسانِ مِنْ ضعفٍ في الرحِمِ إلى قوةٍ بعدَ الولادةِ ثُمَّ ضعفٍ وشيبٍ قبلَ الموتِ ، وبِمَا يقترفُ الناسُ مِنْ الذنوبِ ، وما يقومونَ بِهِ مِنْ العباداتِ وصالحِ الأعمالِ ، وبما يقولون ، وما يُسِرُّونَ لبعضِهِم مِنَ الحديثِ ، وبِمَنْ يخلُدُ للراحةِ أو النومِ منهم. وهوَ الذي عَلَّمَ الملائكةَ ما يعلمونَ. وهوَ بعلمِهِ قادرٌ على منحِ البنينَ حتى للعقيماتِ مِنَ النساءِ. وهوَ العليمُ بحركةِ الشمسِ والقمرِ ، وما ينتجُ عنْ ذلكَ مِنْ فوائدَ للبشرِ. وهوَ العليمُ بكتابِهِ الذي أنزلهُ لهدايةِ عبادِهِ ، وبالذي اختلفَ عليهِ بنو إسرائيل ،. وهوَ السميعُ العليمُ لدعاءِ عبادِهِ ، المستجيبُ لهم. وهوَ العليمُ بأحوالِ عبادِهِ وبكلِّ دابةٍ ، فَيُنْزِلُ عليهِم رحمتَهُ وحكيمَ أمرِهِ ويرزُقُهُم مِن حيثُ لا يحتسبون. [62]

كما ذُكِرَ هذا الاسمُ 128 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً في بعضِها مع اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحُسنى. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، " بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" ، وهوَ "عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" ، وبما يقولُ ويفعلُ الناسُ مِنْ أعمالٍ. وهوَ وَاسِعُ العلمِ لاتساعِ ملكوتِهِ ، وعَلِيمٌ بالشاكرينَ مِنْ عبادِهِ ، وسَمِيعٌ لِما يقولونَ ، وحَلِيمٌ بهم ، ولحكمتِهِ البالغةِ ، ولخبرتِهِ ، ولدقةِ تقديرِهِ لِما كانَ ، ويكونُ ، وسيكونُ ، ولِما لم يكنْ. [63]

ومن المعاني التي يتضمنها اسمُ "العليمِ" ما جاء في الآياتِ الكريمةِ التي تَذْكُرُ عَلِمَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، باستخدامِ الفعلِ الماضي "عَلِمَ" والفعلِ المضارع ، "يَعْلَمُ." فَاللَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ الناسُ وَمَا يُعْلِنُونَ ، وما يختانونَ أَنفُسَهُمْ" و "مَا فِي أَنفُسِهِمْ" و مَا تُوَسْوِسُ بِهِ أنَفْسُهُم و "مَا فِي صُدُورِهِمْ" و مَا فِي قُلُوبِهِمْ و مَا يُبْدُونَ وَمَا يَكْتُمُونَ و "سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ" و سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ و ما يُبْدُوا مِنْ شيءٍ أَوْ يُخْفُوهُ. كما يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى و "خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ و مَا يَفْعَلُونَ و مَا يَصْنَعُونَ. وهوَ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَهُمْ وَمَثْوَاهُمْ ، وهوَ يَعْلَمُ ما لَا يَعْلَمُونَ. كما عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمُوا و الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ، "وَمَا أَنفَقْوا أَوْ نَذَرْوا ، و مَا كسَبُوا وجرحوا.

ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّ كُلَّ دَابَّةٍ وَمُسْتَوْدَعَهَا. "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ." و ويَعْلَمُ عَدُوَّهُ وَعَدُوَّ المؤمنينَ ، وأنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ، وأنَّ مِنَ الناسِ مُّكَذِّبِينَ ، و "يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ" و "اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" ، و "عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ." و "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا. ويَعْلَمُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَ الناسِ والْمُسْتَأْخِرِينَ ، ومَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ."

ويَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِي الملائكةِ "وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ ، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ." وقد اجتبى يوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، وعَلَّمَهُ "مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" ، وعَلَّمَ الْخَضِرَ ، عليهِ السلامُ ، مِن لَّدُنْهِ عِلْمًا ، وعَلَّمَ داوودَ ، عليهِ السلامُ ، "مِمَّا يَشَاءُ" وَعَلَّمَهُ "صَنْعَةَ لَبُوسٍ." وعَلَّمَ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، "مَنطِقَ الطَّيْرِ" ، وعَلَّمَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، "الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ." وشَهِدَ لمحمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنَّهُ رَسُولُهُ للعالَمينَ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُن يَعْلَمُ.  وأخبرَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُومُ "أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ." وهوَ الذي "عَلَّمَ الْقُرْآنَ" وأخبرَنا بأنهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أحدٌ غيرُهُ. وهوَ "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" و‏ "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" و "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" و "أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ." وذَكَرَ عن المؤمنين بأنَّهُ خَفَّفَ عَنهُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ ضَعْفًا وعَلِمَ أَنَّهُمْ لَّن يُحْصُوهُ ، أي لا يستطيعونَ قيامَ الليلِ بانتظامٍ. وعَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنهُم "مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ." [64]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْعَلِيمُ بي وبأحوالِ خلقِكَ كلِّهِم" ، الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل. اللهمَّ زِدْنِي عِلماً نافعاً مِنْ عِلْمِكَ العظيم ، لأتقرَّبَ إليكَ بِهِ فيما أقولُ وما أفعلُ ، وفيما أعَلِّمُ بِهِ مَنْ أصِلُ إليهِم مِنَ الناسِ. اللهمَّ "اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ،‏ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ،‏ يَفْقَهُوا قَوْلِي" (طه ، 20: 25-28) ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، يا عَلِيمُ ، يا خَبِيرُ.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ المُطلقُ في عِلْمِهِ الذي وسِعَ ملكوتَهُ ، والذي تعجَزُ مخلوقاتُهُ عن الإحاطةِ به. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ، وتعليمِهِما للناسِ ، حتى يعرفوا خالِقَهُم ، جلَّ وعلا ، الذي يريدُ لهم الخيرَ في الدُّنيا والآخرة.

43. عَالِمُ الْغَيْبِ

"عَالِمُ الْغَيْبِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما " عَالِمُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغَيْبِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يعني خَفِيّ واسْتَتَرَ عَنْ الإدْرَاكِ والْحَوَاسِّ ، خَاصَّةً الْعُيُونِ والأنْظَارِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَالِمَ الْغَيْبِ" يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يغيبُ عن علمِ مخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ ما خفيَ واستترَ عنْ إدراكِها وما تتوصلُ إليهِ حواسُّها. فهوَ يعلمُ بما في السماواتِ والأرضِ ، وبما يفكرُ بهِ الناسُ ، وبما يفعلون من أسرارِ أعمالِهم. فلا سبيلَ لأحدٍ غيرِهِ معرفةِ تلكَ الغيوبِ. وهوَ عَلِيمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ عليمٌ بما كانَ ، وما هوَ كائنٌ ، وما سيكونُ ، وما لم يكنْ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْعَلِيمِ."

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 34: 3 مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بالغيبِ ، في ردِّهِ على الكافرينَ الذينَ يشككونَ في قيامِ الساعةِ ، مؤكداً على قيامِها ، ومضيفاً أنهُ يعلمُ كلَّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ ، مهما صَغُرَ حجمُهُ ، وأنَّ ذلكَ مدونٌ في كتابٍ مُبين. وجاءَ في الآيةِ الكريمة 35: 38 ، التي أضافتْ علمَهُ بما يجولُ في صدورِ الناسِ. وجاءَ أيضاً في الآيةِ الكريمةِ 72: 26 ، التي ذكرتْ بأنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يُظْهِرُ علمَهُ بالغيبِ لأحدٍ ، إلْا لِمَنْ ارتضى مِنْ رُسِلِهِ. وحتى هؤلاءِ ، فإنهُ يرسلُ قبلَهُم وبعدَهُم مَنْ يراقبُهُم ، ويُسجلُ أعمالَهم وما ينتُجُ عنها.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سَبَأُ ، 34: 3).

إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (فَاطِرُ ، 35: 38).

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾‏ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾‏ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾‏ (الْجِنُّ ، 72: 26).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَالِمُ الْغَيْبِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَالِمٍ" أو "الْغَيْبِ" مُنفرِدَتينِ ،  في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسنةَ رسوله نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلَ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَالِمُ الْغَيْبِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

44. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

"عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولاهُما " عَالِمُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يَعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغَيْبِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يَعني خَفِيّ واسْتَتَرَ عَنْ الإدْرَاكِ والْحَوَاسِّ ، خَاصَّةً الْعُيُونِ والأنْظَارِ. والكلمةُ الثالثةُ في هذا الاسمِ هيَ "الشَّهَادَةُ" ، وهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "شَهِدَ" ، الذي يَعني عَايَنَ وأدْرَكَ وحَكَمَ ، كما يعني أَقَرَّ واعْتَرَفَ وأخْبَرَ بما يَعْلَمُ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يغيبُ عن علمِ خَلْقِهِ ، بما في ذلكَ ما خَفِيَ واستترَ عنْ إدراكِهم ، وما تتوصلُ إليهِ حواسُّهم. فهوَ يعلمُ بما في السماواتِ والأرضِ ، وبما يفكرُ بهِ الناسُ ، وبما يفعلون من أسرارِ أعمالِهم. فلا سبيلَ لأحدٍ غيرِهِ معرفةِ تلكَ الغيوبِ. وهوَ عَلِيمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ يعلمُ ما يُشاهدونَ ويُدرِكون ويَعلَمونَ ، وبما يفكرُونَ بهِ ، وبما يعملونَ في السِّرِّ والعلنِ ، وما يستطيعونَ عَمَلَهُ ، وما لا يستطيعونَ عملَهُ.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى عشرَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فيما يتعلقُ بميقاتِ نفخِ الصورِ وما ينتجُ عنهُ مِنْ أهوالٍ (الأنْعَامُ ، 6: 73) ؛ وأنهُ عَلِمَ باعتذارِ الذينَ تخلفوا عنْ الخروج مع الرسولِ والمؤمنين ، وأنبأهُ بأخبارِهِم (التَّوْبَةُ ، 9: 94) ؛ وبأنهُ يرى أعمالَ الناسِ ويُنَبِّئُهُمُ بها في اليومِ الآخرِ (التَّوْبَةُ ، 9: 105) ؛ ويعلمُ ما تحملُ كلُّ أنثى ، وما تغيضُ الأرحامُ ، وما تزدادُ ، ويعلمُ مقدارَ كلَّ شيءٍ (الرَّعْدُ ، 13: 8-9).

ومِن غيبِ عِلْمِهِ أيضاً أنَّهُ يدبرُ الأمرَ مِنَ السماءِ إلى الأرضِ ، ثمَّ يعرجُ الأمرُ إليهِ ، في يومٍ كانَ مقدارُهُ ألفَ سنةٍ مِمَّا يَعُدُّ أهلُ الأرضِ (السَّجْدَةُ ، 32: 5-6) ؛ وهوَ فاطرُ السماواتِ والأرضِ ، الْحَكَمُ بينَ عبادِهِ في يومِ الحسابِ (الزُّمَرُ ، 39: 46) ؛ وهوَ اللهُ الذي لا إلهَ إلْا هوَ ، الذي يعلمُ ما يشهدُ خلقُهُ وما يغيبُ عنهم (الْحَشْرُ ، 59: 22) ؛ وهوَ الذي ينبئُ عبادَهُ بما كانوا يعملونَ في دُنياهُم (الْجُمُعَةُ ، 62: 8) ؛ وهوَ العزيزُ الحكيم (التَّغَابُنُ ، 64: 18) ؛ "مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ" ﴿٩٢﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 91-92).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 105).

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزُّمَرُ ، 39: 46).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما يَعْلَمُهُ خلقُهُ وما لا يعلمونَ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَالِمٍ" أو "الْغَيْبِ" أو "الشَّهَادَةِ" مُنفرِدَةً ،  في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلَ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

45. عَلَّامُ الْغُيُوبِ

"عَلَّامُ الْغُيُوبِ" أسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ. أولاهما "عَلَّامُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِن اسمٍ آخرَ ، هوَ "عَالِمُ" ، الْمُشْتَقُّ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أمَّ الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغُيُوبِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يعني اخْتَفى ، ورَحَلَ بعيداً ، واسْتَتَرَ عَنْ الإحْسَاسِ والإدْرَاكِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَلَّامَ الْغُيُوبِ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ ربُّ العالَمينَ ، الذي يعلمُ غيوبَ ملكوتِهِ الواسعِ ، أي ما حدثَ وما يحدثُ وما سيحدثُ فيهِ ، وبما فيهِ مِنْ عَوَالِمَ وسماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ ، وما فيها ومَنْ فيها. وبينما هوَ يعلمُ ما استترَ عنْ أحاسيسِ خلقِهِ ومُدْرَكَاتِهِم ، فإنهم لا يعلمونَ إلْا ما هيأهُ لهم أنْ يَعْرِفُوهُ ، في حدودِ ما يستطيعُونَ الوصولَ إليهِ في عالَمِهم الذي يُوجَدُونَ فيه.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بما غابَ عن رُسُلِهِ أثناءَ حياتِهِم وبعدَ مماتِهِم (المائدة ، 5: 109) ؛ ولِعِلْمِهِ بما في نفسِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، وبما قالَ للناسِ قبلَ رفعِهِ إلى السماءِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116) ؛ ولعلمِهِ بسرِّ الناسِ ونجواهم ، وبالمنافقينَ الذينَ يخلفونَ ما يعاهدونَ اللهَ عليهِ من صدقةٍ (التَّوْبَةُ ، 9: 75-78) ؛ وبالذين كفروا بالحقِّ الذي أُرْسِلَ بهِ خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين (سَبَأُ ، 34: 47-48).

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 109).

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116).

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾‏ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٧٦﴾‏ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٧٨﴾ (التَّوْبَةُ ، 9: 75-78).

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٤٧﴾‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٤٨﴾‏ (سَبَأُ ، 34: 47-48).

ومِنْ الدُّعاءِ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بهذا الاسمِ من أسمائِهِ الحُسنى ، قولُ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ ، في ملكوتِهِ الواسعِ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَلَّام" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسنةَ رسوله نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلُ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَلَّامُ الْغُيُوبِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

46. وَاسِعٌ عَلِيمٌ

"وَاسِعٌ عَلِيمٌ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعٌ" ، وهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "عَلِيمٌ" ، فهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ، أيْ أنَّ عِلْمَهُ رَحْبٌ وكثيرٌ ويشملُ كُلَّ شيءٍ ، وهوَ مِنَ العظَمَةِ والكِبرِ لدرجةِ أنهُ يشملُ ملكوتَهُ العظيمَ ، مِنْ سماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ ، وما فيها ومَنْ فيها (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

وقد ذُكِرَ اسمُ "وَاسِعٍ عَلِيمٍ" سبعَ مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً إلى اتساعِ علمِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للمشرقِ والمغربِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115) ؛ وإلى شمولِ عِلمِهِ لِقُدِرَاتِ خَلقِهِ ، وذلكَ في ذكرِهِ لسببِ اختيارِهِ لطالوتَ  ملكاً (الْبَقَرَةُ ، 2: 247) ؛ وإلى علمِهِ بالأضعافِ المُضاعَفَةِ لفوائدِ أعمالِ الخير ، وعلى تشجيعِهِ لذلكِ بالوعدِ بمضاعَفَةِ ثوابِهِ لتلكَ الأعمالِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 261) ؛ وإلى عِلمِهِ بأنَّ الشيطانَ يُخَوِّفُ الناسَ مِنَ الفقرِ ، حتى لا ينفقوا في سبيلِ اللهِ ، ولكنهُ ، جلَّ وعلا ، يَعِدُهُم أنهُ سيأتيهم مِنْ فضلِهِ ، تشجيعاً لهم على الإنفاقِ في أوجهِ الخيرِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 268). كما جاءَ مَعَ الإشارةِ إلى تنزيلِهِ الكتابِ على المؤمنين هدايةً لهم ، وحُجَّةً لهم على الكافرينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73) ؛ وإلى علمِهِ بأنَّ بعضَ الذينَ آمنوا يمكنُ أنْ يرتدوا عنْ دينِهم ، ولكنهُ سيستبدلَهم بآخرينَ يحبُّهم ويحبونَهُ ويجاهدونَ في سبيلِهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54) ؛ وإلى أمرِهِ بالزواجِ عامةً ، سواءً كانَ الناسُ فقراءَ أو أغنياءَ ، لِما في ذلكَ مِنْ فوائدَ جمةً تعودُ على الفردِ والمجتمعِ (النُّورُ ، 24: 32).  

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115).

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 247).

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 261).

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 268).

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54).

وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (النُّورُ ، 24: 32).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ، وَسِّعْ عليَّ مِنْ العلمِ والرزقِ ، واغفرْ لي ولأهلي ولِعبادِكَ الصالحين ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، باتساعِ علمِهِ الذي يشملُ ملكوتِهِ كُلِّهِ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وَرَدَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "وَاسِعِ" أو "الْوَاسِعِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ لنيلِ العلمِ النافعِ ، وأنْ يُحَكِّمَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يكونَ غفوراً رحيماً في تعاملِهِ معَ الناسِ ، خاصةً لعلمِهِ بضعفهِم وبمحدودِيةِ قُدُرَاتِهِم.

47. الْمُحِيطُ

"الْمُحِيطُ" أسمُ صفةٍ ، مُشتقُّ مِنَ الفعلِ "أحاطَ" ، الذي يعني اطّلَعَ على شيءٍ ، وعَلِمَهُ ، وأدرَكَهُ مِنْ كافةِ نواحيهِ ، وألَمَّ بهِ إلمامًا شاملاً ، وحاصرَهُ من جميعِ جوانبهِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ اسمَ "الْمُحِيطِ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، قد أحاطَ ، أي اطِّلعَ وعَلِمَ وأدركَ كلَّ شيءٍ ، لأنهُ خالقُ الأشياءَ كلَّها. فهوَ يَعْلَمُ ما كانَ ويكونُ وما سيكونُ ، ولا يخفى عليهِ شيءٌ ، لأنهُ فوقَ خلقهِ جميعاً ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضين. [65]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 8 مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 19 مِنْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) بمعنى حصارِهِ ، عزَّ وجلَّ ، للكافرينَ مِنْ كلَّ جانبٍ ، عندما يُصيبُهم بعذابِهِ ، الذي لا مفرَّ لهم منهُ. وجاءَ في السبعِ مراتٍ الأخرى بمعنى أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أحاطَ ، بما يقولُ ويفعلُ الكافرون.

فهوَ يعلمُ ما يُسِرُّ الكافرين وما يُفرِحُهُم ، وما يَكِيدُونَ للمؤمنين (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 120). وهوَ مُطَّلعٌ على ما يقولُ الذين يخونونَ أنفسَهِم في ليلِهم ، مٍنْ قولٍ لا يرضى عنهُ اللهُ ، ولا يقولونَهُ أمامَ الناسِ (النِّسَاءُ ، 4: 108). وهوَ مُلِمٌ إلماماً كاملاً بكلِّ شيءٍ ، بما في ذلكَ ما في السماواتِ والأرض (النِّسَاءُ ، 4: 126). وهوَ الذي كانَ يعلمُ يقيناً أنَّ الكافرينَ قد خرجوا مِنْ مكةَ لقتالِ المسلمينَ في بدرٍ بطراً وتفاخراً وصداً عن سبيلِهِ (الأنْفَالُ ، 8: 47). وهوَ الذي أحاطَ عِلماً بما كان يفعلُ قومُ شُعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ فسادٍ في الأرضِ ، ومن بخسِهِم للكيلِ والميزان (هُودُ ، 11: 92). وهوَ محيطٌ في عِلْمِهِ بأنَ الكافرينَ في شكٍ مِنْ لقاءِ ربِّهم (فُصِّلَتْ ، 41: 54) ، وأنَّهم مكذبينَ بيومِ الدين (الْبُرُوجُ ، 85: 19-20).

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 19).

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 120).

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (النِّسَاءُ ، 4: 108).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (النِّسَاءُ ، 4: 126).

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (الأنْفَالُ ، 8: 47).

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (هُودُ ، 11: 92).

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ (فُصِّلَتْ ، 41: 54).

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾‏ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴿٢٠﴾‏ (الْبُرُوجُ ، 85: 19-20).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ الْمُحِيطُ بعلمِكَ لكلَّ ما خلقتَ ومَنْ خلقتَ. جنبني وأهلي كلَّ سُوءٍ ، واهدنا إلى سَوَاءَ السبيل. ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بِعِلْمِهِ التامِّ لملكوتِهِ ومَنْ فيهِ.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بإحاطة علمِهِ بكلِّ شيءٍ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْمُحِيطِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ لنيلِ العلمِ الذي ينفعهُ في الدنيا والآخرةِ ، لكنهُ ينبغي عليهِ أنْ يتواضعَ. فمهما بلغَ مِنْ عِلمٍ ، فإنهُ ضئيلٌ بالمقارنة معَ اللهِ ، "الْمُحِيطِ" بعلمِهِ ، جلَّ وعلا.

48. السَّمِيعُ

"السَّمِيعُ" أسمُ صفةٍ ، مُشتقُّ مِنَ الفعلِ "سَمِعَ" ، الذي يعني عَلِمَ وأدركَ مِنْ خلالِ الصوتِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ اسمَ " السَّمِيعَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، يعلمُ ما يحدثُ في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما في ذلكَ ما يقولُ الناسُ ، بسماعِهِ لأصواتِهم ، سواءً كانَ ذلكَ همساً أم جهراً ، دعاءً مِنَ المؤمنين أم عصياناً مِنَ الكافرين.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفَاً ، 19 مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 15 مرةً معَ اسمٍ آخرَ من الأسماءِ الحُسنى ، هو "الْعَلِيمُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم. وجاء 4 مراتٍ معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ الأسماءِ الحُسنى ، هو "البصيرُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم وبرؤيتِهِم.

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 127).

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسْرَاءُ ، 17: 1).

ووردَ اسمُ "السَّمِيعِ الْعَلِيمِ" ، معَ دعاءِ إبراهيمَ وإسماعيلَ ، عليهما السلامُ ، وهما يرفعانِ قواعدَ بيتهِ الحرام ؛ ومع ما يقولُهُ الناسُ إذا آمنوا أو كفروا ؛ وما قالتهُ امرأةُ عِمرانَ ؛ ومعَ قولِ الذين يقولونَ "إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" ويعبدونَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، مع أنهُ لا يملكُ لهم ضَرَّاً ولا نفعاً ؛ ومعَ الإشارةِ لمخلوقاتِ اللهِ في سكنِها وحركتها ؛ ومعَ تمامِ كلمتِهِ للبشريةِ ، التي لا مبدلَ لها ؛ ومعَ أمرهِ للمؤمنينَ بالجنوحِ إلى السلمِ إذا ما جنحَ لها أعداؤهم ؛ ومعَ التخفيفِ عن الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بألا يحزنَ مما يقولهُ المشركونَ ؛ ومعَ الاستجابةِ ليوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بصرفِ كيدِهِنَّ عنهُ ؛ ومعَ علمِ اللهِ لما يُقالُ في السماواتِ والأرضِ ؛ ومعَ قيامِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وسجودِهِ ؛ ومعَ البشرى للمؤمنين الذين يرجونَ لقاءَ ربِّهم بجزيلِ الثوابِ ؛ ومعَ رزقهِ ، عزَّ وجلَّ ، للدوابِ والناسِ ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عند نزغِ الشيطانِ ؛ ومعَ إنزالِ القرآنِ في ليلةِ القدرِ رحمةَ للعالَمين. وجاءَ اسمُ "السَّمِيعِ الْبَصِيرِ" معَ الإشارةِ إلى الإسراءِ بالنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ "يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ" ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ سماعِ الذينَ "يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ" ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" ، وهوَ "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ." [66]

كما ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُنَكَّرَاً ، 26 مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 17 مرةً معَ اسمٍ آخرَ من الأسماءِ الحُسنى ، هو "ْعَلِيمُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم. وجاء 6 مراتٍ معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ الأسماءِ الحُسنى ، هو "بصيرُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم وبرؤيتِهِم. وجاءَ مرةً واحدةً معَ اسمٍ رابعٍ ، هو "قريب" ، بما يفيدُ قربَهُ مِنْ خلقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي سمعَهُ لهم ، حتى لو كانَ قولُهُم همساً. وجاءَ مرتينِ ، بوصفهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ "سَمِيعُ الدَّعَاءِ" ، تشجيعاً لعبادِهِ بالدعاءِ إليهِ ، لأنهُ يسمعُ دعاءَهم.

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 181).

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (النِّسَاءُ ، 4: 58).

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سَبَأُ ، 34: 50).

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 38).

وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ عَلِيمٌ" ، معَ الإشارةِ إلى إنهُ يسمعُ ما يقولُهُ الموصِي عندَ وفاتِهِ ، ويعلمُ ما إذا كان المستمعونَ قد حافظوا على الوصيةِ أم بدلوها ؛ ومعَ الأمرِ بالبرِّ والتقوى والإصلاحِ بينَ الناسِ ؛ ومعَ العزمِ بالطلاقِ ؛ ومعَ القتالِ في سبيلِ اللهِ ؛ ومعَ أنهُ لا إكراهَ في الدينِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ آلَ عِمرانَ مِنْ ذريةِ آل إبراهيمَ ، وكلاهما من ذريةِ نوحٍ وآدمَ ، عليهمُ السلامِ أجمعينَ ؛ ومعَ ذكرِ استعداداتِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، والمؤمنينَ لمعركةِ أحُدِ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى مواقعِ المؤمنينَ والكافرينَ قبلَ المعركةِ ؛ ومعَ أنَّ اللهَ لا يُحبُّ "الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ" ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ نزغِ الشيطانِ ؛ ومعَ أنَّ اللهَ كانَ معَ المؤمنينَ في قتالِهم للكافرينَ في معركةِ بدرٍ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى الشهادةِ على إيمانِ المؤمنين وعلى كفرِ الكافرينَ يومَ التقى الجمعانِ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ "اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ الأعرابَ كانوا يتربصونَ الدائرَ بالمسلمينَ في المدينةِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ الصدقةَ تطهرُ المؤمنينَ وتزكيهم وأنَّ الصلاةَ سكنٌ لهم ؛ ومعَ التحذيرِ منَ اتباعِ خُطواتِ الشيطانِ ؛ ومعَ التخفيفِ عنِ الْقَوَاعِدِ "مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا" ؛ ومعَ توصيةِ المؤمنينَ بألَّا يُقَدِّمُوا آراءَهم على أوامرِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ. [67]

وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ بَصِيرٌ" ، معَ أمرِ اللهِ بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها ، والحكمُ بالعدلِ بينَ الناسِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ عندَهُ ثوابُ الدُّنيا والآخرةِ ؛ وبِأَنَّهُ "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" ؛ وبأنهُ "يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ" ؛ وبأنَّ خلقَ الناسِ وبعثَهم يسيرٌ على الله ، كنفسٍ واحدةٍ ؛ ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" ؛ ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ." وجاءَ ذكرُهُ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ "سَمِيعُ الدُّعَاءِ" ، معَ دعاءِ "زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً" ؛ ومعَ قولِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ." [68]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ لخلقكَ ، الْعَلِيمُ بهم ، والْبَصِيرُ بأحوالهم ، إنكَ قريبٌ مجيبٌ لدعواتِهم." جنبني وأهلي كلَّ سُوءٍ ، واهدنا إلى سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَفاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يُشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ المطلقةِ على سماعِ كلِّ ما في ملكوتِهِ ومَنْ فيهِ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ السَّمِيعِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ المؤمنُ قُصارى جهدِهِ ليكونَ "سميعاً" لمن حولَهُ منَ الناس ، عندَ حديثِهم إليهِ. وهذا يعني الإنصاتَ باهتمامٍ لما يقولونَ ، حتى يكونَ ردُّهُ مفيداً ، وحتى يتمُّ التواصلُ الكيفي الفعالُ بينَ الناسِ ، الذي يؤدي لتقويةِ الروابطِ الإنسانيةِ بينهم ، مما يعودُ عليهم بالخيرِ والسعادة.

49. الْبَصِيرُ

"الْبَصِيرُ" اسمُ صفةٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "بَصُرَ" ، الذي يعنى فَهِمَ وأدركَ الشيءَ برؤيا العينِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يرى جميعَ الموجوداتِ في ملكوتِهِ الواسعِ ، ويدرِكُ وجودَها ، سواءً رآها خلقُهُ أم لم يروها. وكما ذكرَ الطبري ، فإنهُ يرى أعمالَ عبادِهِ الصالحينَ ويكافئُهم عليها ، كما يرى أعمالَ الكافرينَ ويعاقبُهم عليها.

فقد جاءَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ عمرُ بنُ الخطابِ ، رضيَ الله عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ في جوابِهِ لسؤالِ جبريلَ ، عليهِ السلامُ ، عن الإحسانِ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ." [69]

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 4 مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُعرَّفَاً ، مَعَ اسمٍ آخرَ هو "السَّمِيعُ" ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ الإسراءِ بالرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، "مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (الإسْرَاءُ ، 17: 1) ، وأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، "يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ" (غاَفِرُ ، 40: 20) ، ومعَ الاستعاذَةِ باللهِ عندَ سماعِ "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ" (غَافِرُ ، 40: 56) ، ومَعَ ذِكْرِ فضلِ اللهِ على الناسِ في أنهُ جعلَ لهم مِنْ أنفسِهِم أزواجاً (الشُّورَى ، 42: 11).

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسْرَاءُ ، 17: 1).

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غاَفِرُ ، 40: 20).

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غَافِرُ ، 40: 56).

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشُّورَى ، 42: 11).

كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 38 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاً ، منها 5 مرَّاتٍ مَعَ اسمٍ آخرَ هو "سَّمِيعُ" ، و 5 مرَّاتٍ أخرى مَعَ اسمٍ ثالثٍ هو "خَبِيرُ" ، و 5 مرَّاتٍ مَعَ كلمةِ "الْعِبَادِ." وجاءَ وَحْدُهُ ، أي "بّصِيرُ" ، 4 مَرَّاتٍ ، وجاءَ 19 مرةً مَع ما يعملُ الناسُ مِنْ أعمالٍ ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرً (الْبَقَرَةُ ، 2: 58).

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 30).

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (فَاطِرُ ، 35: 45).

مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 20).

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 110).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَصِيرُ بعبادِكَ ، السَّمِيعُ لهم ، الْخَبِيرُ بأحوالِهم" ، الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَصِيرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، وهيَ قدرتُهُ على إبصارِ جميعِ مخلوقاتِهِ ، أينما كانوا في ملكوتِهِ الواسعِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَصِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يحاولَ الاستفادَةَ مِنْ هذهِ الصفةِ بأنْ يتذكرَ دائماً بأنَّ اللهَ يراهُ ، في جميعِ أفعالِهِ السريةِ والعلنية ، فيسعى إلى مرضاتِهِ ، ويتجنبَ معصيتَهُ ، عزَّ وجلَّ. وعليهِ أيضاً أنْ يحاولَ الإبصارَ بعدَ رؤيتِهِ لما يجري حولُهُ ، ولِما يستطيعُ رؤيتَهُ في ملكوتِ خالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وذلكَ يعني محاولةَ فهمِ وإدراكِ ما يرى ، وليسَ المرورُ عليهِ مرورَ الكرام.

50. الْحَكِيمُ  

"الْحَكِيمُ" اسمُ صفةٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قضى بالحكمِ ، قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ. وهوَ يشتركُ ، في الاشتقاقِ منْ نفسِ الفعلِ ، معَ ثلاثةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هُيِ " خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" و " أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" و "وَاسِعٌ حَكِيمٌ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ القاضي العادلُ ، الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وقولُهُ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "الْعَلِيمِ."

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 33 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُعرَّفَاً. فجاءَ 6 مَرَّاتٍ معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَلِيمُ." وجاءَ 3 مراتٍ معَ اسمٍ ثانٍ ، هوَ "الْخَبِيرُ" ، و24 مَرَّةً معَ اسمٍ ثالثٍ ، هوَ "الْعَزِيزُ." وهكذا ، فإنَّ حكمتَهُ ، جلَّ وعلا ، جاءتْ مقترنةً معَ سعةِ علمهِ وخبرتِهِ وعزتِهِ ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 32).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 129).

كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 59 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاً. فجاءَ مرَّةً واحدةً معَ أربعةِ أسماءٍ أخرى ، هيَ: "حَمِيدُ" و "تَوَّابُ" و "وَاسِعُ" و "خَبِيرُ." وجاءَ مرَّتينِ مع اسمٍ خامسٍ ، هوَ "عَلِيُّ" ، و 23 مرَّةً معَ اسمٍ سادسٍ ، هوَ "عزيزُ" ، و 30 مرَّةً معَ اسمٍ سابعٍ ، هوَ "عَلِيمُ." وهكذا ، فإنَّ حكمتَهُ ، جلَّ وعلا ، جاءتْ مقترنةً معَ عزتِهِ وعلُّوِّهِ وخبرتِهِ وسعةِ علمهِ واستحقاقِهِ الحمدِ والثناءِ منْ عبادِهِ ، لرحمتِهِ بهم وتوبتِهِ عليهم ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (النُّورُ ، 24: 10).

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 130).

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هُودُ ، 11: 1).

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشُّورَى ، 42: 51).

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 165).

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَكِيمُ" ، تحكمُ بينَ خلقِكَ بالعدلِ ، وقولُكَ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، تعلمُ بملكوتِكَ الذي خلقَتَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، أنتَ تامَّ الكمالِ فيما تقولُ وتفعلُ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَكِيمِ" أو "حكيمِ" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يحاولَ الاستفادَةَ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذُلَ ما في وُسْعِهِ لأنْ يكونَ حكيماً فيما يقولُ ويفعلُ. وذلكً يقتضي دوامَ تحصيلِ أكبرَ قدرٍ مِنَ العلمِ ، معَ مرانِ النفسِ على التحلي بالصبرِ وسَعَةِ الصدرِ ، والاستماعِ للطرفينِ في كلِّ نزاعٍ ، واستشارةِ ذوي الخبرة. عندها ، يكونُ أقدرُ على الحكمِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، ابتداءً مِنْ أفرادِ أسرتِهِ ، وأقاربِهِ ، ثمَّ مَنْ يتعاملُ معهم في المجتمعِ ، وخاصةٍ بينَ مرؤوسيهِ ، أو الذينَ لهُ الحكمُ عليهم بحكمِ منصبِهِ.

51. خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

"خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاكِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ.

وكأحَدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْحَاكِمِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ القضاةِ الآخَرِينَ ، لأنهُ وحدُهُ الذي يحكمُ بينَ جميعِ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِهِ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً.

وهوَ "خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، لأنَّ قولَهُ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ مِن قبلُ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في معرضِ حديثِ شُعَيْبٍ ، عليهِ السلامُ ، للمؤمنينَ بأنْ يصبروا حتى يأتيَ حُكمُ اللهِ على الذينَ لم يؤمنوا ، وهوَ خيرُ الحاكمينَ (الأعْرَافُ ، 7: 87). وجاءَ معَ أمرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يَتَّبِعَ ما يوحَى إليهِ ويصبرَ ، حتى يحكمَ اللهُ بينَ المؤمنينَ المهتدينَ والضالينَ الذينَ رفضوا دعوتَهُ (يُونُسُ ، 10: 109). وجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 12: 80 ، على لسانِ كبيرِ أخوةِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ لنْ يخرجَ مِنْ مصرَ حتى يحكمَ الله لهُ بذلكَ ، وهوَ تعالى خيرُ الحاكمينَ (يُوسُفُ ، 12: 80).

وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 87).

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾‏ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾‏ (يُونُسُ ، 10: 109).

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 80).

وقد وردَ الفعلُ "حَكَمَ" ومشتقاتُهُ 31 مرةً في القرآنِ الكريم ، في الإشارةِ إلى "حُكْمِ" اللهِ ، سبحانهُ وتعالى. فجاءَ مرةً واحدةً بصيغةِ طلبِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مِنَ اللهِ أنْ يَحْكُمَ بينهُ وبينَ الذينَ كفروا (الأنبياء ، 21: 102). وجاءَ أيضاً مرةً واحدةً بصيغةِ المستقبلِ في قولِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ سَيَحْكُمُ بينَ أتباعِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، وبينَ الذينَ كفروا بهِ (آلِ عِمران ، 3: 55). كما جاءَ مرةً واحدةً بصيغة الماضي ، عندما يقولُ المستكبرونَ في يومِ الحسابِ أنَّ اللهَ قد "حَكَمَ" بينَ العبادِ (غافر ، 40: 48). وجاءَ 11 مرةً بصيغةِ المضارعِ الذي يفيدُ المستقبلَ ، في الإشارةِ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالي ، سيحكمُ بينَ عبادِهِ في يومِ الحساب ، فيما كانوا يختلفونَ فيهِ ، في الحياةِ الدُّنيا (البقرة ، 2: 113). كما جاءَ الاسمُ المشتقُّ منهُ ، "الْحُكْمُ" ، 17 مرةً في الإشارةِ إلى "حُكْمِ" الله ، تباركَ وتعالى ، بينَ عبادِهِ ، في يومَ الحسابِ (الأنعام ، 6: 62) ، كما في الأمثلةِ التاليةِ.

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 102).

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 55).

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (غَافِرُ ، 40: 48).

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 113).

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، أنتَ أفضلُ القضاةِ العادلينَ ، لأنكَ وحدَكَ تحكمُ بينَ جميعِ خلقِكَ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِكَ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ ، لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الْحَاكِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

52. أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ

"أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" اسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "أحْكَمُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قضى بالحكمِ ، كما يعني النطقَ بالرأيِّ السديدِ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاكِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ نفسِ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي تَمَّ ذِكْرُهُ.

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أحْكَمَ الْحَاكِمِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يُجاريَهُ أحدٌ في عدلِ وصدقِ وسدادِ قضائهِ ، لأنهُ وحدَهُ الذي يحكمُ بينَ جميعِ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِهِ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً.

وهوَ "أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ مِن قبلُ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في معرضِ نداءِ نوحٍ رَبَّهُ ليُنقذَ ابنَهُ ، معترفاً أنهُ ، جلَّ وعلا ، هو أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (هُودُ ، 11: 45). كما جاءَ مُذَكِّرَاً بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، في حُكمِهِ على المكذبينَ بالدينِ ، بأنهم سيكونونَ أسفلَ سافلينَ جهنمَ ، والعياذُ باللهِ (التِّينُ ، 96: 4-8).

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (هُودُ ، 11: 45).

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾‏ (التِّينُ ، 96: 4-8).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" ، لا يجاريكَ أحدٌ في عدلِ وصدقِ وسدادِ قضائكَ ، لأنكَ وحدُكَ تحكمُ بينَ جميعِ خلقِكَ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِكَ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

53. وَاسِعٌ حَكِيمٌ

"وَاسِعٌ حَكِيمٌ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعٌ" ، وهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "حَكِيمٌ" ، فهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعني قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "وَاسِعاً حَكِيماً" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ "وَاسِعُ" الرزقِ لخلقهِ ، أي كثيرُهُ لهم. وهوَ "حَكِيمٌ" في توزيعِهِ على مِنْ يريدُ ، وبالقدرِ الذي يريدُ ، "وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" (الرَّعْدُ ، 13: 8).

وقد ذُكِرَ اسمُ "وَاسِعٍ حَكِيمٍ" مرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الإشارةِ إلى حكمتِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، في تشريعِ الطلاقِ ، بعد محاولةِ الإصلاحِ بين الزوجينِ ، واعداً كلاُ منهما بزوجٍ أصلحٍ ، وبالرزقِ الوفيرِ مِنْ سِعَتَهِ وحِكْمَتِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 130).

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 130).

وفي تفسيرِهِ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ ، ذَكَرَ الطبري أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، يُغْنِ "الزوجَ والمرأةَ المطلقةَ مِنْ سَعَةِ فضلهِ. أمَّا هذه ، فبزوجٍ هوَ أصلحُ لها مِنَ الْمُطَلِّقِ الأولِ ، أو برزقٍ أوسعٍ وعصمةٍ. وأمَّا هذا ، فبرزقٍ واسعٍ وزوجةٍ هيَ أصلحُ لهُ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ ، أو عفةٍ. وكانَ اللهُ "واسعًا" ، يعني ، وكانَ اللهُ واسعاً لهما ، في رزقِهِ إياهما وغيرِهِما مِنْ خلقهِ ، حكيماً ، فيما قضى بينهُ وبينَها مِنَ الفُرقةِ والطلاقِ." وتبعَهُ القرطبيُّ في ذلكَ بقولِهِ: "وإنْ لمْ يصطلحا بلْ تفرقا ، فليُحسنا ظنهما باللهِ. فقد يقيضُ للرجلِ امرأةً تقرُّ بها عينُهُ ، وللمرأةِ مَنْ يوسعُ عليها." وأيَّدَهُمَا ابنُ كثيرٍ في قولِهِ أنهُ: "إذا تفرقا فإنَّ اللهَ يغنيهِ عنها ويغنيها عنهُ ، بأن يعوضَهُ بها مَنْ هوَ خيرٌ له منها ، ويعوضَها عنهُ بِمَنْ هوَ خيرٌ لها منهُ. (وهوَ ، تبارَكَ وتعالى) واسعُ الفضلِ عظيمُ الْمَنِّ ، حَكِيمَاً في جميعِ أفعالِهِ وأقدارِهِ وشرعِهِ."

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الذي وصفتَ نفسكَ بأنَّكَ "ْوَاسِعاً حَكِيماً" ، فوسعْ عليَّ مِنْ رِزْقِكَ وحِكْمَتِكَ ، وأصلحْ لي زوجي \ زوجتي ، وارزقني خيراً مما أنا فيهِ. 

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "وَاسِعٍ حَكِيمٍ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوَ وَحْدَهُ الذي يمكنُهُ أنْ يسوقَ الرزقَ إلى خلقِهِ كلِّهِم ، وأنْ يُعَوِّضَهُم خيراً عَمَّا فقدوهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وَرَدَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ تجزئتُهُ في الإشارةِ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

54. اللَّطِيفُ

"اللَّطِيفُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "لَطَفَ" ، الذي يعنى رَفَقَ و رَأَفَ و رَقَّ و لانَ و خَفْفَ و وَفَّقَ و أعَانَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مُدرِكٌ لخفايا الأمورِ ودقائقِها ، في صدورِ مخلوقاتِهِ ومِنْ حولِها ، فيعينُها ويوفقُها ويخفِفُ عنها ، رِفقاً ورَأفةً ورِقةً وليناً منهُ نحوَها ، جلَّ وعلا.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سبعَ مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً في خمسٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْخبيرُ" ، بما يفيدُ أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقٌ بخبرتِهِ بما يجري في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما فيهِ مِن مخلوقاته.

فجاءَ هذا الاسمُ مُعَرَّفَاً مَرَّتَيْنِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، لا يمكنُ لأبصارِ مخلوقاتِهِ أنْ تدركَهُ ، بينما هوَ يُدركها جميعاً ، للطفِهِ وخبرتِهِ بملكوتِهِ ومَنْ فيهِ (الأنْعَامُ ، 6: 103). كما أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مقترنٌ معَ خبرتِهِ وعلمِهِ بشئونِ مَنْ خلقَ ، بما في ذلكَ علمِهِ بِسِرَّ أقوالِ الناسِ ، و جهرِهِم ، وبما يفكرونَ بِهِ (الْمُلْكُ ، 67: 13-14).   

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 103).

وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾‏ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾ (الْمُلْكُ ، 67: 13-14).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى أيضاً مُنَكَّرَاً خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "خَبِيرُ" ، بما يفيدُ أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقٌ بخبرتِهِ بما يجري في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما فيهِ مِن مخلوقاتِهِ. فَمِنْ لُطفِ اللهِ وخبرتِهِ بخلقِهِ أنَّهُ يرزُقُهم بإنزالِ المطرِ ، الذي يبعثُ الحياةَ في الأرضِ بنموِّ النباتاتِ فيها ، فتأكلُ منهُ الدوابُ والناسُ (الْحَجُّ ، 22: 63). ومِنْ لطفِهِ وخبرَتِهِ بخلقِهِ أنَّهُ يعلمُ بكلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ ، حتى "مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ" فيهما (لُقْمَانُ ، 31: 16). وجاءَ في معرِضِ وعظِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لنساءِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنْ يَذْكُرْنَ ما يُتلى في بيوتِهِنَّ "مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ" ، لعلمِهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنَّ ذلكَ أَطْهَرُ لَهُنَّ ولِمَنْ يدخُلُ بيوتَهُنَّ (الأحْزَابُ ، 33: 34).

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (الْحَجُّ ، 22: 63).

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 16).

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (الأحْزَابُ ، 33: 34).

كما جاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً أيضاً مرتينِ أخريينِ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً معَ أسماءٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ معَ اسميْ "الْقَوِيِّ" و "الْعَزِيزِ" ، في معرِضِ ذِكرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لِلُطْفِهِ بعبادِهِ ، ورزقِهِ لِمَنْ يشاءُ منهم ، وأنهُ قويٌ على ذلكَ وعزيزٌ (الشُّورَى ، 42: 19). وجاءَ معَ اسميْ "الْعَلِيمِ" و "الْحَكِيمِ" ، في ذِكْرِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، لِلُطْفِ اللهِ بهِ ، إذْ جعلَ رؤياهُ حقاً ، وأخرجَهُ مِنَ السِّجْنِ ، وأتى بأبويهِ وأخوتِهِ مِنَ الْبَدوِ (يُوسُفُ ، 12: 100).

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (الشُّورَى ، 42: 19).

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (يُوسُفُ ، 12: 100).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ." أنتَ القويُّ العزيزُ ، العليمُ الحكيمُ ، أنتَ الرفيقُ بخلقِكَ ، الرؤوفُ بِهِم. أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تُحِبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "اللَّطِيفِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ اللَّطِيفُ بمخلوقاتِهِ كلِّها ، يرزُقُها مِنْ حيثُ لا تحتسبُ ، ويرفِقُ بها ، ويعينُها على الحياةِ في بيئاتِها ، أينما وُجِدَتْ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ اللَّطِيفِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ لأنْ يكونَ رفيقاً ، رقيقاً ، معيناً لمخلوقاتِ اللهِ العاقلةِ وغيرِها ، بما في ذلكَ المحافظةِ على الأرضِ ، وعدمِ التسببِ في الأذى لهوائِها ومائِها وتربتِها ، التي حبانا اللهُ بها ، واستخلَفَنا عليها ، سبحانهُ وتعالى ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.

 

55. الْخَبِيرُ

" الْخَبِيرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "خَبِرَ" و "خَبُرَ" ، الذي يعنى "عَلِمَ وَعرِفَ الشيءَ على حقيقتِهِ ، بالملاحظةِ والتجربةِ والمُعامَلَةِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ حقيقةَ الأشياءَ في ملكوتِهِ الواسعِ الذي خلقَهُ بما فيهِ ، ولا يضاهي علمَهُ بها أيُّ مِنْ مخلوقاتِهِ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفاً ، ومقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْحَكِيمُ" ، بما يفيدُ أنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقةٌ بحكمتِهِ المطلقةِ في التعامُلِ معَ مخلوقاتِهِ. فجاءَ معَ ذكرِهِ بأنهُ " الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ" (الأنْعَامُ ، 6: 18) ، ومعَ ذكرِ خلقِهِ للسماواتِ والأرضِ (الأنْعَامُ ، 6: 73 ؛ سبأ ، 34: 1).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 18).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 1).

واقترنَ في آيتينِ أخريين معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ ثانٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "اللَّطِيفُ" ، بما يفيدُ أنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقةٌ بلطفِهِ في علمِهِ وخبرَتِهِ بها والتعامُلِ معها. فجاءَ معَ ذِكرِ إدراكِهِ لأبصارِ مخلوقاتِهِ (الأنْعَامُ ، 6: 103) ، ومعَ علمِهِ بما يقولُ الناسُ سِرَّاً أو جهراً (الْمُلْكُ ، 67: 14). كما اقترنَ مرَّةً واحدةً معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ ثالثٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَلِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ متعلقةٌ بعلمِهِ بها ، سبحانهُ وتعالى ، كما جاءَ عن الحديثِ الذي أسرَّهُ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، لبعضِ أزواجهِ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3).  

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 103).

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الْمُلْكُ ، 67: 14).

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3). 

ووردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 39 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ وحدُهُ في أربعٍ منها ، في معرضِ ذِكرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لخبرتِهِ بذنوبِ عبادِهِ وبخلقِ السماواتِ والأرضِ (الْفُرْقَانُ ، 25: 58-59) ، وبالذينَ اتخذوهم شركاءَ مِنْ دونِهِ (فَاطِرُ ، 35: 14) ، وبما في صدورِ الناسِ مِنْ أسرار (الْعَادِيَاتُ ، 100: 11).

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴿٥٨﴾‏ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴿٥٩﴾ (الْفُرْقَانُ ، 25: 58-59).

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (فَاطِرُ ، 35: 14).

إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (الْعَادِيَاتُ ، 100: 11).

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 12 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ أسماءٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ معَ "بَصِيرٍ" في خَمْسٍ منها ، بما يُفيدُ أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ ، خبيرٌ بذنوبِ عبادِهِ لأنَّهُ بَصِيرٌ بِهم (الإسْرَاءُ ، 17: 17) ، وهوَ خبيرٌ بَصِيرٌ في تقديرِهِ لأرزاقِهم (الإسْرَاءُ ، 17: 30) ، وهوَ خَبيرٌ بَصِيرٌ بالناسِ لأنهُ شهيدٌ على ما يقولونَ (الإسْرَاءُ ، 17: 96) ، وهو خبيرٌ بَصِيرٌ بالمؤمنين الذينَ يُتبِعونَ تلاوتَهم لكتابِ اللهِ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ (فَاطِرُ ، 35: 31) ، وهوَ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ لأنَّهُ لَوْ بَسَطَ "الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ" (الشُّورَى ، 42: 27).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً كذلكَ معَ اسمٍ أخرَ ، هوَ "عَلِيمٌ" ، في ثَلاثِ آياتٍ ، بما يُفيدُ أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ ، خبيرٌ بالسرائرِ ، فيوفِقُ بينَ الزوجينِ عِندَ عِلمِهِ بأنهما يريدانِ إصلاحاً (النِّسَاءُ ، 4: 35) ، وهوَ خبيرٌ بما يحدثُ وسيحدُثُ للناسِ ، فهوَ يعلمُ الساعةَ ونزولَ الغيثِ وما في الأرحامِ وماذا سيكسبُ الناسُ وأينَ يموتونَ (لُقْمَانُ ، 31: 34) ، وهوَ خبيرٌ بالناسِ لِعلمِهِ بأنَّ تقوى أحدِهِم توصلُهُ إلى أعلى مراتبِ التكريمِ عِنْدَهُ ، تباركَ وتعالى (الْحُجُرَاتُ ، 49: 13).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً معَ اسمينِ آخَرَينِ ، هما "حَكِيمٌ" و "لَطِيفٌ" ، في آيتينِ أخريين ، بما يُفيدُ بأنَّ خِبْرَتَهُ ، عزَّ وجلَّ ، متعلقةٌ بحكمتِهِ ولطفِهِ. فهوَ الذي أحْكَمَ آياتِ كتابِهِ (هُودُ ، 11: 1) ، وهوَ بلطفِهِ يعلمُ كلَّ شيءٍ في ملكوتِهِ ، مهما كانَ صغيراً ، كمثقالِ حبةٍ من خردلٍ ، وهوَ قادرٌ على الإتيانِ بها متى شاءَ (لُقْمَانُ ، 31: 16). كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 23 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ ما يفعلُ الناسُ وما يصنعونَ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، خبيرٌ بعبادِهِ ، لعلمِهِ بما يفعلونَ سرَّاً وعلانيةً (الْبَقَرَةُ ، 2: 271). [70]

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (النِّسَاءُ ، 4: 35).

إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 34).

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هُودُ ، 11: 1).

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 16).

إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 271).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَبِيرُ بملكوتِكَ وبخلقِكَ أجمعينَ" ، أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَبِيرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الخَبِيرُ بمخلوقاتِهِ كلِّها ، وهوَ بلطفِهِ وحكمتِهِ يعلمُ ما تفعلُ ، وأينَ ومتى تكونُ أفعالُها ، ولا يمكنُ لأيٍّ من المخلوقاتِ أنْ يكونَ لها ذلك.

. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْخَبِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ أنْ يكونَ خبيراً في مجالِ عملِهِ وفيما يحتاجُهُ مِنْ أمورِ معاشِهِ ، وذلكَ بتحصيلِ العلمِ بها ، وبالاستفادةِ مِنَ التجاربِ والخبراتِ ، التي اكتسبها هوَ أو غيرُهُ مِنَ الناسِ.

56. الْحَلِيمُ    

"الْحَلِيمُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَلُمَ" ، الذي يعنى "تَأنّى وصَبَرَ وسَكَنَ ، عندَ الغضبِ ، وعندَ حدوثِ مكروهٍ ، معَ قُدرتِهِ على الانفعالِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي لا يُعَجِّلُ بالعقوبةِ والانتقامِ مِنَ العُصاةِ والمذنبينَ ، فورَ ارتكابِهم لذنوبِهم ومعاصيهم ، معَ قُدرتِهِ على ذلكَ. لكنهُ يؤخرهما ، ليغفرَ للمستغفرينَ والتائبينَ. كما إنهُ ، جلَّ وعلا ، لا يمنعُ رزقَهُ عن عبادِهِ ، سواءً كانوا عُصاةً أو طائعينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى إحدى عشرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً فيها معَ أربعةِ أسماءِ مُنَكَّرَةٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ سِتَّ مرَّاتٍ معَ "غفورٍ" ، بما يفيدُ بأنَّ مغفرةِ اللهِ لعبادِهِ متعلقةٌ بِحِلْمِهِ ، فهوَ يغفرُ لمن يتوبوا عن اللغو في أيمانِهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 225) ، وَلِمَنْ يُسِرُّوا في أنفسِهِم ما لا يرضى لهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 235) ، ولِمَنْ استزلهُم الشيطانُ ، فتولَوْا يومَ التقى الجمعانِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 155) ، ولِمَنْ سألوا عن أمورٍ تسؤهم لو علِموها (الْمَائِدَةُ ، 5: 101). وهوَ الحليمُ الغفورُ الذي لا يعاقبُ خلقَهُ ، وخاصةً المسبحينَ منهم ، بذنوبِ مَنْ قالوا بوجودِ آلهةٍ أخرى غيرِهِ (الإسْرَاءُ ، 17: 44). وهوَ الحليمُ الغفورُ الذي لا يعاقبُ عبادَهُ بذنوبِ غيرِهِم مِنَ المشركينَ ، وهوَ قادرٌ على إفناءِ مَنْ في السماواتِ والأرضَ ، ولكنهُ بِحِلْمِهِ يُمسكُهما أن تزولا (فَاطِرُ ، 35: 41).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ اسمٍ آخرَ من أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "عَلِيمُ" ، بما يفيدُ بأنَّ حِلْمَهُ على عبادِهِ ، عزَّ وجلَّ ، متعلقٌ بعلمِهِ بأحوالِهم ، بما في ذلكَ ضعفِهِم وقلةِ حيلتِهِم إزاءَ ما ليسَ لهم قدرةً عليهِ. فمِنْ حِلمِهِ على عبادِه ، أنَّهُ شرَّعَ لهم كيفيةِ توزيعِ الإرثِ بينهم ، لعلمِهِ بإمكانيةِ اقتتالِهِم في غيابِ ذلكَ (النِّسَاءُ ، 4: 12). ولعِلمِهِ بالمشقةِ التي يصادفُها المهاجرونَ في سبيلِهِ ، أعلنَ أنهُ حليمٌ بهم ، وبأنَّ ثوابَهم سيكونُ يومَ يلقَونَهُ ، فَيُدْخِلُهُم مُدخلاً يرضونَهُ في جنةِ خلدِهِ (الْحَجُّ ، 22: 59). وهوَ عليمٌ برسولهِ وبأمهاتِ المؤمنينَ ، حليمٌ عليهم (الأحْزَابُ ، 33: 51).

كما جاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً كذلكَ ، ومقترناً فيها معَ اسمينِ آخرَينِ من أسمائِهِ الحُسنى ، هما "غَنِيٌ" و "شَكُورٌ" ، بما يُفيدُ بأنَّ حِلْمَهُ على عبادِهِ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ بمعزلٍ عن طاعتِهم له والإنفاقِ في سبيلِهِ مِنْ غيرِ مَنٍ ولا أذى ، لأنهُ ليسَ بحاجةٍ لهم (الْبَقَرَةُ ، 263) ، فهوَ غَنِيٌ عنِ العالمينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 97). وهوَ شَكُورٌ ، أي كثيرُ الشكرِ لِمَنْ أطاعَهُ وأنفقَ في سبيلِهِ ، فيضاعفُ لهم أجورَهم ويغفرُ لهم سيئاتِهم. وهوَ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بالعقوبة للعصاةِ ، عسى أن يتوبوا ويستغفروا لذنوبهم (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 225).

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾‏ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾‏ (الْحَجُّ ، 22: 58-59).

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 263).

إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، والغفورُ لهم ، والشكورُ لطاعتِهم لكَ ، معَ إنَّكَ غنيٌ عنِ العالَمين. اللهمَّ أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَلِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الحليمُ بهم ، الذي لا يعاقبُهم على معاصِيهِم ، معَ قدرتِهِ على ذلكَ ، عسى أنْ يتوبوا إليهِ قبلَ مماتِهم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "حليمةً" والولدُ "حَلِيماً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، فوصفَ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ "أواهٌ حليمٌ" (التَّوْبَةُ ، 9: 114) ، ووصفَ ابنَهَ الذي بشرَهُ بهِ بأنَّهُ ، عليهِ السلامُ ، "غلامٌ حليمٌ" (الصَّافَّاتُ ، 37: 101).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ المؤمنُ ما في وسعِهِ لأنْ يكونَ حليماً تجاه خلقِ اللهِ الذينَ يتعاملُ معهم. ويكونُ ذلكَ بالتأني والصَبْرِ والسَكَنِ ، عندَ الغضبِ ، وعندَ حدوثِ المكارِهِ ، على الرغم مِنْ قُدرتِهِ على الانفعالِ. ويكونُ ذلكَ أيضاً بإعطاء المخطئينَ الفرصةَ لتصحيحِ أخطائِهم ، بدلاً من إنزالِ العقوبةِ الفوريةِ عليهم ، وذلكَ إدراكاً لقصورِهم ومواطِنِ ضعفهِم ، وتشجيعاً لهم على عدمِ العودةِ لتلكَ الأخطاءِ.

57. الشَاكِرُ

"الشَّاكِرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "شَكَرَ" ، الذي يعني اعترفَ بالإحسان أو الفضلِ أو العملِ عموماً ، وعبَّرَ عن ذلكَ الاعترافِ بالثناءِ والجزاء. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يشكرُ عبادَهُ على طاعتِهِم لهُ ، ويثني عليهِم ، ويعدُهُم بالجزاءِ الأوفى على طاعاتِهم وصالحِ أعمالِهم ، وذلكَ بسعادةِ السلامِ والإيمانِ في الحياةِ الدُّنيا ، والسعادةِ الأبديةِ في دارِ السلامِ ، في الآخِرَةِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً فيها معَ اسمٍ مُنَكَّرٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "عَلِيمُ." وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ فوائدَ طاعةِ عبادِهِ لهُ ، والتي تعودُ عليهم بالخيرِ ، وعلى مَنْ حولِهم ، بَلْ وعلى والبشريةِ جمعاءَ. فيشكرُ لهم إيمانَهم بهِ وطاعتَهم لهُ ، ويعدُهم بأفضلِ الجزاء في الآخِرَةِ. ومِن أمثلةِ ذلكَ شكرُهُ ، عزَّ وجلَّ ، للحجاجِ الذين يَطَّوَّفونَ بالصفا والمروةِ تطوُّعاً ، أثناءَ الحجِّ والعمرةِ ، لأنهما مِنْ شعائرِهِ (البقرة ، 2: 158). كما أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ مَنْ يشكرُهُ مِنَ عبادِه ، مِنْ مؤمنينَ وتائبينَ معتصمينَ باللهِ ، ومخلصينَ دينَهم لهُ ، فيشكرُهم على ذلكَ بوعدِهِ أنهُ سوفَ يُؤْتِهِم "أَجْرًا عَظِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 146-147).

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 158).

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾‏ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴿١٤٧﴾ (النِّسَاءُ ، 4: 146-147).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّاكِرُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، الشاكرُ لطاعتِهم لكَ ، بوعدِكَ لهم بالأجرِ العظيم. اللهمَّ إني أشكرُكَ على نِعَمِكَ التي لا تُحصى ، أعنَّي ، وخففْ عنَّي ، والْطُفْ بي وبوالديَّ وبأسرتي ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الشَّاكِرِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ القادرُ على الأجرِ العظيمِ الذي وعدَهُ لعبادِهِ الصالحينَ ، ألا وهوَ الحياةِ الأبديةِ في جنتِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الشَّاكِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "شَّاكِرةً" والولدُ "شَّاكِرَاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، فوصفَ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ شَاكِرٌ لِّأَنْعُمِهِ (النَّحْلُ ، 16: 121) ، وأمَرَ رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" (الزُّمَرُ ، 39: 66) ، وقالَ عنِ الإنسانِ عموماً: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنْسَانُ ، 76: 3).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ شاكراً لأنعُمِ اللهِ عليهِ وعلى الذينَ مِنْ حولِهِ ، بالإكثار من الشكرِ لهُ لفظاً ، والتمسكِ بطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيه. ومِنْ شكرِهِ للخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، أيضاً ، أن يشكرَ لخلقِهِ أعمالَهم الصالحةَ ، ويعترفَ بالجميلِ ، ويقدِّمَ لهم الأجرَ الذي يستطيعُ ، مكافأةً لهم على طيبِ صنائِعِهم.

58. الشَكُورُ

"الشَّكُورُ" اسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مُبالغةٍ مِنَ "الشَّاكِرِ" ، الذي يشتركُ معهُ في الاشتقاقِ مِنَ الفعلِ "شَكَرَ" ، الذي يعني اعترفَ بالإحسان أو الفضلِ أو العملِ عموماً ، وعبَّرَ عن ذلكَ الاعترافِ بالثناءِ والجزاء. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كثيرُ الشُّكْرِ لعبادَهُ على طاعتِهِم لهُ ، وكثيرُ الثَّناءِ عليهِم ، وأنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعدُهُم بالجزاءِ الأوفى على طاعاتِهم وصالحِ أعمالِهم ، وذلكَ بسعادةِ السلامِ والإيمانِ في الحياةِ الدُّنيا ، والسعادةِ الأبديةِ في دارِ السلامِ ، في الآخِرَةِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى أربعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ مُنَكَّرٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "غَفُورُ" ، وفي المرَّةِ الرابعةِ معَ "حَلِيمٍ."  وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يشكرُ عبادَهُ على طاعاتِهِم وصالحِ أعمالِهِم ، بأنْ يغفرَ لهم ذنوبَهم ، وبأن يكونَ حليماً معهم ، بالصبرِ عليهم ، أي بعدمِ إنزالِ العقوبةِ الفوريةِ عليهِم ، لإعطائِهم الفرصةِ للتوقُفِ عن المعاصي والتوبةِ إليهِ ، تباركَ وتعالى. والآياتُ الكريمةُ التي وردَ فيها اسمُ "الشَّكُورِ" هيَ 35: 30 ، 35: 34 ، 42: 23 ، 64: 17 ، كما يلي:

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 30).

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 34).

ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (الشُّورَى ، 42: 23).

إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّكُورُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، الشاكرُ لطاعتِهم لكَ ، بوعدِكَ لهم بالأجرِ العظيم. اللهمَّ إني أشكرُكَ على نِعَمِكَ التي لا تُحصى ، أعنَّي ، وخففْ عنَّي ، والْطُفْ بي وبوالديَّ وبأسرتي ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الشَّكُورِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ القادرُ على الأجرِ العظيمِ الذي وعدَهُ لعبادِهِ الصالحينَ ، ألا وهوَ الحياةِ الأبديةِ في جنتِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الشَّكُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "شَّكُورةً" والولدُ "شَّكُورَاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، حيثُ أنهُ وصفَ نوحاً ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ "كَانَ عَبْدًا شَكُورًا" (الإسراء ، 17: 3) ، كما ذَكًرَ لنا أنَّ في التفكرَ في نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ "لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" (إبراهيم ، 14: 5 ؛ لقمان ، 31: 31).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ كثيرَ الشُّكْرِ للهِ ولخلقِهِ على أعمالِهم الصالحةِ ، وأنْ يعترفَ لهم بالجميلِ ، ويقدِّمَ لهم الأجرَ الذي يستطيعُ ، مكافأةً لهم على طيبِ صنائِعِهم. والمؤمنُ الشَكُورُ هوَ الذي يعترُفُ بأنعُمِ اللهِ عليهِ وعلى الذينَ مِنْ حولِهِ ، فيكثِرُ من الشكرِ لهُ لفظاً ، ويتمسكُ بطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيه ، ويقومُ بصالحِ الأعمالِ. ولنا في النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أسوةٌ حسنةٌ. فقد قامَ للصلاةِ في الليلِ حتى تورَّمَت قدماه. فسألتهُ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ ، رضي اللهُ عنها ، عِنْ سببِ ذلكَ ، معَ أنَّ اللهَ قد غفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّرَ. فأجابها: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا." [71]

59. الْعَلِيُّ

"الْعَلِيُّ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "المُتَعَالِ" و "الأعلى."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ مقترناً في آيتينِ كريمتينِ معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَظِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ عُلُوَّهُ على خلقِهِ جميعاً ، بما في ذلكَ الكرسيِّ والسماواتِ والأرضِ ، يدلُّ على عَظَمَتِهِ ، جلَّ وعلا (الْبَقَرَةُ ، 2: 255 ؛ الشُّورَى ، 42: 4). وجاءَ مقترناً في أربعِ آياتٍ أخرى معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْكَبِيرُ" ، بما يُفيدُ بأنَّهُ أعْلَى وأكبرُ مِنْ خلقِهِ كلِّهِم ، بما في ذلكّ أشركوا بِهِ. فهوَ "الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ" (الْحَجُّ ، 22:  62 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 30) ، وقولُهُ الحقُّ (سَبَأُ ، 34: 23) ، وحكمُهُ العدلُ يومَ يُعرضونَ عليهِ ، تباركَ وتعالى (غَافِرُ ، 40: 12). كما جاءَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً معَ اسمٍ آخرَ مُنَكَّرٍ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، هو "حَكِيمٌ" ، بما يفيدُ بأنهُ لا طاقةَ للبشرِ أن يكلمَهُم اللهُ مباشرةً ، ولذلكَ كانَ كلامُهُ لهم "وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ" (الشُّورَى ، 42: 51) ، وذلكَ كما تُبينُ لنا هذهِ الآياتُ الكريمةُ.

... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( الشُّورَى ، 42: 4).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (الْحَجُّ ، 22:  62 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 30).

وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 23).

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (غَافِرُ ، 40: 12).

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشُّورَى ، 42: 51).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ" ، الْعَظِيمُ ، والْكِبِيرُ مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ ، اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْعَلِيِّ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يعلو خلقَهُ جميعاً مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْعَليِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "عَلِيَّةً" والولدُ "عَلِيَّاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، حيثُ أنهُ وصفَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ ، عليهِمُ السلامُ ، بأنَّهُ كَانَ "لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" (مَرْيَمُ ، 49-50). كما أنَّهُ ذكرَ إدريسَ ، عليهِ السلامُ ، وبأنَّهُ قد رفعهُ "مَكَانًا عَلِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 57).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ "الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" ، الرحيمُ بعبادِهِ ، الحليمُ عليهِم ، والغفورُ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ الله ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بمكانِهِ ومكانتِهِ.

60. الْمُتَعَالِ

"الْمُتَعَالِ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "الْعَلِيُّ" و "الأعلى."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْمُتَعَالِ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فهوَ يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ التاسعةِ من سورةِ الرَّعْدِ (13) ، معَ اسمينِ آخرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "الْكَبِيرُ." وذلكَ يعني أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ" هوَ "الْمُتَعَالِ" على كلِّ خلقِهِ ، وذلكَ بعلمِهِ ما يعلمونً وما لا يعلمونَ ، وأنَّهُ بذلكَ أكبرُ مِنهم ، في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، سواءً كانوا فُرَادَى أمْ مجتمعين. وجاءَ هذا الاسمُ معَ ذكرِ أنَّ اللهَ يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ ، كعلمِهِ بما "تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" (الرَّعْدُ ، 13: 8) ، وكعلمِهِ بما يُسرُّ الناسُ وما يجهرونَ ، وما يفعلونَ في الليلِ والنهار (الرَّعْدُ ، 13: 10).

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾‏ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾‏ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ (الرَّعْدُ ، 13: 8-10).

وقد أوضحتْ لنا الآياتُ الكريمةُ بعضَ المعانيَ المتعلقةِ بتعاليَ رَبِّنا عنْ تَهافُتِ عبادِهِ فيما يصفونَهُ ويقولونَ عنه. فذكرتْ أنهُم يصفونَهُ بأنَّ لهُ شركاءَ مِنَ الجنِّ ، وأنَّ لهُ بنينَ وبناتٍ (الأنْعَامُ ، 6: 100) ، وهوَ الذي خلقَ السماواتِ والأرض بالحق ، تعالى أنْ يكونَ لهُ شركاءَ في ذلكَ (النَّحْلُ ، 16: 3) ، وأنهُ الغنيُّ بذاتِهِ الذي لا حاجةَ لهُ أن يكونَ لهُ صاحبةً أو ولداً (الْجِنُّ ، 72: 3). فسبحانَهُ وتعالى علواً كبيراً عمَّا يقولونَ ويصفونَ (الإسْرَاءُ ، 17: 43) ، فهوَ أعلى وأجلُّ وأكرمُ وأشرفُ وأكملُ مِنْ أنْ يكونَ لهُ شركاءَ أو صاحبةً أو بنينَ أو بناتٍ.

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 100).

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( النَّحْلُ ، 16: 3).

وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (الْجِنُّ ، 72: 3).

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 43).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُتَعَالِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وحدَهُ الذي يعلو خلقَهُ جميعاً مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُتَعَالِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يتسمى بهذا الاسم مُنَكَّراُ أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ اللهِ ، ولأنَّهُ ، جلَّ وعلا ، رأى في هذهِ الصفةِ عصياناً لأمرِهِ ، واستكباراً ، وعلواً للمخلوقِ في غيرِ مَحَلِّهِ ، على طاعةِ الخالقِ ، تباركَ وتعالى ، كما حدثَ في قولِهِ لإبليسَ: "مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ" (صَ ، 38: 75) ، وفي وصفِهِ لفرعونَ وملئِهِ بأنهم قد استكبروا "وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ" ﴿٤٦﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 46).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ عِلُّوِّ "الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ" ، الرحيمِ بعبادِهِ ، الحليمِ عليهِم ، والغفورِ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ اللهِ ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بسببِ صفةٍ دنيويةٍ مؤقتةٍ اكتسبها ، بناءً على موقعٍ أو مكانةٍ أو حسبٍ أو نسب.

61. الْأعْلَى

"الْأعْلَى" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "الْعَلِيُّ" و "المُتَعَالِ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْأعْلَى" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فهوَ يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ (أنظرْ المزيدَ عنْ عُلُوِّهِ ، تبارَكَ وتعالى ، في اسمِ "ذي الْعَرْشِ").

وتأكيداً على تَمَيُّزِ هذا الاسم مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هناكَ سورةٌ في القرآنِ الكريمِ تُسمى بهِ ، وهي سورةُ "الْأعْلَى" (87). كما أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قد جعلَ التسبيحَ بِهِ مِنْ مستلزماتِ السجودِ في كلِّ ركعةٍ مِنَ الصلاةِ. فكانَ يقولُ في رُكوعِه: "سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ" ، وفي سُجودِه: "سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى." [72]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ الأولى مِنْ سورةِ الأعْلَى (87) ، والتي أعقبها شرحٌ لمعانيَ هذا الاسمِ في الآياتِ الأربعِ التالية. فربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأعلى لأنهُ لا يجاريهُ أحدٌ في صفاتِهِ وأفعالِهِ ، فهوَ الأعلى بالمقارنةِ معَ أيِّ موجودٍ آخرَ. فقد خلقَ كلَّ شيءٍ وسَوَّاهُ على أفضلِ حالٍ. وقدَّرَ ما سَيَئولُ إليهِ عبادُهُ مِنْ الإيمانٍ بخالِقِهم أو الكفرِ بهِ ، ولكنهُ مَكَّنَهُم مِنَ الهدايةِ إليهِ ، مِنْ خلالِ منحِهِم القدرةِ الفطريةِ على التمييزِ بينَ الخيرِ والشرِّ ، وعلى التفكيرِ في آياتِهِ الكونيةِ ، وفي أنفسِهِم ، ومِنْ خلالِ رُسُلِهِ إليهم. وهوَ الذي أخرجَ المرعَى لتأكلُهُ دوابِّهم ، وذلكَ بإنزالِ مياهِ الأمطارِ. وهوَ الذي خلقَ الدورةَ النباتيةَ ، التي تتحولُ فيها النباتاتُ الخضراءُ إلى بقايا مِنَ السيقانِ والأوراقِ الباليةِ ، التي لا فائدةَ فيها ، كما توضحُ لنا الآياتُ الكريمةُ ، التي تمَّ ذِكْرُها.

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴿٤﴾‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ ﴿٥﴾(الأعْلَى ، 87: 1-5).

وجاءَ اسمُ "الْأعْلَى" مرَّةً أخرى في الآيةِ الكريمةِ العشرينَ مِنْ سورةِ الليلِ (92) ، وذلكَ في سياقِ تحذيرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للناسِ بأنْ يتجنبوا النارَ ، وذلكَ بألَّا يكونوا مِنَ العصاةِ الأشقياءِ الذين يُكَذِّبونَ رُسُلَهُ ، ويتولَوْنَ عنهم. فهؤلاءِ مصيرُهم النار. أمَّا الأتقياءُ مِنْ عبادِهِ ، فإنهم سيتجنبونها ، لأنهم يؤتونَ الزكاةَ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ ، ربِّهمُ الأعلى ، وَحَدَهُ ، الذي سيكافئهم بما يَرْضَوْنَ عنهُ في جنةِ خُلدهِ (الْلَيْلُ ، 92: 14-21).

فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ﴿١٤﴾‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴿١٥﴾‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٦﴾‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴿١٧﴾‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ ﴿١٩﴾‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ﴿٢٠﴾‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴿٢١﴾‏ (الْلَيْلُ ، 92: 14-21).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْأعْلَى" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْأعْلَى" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يعلو على خلقِهِ جميعاً ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْأعْلَى" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا يجوزُ لمخلوقٍ أنْ يَدَّعِي بأنَّهُ "الربُّ الأعلى" ، كما فعلَ فرعونُ. فأنزلَ اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، العقابَ بِهِ في هذهِ الدنيا ، كما سيعاقبُهُ في الآخِرَةِ ، على ادعائِهِ بذلكَ (النَّازِعَاتُ ، 79: 24-26). ولكنْ يجوزُ وصفُ المؤمنِ بأنهُ "الْأعْلَى" ، في مقارنتِهِ معَ الكافرينَ (وليس تسميتُهُ بذلكَ) ، كما جاءَ في وصفِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لِموسى ، عليهِ السلامُ ، بالمقارنةِ معَ فرعونَ وملئِهِ وسَحَرَتِهِ (طَهَ ، 20: 67-68). [73]

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ عِلُّوِّ ربِّنا "الْأعْلَى" ، الرحيمِ بعبادِهِ ، الحليمِ عليهِم ، والغفورِ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ اللهِ ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بسببِ صفةٍ دنيويةٍ مؤقتةٍ اكتسبها ، بناءً على موقعٍ أو مكانةٍ أو حَسَبٍ أو نَسَب.

62. الْكَبِيرُ

"الْكَبِيرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَبِرَ" ، الذي يعني ازدادَ عُمْرَاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "كَبُرَ" ، الذي يعني عَظُمَ وجَسُمَ ، ونما وازدادَ ، وتَرَفَّعَ وتَنزّهَ ، وسادَ قومَهُ ، كما جاء في معجم المعاني الجامع. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْكَبِيرَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الأزليُّ في وجودِهِ ، فهوَ الأولُ والآخِرُ ، الذي لم يكنْ قبلُهُ شيءٌ ، وهوَ المتحكمُ فيما خلقَ ومَنْ خلقَ ، المُتَنَزِّهُ عَنْ نقائصِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى خمسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ التاسعةِ من سورةِ الرَّعْدِ (13) ، معَ اسمينِ آخرَينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "الْمُتَعَالِ." وذلك يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، أكبرُ وأعلى مِنْ خلقِهِ كلِّهِم ، وذلكَ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، سواءً كانوا فُرَادَى أمْ مجتمعين. فهوَ يعلمُ ما يعلمُهُ خلقُهُ وما لا يعلمونَ ، كعلمِهِ بما "تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" (الرَّعْدُ ، 13: 8) ، وكعلمِهِ بما يُسرُّ الناسُ وما يجهرونَ ، وما يفعلونَ في الليلِ والنهار (الرَّعْدُ ، 13: 10).

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾‏ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾‏ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ (الرَّعْدُ ، 13: 8-10).

وجاءَ في الآياتِ الأربعِ الأخرى معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى هوَ "الْعَلِيُّ" ، توضيحاً بأنَّ كِبَرَهُ ، جلَّ وعلا ، متعلقٌ بعلوِّهِ على جميعِ خلقهِ. فهوَ أكبرُ منهم لأنهُ يعلوهُم كلُّهُم ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضينَ ، وما فيهِنَ جميعاً ، ومَنْ فيهِن. وهوَ أعلى منهم وأكبرُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ.

فجاءَ ذِكْرُ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" في سياقِ تقريرِ أَنَّ "اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ" (الْحَجُّ ، 22: 62) ، وأنه كَبِيرٌ بإسباغِ نِعَمِهِ على خلقِهِ ، كنعمةِ تداولِ الليلِ والنهارِ ، وما ينتجُ عنْ ذلكَ مِنْ النومِ والعمل ( الْحَجُّ ، 22: 61) ، ونعمةِ إنزالِ المطرِ ، مما يبعثُ الحياةَ في النباتاتِ وبالتالي في الحيواناتِ والبشرِ ( الْحَجُّ ، 22: 63).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( الْحَجُّ ، 22: 62).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأَنَّهُ "هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ" (لُقْمَانُ ، 31: 30) ، ولأنهُ سخَّرَ الشمسَ والقمرَ لمخلوقاتِهِ على الأرضِ ، لِما في ذلكَ مِنْ فوائدَ عيدةٍ لهم ، كالدفءِ ونموِّ النباتاتِ والضوءِ والمدِّ والجزرِ (لُقْمَانُ ، 31: 29) ، ولأنهُ يسوقُ الرياحَ التي تجري بالفلكِ في البحرِ ، وتولدُ الطاقةَ في هذهِ الأيام (لُقْمَانُ ، 31: 31).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (لقمان ، 31: 30).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّ خلقَهُ سيقفونَ بينَ يديهِ لا حولَ ولا قوةَ لهم ، "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ" (سَبَأُ ، 34: 23). حينئذٍ ، لا ينفعُ المشركينَ ما أشركوا بهِ ، لأنهم لا يملكون مثقالَ ذرةٍ في السماواتِ والأرضِ (سَبَأُ ، 34: 22). وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّهُ يرزقُ مخلوقاتَهُ مِنْ فوقهم ، أي بالمطرِ النازلِ عليهِم مِنَ السماءِ ، ومِنْ تحتِ أرجلِهِم ، أي مما تُخْرِجُ لهم الأرضُ مِنْ نباتٍ (سَبَأُ ، 34: 24).

وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 23).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّهُ يُري عبادَهُ آياتِهِ ، حتى يؤمنوا به (غَافِرُ ، 40: 13). وهوَ الحَكَمُ العدلُ ، الذي لا يظلمُ خلقَهُ ، فيحاسبُ الناسَ على أساسِ إيمانِهِم أو كفرِهم أو شركِهم به (غَافِرُ ، 40: 12). في ذلكَ اليومِ ، يعترفونَ أمامَهُ بأنَّهُ أماتهم اثنتينِ وأحياهمُ اثنتينِ (غَافِرُ ، 40: 11).

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (غَافِرُ ، 40: 12).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْكَبِيرِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً الأولُ والآخِرُ ، الذي لم يكنْ قبلُهُ شيءٌ ، وهوً وَحْدَهُ الأزليُّ في وجودِهِ. وهوَ المتحكمُ فيما خلقَ ومَنْ خلقَ ، المُتَنَزِّهُ عَنْ نقائصِهِم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْكَبِيرِ"  ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وللمؤمنِ أنْ يسعى قدرَ جهدِهِ ليكونَ كبيراً في صفاتِهِ وقُدراتِهِ وتصرفاتِهِ ، ولكنْ لا يليقُ لأحدٍ أن يتسمى بهذا الاسمِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ "الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" ، جلَّ وعلا. لكنَّ القرطبيَّ ، رَحِمَهُ اللهُ ، قد رأى أنهُ لا بأسَ في ذلكَ.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بطاعةِ اللهِ ، مِنْ خلالِ القيامِ بالعباداتِ ، وصالحِ الأعمالِ ، والتحلي بالصبرِ ، وحسنِ المعاملةِ معَ الناس ، ونُصحِهِم وإرشادِهم إلى الخيرِ ، وبالترفعِ عَنِ الصغائرِ ، وألا ينزلْ المؤمنُ في معاملاتِهِ إلى دَرْكِ الأراذِلِ والعُصاةِ والأنذال. والمؤمنُ كثيرُ التكبيرِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما يفعلُ في كلِّ حركةٍ يقومُ بها أثناءَ الصلاةِ ، وذلكَ استجابةً لأمرِ خالِقةِ ، عزَّ وجلَّ ، الذي جاءَ في الآية 111 مِنْ سورةِ الإسْرَاءُ (17).

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 111).

وذكرَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، أنَّ "الكبيرَ منَ العبادِ هوَ الكاملُ ، الذي لا تقتصرُ عليهِ صفاتُ كمالِهِ ، بل تسري إلى غيرِهِ ، فلا يجالسُهُ أحدٌ إلَّا ويفيضُ عليهِ شيئاُ مِنْ كمالِهِ. وكمالُ العبدِ في عقلِهِ وورعِهِ وعلمِهِ. فالكبيرُ مِنَ العبادِ هوَ العالِمُ التقيُّ المُرشِدُ للخلقِ ، الصالحُ لأنْ يكونَ قدوةً يُقتبسُ مِنْ أنوارِهِ وعلومِهِ."

63. العَظِيمُ

"الْعَظِيمُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَظُمَ" ، الذي يعني كَبُر ، وفَخُمَ ، وعَلَتْ مَكَانَتُهُ ؛ وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَظَّمَ" ، الذي يعني كَبَّرَ ، وفَخَّمَ ، وبَجَّلَ ، و وَقَّرَ ، واحْتَرَمَ ، وأجَلَّ ، طبقاً لمعجم المعاني الجامع. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْعَظِيمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أكبرُ وأفخمُ وأعلى مكانةً مِنْ جميعِ خلقِهِ ، وهوَ أهلٌ للتعظيمِ ، والتفخيمِ ، والتبجيلِ ، والتوقيرِ ، والاحترامِ والإجلالِ مِنْ خلقِهِ كلِّهِم.

وتأكيداً على تَمَيُّزِ هذا الاسم مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ مِنْ مستلزمات الركوعِ ، في كلِّ صلاةٍ ، وذلكَ تسبيحاً وتعظيماً للخالقِ ، جلَّ وعلا. فقد روى الصحابيُ حذيفةُ بنُ اليمانِ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، أن النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، كانَ يقولُ في رُكوعِه: "سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ" ، وفي سُجودِه: "سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى." [74]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ستَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومقترناً معَ أسماءٍ أخرَى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. فجاءَ مرَّةً واحدةً معَ اسمِ "اللهِ" الأعظمِ ، في سياقِ تحذيرِ الناسِ منَ عذابِ الوقوعِ في خطيئتَيْ الكفرِ والبخلِ (الْحَاقَةُ ، 69: 33-37). [75]

إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴿٣٣﴾‏ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣٤﴾ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾‏ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴿٣٦﴾‏ لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴿٣٧﴾‏ (الْحَاقَةُ ، 69: 33-37).

وجاءَ معَ "الْعَلِيِّ" مرَّتينِ ، في ختامِ آيةِ الكُرسيِّ ، التي ذكرتْ عَظَمَتَهُ وعُلُوَّهُ ، جلَّ وعلا ، في أنَّهُ "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (الْبَقَرُة ، 2: 255). وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ معَ ذكرِ أنَّهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، "لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (الشورى ، 42: 4).

كما جاءَ اسمُ "الْعَظِيمِ" مقترناً ثلاثَ مرَّاتٍ معَ اسمِ "الرَّبِ." فربُّنا العظيمُ ، تباركَ وتعالى ، أهلٌ لتسبيحِنا باسمهِ ، وهوَ الذي وهبَنا ما لا يُحصى منَ النِّعَمِ ، كنعمةِ النارِ التي تنتجُ عنْ خشبِ الشجرِ ، والتي بدورِها تعتمدُ على المطرِ ، الذي ينزلُ على الأرضِ بأمرِ اللهِ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 71-74). وهوَ ربُّنا العظيمُ ، العادِلُ في حُكمِهِ على خلقِهِ ، يومَ يُعرضونَ عليهِ ، فيكافئُ المؤمنينَ ويعاقبُ الضالينَ المكذبينَ ، كلاً بما يستحقهُ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 91-96). وهوَ ربُّنا العظيمُ ، الذي أنزلَ كتابَهُ الكريمُ ، هدايةً للناس ، وتذكرةً للمتقينَ ، وحسرةً على الكافرينَ (الْحَاقَةُ ، 69: 48-52).

أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾‏ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ﴿٧٢﴾‏ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 71-74). [76]

وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾‏ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾‏ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾‏ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾‏ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾‏ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴿٩٥﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 91-96).

وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾‏ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾‏ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾‏ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴿٥١﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٥٢﴾‏ (الْحَاقَةُ ، 69: 48-52).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَظِيمُ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ (وذلكَ كمثالٍ على الدعاءِ بصفةٍ عامةٍ ، ولكنْ للمؤمنِ أنْ يدعوَّ ربَّهُ بما شاءَ ولِمَنْ شاءَ ، طالباً الخيرِ والبركةِ والمساعدةِ والنُصرةِ).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْعَظِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في عظمَتِهِ ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. وهوَ أكبرُ وأفخمُ وأعلى مكانةً مِنْ جميعِ خلقِهِ ، وهوَ خالِقُ السماواتِ والأرضَ ، المُنعِمُ على خلقِهِ بالرزق في الحياةِ الدُّنيا ، وهوَ الذي سيحاسبُهم على أعمالِهم في الآخِرةِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْعَظِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وقد جاءَ في الحديثِ القدسيِّ ، الذي رواهُ أبو هريرةَ وابنُ عبَّاسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، قولَ اللهِ ، تباركَ وتعالى: "الكبرياءُ رِدائِي ، والعَظمةُ إِزارِي ، فمَنْ نازعَنِي واحِدًا مِنهُما قذَفْتُهُ في النارِ." [77]

وللمؤمنِ أنْ يسعى قَدْرَ جُهْدِهِ ليكونَ عظيماً في صفاتِهِ وقُدراتِهِ وتصرفاتِهِ ، على محدوديةِ ذلكَ زماناً ومكاناً وقُدرةً. ولكنْ لا يليقُ لأحدٍ أن يتسمى بهذا الاسمِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ "الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" ، جلَّ وعلا ، وتجنباً لتزكيةِ النفسِ ، التي نهانا الله عنها، في قولِه: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32).

وبينما لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "عظيماً" ، فإنهُ يُمْكِنُ وصفُ شخصٍ بأنهُ "عظيمٌ" ، بمعنى أنهُ أعظمُ مِنْ غيرِهِ مِنَ الناسِ ، كما فعلَ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في وصفِهِ لِمَلِكِ الرومِ ، هِرَقْلَ ، بأنهُ "عظيمُهم." فعنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ أرسلَ رسالةً لِهِرَقْلَ ، عظيمِ الروم ، قال فيها: "بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِن مُحَمَّدٍ ، عبدِ اللَّهِ ورَسولِهِ ، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ علَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى. أمَّا بَعْدُ ، فإنِّي أدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ. أسْلِمْ تَسْلَمْ ، وأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فإنْ تَوَلَّيْتَ ، فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ (رعاياهُ مِنَ الفلاحينَ). و "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 64). [78]

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بمساعدةِ عبادِ اللهِ في الحصولِ على أرزاقِهِم ، وذلكَ بالمساهمةِ في تعليمِهِم وتدريبِهِم ونُصحِهِم وإرشادِهِم إلى طُرقِ الحصولِ على الأعمالِ والمحافظةِ عليها وتنميتِها ما أمكن. كما يتأتى ذلكَ مِنْ خلالِ القيامِ بالأعمالِ العظيمةِ ، التي تُفيدُ خلقَ اللهِ ، مِنْ بشرٍ وحيوانٍ ونباتٍ ، وتحافظُ على هذا الكوكبِ مِنَ التلوثِ في مائِهِ وهوائِهِ وتُرابِهِ.

64. الحَافِظُ

"الحَافِظُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَفِظَ" ، الذي يعني صَانَ ،  وحَرِسَ ، ورَعَى ورَاقَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الحَافِظَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَصُونُ ويَحْرُسُ ويَرْعَى ويُرَاقِبُ ما يشاءُ ومَنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، في صيغةِ المفردِ ، وذلكَ في الآيةِ الكريمة 64 مِنْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، التي ذكرَ فيها يعقوبُ ، عليهِ السلامُ ، ثقَتَهُ بأنَّ اللهَ ، "خَيْرٌ حَافِظًا" ، كما جاءَ في القراءةِ المعتمدةِ في المُصحف. وكانَ ذلكَ عندما طلبَ أبناؤهُ مِنْهُ السماحَ لهم بأخذِ أخيهِمُ الأصغرً معهم إلى مصرَ. والمعنى أنهُ على الرغمِ مِنْ عدمِ ثقتِهِ بهم ، إلا إنهُ يثقُ بربِهِ ، عزَّ وجلَ ، بأنْهُ خيرٌ منهم في حفظِهِ مِنْ كلِّ سوءٍ.

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ مرتينِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، ولكنْ بصيغةِ الجمعِ ، المفخِّمَةِ والمُعَظِّمَةِ للهِ ، عزَّ وجلَّ. فجاءَ في المرَّةِ الأولى لتأكيدِ حفظِهِ ، تباركَ وتعالى ، للقرآنِ الكريمِ ، الذي أنزلهُ لهدايةِ البشرية ، وذلكَ بِصَوْنِهِ وحراستِهِ ورعايتِهِ مِنْ أنْ ينالَهُ أي تغييرٍ أو تبديلٍ ، مهما حاولَ شياطينُ الإنسِ والجنِّ فعلَ ذلكَ (الْحِجْرُ ، 15: 9). وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ في سياقِ تسخيرِ الشياطينِ لخدمةِ سليمانَ ، عليهِ السلام ، بمعنى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، مُرَاقِبٌ عليهِم وعلى أعمالِهِم ، وأنَّهُ يمنعُهم مِنْ أنْ ينالوهُ بسوءٍ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 82).

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 82).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَافِظُ" لما تشاءُ ولِمنْ تشاءُ مِنْ خلقِكَ. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ (وذلكَ كمثالٍ على الدعاءِ بصفةٍ عامةٍ ، ولكنْ للمؤمنِ أنْ يدعوَّ ربَّهُ بما شاءَ ولِمَنْ شاءَ ، طالباً الحفظِ والخيرِ والبركةِ والمساعدةِ والنُصرةِ).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَافِظِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في قدرتِهِ على حفظِ مخلوقاتِهِ ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَافِظِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالمحافظةِ على نفسِهِ نقيةً طاهرةً مطيعةً للهِ ورسولِهِ ، والمحافظةِ على الذينَ مِنْ حولِهِ أيضاً ، وذلكَ بصونِهِم ، ورعايتِهِم ، وحراستِهِم ، ومراقبتِهم ، حتى يُقدِّمَ لهم العونَ عندَ الحاجةِ. ويشملُ ذلكَ أفرادَ أسرتِهِ وأقاربَهُ والعاملينَ تحتَ إمرتِهِ ، والمجتمَعَ بصفةٍ عامةٍ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يُساهِمَ في حفظِ كتابِ اللهِ ، ما استطاعَ ، وذلكَ بحفظِ ما يقدرُ عليهِ منهُ ، ودراستِهِ ، والعملِ بهِ ، وتعليمِهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ومَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهم مِنَ الناس.

65. الحَفِيظُ 

"الحَفِيظُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرَ ، هوَ "حَافِظُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "حَفِظَ" ، الذي يعني صَانَ ،  وحَرِسَ ، ورَعَى ورَاقَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الحَفِيظَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، شديدُ الصَّوْنِ والحراسةِ والرعايةِ والمراقبةِ لِما يشاءُ ولِمَنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ. فقد ذكرَ في كتابِهِ الكريمِ أنهُ لا يؤودُهُ حِفْظُ السماواتِ والأرضِ (البقرة ، 2: 255) ، وأنهُ حَفِظَ السماواتِ مِنْ كلِّ شيطانٍ مارد (الْحِجْرُ ، 15: 17 ؛ الصَّافَّاتُ ، 37: 7).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في سياقِ قولِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ هودٍ ، عليهِ السلام ، بأنْ يُنذرَ الذينَ لم يؤمنوا مِنْ قومِهِ ، بأنهُ سيستخلفُ قوماً غيرَهم ، وأنهُ حفيظٌ ، أي رقيبٌ ، على كلِّ شيءٍ يقولونَهُ أو يفعلونَهُ (هُودُ ، 11: 57). وجاء في مَعْرِضِ ذكرِ مَنْ كفرَ مِنْ قومِ سبأٍ ، على الرغمِ مِنْ نِعَمِ اللهِ عليهِم ، الذي هوَ على كلِّ شيءٍ حفيظٍ ، أي رقيبٍ ومسجلٍ لكلِّ ما قالوهُ أو فعلوهُ (سَبَأُ ، 34: 21). وجاءَ في خطابِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للبشرِ كافةً ، بأنهُ ختمَ رسالاتِهِ لهم برسالةٍ وضحةٍ ، مَنْ اتبعها غنِمَ وفازَ ، ومَنْ كفرَ بها هلكَ ، وأنهُ بعدَ هذهِ الرسالةِ ليسَ بحفيظٍ عليهم ، أي أنهُ لنْ يرسلَ رسالةً أخرى لهم (الأنْعَامُ ، 6: 104). كما جاءَ في تحذيرِهِ ، جلَّ وعلا ، للذينَ يتخذونَ "مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ" ، مُذَكِّرَاُ بأنهُ "حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ" أي رقيبٌ على ما يقولونَ وما يفعلونَ ، ومُسَجِّلاً ذلكَ لهم ليحاسبَهم عليهِ في الآخرةِ (الشُّورَى ، 42: 6).

فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (هود ، 11: 57).

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (سَبَأُ ، 34: 21).

قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (الأنْعَامُ ، 6: 104).

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (الشُّورَى ، 42: 6).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَفِيظُ" لما تشاءُ ولِمنْ تشاءُ مِنْ خلقِكَ. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَفِيظِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في قدرتِهِ على حفظِ مخلوقاتِهِ ، أي صونِها وحراستِها ومراقبتها وتسجيلِ أقوالِها وأفعالِها ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَفِيظِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا يَصِحُّ تسميةِ المؤمنِ بأنهُ "حفيظٌ" ، مُنَكَّراً أيضاً ، لنفسِ الأسبابِ التي تمَّ ذكرُها ، ولكنْ يَصِحُّ وصفُهُ بذلك. فقد وعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الجنةَ "لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ" (قَ ، 50: 32) ، ووصفَ يوسفُ ، عليهِ السلامُ ، نفسَهُ بأنهُ "حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يُوسُفُ ، 12: 55).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالمحافظةِ على نفسِهِ نقيةً طاهرةً مطيعةً للهِ ورسولِهِ ، والمحافظةِ على الذينَ مِنْ حولِهِ أيضاً ، وذلكَ بصونِهِم ، ورعايتِهِم ، وحراستِهِم ، ومراقبتِهم ، حتى يُقدِّمَ لهم العونَ عندَ الحاجةِ. ويشملُ ذلكَ أفرادَ أسرتِهِ وأقاربَهُ والعاملينَ تحتَ إمرتِهِ ، والمجتمَعَ بصفةٍ عامةٍ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يُساهِمَ في حفظِ كتابِ اللهِ ، ما استطاعَ ، وذلكَ بحفظِ ما يقدرُ عليهِ منهُ ، ودراستِهِ ، والعملِ بهِ ، وتعليمِهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ومَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهم مِنَ الناس.

66. الْمُّقِيتُ

"الْمُّقِيتُ" أسمُ صفةٍ ، ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَاتَ" ، الذي يعني أطْعَمَ بِما يَسُدُّ بهِ الرَمَقَ ، وهوَ مِقدارُ ما يَحفظُ الإنسانَ ، كما يعني حَافَظَ على الشّيءِ ، وقَدِرَ عليه. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الْمُّقِيتَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المُقتدِرُ ، الحفيظُ ، خالقُ الأقواتِ ، المُتكفِّلُ بإيصالِها إلى الخلقِ ، والحسيبُ على أعمالِهم ، فيجازي كُلاً بما يستحقُهُ. كما أنَّ "الْمُقِيتَ" هوَ المقتدرُ ، ومَنْ أقاتَ الناسَ اقتدرَ عليهِم. وهوَ الحفيظُ على القوتِ ، وهو ما يُمسكُ الرمَقَ مِنَ الرزقِ وتُحفظُ به الحياةُ. والمعنى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، كانَ وما زالَ على كلِّ شيءٍ مُقتدراً ، لا يُعجزهُ شيءٌ. وهوَ حفيظٌ على أحوالِ الناسِ ، لا يغيبُ عنهُ شيءٌ مِنْ ذلكَ ، كما ذكرَ المفسرونَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ اللهِ ، جلَّ وعلا ، للشفاعةِ الحسنةِ والشفاعةِ السيئةِ ، بمعنى أنهُ قادرٌ وحافظٌ ورزاقٌ وحسيبٌ لمخلوقاتِهِ كلِّها. فهوَ قادرٌ على حفظِ ما يقولُهُ الشفعاءُ ، وهوَ قادرٌ على إمدادِهِم بالقُوتِ الذي يمكنُهُم مِنَ العيشِ في الحياةِ الدُّنيا ، كما هوَ قادرٌ على محاسبتِهِم على أقوالِهِم وأفعالِهِم في الآخرةِ (النِّسَاءُ ، 4: 85).

مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (النِّسَاءُ ، 4: 85).

وجاءَ ذكرُ الْقُوتِ مرَّةً أخرى في القرآنِ الكريمِ ، في معرِضِ الإشارةِ إلى خلقِ الأرضِ. فذكرَ ، جلَّ وعلا ، أنهُ بعدما جعلَ الجبالَ وباركَ في الأرضِ ، قدَّرَ فيها أقواتَها ، لمخلوقاتِهِ المختلفةِ ، على حدٍ سواءٍ ، كلٍّ منها يجدُ ما يناسبُهُ مِنْ قوتٍ ، يحفظُ حياتَهُ ؛ أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مقيتٌ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، دون تمييزٍ بينَها  (فُصِّلَتْ ، 41: 10).

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (فُصِّلَتْ ، 41: 10).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُقِيتُ" لخلقكَ كلِّهِم. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُقِيتِ" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً وَحْدَهُ المقتدرُ على رزقِ مخلوقاتِهِ بما يقِيتُها ، ويحافظُ على وجودِها في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى محاسبتِها في الآخرةِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُقِيتِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالعملِ على كسبِ قوتِهِ وقوتِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، مِنْ أفرادِ أسرتِهِ ووالِديهِ. ويشملُ ذلكَ مَدَّ يدِ العونِ وإنفاقِ الصدقاتِ على مَنْ هم في حاجةٍ للقوتِ مِنَ الأقاربِ وغيرِهم.

67. الْحَسِيبُ

"الْحَسِيبُ" أسمُ صفةٍ ، ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسُبَ" ، الذي يعني أنَّ الشخصَ ينحدرُ مِنْ أصولٍ كريمةٍ. أمَّا الفعلُ "حَسَبَ" ، القريبُ منهُ ، فيعني عَدَّ وأحصى. وهناكَ فعلٌ ثالثٌ ذو صلةٍ ، هوَ "حَسِبَ" ، الذي يعني ظنَّ واعتبرَ. ويشتركُ اسمانِ آخرانِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في الاشتقاقِ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، وهما "سَرِيعُ الْحِسَابِ" و "أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ." 

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْحَسِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هو الذي له صفاتُ الكمالِ والجلالِ. وهوَ الشاهدُ الكافيُ على أقوالِ الناسِ وأفعالِهِم ، وهوَ الذي سيحاسبُهُم عليها في يومِ الحسابِ ، فَيُوَفِّي كلاً منهم ما يستحقُ مِنْ الثوابِ أو العقابِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ اللهِ ، جلَّ وعَلا ، لمعاملةِ اليتامى بالحُسنى ، والمحافظةِ على أموالِهم حتى يبلغوا الرُّشدَ ، فتُدفعُ لهم بحضورِ الشهودِ. ثمَّ خُتمتْ الآيةُ الكريمةُ بالتذكيرِ بأنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، كافٍ وخيرَ شاهدٍ ومحاسبٍ للناسِ على ما يفعلونَ (النِّسَاءُ ، 4: 6). وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً معَ أمرِ اللهِ للناسِ بأنْ يردُّوا التحيةَ بأحسنَ منها أو بمثلِها ، وكفى بهِ حَسِيبَاً ، أي شاهداً ومحاسِباً لهم (النساء ، 4: 86). كما جاءَ للتأكيدِ بأنَّ اللهَ كافٍ في الشهادةِ للنبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وللمؤمنينَ ، الذين يبلِّغونَ رسالاتِهِ ويخشَوْنهُ ولا يخشَوْنَ أحداً غيرَهُ (الأحزاب ، 33: 39).

فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا ( النِّسَاءُ ، 4: 6).

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ( النِّسَاءُ ، 4: 86).

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (الأحْزَابُ ، 33: 39).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَسِيبُ" ، ذو الكمالِ والجلالِ ، وأنتَ الشاهدُ الكافيُ على ما نقولُ ونفعلُ ، نسألُكَ حُسنَ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، وحُسنَ الثوابِ في الآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَسِيبُ" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً وَحْدَهُ القادرُ على رؤيةِ ومعرفةِ أعمالِ الناسِ ، في السِّرِّ والعلنِ ، وهوَ وحدَهُ المحاسبُ لهم جميعاً في يومِ الحسابِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَسِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ حسيباً على نفسِهِ ، أي بمحاسبتِها بانتظامِ. فيشكرُ اللهَ على الهدايةِ والتوفيقِ حينما يقولُ ويفعلُ ما يرضيهِ ، ويتوبُ إليهِ ويطلبُ المغفرةَ منهُ إذا وقعَ في معصيةٍ أو ارتكبَ أيٍّ مِنْ الآثامِ. وهوَ في ذلكَ يحافظُ على نفسِهِ طاهرةً ، بمداومةِ لومِهِ لها ، فيفوزُ برضى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ومديحِهِ لها ، بقوله: "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" (الْقِيَامَةُ ، 75: 2). وهكذا فالحسيبُ مِنَ الناسِ هوَ مَنْ يحاسبُ نفسَهُ ، لعِلمِهِ يقيناً أنَّ اللهَ يحاسِبُ عبادَهُ على ما في أنفسِهم ، سواءً أخفوهُ أو أظهروهُ ، فيغفرُ لمن يشاءُ ، ويعذِّبُ مَنْ يشاءُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير.

لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 284).

68. سَرِيعُ الْحِسَابِ

"سَرِيعُ الْحِسَابِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "سَرِيعُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "سَرُعَ" ، الذي يعني عَجَّلَ أو حَثَّ الْخُطَى. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحِسَابُ" ، فهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، الذي يعني عَدَّ وأحصى ، والذي يشتركُ فيهِ معَ اسمٍ آخَرَ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "سَرِيعَ الْحِسَابِ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قادرٌ على محاسبةِ جميعِ خلقِهِ في سُرْعَةٍ قُصْوَى لا يقدِرُ عليها إلا هوَ ، وأنهُ قادرٌ على عدِّ وإحصاءِ كلِّ أفعالِ خلقِهِ وأقوالِهم ، مهما صَغُرَتْ ، والإتيانِ بالشواهدِ عليها ، دونَ ظلمٍ لأيِّ أحدٍ ، كائناً مَنْ كانَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَمَانِ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، جميعُها في آياتٍ تنتهي بذكرِ أنَّ اللهَ ، جلَّ وعَلا ، "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، في يومِ الحسابِ. فجاء َ في سياقِ البُشرى للمؤمنينَ ، الذينَ يدعونَهُ أنْ يأتِهِم في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً ، بأنَّ لهم نصيبٌ مما كَسَبوا ، وأنهُ قادرٌ على ذلكَ في سرعةٍ قُصوى ، في يومِ الحسابِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 201-202). وهوَ سريعُ الحسابِ بالعقوبةِ للكافرينَ وللذينَ اختلفوا مِنْ أهلِ الكتاب بغياً بينهم (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 19) ، وبالأجرِ لِمَنْ آمنَ منهم باللهِ وبكتبهِ السابقةِ وبالقرآنِ الكريمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 199) ، وللمطيعين والعصاةِ لأوامرِهِ التي تذكرُ ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم (الْمَائِدَةُ ، 5: 4). وهوَ سريعُ الحسابِ لِمَنْ يكفرُ ، ولا مُعَقِّبَ لحكمِهِ (الرَّعْدُ ، 13: 40-41) ، ولكلِّ نفسٍ بما كسبت (إبْرَاهِيمُ ، 14: 51) ، وللذينَ كفروا بهِ ، الذينَ سيجدونَ أنَّ لا فائدةَ لهم مِنْ أعمالِهم في الحياةِ الدنيا ، بسبب كفرِهِم (النُّورُ ، 24: 39)  ، ولكلِّ نفسٍ بما كَسَبَتْ ، بدونِ ظلمٍ لأيِّ أحدٍ كانَ (غَافِرُ ، 40: 17).

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾‏ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾‏ (الْبَقَرَةُ ، 2: 201-202).

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آلِ ع عِمْرَانَ ، 3: 19).

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 199). [79]

وقد أخبرَنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، في العديدِ مِنَ الآياتِ الكريمةِ ، عن حسابِهِ العادلِ لمخلوقاتِهِ في الآخِرَةِ. فذكرَ أنَّ كلَّ نفسٍ ستُحاسبُ على ما كسبتْ في حياتِها الدُّنيا ، مِنْ أقوالٍ وأفعالٍ ، وذلكَ على أساسِ كتابِها الذي لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (الْكِهْفُ ، 18: 49) ، ولو كانَ ذلكَ مثقالِ ذرَّةٍ مِنْ خيرٍ أو شرٍّ (الزَّلْزَلَةُ ، 99: 7-8).

وبالإضافةِ إلى الكتابِ الذي تكتبُهُ الملائكةُ لكلِّ نفسٍ (الانْفِطَارُ ، 82: 10-11 ؛ الزُّخْرُفُ ، 43: 80) ، فإنَّ الروحَ تشهدُ على أفعالِ المخلوقاتِ وأقوالِها بالصوتِ والصورةِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ الذاكرةِ التي يحتويها كلٌ مِنَ العقلِ والنفسِ وأعضاءِ الجسمِ المختلفةِ ، كالقلبِ والدماغِ. وستتكلَّمُ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم عليهِم (يَس ، 36: 65) ، إنْ هُم أنكروا ما هوَ مكتوبٌ في كُتُبِهِم ، أي أنّ حسابَ اللهِ لخلقِهِ ، عادلٌ ، لا ظلمَ فيهِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 281).  [80]

أمَّا عنِ السرعةِ في الحسابِ ، فيكفي الإشارةُ إلى مقدرةِ الإنسانِ الآنَ مِنْ إرسالِ الأخبارِ إلى جميعِ مَنْ في الأرضِ مِنْ خلالِ الأقمارِ الصناعيةِ وأجهزةِ الاستقبالِ ، مِنْ هواتفَ وحواسيبَ وأجهزةِ استقبالِ البثِّ المرئيِّ والمسموعِ. وأصبحَ بإمكانِ الحكوماتِ وقفُ عملِ هذهِ الأجهزةِ في أيةِ لحظةٍ ، لتوجيهِ رسالةٍ واحدةٍ للناسِ ، في وقتٍ واحدٍ ، بشأنِ خبرٍ ما ، أو للتحذيرِ مِنْ كارثةٍ أو خطرٍ. فإذا كانَ قد أصبحَ بمقدورِ الإنسانِ فعلُ ذلكَ ، فمنَ الأجدى أنْ نُقِرَّ بأنَّ خالقَ الإنسانِ هوَ أقدرُ وأسرعُ مِنْ خلقِهِ.

وكما جاءَ في الحديثِ الصحيحِ ، فإنَّ الملائكةَ مخلوقونَ مِنْ نورٍ ، مما يمكنُهُم مِنَ السفرِ بسرعةِ الضوءِ أو أسرعَ مِنْ ذلكَ ، لحملِ أوامرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وتنفيذِها في السماواتِ والأرضِ ، كما ذكرَ لنا ربُّنا في كتابِهِ الكريم ، مِنْ أنهُ "يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" (النَّحْلُ ، 16: 2) ، وأنَّهُ "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" (الْمَعَارِجُ ، 70: 4). [81]

وهكذا ، فإنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أخبرنا عنْ بعضِ المعلوماتِ التي تدلُّنا على مدى السرعةِ التي يتُمُّ بها تنفيذُ أوامرِهِ ومشيئتِهِ ، مما يساعدُنا على الاقترابِ مِنْ فهمها ، بما في ذلكَ سرعةِ حسابهِ ، تباركَ وتعالى ، لمخلوقاتهِ ، في يومِ الحساب.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، ذو الكمالِ والجلالِ ، وأنتَ الشاهدُ الكافيُ على ما نقولُ ونفعلُ ، نسألُكَ حُسنَ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، وحُسنَ الثوابِ في الآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على رؤيةِ ومعرفةِ أعمالِ الناسِ ، في السِّرِّ والعلنِ ، وهوَ وحدَهُ المحاسبُ لهم جميعاً في يومِ الحسابِ ، وفي سرعةٍ لا يقدِرُ عليها أحدٌ غيرُهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَسِيبِ" ، بدلاً مِنَ هذا الاسمِ المُرَكَّبِ ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ حسيباً على نفسِهِ ، أي محاسباً لها بانتظامِ. فيشكرُ اللهَ على الهدايةِ والتوفيقِ حينما يقولُ ويفعلُ ما يرضيهِ ، ويتوبُ إليهِ ويطلبُ المغفرةَ منهُ إذا وقعَ في معصيةٍ أو ارتكبَ أيٍّ مِنْ الآثامِ. وهوَ في ذلكَ يحافظُ على نفسِهِ طاهرةً ، بمداومةِ لومِهِ لها ، فيفوزُ برضى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ومديحِهِ لها ، بقولِهِ: "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" (الْقِيَامَةُ ، 75: 2). وهكذا ، فإنَّ "سَرِيعَ الْحِسَابِ" مِنَ الناسِ هوَ مَنْ يحاسبُ نفسَهُ بأسرعِ ما يمكنُهُ ذلكَ ، أي بمجردِ إدراكِهِ لذنبِهِ ، فيسارعُ للتوبةِ وطلبِ المغفرةِ مِنَ اللهِ ، والاعتذارِ لمنْ أخطأ في حقِّهِم مِنَ الناسِ ، وتصحيحِ ما ارتكبَهُ بحقِّهِم.

69. أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ

"أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أَسْرَعُ" ، وهيَ صفةٌ للتفضيلِ بينَ اثنينِ أو أكثرَ. وهيَ ، مُشْتَقَةٌ مِنَ الفعلِ "سَرُعَ" ، الذي يعني عَجَّلَ أو حَثَّ الْخُطَى. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاسِبِينَ" ، فهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، الذي يعني عَدَّ وأحصى ، والذي يشتركُ فيهِ معَ اسمٍ آخَرَ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "سَرِيعُ الْحِسَابِ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ " يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أسرعُ مِنْ أيِّ مخلوقٍ كانَ في حسابِ أعمالِ الخلقِ ، مهما صغرتْ أو أخفيتْ ، ومحاسبتِهم بناءً على ذلكَ. 

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 62 مِنْ سورةِ الأنْعَامُ (6) ، التي تذكرُ بأنَّ الخلقَ سيردونَ إلى خالِقِهم الحقِّ ، ليحكمَ فيهِم ، وهوَ في ذلكَ أسرعُ الحاسبينَ.

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

وبخصوصِ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يمكنُ الاستفادةُ مما تمتْ الإشارةُ إليهِ في اسمِ "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، الذي وردَ أعلاهُ.

70. الْكَرِيمُ  

"الْكَرِيمُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَرُمَ" ، الذي يعني أعطى وجادَ بسهولةٍ وَوَفْرَةٍ ، وعنْ طيبِ خاطرٍ. كما يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ ونَفِسَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْكَرِيمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُعطي خلقَهُ ويجودُ عليهِم بسهولةٍ ووفرةٍ ، في هذهِ الدُّنيا ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوهُ عنْ ذلكَ. وهوَ الذي يجودُ بكرمِهِ على عبادِهِ المؤمنينَ ، بالثوابِ الجزيلِ في الآخِرَةِ. وهكذا ، فإنَّ كَرَمَهُ ، جلَّ وعلا ، لخلقِهِ يدلُّ على عظمتِهِ وعزتِهِ وغناهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً ، ومَرَّةً واحدةً مُنَكَّرَاً. فجاء َ في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ لم يخلِقْنا عبثاً ، وأننا سنرجعُ إليهِ لا محالةَ ، ومُعَظِّمَاً لذاتِهِ بذكرِ خمسةٍ مِنْ أسمائِهِ الحسنى ، هي: اللَّهُ ، الْمَلِكُ ، الْحَقُّ ، رَبُّ الْعَرْشِ ، الْكَرِيمِ ، أي العظيمُ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116). وجاء في سياقٍ آخرَ مُذَكِّرَاً الإنسانَ بأفضالِ اللهِ وكرمِهِ عليهِ ، وذلكَ بذكرِ المراحلِ الأربعِ الأولى للخلقِ الأولِ ، وهيَ: بثُّ الحياةِ والتسويةُ والاعتدالُ والتصويرُ (الانْفِطَارُ ، 82: 6-8). كما جاءَ في سياقِ تذكيرِ الإنسانِ بأنَّ كَرَمَهُ لخلقِهِ صفةٌ أصيلةٌ فيهِ ، عزَّ وجلَّ ، ولا علاقَةَ له بشكرِهِم لهُ أو كفرِهِم بهِ (النَّمْلُ ، 27: 40).

 أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116).

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿٦﴾‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾‏ (الانْفِطَارُ ، 82: 6-8).

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (النَّمْلُ ، 27: 40).

وقد قدَّمَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، وصفاً جميلاً للهِ ، تباركَ وتعالى ، منْ خلالِ هذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، فقالَ: "الكريمُ هوَ الذي إذا قدِرَ عفا ، وإذا وعدَ أوفى ، وإذا أعطى زادَ على مُنتهى الرجاءِ. ولا يُبالي كم أعطى ولِمنْ أعطى. وإنْ رُفعتْ حاجةٌ إلى غيرِهِ لا يَرضى. وإذا جُفيَ عاتبَ وما استقصى. ولا يَضيعُ مَنْ لاذَ بهِ والتجأَ (إليهِ) ، ويُغنيهُ عنْ الوسائلِ والشفعاءِ. فمنْ اجتمعَ لهُ جميعُ ذلكَ ، لا بالتكلَفِ ، فهوَ الكريمُ المُطْلَقُ ، وذلكَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، فقط." [82]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْكَرِيمُ" ، ، نسألُكَ أنْ تجودَ علينا بكرمِكَ العظيمِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْكَرِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لخلقِهِ جميعاً بسهولةٍ ووفرةٍ ، في هذهِ الدُّنيا ، وهوَ الذي يجودُ بكرمِهِ على عبادِهِ المؤمنينَ ، بالثوابِ الجزيلِ في الآخِرَةِ.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْكَرِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. كما يجوزُ أن يُسمى الولدُ "كريماً" والبنتُ "كريمةً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ووصفَ بها رُسُلَهُ ، تكريماً وتشريفاً لهم. فوصفَ بها موسى ، عليهِ السلام (النَّمْلُ ، 27: 29) ، ومحمداُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (الْحَاقَّةُ ، 69: 40). كما وصفَ بها عطاءَهُ الوفيرَ ، ورزقَهُ لعبادِه في الجنةِ (سَبَأُ ، 34: 4) ، والأجرَ العظيمَ للمؤمنينَ ، في الآخِرَةِ (الأحْزَابُ ، 33: 44).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ كريماً مِعطاءً مِمَّا جادَ عليهِ ربُّهُ بهِ مِنْ مالٍ ونعمةٍ ، لأنَّ ذلكَ ابتلاءٌ مِنْ ربِّهِ لهُ ، ليرى شكرَهُ وطاعتَهُ أو كفرَهُ وعصيانَهُ (الْفَجْرُ ، 89: 15). كما أنَّ أكرمَ الناسِ عندَ اللهِ هوَ أتقاهُم لهُ ، أي أكثرَهم طاعةً وشكراً لهُ (الْحُجُرَاتُ ، 49-13). وقد ذكرَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنَّ إكرامَ الضيفِ مِنْ علاماتِ الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ.   [83]

71. الْأكْرَمُ

"الْأكْرَمُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَرُمَ" ، الذي يعني أعطى وجادَ بسهولةٍ وَوَفْرَةٍ ، وعنْ طيبِ خاطرٍ. كما يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ ونَفِسَ. وهوَ يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْكَرِيمِ" ، الذي تمَّ ذكرُهُ أعلاه. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الْأكْرَمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأكثرُ عطاءً وجوداً مِنْ أيِّ مخلوقٍ آخرَ ، لأنهُ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لخلقهِ كلِّهِم في هذهِ الدنيا ، بينما الكرماءُ الآخرونَ مِنْ خلقِهِ محدودونَ في قدرتِهِم على العطاء ، زماناً ومكاناً وكيفيةً. وهوَ الأكرمُ أيضاً لأنَّهُ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لعبادِهِ في الآخرة. وهكذا ، فإنَّ كَرَمَهُ ، جلَّ وعلا ، لخلقِهِ يدلُّ على عظمتِهِ وعزتِهِ وغناهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً. فجاء َ في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لأفضالِهِ على الإنسانِ ، التي لا يمكنُ لأحدٍ غيرِهِ أنْ يقومَ بها. فهوَ الأكرمُ الذي ، خلقَ الإنسانَ ببثِ الحياةِ على هذا الكوكبِ في المقامِ الأولِ ، وفي الرحمِ بعدَ ذلكَ. وهوَ الذي علَّمَ مخلوقاتَهُ القراءةَ والكتابةَ ، مما مكنَ الإنسانَ مِنْ التعلُّمِ. جاءَ ذلكَ في أولِ سورةِ العلقِ ، التي تشتملُ على أولِ كلمةٍ نزلتْ في القرآنِ الكريمِ ، وهيَ "اقرأ" ، تأكيداً على أنَّ تعليمَ الإنسانِ القراءةَ والكتابةَ هيَ مِنْ أعظمِ أوجِهِ كرمِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، عليهِ (الْعَلَقُ ، 96: 1-5).

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾‏ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾‏ (الْعَلَقُ ، 96: 1-5).

وبخصوصِ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يمكنُ الاستفادةُ مما تمتْ الإشارةُ إليهِ في اسمِ "الْكَرِيمِ" ، الذي وردَ أعلاهُ.

72. الرَّقِيبُ

"الرَّقِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَقَبَ" ، الذي يعني رَصَدَ ، ونَظَرَ بتمعنٍ ، ولاحَظَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الرَّقِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُرَاقِبُ كلَّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، أي أنهُ الشهيدُ على أفعالِهِم ، علماً وسمعاً وبصراً. وهوَ المطلعُ على سرائرِهِم وضمائرِهِم ، الذي لا يغيبُ عنهُ شيءٌ ، ولا تخفى عليهِ خافيةٌ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً. فجاءَ "الرَّقِيبُ" بمعنى "الشَّهِيدِ" في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لمسائلتهِ لرسولِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، بعدَ رفعهِ إليهِ. فسألَهُ عما إذا كانَ قد قالَ للناسِ أنْ يتخذوهُ وأمَّهُ إلهينِ مِنْ دونِ اللهِ. فأجابهُ بأنهُ لم يقلْ لهم إلا ما أمرَهُ بهِ ، أي أنْ يعبدوا اللهَ ، ربَّهُ وربَّهم. وأضافَ بأنهُ كانَ شهيداً عليهِم ما دامَ فيهِم. أمَّا بعدَ رفعِهِ ، فإنَ اللهَ كانَ هوَ الرقيبُ عليهِم ، وهوَ على كلِّ شيءٍ شهيدُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116-117).

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116).

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 117).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّراً. فجاءَ في سياقِ تذكيرِ اللهِ للناسِ بأنهُ خلقَهم مِنْ نفسٍ واحدةٍ ، ثمَّ خلقَ منها زوجَها ، وبثَّ منهما خلقاً كثيراً بعدَ ذلكَ ، مما يستوجبُ منهم أن يتقوهُ بعبادتِهِ والطاعةِ له ، وبصلةِ أرحامِهِم بالبرِّ والإحسانِ. وهوَ رقيبٌ عليهِم وشهيدٌ على ما يقولونَ وما يفعلونَ (النِّسَاءُ ، 4: 1). كما جاءَ في سياقِ تحديدِ عددِ زوجاتِ النبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ (الأحْزَابُ ، 33: 52).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النِّسَاءُ ، 4: 1).

لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (الأحْزَابُ ، 33: 52).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الرَّقِيبُ" عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ، نسألُكَ أنْ تحفظنا مِنْ كلِّ سوءٍ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الرَّقِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على مُرَاقَبَةِ كلَّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، وهوَ الشهيدُ على أفعالِهِم ، والحفيظُ عليها ، علماً وسمعاً وبصراً. وهوَ الْمُطَّلِعُ على سرائرِهِم وضمائرِهِم ، الذي لا يغيبُ عنهُ شيءٌ ، ولا تخفى عليهِ خافيةٌ.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الرَّقِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ رقيباً على نفسهِ وعلى مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم أو قريبٌ منهم ، بما يؤدي إلى دوامِ الطاعةِ لخالقِهِم. فقد ذكرَ القرآنُ الكريمُ أنَّ هناكَ رقيباً عتيداً مِنَ الملائكةِ لكلّ ما يَلْفِظُهُ الإنسانُ مِن قولٍ (ق ، 50: 18). كما وُصِفَ نبيُّ اللهِ ، شعيبٌ ، بأنهُ رقيبٌ أيضاً ، وذلكَ في معرضِ انتظارِ عقوبةِ اللهِ التي حلتْ بالكافرينَ مِنْ قومِهِ (هُودُ ، 11: 93).

73. الْقَرِيبُ

"الْقَرِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَرُبَ" ، الذي يعني دَنَا مِنَ المكانِ أو الشخصِ ، وهوَ عكسُ "بَعُدَ" عنهما. كما اشتُقَتْ منهُ "القرابةُ" بينَ الناسِ على أساسِ النسبِ أو الرَّحِمِ ، والقربُ بينَهم في الصفاتِ والأفكارِ.

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَرِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قريبٌ مِنْ خلقِهِ عموماً ، ومِنْ عبادِهِ المؤمنينَ الذينَ يدعونَهُ ، على وجهِ الخصوصِ. فهوَ قريبٌ منهم ، بقدرتِهِ على سماعِهم ورؤيتِهم ومعرفةِ ما يفعلونَ سراً وعلانيةً ، كما تدلُّنا على ذلكَ أسماؤهُ الحسنى السميعُ والبصيرُ والعليمُ. كما أنَّهُ قريبٌ مِنْهم ، مِنْ خلالِ ملائكتِهِ ، القادرينَ على دخولِ أجسادهم ، كما تخبرُنا الآياتُ الكريمةُ (قَ ، 50: 16 ؛ الْوَاقِعَةُ ،  56: 83-85).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ إعلانِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبادِهِ المؤمنينَ بأنهُ قريبٌ منهم ، وتشجيعِهِ لهم بأنْ يدعوهُ ، واعداً إياهم بالاستجابةِ لدعواتِهِم ، وبإرشادِهِم إلى سَواءِ السبيلِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186). وجاءَ في سياقِ دعوةِ صالحٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ ويتوبوا إليهِ ويستغفروهُ ، فهوَ قريبٌ بمعنى أنهُ يسمعُ توبتَهُم واستغفارَهُم ، وهو مُجيبٌ بقبولِ التوبةِ وبالمغفرةِ للمستغفرينَ (هُودُ ، 11: 61). كما جاءَ هذا الاسمُ في سياقِ أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ محمدٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، بأنْ يخبرَ الناسَ بأنَّ اللهَ سميعٌ قريبٌ ، يعلمُ ما يقولُهُ رسولُهُ لهم ، ويؤكدُ لهم أنَّ ما يأتي لهم بهِ مِنْ هدايةٍ ، هوَ مِنْ ربِّهِ ، عزَّ وجلَّ (سَبَأُ ، 34: 50).

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هُودُ ، 11: 61).

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سَبَأُ ، 34: 50).

وعنْ قربِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، مِنْ خلقِهِ ، تَذْكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ بأنهُ أقربُ للإنسانِ مِنْ حبلِ الوريدِ ، وذلك مِنْ خلالِ ملائكتِهِ ، القادرينَ على دخولِ جسدهِ ، والسيرِ في عروقِهِ مع الدمِ الذي يَضُخُّهُ القلبُ إلى أجزاءِ الجسمِ المختلفةِ ، محملاً بالأكسجينِ والغذاءِ إليها. كما أنهم قادرونَ على السيرِ في العروقِ التي تحملُ ثاني أكسيد الكربون والفضلات مِنْ تلكَ الأجزاءِ إلى القلبِ ، للتخلص منها. ومِنْ هذهِ العروقِ "حبلِ الوريدِ" ، الذي يعملُ كقناةِ صرفٍ لتلكَ الفضلاتِ الضارةِ ، فيقومُ بنقلِها مِنَ الرأسِ ، بما في ذلكَ الدماغِ ، إلى القلبِ. وبدونِ ذلكَ ، تتراكمُ الفضلاتُ الضارةُ ويزدادُ الضغطُ في الدماغِ مما يؤثرُ على أدائهِ لوظائفهِ أو حتى يهددَ حياتَهُ. وتشيرُ الآياتُ الكريمةُ أيضاً إلى أنَّ الوسوسةَ تحدثُ في النفسِ ، التي هي جزءٌ مِنَ العقلِ المستوطنِ في دماغِ الإنسانِ. أي أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، يخبرنا بأنهُ أقربُ إلى دماغِ الإنسانِ ، مِنْ خلالِ ملائكتهِ ، مِنْ حبلِ الوريدِ المتصلِ مباشرةً بذلكَ الدماغِ وما يحتويَهُ مِنْ عقلٍ ونفسٍ (قَ ، 50: 16). كما أشارَ ، جلَّ شأنُهُ ، إلى نفسِ المعنى في آياتٍ أخرى ، بقولِهِ أنَّهُ أقربُ إلى المُحْتَضِرِ مِنْ أهلِهِ وأقاربِهِ المحيطينَ بِهِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ ملائكتِهِ المكلفينَ بقبضِ روحِهِ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 83-85 ؛ السَّجْدَةُ ، 32: 11).    

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (قَ ، 50: 16).

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾‏ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴿٨٤﴾‏ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 83-85).

قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 11).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْقَرِيبُ" بسمعِكَ وبصرِكَ وعلمِكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ. [84]

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَرِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على السمعِ والبصرِ والعلمِ بكلِّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، وهوَ وحدَهُ القادرُ على إجابةِ خلقِهِ ما يسألوهُ في دعائِهم لهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَرِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً ليكونَ قريباً مِنْ ربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يكونَ قريباً مِنْ أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ومنْ يتعاملُ معهم ، وذلكَ بالتفاعلِ معَهم ، والسؤالِ عنْ أحوالِهِم ، والتعرفِ على ظروفِهِم ، حتى يستطيعَ تقديمَ النصحِ والعونِ لهم ، ما أمكنَهُ إلى ذلكَ مِن سبيلٍ.

74. المُّجِيبُ

"المُّجِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أجَابَ" ، الذي يعني رَدَّ على شخصٍ ، وأفادَهُ عَمَّا استفسرَ عنهُ ، وقضى لهُ حاجتَهُ ، وأعطاهُ ما سألَ عنهُ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "المُّجِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يقبلُ دعاءَ عبدِهِ ونداءَهُ ، ويستجيبُ لهُ ، ويُعطيه ما سألَ ، ويقضِيَ لهُ حاجتَهُ ، إنْ شاءَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ دعوةِ رسولِ اللهِ صالحٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ ويتوبوا إليهِ ويستغفروهُ ، فهوَ قريبٌ ، أي أنهُ يسمعُ توبتَهُم استغفارَهُم ، وهو مُجيبٌ ، بقبولِ التوبةِ وبالمغفرةِ للمستغفرينَ (هُودُ ، 11: 61).

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هُودُ ، 11: 61).

وقد وعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عبادَهُ المؤمنينَ بالاستجابةِ لدعائِهم ، وبإرشادِهم للطريقِ المستقيمِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186) ، فقالَ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (فَاَطِرُ ، 40: 60) ، وقالَ: "اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنْفَالُ ، 8: 24) ، وقالَ: "اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ" (الشُّورَى ، 42: 47). وذكرَ بأنَّهُ يجيبُ المضطرَ إذا دعاهُ ، ويكشفُ السوءَ عنهُ (النَّمْلُ ، 27: 62).

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (فَاَطِرُ ، 40: 60).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنْفَالُ ، 8: 24).

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ (الشُّورَى ، 42: 47).

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (النَّمْلُ ، 27: 62).

وعنْ استجابةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للدعاءِ ، روى عُبادةُ بنُ الصامتِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: ما على الأرضِ مسلِمٌ ، يدعو اللَّهَ تعالى بدعوةٍ ، إلَّا آتاهُ اللَّهُ إيَّاها ، أو صرفَ عنْهُ منَ السُّوءِ مثلَها ، ما لم يدعُ بمأثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ. فقالَ رجلٌ منَ القومِ: إذًا نُكثرُ. قالَ: اللَّهُ أَكثَرُ." [85]

وعنْ قدرتِهُ ، عزَّ وجلَّ ، على الإجابةِ لِمَنْ يدعوهُ مِنْ عبادِهِ ، روى أبو ذرٍ الغفاري ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: قالَ اللهُ تعالى: "يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم ، وإِنسَكُم وجِنَّكُم ، قاموا في صعيدٍ واحدٍ ، فسألوني فأعطيْتُ كلَّ إِنسانٍ مسألَتَهُ ، ما نقَصَ ذلِكَ مِمَّا عندي ، إِلَّا كما يَنقُصُ الْمِخْيَطُ (الإبرة) إذا أُدْخِلَ البحرَ." [86]

وذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أمثلةً عديدةً عنْ استجابتِهِ لعبادِهِ المؤمنينَ الذينَ يتجهونَ إليهِ بالدُّعاءِ. فاستجابَ للذينَ "هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ" وَأُوذُوا فِي سَبِيلِهِ "وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا" ، بالتكفير عن سيئاتِهم وإدخالِهم الجنةِ (آلِ عِمران ، 3: 195). واستجابَ لمجاهدي معركةِ بدرٍ بإمدادِهِم "بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال ، 8: 9). وأجابَ دعوتي موسى وهارونَ ، عليهِما السلامُ ، بالطمسِ على أموالِ فرعونَ وملئِهِ وبالتشديدِ على قلوبِهِم (يونس ، 10: 88-89). واستجابَ لدعوةِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بصرفِ كيدِهُنَ عليهِ (يوسف ، 12: 34) ، ولدعوةِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، فنجاهُ "وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" (الأنبياء ، 21: 76) ، ولدعوةِ أيوبَ ، عليهِ السلامُ ، فكشفَ ما بهِ مِنْ ضُرٍّ (الأنبياء ، 21: 84) ، ولدعوةِ يونسَ ، عليهِ السلامُ ، فنجاهُ مِنَ الغَمِّ (الأنبياء ، 21: 88) ، ولدعوةِ زكريا ، عليهِ السلامُ ، فوهبَ لهُ يحيى وأصلحَ لهُ زوجَهُ (الأنبياء ، 21: 90). [87]

كما ذكرَ لنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، أنَّ مِنْ صفاتِ المؤمنينَ الاستجابةَ لدعوةِ رُسُلِ اللهِ لهم بالإيمانِ بهِ وطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، فوعدَهُم حُسْنَ الثوابِ والأجرَ العظيمَ في الآخِرَةِ. جاءَ ذلكَ في الإشارةِ إلى "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ" (آلِ عِمران ، 3: 172) ، و "لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ" (الرعد ، 13: 18) ، "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الشورى ، 42: 38). وقالَ ، جلَّ شأنُهُ: "وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ" (الشورى ، 42: 26).

وأشارَ ، جلَّ وعلا ، إلى أنَّ مِنْ صفاتِ الكافرينَ أنهم لا يستجيبونَ لدعوةِ الرسولِ والمؤمنينَ لهم بالإيمانِ باللهِ (فاطر ، 35: 14) ، وأنهم يدعونَ مِنْ دونِ اللهِ مَنْ لا يستجيبُ لهم (الأحقاف ، 46: 5) ، وأنَّهم يستجيبونَ للشيطانِ (إبراهيم ، 14: 22). ولذلكَ ، فإنهُ توعدَهم بأنَّ مَنْ "لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الأحقاف ، 46: 32) ، وأنَّ "... الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (الرعد ، 13: 18).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ المُجِيبُ" لِمَنْ يسألُكَ مِنْ عبادِكَ ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ. [88]

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُجِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ القادرُ على سماعِ دعاءِ عبادِهِ كلِّهِم ، وعلى الاستجابة لهم ،  وإعطائِهم ما يسألونه عنهُ ، وقضاءِ حاجاتَهم ، إنْ شاءَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُجِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً للاستجابةِ لربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يستجيبَ لسؤالِ مَنْ يسألُهُ أو يستجيرُ بِهِ أو يطلبُ عونَهُ. ولا يقتصرُ ذلكَ على أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ولكنهُ يشملُ منْ يتعاملُ معهم ، ومَنْ يلجأُ إليهِ ، ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا.

75. نِعْمَ الْمُجِيبُونَ

"نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ. وقد وردت كلمةُ "نِعْمَ" في ستةٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، هيَ: نِعْمِ الْمُجِيبُونَ ، و نِعْمَ الْوَكِيلُ ، و نِعْمَ الْمَوْلَى ، و نِعْمَ النَّصِيرُ ، و نِعْمَ الْقَادِرُونَ ، و نِعْمَ الْمَاهِدُونَ. كما وردت في مديحِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبديهِ سليمانَ ويونسَ ، عليهِما السلامُ ، وللصدقاتِ ، والقائمينَ بأعمالِ الخيرِ ، والمتقينَ ، والثوابِ.   [89]

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمُجِيبُونَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أجَابَ" ، الذي يعني رَدَّ على شخصٍ ، وأفادَهُ عَمَّا استفسرَ عنهُ ، وقضى لهُ حاجتَهُ ، وأعطاهُ ما سألَ عنهُ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ للمديحِ والثناءِ عليهِ ، لأنهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ في إجابتِهِ لدُعاءِ عبادِهِ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونهُ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شاءَ. وهوَ في ذلكَ خيرٌ مِنْ خلقِهِ جميعاً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 75 مِنْ سورةِ الصَّافَّاتِ (37). وجاءَ ذلكَ في مَعرِضِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لِمَا حدَثَ لرسولِهِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ تكذيبِ قومِهِ لهُ ، واتهامِهِ بالجنونِ. فاشتكاهمُ لربِّهِ ، وطلبَ منهُ النصرَ عليِهِم (الْقَمَرُ ، 54: 9-10) ، والنجاةَ لهُ ومَنْ معهُ مِنَ المؤمنينَ. فأنجاهُم ربُّهُم في الفلكِ المشحونِ ، وأغرقَ الكافرينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 117-120). 

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾‏ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾‏ (الصَّافَّاتُ ، 37: 75-76).

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴿١٠﴾‏ (الْقَمَرُ ، 54: 9-10).

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴿١١٧﴾‏ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾‏ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١١٩﴾‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ﴿١٢٠﴾‏ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 117-120).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" وأكثرُهم وأفضلُهم وأحسنُهم في الإجابةِ لدُعاءِ عبادِكَ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونكَ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شِئتَ. اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ في إجابتِهِ لدُعاءِ عبادِهِ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونهُ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شاءَ. وهوَ في ذلكَ خيرٌ مِنْ خلقِهِ جميعاً.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُجِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ولا مانعَ من مديحِ العبدِ الصالحِ ، على قيامِهِ بصالحِ الأعمالِ ، باستعمالِ الكلمةِ الأولى مِنْ هذا الاسمِ "نِعْمَ" ، وذلكَ تأسياً بمديحِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لسليمانَ وأيوبَ ، عليهما السلام ، حيثُ وصفَ كلاً منهما بأنهُ "نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ" (ص ، 38: 30 ، 44).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، كما تمَّ ذِكرُهُ في اسمِ "الْمُجِيبِ" ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً للاستجابةِ لربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يستجيبَ لسؤالِ مَنْ يسألُهُ أو يستجيرُ بِهِ أو يطلبُ عونَهُ. ولا يقتصرُ ذلكَ على أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ولكنهُ يشملُ منْ يتعاملُ معهم ، ومَنْ يلجأُ إليهِ ، ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا.

76. الْوَدُودُ

"الْوَدُودُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَدَّ" ، الذي يعني أحَبَّ ، وتمنى القربَ مِنْ شخصٍ ، وتواصلَ معَهُ لجلبِ المحبةِ والتعبيرِ عنها. كما يعني رَغِبَ في شيءٍ ، أو تمنى حدوثَهُ لشخصٍ أو جماعةٍ ما. [90]

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْوَدُودَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المحبُّ لخلقِهِ ، الرؤوفُ بهِم ، المُحسنُ إليهِم. وعلى الأخصِّ ، فهوَ محبٌ لعبادِهِ المؤمنينَ ، كما أعلنَ في كتابِهِ الكريمِ. فهوَ يحبُّ المحسنينَ ، والتوابينَ والمتطهرينَ ، والمتقينَ ، والصابرين ، والمتوكلينَ ، والمقسطينَ ، و "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ." [91]

ومن حبِّه ، تباركَ وتعالى ، لعبادِهِ أنهُ وعدَ المؤمنينَ الصالحين منهم بأنْ يجعلَ لهم وُدَّاً ، أي محبةً ومودة في القلوبِ ، وأنهُ جعلَ بينَ الأزواجِ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ، كما قالَ في كتابِهِ الكريم:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (مَرْيَمُ ، 19: 96).

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الرُّومُ ، 30: 21).

وقد روى أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "إنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال : إني أُحِبُّ فلانًا فأَحبَّه ، فيُحبُّهُ جبريلُ ، ثم ينادي في السماءِ فيقولُ : إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ ، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ في الأرضِ." [92]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ شديدُ البطشِ بالكافرينَ ، ولكنهُ غفورٌ ودودٌ للمؤمنينَ. وهوَ الذي بدأ الخلقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ، وهوَ ذو العرشِ ، المجيدُ ، الذي يفعلُ ما يريدُ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً أُخْرَى في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ تحذيرِ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بعقابِ ربِّهم إنْ لمْ يتوقفوا عنِ الغشِّ في معاملاتِهم التجاريةِ (هود ، 11: 84-85) ، وأنْ يستغفروا ربَّهم ويتوبوا إليهِ ، فهوَ رحيمٌ ودودٌ (هُودُ ، 11: 90).

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾‏ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ (البروج ، 85: 12-16).

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (هُودُ ، 11: 90).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْوَدُودُ" ، أنزلْ محبتي في قلوبِ مَنْ أحبُّ ، مِنْ أهلي وأقاربي والمؤمنينَ ، وأدِمْ الوصلَ بيني وبينهم بالخيرِ ، طاعةً لكَ ، وسعياً لما يرضيكَ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْوَدُودِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ المحبُّ لخلقِهِ ، الرؤوفُ بهِم ، المُحسنُ إليهِم جميعاً ، وعلى الأخصِّ لعبادِهِ المؤمنينَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَدُودِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ولا مانعَ من مديحِ المؤمنِ بوصفهِ بأنهُ "وَدُودٌ" ، تزكيةً لهذهِ الصفةِ الجميلةِ النافعةِ.

والمؤمنُ "الْوَدُودُ" هوَ الذي يسعى جاهداً في إظهارِ حبِّهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ والمؤمنينَ كافةً ، وذلكَ بالتراحُمِ والتعاطفِ معهم ، وأن يُحبَّ للناسِ ما يحبُّ لنفسِهِ ، كما أوصانا بذلكَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

فعن النعمان بن بشير ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ ، مثلُ الجسَدِ ، إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ ، تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى." 

وعن يزيد بن أسد ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "أحِبَّ للنّاسِ ما تُحِبُّ لِنفسِكَ." [93]

77. الْحَمِيدُ

"الْحَمِيدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَمَدَ" ، الذي يعني شَكَرَ شخصاً وأثنى عليهِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْحَمِيدَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ لِشُكْرٍ عبادِهِ لهُ وثناِئِهِم عليهِ ، لِنَعَمِهِ التي لا تُحصى ، والتي أسبَغَها عليهِم. فهوَ الذي خلقَ الكونَ ، بما فيهِ مِنْ سماواتٍ وأرضينَ ، ووهبَ الحياةَ لمخلوقاتِهِ ، وقدَّرَ لها أقواتَها ، وهيأ لها مصادرَ أرزاقهَا في الحياةِ الدُّنيا ، وفي الآخِرَةِ. فهوَ وحدَهُ المحمودُ بحقٍ ، الذي يستحقُّ مِنْ عبادِهِ الْحَمْدَ والشُّكْرَ والثَّناءَ عليهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عشرَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ وحدَهُ مَعَ ذكرِ النعيمِ المقيمِ في الآخِرَةِ للذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ في الحياةِ الدُّنيا ، وهداهمُ اللهُ إلى الطَّيبِ مِنَ القولِ ، وإلى صراطِهِ المستقيمِ ، فاستحق ، عزَّ وجلَّ ، منهم الْحَمْدَ والثناءَ (الْحَجُّ ، 22: 23-24). وجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ الْوَلِيُّ ، مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، بأنهُ يُنَزِّلُ الغيثَ ، وينشرُ رحمتَهُ على عبادِهِ ، لأنهُ هوَ وليُّهُم ، المستحِقُّ لحمدِهِم وشكرِهِم لهُ (الشُّورَى ، 42: 28). وجاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ معَ أسمٍ ثالِثٍ ، هوَ الْعَزِيزُ ، مَعً ذكرِ أفضالِ اللهِ على عبادِهِ ، بأنْ أنزل القرآنَ الكريمَ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ليخرِجَهُم مِنَ الظلُماتِ إلى النورِ ، فاستحقَ أنْ يُحمَدَ ويُعترَفَ لهُ بالعزَّةِ (إبْرَاهِيم ُ، 14: 1). وذكرَ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ باستطاعةِ أولي العلمِ بكتبهِ السابقةِ أن يروا بأنَّ هذا القرآنَ هوَ الحقُّ ، وأنهُ يهدي إلى صراطِ ربِّهِم ، الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (سَبَأُ ، 34: 6). وجاءَ اسمُ الْحَمِيدِ أيضاً في سياقِ ذكرِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لقصةِ أصحابِ الْأُخْدُودِ ، الذينَ عُذبوا وقُتلوا لا لشيءٍ إلَّا لإيمانِهِم بالْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (الْبُرُوجُ ، 85: 8).

وجاءَ اسمُ "الْحَمِيدِ" خمسَ مرَّاتٍ مقترناً معَ اسمٍ رابعٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "الْغَنِيُّ." فكانَ ذلكَ ضِمْنَ تذكيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لعبادِهِ بأنه هوَ الذي يُنَزِّلُ الماءَ مِنَ السماءِ ، رحمةً بهِم. فهوَ الْغَنِيُّ ، لأنهُ الذي خلقَ السماواتِ والأرضَ ، ولهُ كلُّ مَنْ فيهِنَّ. ولذلكَ ، فهوَ يستحقُّ منهم الحمدَ والشكرَ والثناءَ عليهِ (الْحَجُّ ، 22: 64 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 26). وجاءَ في سياقِ تذكيرِ الناسِ بأنهُ هو الْغَنِيُّ ، وأنهم هُم الفقراءُ إليهِ ، مما يتوجبُ عليهِم حمدَهُ وشكرَهُ ، على ما آتاهم مِنْ نِعَمٍ (فَاطِرُ ، 35: 15) ، ومَعَ نهيهِ ، عزَّ وجلَّ ، عَنِ البخلِ والأمرِ بهِ ، وأنهُ لو بَخِلَ الناسُ أم لم يبخلوا ، فلن يُنقِصَ ذلكَ مِنْ مٌلكِهِ شيئاً ، لأنهُ هوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَدِيدُ ، 57: 19). فهنيئاُ لِمَنْ يرجو اللهَ واليومَ الآخِرَ. أمَّا أولئكَ الذينَ يتولَوْنَ عَنْ الإيمانِ بهِ ، فإنهُ لا يحتاجُهُم ، لأنهُ هوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 6).  

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (الْحَجُّ ، 22: 24).

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (الشُّورَى ، 42: 28).

الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبرَاهِيمُ ، 14: 1).

لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَجُّ ، 22: 64).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ سَبْعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "هوَ "مَّجِيدٌ" ، مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، لِرَدِّ الملائكةِ على زوجةِ إبراهيمَ ، عليهِما السلامُ ، التي عبَّرَتْ عَن استغرابِها للبشارَةِ لها بالِحَمْلِ في تلكَ السِّنِّ المتأخرةِ مِنْ عُمُرِها. فقالوا لها ألَّا تعجبَ مِنْ أمرِ اللهِ ، بَلْ تشكرَهُ على ذلكَ ، فهوَ أهلُ الحمدِ والتمجيدِ (هُودُ ، 11: 73). وجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً معَ اسمٍ ثانٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، "هوَ "حَكِيمُ" ، مَعَ ذِكْرِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ القرآنَ الكريمَ حقٌ وصدقٌ ، لم يَدْخُلْهُ الباطلُ أثناءَ التنزيلِ ، ولنْ يَدْخُلَهُ في مستقبلِ الزمانِ ، لأنهُ مِنْ عندِ اللهِ الحكيمِ ، المستحِقِ لحمدِ عبادِهِ وثنائِهِم عليهِ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

كما جاءَ خَمْسَ مَرَّاتٍ مَعَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "غَنِيُّ" ، في مَعْرِضِ تحذيرِ موسى ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنهم إنْ كفروا بربِّهِم ، هم ومَنْ في الأرضِ جميعاً ، فإنهُ غَنِيٌّ عنهم. وهوَ أهلٌ للحمدِ والثناءِ عليهِ ، لِما تفضلَ عليهِم مِنْ نِعَمٍ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8). وجاءَ في سياقِ أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للمؤمنينَ بأنْ يُنفقوا مِنْ طيباتِ أموالِهم ، وليس مِنَ المَعيبِ أو الخبيثِ منها. فإنْ لم يفعلوا ، فإنهُ يُذَكِّرُهُم بأنهُ غنيٌّ عنهم ، وأنهُ أهلٌ للحمدِ على نِعَمِهِ التي أسبغها عليهِم (الْبَقَرَةُ ، 2: 267). كما جاءَ مَعَ توصيةِ أهلِ الكتابِ بالتقوى ، وإنهم إنْ كفروا بربِّهِم ، فهوَ في غنىً عنهم ، لأنَّ لهُ ما في السماواتِ والأرضِ ، وهوّ أهلٌ للحمدِ والشكرِ على نِعَمِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 131). كما جاءَ في الإشارةِ إلى فضلِ اللهِ على لقمانَ ، بأنْ آتاهُ الحكمةَ. فإنْ شكرَ ربَّهُ على ذلكَ ، فهوَ المستفيدُ. أما مَن كفرَ ، فإنَّ اللهَ غنيٌ حميد (لُقْمَانُ ، 31: 12). وجاءَ معَ التذكيرِ بأنَّ اللهً ، تباركَ وتعالى ، أرسلَ الرسلَ لهدايةِ البشريةِ ، فاستحقَ مِنَ الناسِ أنْ يشكروهُ على ذلكَ. لكنَّ كثيراً منهم كفروا برسلِهِ وبالبيناتِ التي أتوا بها ، فاستحقوا عذابَ الدُّنيا والأخِرَةِ (التَّغَابُنُ ، 64: 6).  

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (هُودُ ، 11: 73).

لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَمِيدُ" ، أحْمِدُكَ يا ربَّنا وأثني عليكَ ، لِما تفضلتَ بِهِ عليَّ مِنَ النِّعَمِ التي لا تُحصى. إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَ اسمُكَ.

والْحَمِيدُ الْمُطْلَقُ هوَ اللهُ ، تباركَ وتعالى. أمَّا العبادُ ، فلا يخلو أحدٌ منهم مِنْ نقصٍ أو مذمةٍ ، وإنْ كثُرَتْ محامدُهُ. وعلى ذلكَ ، لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْحَمِيدَ" أو "حَمِيدَ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَمِيدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وقد هدى اللهُ المؤمنينَ إلى الإكثارِ مِنْ حَمْدِهِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ تلاوةِ الفاتحةِ في كلِّ صلاةٍ ، أي بقولِ: "الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ" ، مباشرةً بعدَ البسملةِ . كذلكَ عندَ الاعتدالِ ، بعدَ الركوعِ ، بقولِ: "سمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" ، و "ربَّنا لكَ الحمدُ." فيسمعُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، حَمْدَ عبدِهِ لهُ ، فيقولُ: "حَمِدَنِي عَبْدِي" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [94]

وعلى المؤمنِ أنْ يُكثِرَ مِنَ الحَمْدِ للهِ ، والشكرِ لهُ ، والثناءِ عليهِ في كلِّ حالٍ. ومِنْ ذلكَ ، الإكثارُ مِنَ الطاعاتِ وصالحِ الأعمالِ ، تأسياً بالنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي قامَ للصلاةِ في الليلِ حتى تَوَرَّمَتْ قدماهُ ، فسألتهُ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ ، رضي اللهُ عنها ، عِنْ سببِ ذلكَ ، معَ أنَّ اللهَ قد غفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّرَ. فأجابها: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا." [95]

78. الْمَجِيدُ

"الْمَجِيدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَجُدَ" ، الذي يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ وارْتَفَعَتْ مكانتَهُ. كما أنهُ مشتقٌ منَ الفعلِ "مَجَّدَ" ، الذي يعني عَظَّمَ ، وأثنى على ، وأطرى ، وفخَّمَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْمَجِيدَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأعلى نُبلاً وشرفاً وعزَّةً ومكانةً في مَلَكوتِهِ ، وهوَ أهلٌ للثناءِ والإطراءِ والتعظيمِ والتفخيم ، لذاتِهِ ، وكمالِ صفاتِهِ ، وكثرةِ أفعالِهِ الخيِّرَةِ لمخلوقاتِهِ ، ومغفرَتِهِ لعبادِهِ ، وبطشهِ الشديدِ للكافرينَ بهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ شديدُ البطشِ بالكافرينَ ، ولكنهُ غفورٌ ودودٌ للمؤمنينَ. وهوَ الذي بدأ الخلقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ، وهوَ ذو العرشِ ، الْمَجِيدُ ، الذي يفعلُ ما يريدُ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾‏ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ ، أي "مَجِيدُ." فجاءَ معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "هوَ "حَمِيدٌ" ، وذلكَ مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، لِرَدِّ الملائكةِ على زوجةِ إبراهيمَ ، عليهِما السلامُ ، التي عبَّرَتْ عَن استغرابِها للبشارَةِ لها بالِحَمْلِ في تلكَ السِّنِّ المتأخرةِ مِنْ عُمُرِها وعُمُر زوجِها. فقالوا لها ألَّا تعجبَ مِنْ أمرِ اللهِ ، بَلْ تشكرَهُ على ذلكَ ، فهوَ أهلٌ للحمدِ والتمجيدِ ‎ ‎(هُودُ ، 11: 71-73).

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١﴾‏ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢﴾‏ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴿٧٣﴾ ( هُودُ ، 11: 71-73).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمَجِيدُ" ، لكَ الحمدُ والتمجيدُ والثناءُ والإطراءُ والتعظيمُ والتفخيمُ ، لذاتِكَ ، وكمالِ صفاتِكَ ، وكثرةِ أفعالِكَ الخيِّرَةِ لمخلوقاتِكَ ، ومغفرَتِكَ لعبادِكَ ، ولِما تفضلتَ بِهِ عليَّ مِنَ النِّعَمِ التي لا تُحصى. إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

وعلى ذلكَ ، فلا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْمَجِيدَ" أو "مَجِيدَ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمَجِيدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وعلى المؤمنِ أنْ يُكثِرَ مِنْ تمجيدِ اللهِ وحمدِهِ وتعظيمِهِ والثناءِ عليهِ في كلِّ حالٍ ، كما يفعلُ في تلاوةِ الفاتحةِ في كلِّ صلاةٍ ، فيسمعُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، حَمْدَ وثناءَ وتمجيدَ عبادِهِ لهُ ، فيجيبُهُم لما يسألوهُ مِنْ عونٍ وهدايةٍ. فإذا "قالَ العبدُ: مَالِكِ يِوْمِ الدِّينِ ، قَالَ الله: مَجَّدَنِي عَبْدِي" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [96]  

79. الشَّهِيدُ

"الشَّهِيدُ" اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ ، مِنْ اسمٍ آخرَ ، هوَ "شَاهِدٌ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "شَهِدَ" ، الذي يعني رَأى وسَمِعَ وعَايَنَ وأدركَ وحَضَرَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني الذي لا يَغيبُ عَنْ عِلْمهِ شيءٌ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الحاضِرُ سمعاً وبصراً ومعاينةً وإدراكاً لِما يقولهُ ويفعلهُ خلقُهُ في الحياةِ الدنيا ، والذي سيخبرهم بذلكَ في يومِ الحساب.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عِشْرِينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ للهِ ، تباركَ وتعالى.  فجاءَ في سياقِ مسائلةِ أهلِ الكتابِ عنْ سببِ كفرِهِم بآياتِ اللهِ ، التي أنزلها على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وأنهُ تباركَ وتعالى شهيدٌ على ما يعملونَ. وهوَ شهيدٌ على التزامِ الناسِ بتقسيمِ الميراثِ كما أمرَهم ، وعلى إرسالِ رسولِهِ للناسِ ، وعلى القرآنِ الكريمِ الذي أنزلَهُ عليهِ ، وعلى ما قالهُ المسيحُ ، عليهِ السلامُ ، للناسِ ، وعلى معاندةِ المشركينَ لرسولهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وعلى إنكارِ الكافرينَ لرسالتِهِ ، وعلى أفعالِ اليهودِ والصابئينَ والنصارى والمجوسِ والمشركينَ ، وعلى آدابِ التعامُلِ معَ أمهاتِ المؤمنينَ ، وعلى أنَّ رسولَهُ لا يَسألُ الناسَ أجراً ، وعلى أنهُ سَيُرِي الناسَ آيَاتِهُ "فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" ، وعلى زعمِ الكافرينَ بأنَّ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قد افترى الرسالةَ ، وعلى أنهُ "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" ، وعلى ما يعملُ الكافرونَ ، وعلى انتقامِ الكافرينَ مِنْ أصحابِ الأخدودِ لا لشيءٍ إلا لإيمانِهم بهِ ، سبحانهُ وتعالى. [97]

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 117).

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فُصِّلَتْ ، 41: 53).

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (الْفَتْحُ ، 48: 28).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ سِتَّ عِشْرِةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ أيضاً ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ لغيرِ اللهِ تباركَ وتعالى. فجاءَ في الإشارةِ إلى الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في شهادَتِهِ على المسلمينَ وعلى الرُّسِلِ ، وإلى رُسِلِ اللهِ ، وإلى شهيدينِ مِنَ الرجالِ ، وإلى شهيدٍ عند البيعِ ، وإلى المتباطئينَ في الخروجِ للقتالِ ، وإلى المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، في شهادتِهِ على أهلِ الكتابِ في الحياةِ الدُّنيا ، وفي شهادتِهِ عليهم يومَ الحسابِ ، وإلى الملائكةِ ، وإلى الذين يستمعونَ لكلامِ اللهِ ويشهدوا لهُ بالربوبيةِ والوحدانيةِ ، وإلى الإنسانَ الكنودِ لربِّهِ ، الشهيدُ على نفسهِ بذلكَ ، وإلى أنَّ المشركينَ يعترفونَ في يومِ الحساب أنهُ ليسَ بينهم مَنْ هو شهيدٌ على صحةِ شركِهِم. [98]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّهِيدُ" ، على كلِّ ما نقولُ وما نفعلُ. اللهمَ إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الشَّهِيدُ" أو "شَهِيدُ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، ولا يوجَدُ مِنْ بينِ الخلقِ مَنْ لا يَغيبُ عَنْ عِلْمهِ شيءٌ ، ومَنْ هوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ." ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الشَّهيدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى. كما يجوزُ أنْ يُشارَ إلى شخصٍ بأنهُ "شهيدٌ" ، كما جاءَ في الأمثلةِ المذكورةِ أعلاه.

وعلى المؤمنِ أنْ يتذكرَ دائماً أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، شهيدٌ على أقوالِهِ وأفعالِهِ. ولذلكَ ، عليهِ أنْ يُكثرُ منَ العباداتِ والطاعاتِ ، وأنْ يتجنبَ ما نهاهُ اللهُ عنهُ ، فيفوزُ برضاهُ وسلامُهُ في الحياةِ الدُّنيا ، وبنعيمِهِ المُقيمِ في الآخِرَةِ.

كما أنَّ على المؤمنينَ أن يُقيموا الشهادةَ خالصةً لوجهِ الله ، وأن يطلبوا شهادةَ ذوي العدلِ منهم (الطَّلاقُ ، 65: 2). وعندما يأتي هؤلاء بالشهادةِ ، ينبغي أن تكونَ على أكملِ وجهٍ ممكنٍ (الْمَائِدَةُ ، 5: 108). وعلى المؤمنِ ألا يَكتُمَ الشهادةَ أبداً ، "وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 283). [99]

80. الْحَقُّ

"الْحَقُّ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَقَّ" ، الذي يعني أنَّ الأمرَ قد صَحّ وثَبَت وصَدَق. كما يعني أنَّ الإنسانَ وجبَ لهُ أو عليهِ شيءٌ ، وأنهُ تَسَلَّطَ ، أي اكتسبَ سُلْطَةً ، وأنهُ عَدَلَ فِي أَحْكَامِهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ قولَهُ ، تباركَ وتعالى ، صحيحٌ وصادقٌ وثابتٌ في صحتهِ ، وأنَّ له السُّلطٌةَ على خلقِهِ ، وأنهُ العَادِلُ فِي أَحْكَامِهِ عليهِم ، وأنهُ مَنَحَهُم ما لا يُحصى مِنَ النِّعَمِ ، مما أوْجَبَ عليهِم الشكرُ والعرفانُ له. كما يعني أنهُ ، جلَّ وعلا ، الصادقُ في وجودِهِ ووعودِهِ ، وهوَ الحقُّ الأزليُّ بينما تتغيرُ حقائقُ خلقِهِ ولا تعيشُ طويلاً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ.  فجاءَ مرةً واحدةً في سياقِ ذكرِ أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يحكمُ في ملكوتِهِ بالصدقِ والعدلِ ، ولا يَتَّبِعُ أهواءَ المترفينَ المستكبرينَ ، لأنهُ لو فعلَ ذلكَ " لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ" (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 71). وجاءَ في ثلاثِ مرَّاتٍ مرتبطاً بذكرِ أنَّ اللهَ هوَ الْمَوْلَى الحقُّ لخلقِهِ كلِّهم ، بمعنى أنهُ ربُّهُم وإلهُهُم الصحيحُ ، سواءً آمنوا أو كفروا بهِ. وسيرونَ ذلكَ حقاً عندما يُرَدُّونَ إليهِ ، في يوم الحسابِ (الأنْعَامُ ، 6: 62 ؛ يُونُسُ ، 10: 30 ؛ الْكَهْفُ ، 18: 44).

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 71).

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (يُونُسُ ، 10: 30).

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (الْكَهْفُ ، 18: 44).

كما جاءَ اسمُ "الْحَقِّ" في ثَلاثِ مَرَّاتٍ أخرى معَ اسمِهِ الأعظمِ ، "اللهِ" ، تباركَ وتعالى ، وأسماءٍ أخرى مِنْ أسمائهِ الحُسنى. فَذُكِرَ في الإشارةِ إلى أنهُ ربُّنا الْحَقُّ ، وأنَّ ما "بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ" (يُونُسُ ، 10: 32) ، وأنهُ "الْمَلِكُ الْحَقُّ" ، الذي يُوحِي بالقرآنِ إلى رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ (طَهَ ، 20: 114) ، والذي سيحاسبُ الكافرينَ والمشركينَ بعدَ بعثِهم ، في يومِ ( الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 116).

فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (يُونُسُ ، 10: 32).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طَهَ ، 20: 114).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 116).

وجاءَ اسمُ "الْحَقِّ" في أرْبَعِ آياتٍ أخرى ، تؤكدُ جميعُها بأنَّ "اللهَ" ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ "الْحَقُّ ، "وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الحج ، 22: 6) ، "وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ (الْحَجُّ ، 22: 62 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 30) ، وأنهُ يُوَفِي عبادَهُ دينَهُمُ الْحَقَّ ، في يومِ الحسابِ (النُّورُ ، 24: 25).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْحَجُّ ، 22: 6).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 62).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (لُقْمَانُ ، 31: 30).

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( النُّورُ ، 24: 25).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَقُّ" ، قولُكَ الْحَقُّ ووعدُكَ الْحَقُّ. اللهمَ إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى " الْحَقَّ" أو "حَقَّ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ وحدَهُ الْمُطْلَقُ في صحةِ وصدقِ وثباتِ قولِهِ. وهوَ وحدَهُ الذي له السُّلطٌةُ على خلقِهِ ، والعَدلُ فِي أَحْكَامِهِ. وهوَ الصادقُ في وجودِهِ ووعودِهِ. وهوَ الحقُّ الأزليُّ ، بينما تتغيرُ حقائقُ خلقِهِ. ولا يوجَدُ مِنْ بينِ الخلقِ مَنْ هوَ كذلكَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَقِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يتحرى الحقَّ والحقيقةَ في أقوالِهِ وأفعالِهِ. وعليهِ أنْ يتذكرَ دائماً أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الْحَقُّ الذي يستحقُّ أنْ يُعبَدّ حَقَّ العبادَةِ ، أي بأدائها على أكملِ وجهٍ ممكنٍ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ مُحِقَاً في تعامُلِهِ معَ عبادِ اللهِ ، فلا يخونُهُم ولا يكذِبُهُم ولا يخذُلُهُم ، ولا يعتدي على أعراضِهِم وأموالِهِم ودمائهِم ، كما أمرَنا رسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. [100]

81. الْمُبِينُ

"الْمُبِينُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أبَانَ" ، الذي يعني أوْضَحَ الشَّيْءَ وأظْهَرَهُ للعيانِ ، وأفْصَحَ عَمَّا يُرِيدُهُ مِنْهُ. وكاسمٍ من أسماء الله الحسنى ، فإنَّ "الْمُبِينَ" يعني أنهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الذي أظهرَ آياتِهِ وأوامرَهُ للناسِ وأوضحَها لهم ، مِنْ خلالِ كتبِهِ ورسلِهِ ، ليهديَهم إلى صراطِهِ المستقيم ، وليخرجَهم مِنَ الظلماتِ إلى النور. فَمَنْ اتَّبَعَ هُداهُ ، فازَ في امتحانِ الحياةِ الدُّنيا ، وبحُسْنِ ثوابِ الخُلدِ في الآخِرَةِ ، كما جاءَ في كتابِهِ الكريمِ.

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (النِّسَاءُ ، 4: 26).

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 187).

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 175).

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 257).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ ، ومُقترِناً معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "الْمُبِينُ" ، وذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 25 مِنْ سورةِ النُّورِ (24).  فجاءَ في سياقِ ذكرِ تحذيرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للذينَ يرمونَ المُحصناتِ بأنهُ سيلعنُهم في الدنيا والآخِرَةِ. وفي يومِ الحسابِ ، ستشهدُ "عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" ، وسيعلَمونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ "الْحَقُّ" ، أي الصادِقُ في أقوالِهِ والعادِلُ في أحكامِهِ. وهوَ "الْمُبِينُ" ، الذي أوضحَ لهم آياتِهِ وأوامِرَهُ ، وأنهُ سيعاقبُهم على ما اقترفوا مِنْ ذنوبٍ ، كما ذكرَ في كتابِهِ الكريمِ.

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾‏ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾‏ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾ (النُّورُ ، 24: 23-25).

وقد وصفَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، القرآنَ الكريمَ ، الذي أنزلَهُ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، هدايةً ورحمةً للمؤمنينَ ، بأنهُ " الْحَقُّ الْمُبِينُ" ، أي أنهُ كتابُ اللهِ الصحيحِ ، الموضحِ لشريعتِهِ العادلة ، وبأنهُ "يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" (النَّمْلُ ، 27: 76-79).

إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٧٦﴾‏ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٧٧﴾‏ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿٧٨﴾‏ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٧٩﴾‏ (النَّمْلُ ، 27: 76-79).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَقُّ الْمُبِينُ" ، بينتَ لعبادِكَ الحقَّ مِنَ الباطِلِ ودعوتَهم إلى صراطِكَ المستقيمِ. اللهمَ إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ويجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُبِينِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى " الْمُبِينِ" أو "مُبِينِ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي بَيَّنَ آياتِهِ وأوامرَهُ لخلقهِ كلِّهِم ، مِنْ ملائكةٍ وجنٍ وإنسٍ ، مِنْ خلالِ كتبِهِ ورُسِلِهِ ، حتى لا يكونُ لأحدٍ حجةٌ عليهِ في يومِ الحسابِ ، كما بَيَّنَ لنا في كتابهِ الكريمِ: "رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 165).

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ ليكونَ "مُبِينَاً" ، صفةً لا اسماً ، أي واضحاً جلياً فيما يقولُ ويفعلُ ، في تعامُلِهِ معَ الناسِ ، سواءً في البيتِ أو السوقِ أو مكانِ العملِ. والهدفُ مِنْ ذلكَ ألَّا يكونُ هناكَ شكٌ في نوياهُ ومقاصدِ أعمالِهِ ، وذلكَ تيمناً بما اتصفّ بهِ رسولُ اللهِ محمدٌ ، صلى اللهُ عليهِ وسلم ، ورسولُ اللهِ نوحٌ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ قبلُ. فقد وصفَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، كُلاً مِنهُما بأنهُ "نَذِيرٌ مُّبِينٌ." [101]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (هُودُ ، 11: 25).

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (الْحَجُّ ، 22: 49).

82. الْوَكِيلُ

"الْوَكِيلُ" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَكَلَ" ، الذي يعني فَوَّضَ أمراً أو سَلَّمَهُ لشخصٍ ، واعتمدَ عليهِ في تدبيرِهِ والتكفُّلِ بهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الوَكِيلَ" هو الرَّبُّ ، الكافيُ ، الكفيلُ ، الحافظُ ، الشاهِدُ ، المؤيِّدُ ، النصيرُ ، المُعتمَدُ عليهِ في تدبير أمورِ عبادِهِ المؤمنينَ ، خاصةً مَنْ يلجأُ إليهِ ويتوكلُ عليهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَّاُ. جاءَ في آيةٍ واحدةٍ مِنها معَ "وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا" ، وذلكَ في سياقِ التأكيدِ على أنَّ الشيطانَ ليسَ لهُ سلطانٌ على عِبادِ الله ، لأنَّ ربَّهُم ، جلَّ وعلا ، هو وكيلُهُم ، الذي يكفيهِم في حفظِهِ وتأييدِهِ ونصرِهِ لهم على عدوِّهِم ، الشيطانِ الرَّجيمِ (الإسْرَاءُ ، 17: 65). وجاءَ في خمسِ آياتٍ أخرى معَ ذِكْرِ "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا" ، أي كافياً لتأييدِ ونصرَةِ عبادِهِ المتوكلينَ عليهِ بصفةٍ عامةً ، ورسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، بصفةٍ خاصةً. فقد أخبرَهُ ربُّهُ ألَّا يلتفتْ إلى ما يقولُهُ الكافرونَ والمنافقونَ لهُ (الأحْزَابُ ، 33: 3 ، 48). فهؤلاء يعلنونَ طاعتَهم لهُ عندما يكونونَ معَهُ ، ولكنهم يرجعونَ عنْ ذلكَ عندَ خروجِهِم مِنْ عندِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 81). فإنْ أصرَّ هؤلاءِ على كفرِهِم ، فكفى باللهِ وكيلاً ، لأنَّ لهُ "مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (النِّسَاءُ ، 4: 132). وكفى بهِ وكيلاً كذلكَ ، إذا ما أصرَّ أهلُ الكتاب على قولِهِم غيرَ الحقِّ في المسيحِ ، عليهِ السلامُ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ليسَ بحاجةْ إلى ولدٍ ، حيثُ أنَّ لهُ كلُّ " مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (النِّسَاءُ ، 4: 171).

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 65).

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (الأحْزَابُ ، 33: 3).

وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (الأحْزَابُ ، 33: 48).

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (النِّسَاءُ ، 4: 81).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (النِّسَاءُ ، 4: 132).

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (النِّسَاءُ ، 4: 171).

كما جاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى في ثلاثِ آياتٍ كريمةٍ أخرى معَ ذِكرِ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ." فهوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" ، والحافظُ ، والمدبرُ لكلِّ ما خلَقَ ، المُستَحِقُّ للعبادَةِ مِنْ خلقِهِ كلِّهِم (الأنْعَامُ ، 6: 102 ؛ الزُّمَرُ ، 39: 62). كما جاءَ في سياقِ تذكيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنهُ نذيرٌ للناسِ. فما عليهِ إلَّا تبليغُ الدعوةِ. لذلكَ ، لا ينبغي لهُ تركُ بعضِ ما يوحَى إليهِ ، إرضاءً للكافرينَ ، ولا أنْ يضيقَ صدرُهُ مِنْ أقوالِهِم (هُودُ ، 11: 12).

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنْعَامُ ، 6: 102).

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الزُّمَرُ ، 39: 62).

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (هُودُ ، 11: 12).

وجاءَ هذا الاسمُ ، أي "وَكِيلُ" ، مُنَكَّرَاً أيضاً في آيتين أخريينِ ، بمعنى "شَاهِدٍ" ، وذلكَ في سياقِ طلبِ يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ أبنائِهِ أنْ يؤتوهُ مَوْثِقَاً مِنَ اللهِ ، بالمحافظةِ على ابنهِ والرجوعِ بهِ. "فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ" ، أي شاهدٌ وحافظٌ ومدبرٌ (يُوسُفُ ، 12: 66). كما جاءَ على لسانِ موسى ، عليهِ السلامُ ، في إشهادِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، ليكونَ وكيلاً على ما اتفقَ عليهِ معَ الشيخِ ، والدِ زوجتِهِ (الْقَصَصُ ، 28: 28).

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (يُوسُفُ ، 12: 66).

قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (الْقَصَصُ ، 28: 28).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى في آيتينِ كريمتينِ أخريينِ. ذكرتْ الأولى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، قد أخبرَ لرسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في أولِ الدعوةِ ، بأنهُ رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ، وأنهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ. ولذلكَ فعليهِ أنْ يتخذهُ "وَكِيلاً" ، أي رّبَّاً ، حافظاُ ، ومدبراً ، ومؤيداً ، ونصيراً (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9). وجاءَ في الآية الثانيةِ ، في سياقِ تذكيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لبني إسرائيلَ ، بأنهُ جعلَ الكتابَ الذي أنزلهُ على موسى ، عليهِ السلاُمُ ، هدىً لهم. ولذلكَ ،  فعليهِم ألَّا يتخذوا مِنْ دونِهِ وكيلاً لهم ، أي رَبَّاً ، حافظاً ، ومدبراً ، ومؤيداً ، ونصيراً (الإسْرَاءُ ، 17: 2).

رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9).

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 2).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْوَكِيلُ" ، توكلتُ عليكَ ، فيما أقولُ وأفعلُ . اللهمَ أحفظني وأسرتي مِنْ كلِّ سوءٍ ، وتدبرْ أمورَنا ، واهدِنا سواءَ السبيلِ. لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ويجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَكِيلِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى " الْوَكِيلُ" أو "وَكِيلُ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وحدَهُ. فهوَ الرَّبُّ ، الكافيُ ، الكفيلُ ، الحافظُ ، الشاهِدُ ، المؤيِّدُ ، النصيرُ ، المُعتمَدُ عليهِ في تدبير أمورِ عبادِهِ المؤمنينَ ، خاصةً مَنْ يلجأُ إليهِ ويتوكلُ عليهِ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ ليكونَ "وَكِيلاً" صالحاً للذينَ هوَ مسؤولٌ عنهم ، والذينَ يلجئونَ إليهِ للمساعدةِ ، فيحافظُ عليهِم ويتكفلُهم بالرعاية ويعينهم على تدبيرِ أمورِهم.

 

 

83. نِعْمَ الْوَكِيلُ

"نِعْمَ الْوَكِيلِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ. [102] أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْوَكِيلُ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَكَلَ" ، الذي يعني فَوَّضَ أمراً أو سَلَّمَهُ لشخصٍ ، واعتمدَ عليهِ في تدبيرِهِ والتكفُّلِ بهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "نِعْمَ الْوَكِيلِ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ للمديحِ والثناءِ عليهِ ، لأنهُ هوَ الرَّبُّ ، الكافيُ ، الكفيلُ ، الحافظُ ، الشاهِدُ ، المؤيِّدُ ، النصيرُ ، المُعتمَدُ عليهِ في تدبير أمورِ عبادِهِ المؤمنينَ ، خاصةً مَنْ يلجأُ إليهِ ويتوكلُ عليهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ الإشارةِ إلى المؤمنينَ ، المتوكلينَ على اللهِ ، والمعتمدينَ عليهِ ، والذينَ لم يُخيفُهُم تجمَّعُ الأعداءِ لقتالِهم ، وإنما زادَهُم ذلكَ إيماناً ، وعبَّروا عن ذلكَ بقولِهِم: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (آلِ عِمران ، 3: 173).

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 173).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ نِعْمَ الْوَكِيلُ" ، توكلتُ عليكَ ، فيما أقولُ وأفعلُ . اللهمَ أحفظني وأسرتي مِنْ كلِّ سوءٍ ، وتدبرْ أمورَنا ، واهدِنا سواءَ السبيلِ. لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ويجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَكِيلِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى " الْوَكِيلُ" أو "وَكِيلُ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ. فهوَ الرَّبُّ ، الكافيُ ، الكفيلُ ، الحافظُ ، الشاهِدُ ، المؤيِّدُ ، النصيرُ ، المُعتمَدُ عليهِ في تدبير أمورِ عبادِهِ المؤمنينَ ، خاصةً مَنْ يلجأُ إليهِ ويتوكلُ عليهِ.

وقد ذَكَرَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، في سبعَ عشرةَ أيةً مِنْ كتابِهِ الكريمِ أنهُ لا الرسولُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ولا غيرُهُ مِنَ البشرِ يُعَدُّ وكيلاً على الناس ، وإنما اللهُ وحدُه هوَ "الْوَكِيلُ" على خلقِهِ. فهوَ ربُّهُم ، الشاهدُ على أفعالِهم وأقوالِهِم ، الكافي والمؤيِّدُ والنصيرُ لعبادِهِ منهم. [103]

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ ليكونَ "وَكِيلاً" صالحاً للذينَ هوَ مسؤولٌ عنهم ، والذينَ يلجئونَ إليهِ للمساعدةِ ، فيحافظُ عليهِم ويتكفلُهم بالرعاية ويعينهم على تدبيرِ أمورِهم.

84. الْكَافِي

"الْكَافي" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "كَفَى" ، الذي يعني أنَّ الشيءَ قد حَصَلَ بِهِ الاستغناءُ عَنْ سواهُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْكَافي" هوَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي كفى رسولَهُ ، صلى الله عليهِ وسلمَ ، والمؤمنينَ مِنْ بعدِهِ ، شهادةً وحِمايةً وتأييداً ونُصرِةً لهم على عدوِّهِم ، فاستغنوا بهِ عَمَّنْ سِوَاهُ. كما أنهُ ، جلَّ وعلا ، كافٍ ، كحسيبٍ لخلقِهِ ، وخبيرٍ بهم ، وبصيرٍ بأفعالِهم ، وعليمٍ بسرِّهِم وعلنِهِم. وهوَ الهادي ، والقويُّ العزيزُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً واحِدَةُ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَّاُ ، وذلكَ في سياقِ تأكيدِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لرسولِهِ أنهُ كافٍ لهُ بالحمايةِ والتأييدِ. جاءَ ذلكَ في ردِّهِ ، تباركَ وتعالى ، على تخويفِ المشركينَ لرسولِهِ بأنَّ آلهتهم التي أمرَ بتحطيمها ستصيبهُ بسوءٍ بزعمِهِم (الزُّمَرُ ، 39: 36).

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الزُّمَرُ ، 39: 36).

كما وردتْ الإشارةُ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، كافٍ ، في حمايتِهِ وتأييدِهِ ونصرتِهِ لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وللمؤمنينَ ، في ستٍّ وعشرينَ آيةً كريمةً أخرى. جاءَ ذلكَ بصيغةِ الفعلِ في الزمنِ الماضي ، في: "إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" (الْحِجْرُ ، 15: 95) ، والمضارعِ ، في: "إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 124) ، والمستقبلِ ، في: "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الْبَقَرَةُ ، 137).

وجاءَ ذلكَ المعنى في ثلاثٍ وعشرينَ آيةً أخرى ، معَ ثلاثةَ عشرَ اسماً مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، للتأكيدِ على أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كافٍ في تعامُلِهِ معَ خلقِهِ في الدُّنيا والآخِرَةِ. فهوَ الشهيدُ علي ما يقولونَ ويفعلونَ. وهوَ الوكيلُ عليهم ، والحسيبُ في يومِ الدينِ ، والخبيرُ بنفوسِهم ، والبصيرُ بما يفعلونً ، والعليمُ بما يسرُّونً وما يعلنونَ ، والهادي والنصيرُ للمؤمنينَ منهم ، وهوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.

وجاءَ ذلكَ المعنى أيضاً في ثمانيْ آياتٍ كريمةٍ معَ أسمِهِ ، تباركَ وتعالى ، "الشَّهِيدِ" ، بمعنى أنهُ كافٍ في شَهادَتِهِ على أقوالِ وأفعالِ خلقِهِ ، كما في: "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا" (النِّسَاءُ ، 4: 79 ، 166 ؛ يُونُسُ ، 10: 29 ؛ الرَّعْدُ ، 13: 43 ؛ الإسْرَاءُ ، 17: 96 ؛ الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 52 ؛ الأحْقَافُ ، 46: 8 ؛ الْفُتْحُ ، 48: 28).  

وجاءَ نفسُ المعنى في آيةٍ واحدةٍ معَ ذِكرِ اسمينِ آخَرَينِ مِنْ الأسماءِ الحُسنى ، هما الرَّبُّ والْوَكِيلُ ، في: "وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا" (الإسْرَاءُ ، 17: 65) ، وفي خمسِ آياتٍ أخرى معَ ذِكْرِ اسْمَيْ "اللهِ" و "الْوَكِيلِ" ، في: "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا" (النِّسَاءُ ، 4: 81 ، 132 ، 171 ؛ الأحْزَابُ ، 33: 3 ، 48) ، ومعَ اسمِ "الْحَسِيبِ" في آيتين: "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا" (النِّسَاءُ ، 4: 6 ؛ الأحْزَابُ ، 33: 39) ، ومعَ حاسبينَ ، في: "وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 47).  

وارتبطتْ كفايةُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائهِ الحسنى ، هو "الْخَبِيرُ" ، كما في: "وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا" (الْفُرْقَانُ ، 25: 58) ، ومعً "الْخَبِيرِ" و "الْبَصِيرِ" ، في: "وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا" (الإسْرَاءُ ، 17: 17) ، ومعَ "الْوَلِيِّ" و "النَّصِيرِ" ، في: "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا" (النِّسَاءُ ، 4: 45) ، ومعَ "الْعَلِيمِ" ، في "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 70) ، ومعَ "الْهَادِي" و "النَّصِيرِ" ، في: "وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا" (الْفُرْقَانُ ، 25: 31) ، ومعَ "الْقَوِيِّ" و "الْعَزِيزِ" ، في: "وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا" (الأحْزَابُ ، 33: 25).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْكَافِي" ، اكفني وأسرتي بما ينفعنا ، واكفنا شرَّ مَنْ يريدونَ لنا الضرر. اللهمَّ إنني أدعوكَ بما دعاك بهِ رسولُكَ الكريمُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: اللهمَّ لكَ الحمدُ على ما أطعمتنا وسقيتنا وكفيتنا وآويتنا. [104]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْكَافِي" أو "كَافٍ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "الْكَافِي" على شئونِ ملكوتِهِ بما فيهِ ومَنْ فيهِ ، ولا يُنازِعُهُ في ذلكَ أحدٌ ، لأنهُ الشهيدُ ، الوكيلُ ، الحسيبُ ، الخبيرُ ، والبصيرُ ، العليمُ ، الهادي ، النصيرُ ، الْقَوِيُّ ، الْعَزِيزُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْكَافِي" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ ليكونَ "كافياً" في تعامُلِهِ معَ الناسِ ، ابتداءً بأفرادِ أسرتِهِ وأقارِبهِ ، ومروراً بِمَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، وامتداداً للمجتمعِ الذي يعيشُ فيهِ. فعليهِ أن يُعطيَ شهادَتَهُ حقَها ، وأنْ يكونَ وكيلاً أميناً لِمَنْ يلجئونَ إليهِ. وإذا ما حاسبَ الناسَ ، فإنهُ يحاسبُهم بالعدلِ. وعليهِ أن يكتسبَ ما استطاعَ مِنَ العلم والخبرةِ ، وأن يتحلَّى بالتبصرِ ، وأن يكونَ قوياً عزيزاً في نصرتِهِ للحقِ ، وفي هدايتِهِ لِمَنْ حولِهِ ومَن يستطيعُ الوصولَ إليهم مِنَ الناس.

85. الْقَوِيُّ

"الْقَوِيُّ" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "قَوِيَ" ، الذي يعني خلا من المرض ، وَصَحَّ ، وامتلكَ عزماً وشِدةً وعِزةً ، وأطاقَ العملَ ، واستطاعَ فعلَهُ. كما يعني أنهُ قد "امتلكَ أسبابَ القوةِ" الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والعسكريةِ. فقد جاء في القرآنِ الكريمِ أنَّ القوةَ تشملُ ما تستعدُ بهُ الجيوشُ للحربِ: " وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ" (الأنْفَالُ ، 8: 60).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَوِيَّ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، أقوى مِنْ خلقِهِ كُلِّهِم ، لأنهُ يمتلكُ مصادِرَ القوةِ في كونِهِ الذي خَلَقَ ، والقدرةَ على استخدامِها حيثُ يشاءُ ، وكيفَ يشاءُ ، وعلى مَنْ يشاءُ ، ولِمَنْ يشاءُ. فقد جاءَ في الذِّكْرِ الحكيمِ: " أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا" (الْبَقَرَةُ ، 2: 165).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً ، ومقترناً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَزِيزُ" ، تأكيداً لقوتِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وذلكَ في سياقِ ذكرهِ لنجاةِ رسولِهِ ، صالحٍ ، عليهِ السلامُ ، والمؤمنينَ معهُ ، مِنَ العقابِ الذي أنزلُهُ على الكافرينَ مِنْ قومِهِ (هُودُ ، 11: 66). كما أنهُ "الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ" في لُطفِهِ بعبادِهِ وفي رزقِهِ لمنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ (الشُّورَى ، 42: 19).

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (هُودُ ، 11: 66).

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (الشُّورَى ، 42: 19).

كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سَبْعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَّاُ. فجاء في آيتين كريمتين معَ ذِكْرِ أنَّ "اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ" ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ عقابِ اللهِ لآلِ فرعونَ ومَنْ سبقهم مِنَ الكافرينَ (الأنْفَالُ ، 8: 52) ، ومعَ ذِكْرِ إنذارِهِ للمشركينَ والكافرينَ بالعقابِ ، كما عاقبَ الذينَ كفروا مِنْ قَبْلِهِم (غَافِرُ ، 40: 22).

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنْفَالُ ، 8: 52).

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (غَافِرُ ، 40: 22).

وجاءَ هذا الاسمُ في الآياتِ الخمسِ الأخرى ، معَ أسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "عَزِيزُ" وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ نُصرَتِهِ للمؤمنينَ الذينَ أخرِجوا مِنْ ديارهم بغيرِ حقٍ (الْحَجُّ ، 22: 40) ، ومعَ ذِكْرِ المشركينَ الذينَ يعبدونَ آلهةَ زائفةً لا تستطيعُ حتى أن تخلقَ ذباباً ، أو أن تسترجعَ ما يسلبُهُ منها الذبابُ (الْحَجُّ ، 22: 73-74) ، ومعَ ذِكْرِ هزيمةِ الأحزابِ (الأحزابُ ،33: 25) ، ومعَ ذِكْرِ إرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الحديدِ (الْحَدِيدُ ، 57: 25) ، ومعَ وعدِهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ سيغلِبُ هوَ ورُسُلُهُ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 21).

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْحَجُّ ، 22: 40).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾‏ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٧٤﴾‏ (الْحَجُّ ، 22: 73-74).

وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (الأحْزَابُ ، 33: 25).

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْحَديدُ ، 57: 25).

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 21).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْقَوِيُّ" ، امنحني القوةَ في قولِ الحقِّ وفعلِهِ ، وفي طاعةِ أوامرِكَ واجتنابِ نواهيكَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْقَوِيَّ" أو "ْقَوِيَّ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ أقوى مِنْ خلقِهِ كُلِّهِم ، لأنهُ يمتلكُ مصادِرَ القوةِ في كونِهِ الذي خَلَقَ. وهوَ القادرُ على استخدامِها حيثُ يشاءُ ، وكيفَ يشاءُ ، وعلى مَنْ يشاءُ ، ولِمَنْ يشاءُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَوِيِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جُهْدِهِ ليكونَ "قَوِيَّاُ" ، روحياً باكتسابِ المعرفةِ الدينيةِ وما ينفعُهُ مِنَ المعارِفِ الدنيويةِ ، وجسدياً بالاعتدالِ فيما يأكلُ ويشربُ ، وألا يُدخلَ في جسدِهِ ما يضرُّ بِهِ ، وفي ممارسةِ الرياضةِ التي تحافظُ على جسمِهِ سليماً ورشيقاً ، كما خلقَهُ اللهُ ، تباركَ وتعالى.

كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ قوياً عزيزاً في ثباتِهِ على الحقِّ ، وفي نُصرتِهِ لهُ ، قولاً وفعلاً. فقد أحبَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، تلكَ الصفةِ في جبريلَ ، عليهِ السلامُ ، فوصفهُ بأنهُ "شَدِيدُ الْقُوَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 5). كما ذَكَرَ في كتابِهِ العزيزِ وصفَ رسولِهِ موسى ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ "الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" (الْقَصَصُ ، 28: 26).

ومِنْ قوةِ المؤمنِ التقيِّ كظمُ الغيظِ عندَ الغضبِ ، والعفوُ عنِ الناسِ ، والإحسانُ إليهِم ، كما قال لنا ربُّنا ، جلَّ وعلا: "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾‏ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾‏ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133).

وقد حثَّ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، المؤمنَ أن يكونَ قوياً ، وذلكَ في الحديثِ الشريفِ ، الذي رواهُ أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وقالَ فيهِ: "المُؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعيفِ ، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِصْ على ما ينفَعُكَ ، ولا تَعجِزْ. فإنْ غلَبَكَ أمرٌ ، فقُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَل. وإيَّاكَ واللَّوَّ ، فإنَّ اللَّوَّ تفتَحُ عمَلَ الشَّيطانِ." [105]

كما حثَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، المؤمنَ أنْ يملُكَ نفسَهُ عندَ الغضبِ ، وذلكَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، والذي قالَ فيهِ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ." [106]

86. ذُو الْقُوَّةِ

"ذُو الْقُوَّةِ" أسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "ذو" ، التي تعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. والكلمةُ الثانيةُ ، "الْقُوَّةُ" ، التي تعني المنعةَ والعزةَ وامتلاكَ أسبابِ الغلبةِ ، والقُدرةِ على استخدامِها ، كما مرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْقَوِيِّ." فهوَ صاحبُ القوةِ ومالِكُها ، بها خلقَ كونَهُ الواسعَ ونظَّمَهُ وأدارَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً معَ اسمينِ آخَرَينِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هما: "الرَّزَّاقُ" و "الْمَتِينُ." فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ ما خلقَ الجنَّ والإنسَ إلَّا ليعبدوهُ ، أيْ ليُطيعوهُ فيما ينفعُهم ، فُرادى ومجتمعينَ. فهوَ غنيٌّ عنْ خلقِهِ جميعاً ، وليسَ بحاجةٍ إلى أيِّ شيءٍ منهم ، لأنهُ هوَ الذي يرزقُهُم ، وهوَ صاحبُ القوةِ والقدرةِ والشدةِ المتناهيةِ ، التي خلقَ بها كونَهُ ، بمَنْ فيهِ ، وحفِظَهُ مِنَ الزوالِ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56-58).

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ (الذاريات ، 51: 56-58).

وللتعرُّفِ على بعضِ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، والاستفادةِ مِنْ معانيهِ ، يُمكنُ للقارئِ الرجوعُ إلى ما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْقَوِيِّ" أعلاهُ.

87. الْمَتِينُ

"الْمَتِينُ" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "مَتُنَ" ، الذي يعني صَلُبَ ، واشْتَدَّ ، وزادتْ قوتُهُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْمَتِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الشديدُ الذي لا تضعُفُ قوتُهُ ، ولا تتناقصُ قدرتُهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً معَ اسمينِ آخَرَينِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هما: "الرَّزَّاقُ" و "وذو الْقُوَّةِ." فجاءَ تأكيداُ للاسمِ الذي سبقهُ ، "ذُو الْقُوَّةِ" ، بما يشيرُ إلى شدةِ وتناهي قوتِهِ وقدرتِهِ ، تباركَ وتعالى. وأتى ذلكَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ ما خلقَ الجنَّ والإنسَ إلَّا ليعبدوهُ ، أيْ ليُطيعوهُ فيما ينفعُهم ، فُرادى ومجتمعينَ. فهوَ غنيٌّ عنْ خلقِهِ جميعاً ، وليسَ بحاجةٍ إلى أيِّ شيءٍ منهم ، لأنهُ هوَ الذي يرزقُهُم ، وهوَ صاحبُ القوةِ والقدرةِ والشدةِ المتناهيةِ ، التي خلقَ بها كونَهُ ، بمَنْ فيهِ ، وحفِظَهُ مِنَ الزوالِ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56-58).

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56-58).

وقد وردتْ كلمةُ "مَتِينٌ" مرتينِ في القرآنِ الكريمِ ، كوصفٍ لكيدِ اللهِ ، أي لتخطيطِهِ ، تباركَ وتعالى ، للذينَ يكذبونَ بآياتِهِ ، بأنهُ سيستدرِجُهُم "مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ" ، وأنَّهُ سَيُمْلِي لهم ، أي سَيُمْهِلُهُم لعلهم يرجعونً عمَّا يفعلون. فإنْ لمْ يتوقفوا عنْ ذلكَ ، فإنهُ يحذرهم بأنَّ كيدَهُ "مَتِينٌ" ، أي شديدٌ في قوتِهِ ومقدراتِهِ (الأعْرَافُ ، 7: 182-183 ، (الْقَلَمُ ، 68: 44-45).

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾‏ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿١٨٣﴾ (الأعْرَافُ ، 7: 182-183).

فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾‏ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿٤٥﴾‏ (الْقَلَمُ ، 68: 44-45).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" ، امنحني القوةَ في قولِ الحقِّ وفعلِهِ ، وفي طاعةِ أوامرِكَ واجتنابِ نواهيكَ ، واجنُبني وأهلي كيدَ المكذبينَ بآياتِكَ ، وارزقني وأنتَ خيرُ الرازقينَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْمَتِينَ" أو "ْمَتِينَ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الأشدُّ قوةً والأكثرُ قُدرةً مِنْ خلقِهِ كُلِّهِم ، وهوَ الذي لا تضعفُ قوتُهُ ، و لا تنقصُ قدرتُهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ المَتِينِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جُهْدِهِ ليكونَ "مَتينَاً" في إيمانِهِ وسلوكِهِ وجسدِهِ ، فيكثرُ مِنَ اكتسابِ المعرفةِ الدينيةِ وما ينفعُهُ مِنَ المعارِفِ الدنيويةِ ، ويقوي جسدَهُ بالاعتدالِ فيما يأكلُ ويشربُ ، و بألَّا يُدخلَ في جسدِهِ ما يضرُّ بِهِ ، وبالمداومة على ممارسةِ الرياضةِ التي تحافظُ على جسمِهِ سليماً ورشيقاً ، كما خلقَهُ اللهُ ، تباركَ وتعالى.

88. الْمُسْتَعَانُ

"الْمُسْتَعَانُ" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "اسْتَعَانَ" ، الذي يعني طلبَ المساعدةَ والعَوْنَ والنُّصرَةَ. ‏وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، فإنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ "الْمُسْتَعَانُ" ، القادرُ على مدِّ يدِ العونِ والنُّصرَةِ لعبادِهِ المُستَعِينِينَ بِهِ ، في كلِّ زمانٍ ومكانِ ، بينما ليستْ لهُ حاجةٌ في عونِ أحدٍ.  ولذلكَ ، علَّمَنا رَبُّنا أنْ نستعينَ بهِ ، كما جاءَ في كتابِهِ الكريمِ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (الْفَاتِحَةُ ، 1: 5) ، وكما أوصانا بِهِ رسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في الحديثِ الشريفِ: "وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ." [107]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً معَ ثلاثةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هيَ: "اللهُ" و "الرَّبُّ" و "الرَّحْمَٰنُ." فجاءَ على لسانِ يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، الذي ذكرَ استعانتَهُ باللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ليمنحَهُ الصبرَ على افتراءِ أبنائِهِ ، الذينَ أدعوا كذباً بأنّ أخيهِم يوسفَ قد أكلَهُ الذئبُ (يُوسُفُ ، 12: 18). كما جاء على لسانِ رسولِ اللهِ ، محمدٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في ذكرِ استعانتِهِ بالرحمنِ ، تباركَ وتعالى ، على إفكِ المكذبينَ لهُ ولرسالتهِ ، طالباً مِنْ ربِّهِ ، جلَّ وعلا ، أنْ يحكمَ بينهُ وبينهم بالحق (الأنْبِيَاءُ ، 21: 112).

وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (يُوسُفُ ، 12: 18).

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 112).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُسْتَعَانُ" على كلِّ شيءٍ. إني أدعوكَ بما أوصانا بِهِ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "اللهُمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ ، وشُكْرِكَ ، وحُسْنِ عبادتِكَ." وأعِنِّي على قولِ الحقِّ وفعلِهِ ، وعلى طاعةِ أوامرِكَ واجتنابِ نواهيكَ ، وعلى أمورِ حياتي كُلِّها ، صغيرِها وكبيرِها. إنَّكَ أنتَ نِعمَ المولَى ، ونِعمَ النصير. [108]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْمُسْتَعَانُ" أو "ْمُسْتَعَانُ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القادرُ على مدِّ يدِ العونِ والنُّصرَةِ لعبادِهِ المُستَعِينِينَ بِهِ ، في كلِّ زمانٍ ومكانِ ، بينما ليستْ لهُ حاجةٌ في عونِ أحدٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ المُسْتَعانِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يَمُدَّ يدَ العونِ والنُّصرةِ على الحقِّ لِمَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، ولِمَنْ يستجيرونَ بِهِ ، أو يطلبونَ مِنهُ المساعدَةَ ، ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلا.

89. الْوَلِيُّ

"الْوَلِيُّ" أسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَلِيَ" ، الذي يعني تولَّى أمراً. كما يعني أحَبَّ وصادَقَ وحالَفَ ونَصَرَ. وفي حالةِ المفعول ، فإنهُ يعني تَبِعَ وأطاعَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، فإنَّهُ يعني أنَّهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ "الْوَلِيُّ" لخلقِهِ كلِّهِم ، كمدبرٍ لأمورِ حياتِهِم وأرزاقِهِم ، كما أنهُ يخصُّ المؤمنينَ مِنهُم بمحبتِهِ وعونِهِ ونُصرَتِهِ لهُم في الحياةِ الدُنيا ، وبثوابِهِ الجزيلِ في الآخِرَة ، مكافأةً لهم على طاعتِهِم وصالحِ أعمالِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، وذلك في سياقِ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، أنهُ "الْوَلِيُّ" القادرُ على نصرةِ أوليائِهِ. وهوَ وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيءٍ ، بما في ذلكَ إحياءِ الموتى (الشُّورَى ، 42: 9). وهوَ الذي ينزِّلُ الغيثَ ، فيُحيي الأرضَ وما عليها مِنْ نباتٍ وحيوانٍ وإنسانٍ. وهكذا ، فإنهُ ينشرُ رحمَتَهُ على خلقِهِ ، فهوَ وليُّهُم ، الذي يستحقُ منهم الحمدَ على نعمائِهِ (ا الشُّورَى ، 42: 28).  

أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الشُّورَى ، 42: 9).

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (الشُّورَى ، 42: 28).

كما وردَ هذا الاسمُ 43 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وبسبعةِ تصاريفَ مختلفةٍ ، جاءَ في 13 منها في إشارةِ مباشرَةٍ إلى اللهِ ، تباركَ وتعالى. فهوَ "وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 257) ، "وهوَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (آلِ عِمران ، 3: 68 ؛ المائدةُ ، 5: 55) ، وولِيُّ رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ما دامَ يبلِّغُ رسالَتَهُ كما هيَ (الرعدُ ، 13: 37) ، "وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ" (الْجَاثِيَةُ ، 45: 19) ، "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا" (النِّسَاءُ ، 4: 45). وهوَ وَلِيُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ (النِّسَاءُ ، 4: 75). وهوَ الذي دعاهُ موسى ، عليهِ السلامُ ، قائلاً "أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ" (الأعْرَافُ ، 7: 155). وهوَ الذي تجيبُهُ الملائكةُ في اليومِ الآخِر بقولِهِم: "سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ" (سَبَأ ، 34: 41).

وهوَ الذي بشَّرَ عبادَهُ الذينَ يَذَّكَّرُونَهُ بأنَّ "لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعامُ ، 6: 127). وهوَ الذي قالَ في طائفتينِ منَ المؤمنينَ في يومِ أحُد: "إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 122). وهوَ الذي قالَ عنهُ رسولُهُ محمدٌ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" (الأعْرَافُ ، 7: 196). وهوَ الذي قال عنهُ رسولُهُ يوسفُ ، عليهِ السلامُ: "رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (يُوسُفُ ، 12: 101). [109]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ وَلِيُّ الْمُؤمِنِينَ." تَوَلَّنِي وأهلي برحمتِكَ وتوفيقِكَ وتأييدِكَ وحمايتِكَ ، وارزقني محبَتَكَ وعونَكَ ونُصرَتَكَ في الحياةِ الدُنيا ، وثوابَكَ الجزيلِ في الآخِرَة.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْوَلِيُّ" أو "ْوَلِيُّ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "الْوَلِيُّ" لخلقِهِ كلِّهِم ، كمدبرٍ لأمورِ حياتِهِم وأرزاقِهِم ، وهوَ الذي يخصُّ المؤمنينَ مِنهُم بمحبتِهِ وعونِهِ ونُصرَتِهِ لهُم في الحياةِ الدُنيا ، وبثوابِهِ الجزيلِ في الآخِرَة ، مكافأةً لهم على طاعتِهِم وصالحِ أعمالِهِم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَلِيِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُحبَّ اللهَ وأولياءَهُ ويؤيدَهُم وينصرَهم ، وأنْ يقومَ بتدبيرِ أمورِ حياةِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، ويُقَدِّمَ لهم عونَهُ ونُصرَتَهُ ، ويُشيعَ المحبةَ والبهجةَ فيمنْ حولَهُ ، ولو بالتبسمِ في وجوهِهِم ، كما علَّمَنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، الذي قالَ: "تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ." [110]

90. الْمَوْلَى

"المَوْلَى" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أوْلَى" الذي يعني أنَّهُ أصبحَ وَالِياً ، مُنِحَ الثقةُ ، اهتمَّ ، أصبحَ وصياً ، صنعَ معروفاً ، قدَّمَ مساعدَةُ ، اعتنى بشخصٍ أو أمرٍ ما. وكاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّه يعني أنَّ اللهَ "مَوْلَى" المؤمنينَ ، على الخُصوصِ ، أي الذي يهتمُّ بأمورِهِم ، ويعتني بهم ، ويقدمُ لهم العونَ والتأييد.

والجديرُ بالملاحظةِ أنَّ اسمَ "مولى" يمكنُ أنْ يشيرَ إلى غيرِ اللهِ. وفي هذهِ الحالةِ ، فإنهُ يشيرُ إلى كلٍ مِنْ المُعينِ والمُعانِ ، كما في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ" (الدُّخَانُ ، 44: 41) ، بينما جاءَ اسمُ "الْوَلِيِّ" بمعنى المُعينِ مفرداً فقط. أما الإشارةُ إلى الذينَ يتلقوْنَ عونَ اللهِ فقد جاءَتْ بصيغةِ الجمعِ ، كما في قولِهِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (يُونُسُ ، 10: 62). وهكذا ، فبينما المؤمنونَ هم أولياءُ اللهِ ، فإنهم ليسوا مَوَالِيهِ ، أي أنَّ لفظَ "الْمَوْلَى" في الإشارة إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ للمُعينِ ، وليسَ للمُعانِ. أمَّا الْوَلِيُّ فيشيرُ للمُعِينِ والمُعانِ ، واللهُ أعلمُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عَشْرَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، في إشارةِ مباشرَةٍ إلى اللهِ ، تباركَ وتعالى ، وبخمسةِ تصاريفَ مختلفةٍ ، هيَ: مولى (1) ، مولاه (1) ، مولانا (2) ، مولاهم (2) ، مولاكُم (4). فجاءَ للتأكيدِ على أَنَّ "اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا" ، بمعنى أنهُ مُعينُهم وناصرُهُم ، بينما لا يُوجَدُ للكافرينَ معينٌ ولا ناصرٌ (مُحَمَّدُ ، 47: 11). كما جاءَ تأكيداً لرسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنَّ اللهَ " مَوْلَاهُ" بمعنى مُعينُهُ وناصرُهُ على كلِّ مَنْ يحاولُ النيلَ مِنْهُ ، وكذلكَ فلهُ العونَ مِنْ جبريلَ والملائكةِ وصالحِ المؤمنينَ (التَّحْرِيمُ ، 66: 4). وجاءَ أيضاً على لسانِ المؤمنينَ الداعينَ إلى اللهِ ، طالبينَ عفوَهُ وغفرانَهُ ورحمتَهُ ونُصرَتَهُ ، قائلينَ: "أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 286). وكذلكَ قولُهم أنَّهُ لنْ يصيبَهم إلا ما كتبَ اللهُ لهم ، هوَ مولاهم الذي يتوكلونَ عليهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 51). وجاءَ في سياقِ ذكرِ أنَّ الناسَ يُرَدُّونَ "إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ" ، الذي سيحاسبُهُم على أفعالِهِم (الأنْعَامُ ، 6: 62) ، في يومِ الحسابِ ، على ما أسلفوا وافتروا في حياتِهم الدنيا (يُونُسُ ، 10: 30).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ (مُحَمَّدُ ، 47: 11).

إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (التَّحْرِيمُ ، 66: 4).

وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 286).

قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 51).

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (يُونُسُ ، 10: 30).

كما جاءَ هذا الاسمُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ ، في خطابِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للمؤمنينَ ، بصيغةِ "أنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ" ، أي ناصِرُكُم ومُعينُكُم ، الرؤوفُ بكُم والعطوفُ عليكُم . فقالَ مخاطباً لهم: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 150). وجاءَ في سياقِ التهوينِ على المؤمنينَ ، والتأكيدِ لهم بأنَّ اللهَ معينٌ وناصرٌ لهم على الكافرينَ بهِ (الأنْفَالُ ، 8: 40). وجاءَ في تقريرِ أنَّ اللهَ هو مولى الذينَ يعتصمونَ بهِ ، أي معينُهم وناصرُهم ، ما داموا يطيعونَهُ ويجتنبونَ نواهيَهُ (الْحَجُّ ، 22: 78). كما خاطبَ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، والمؤمنينَ قائلاً: " وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ" ، أي الرؤوفُ بكُم والعطوفُ عليكُم ، إذا ما رجعوا عن الأيمانِ التي تحلفونَ بها ، والتي تتناقضُ معَ ما شرَعً لكُم ، كتحريمِ ما أحلَّ اللهُ لكُم ، فلن يؤاخذكُم قبلَ الحنثِ بها ، ولا يؤاخذُكُم بعدَ الكفارةِ إنْ حنثتم (التَّحْرِيمُ ، 66: 2).

بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 150).

وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنْفَالُ ، 8: 40).

وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 78).

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 2).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ مَوْلانا ، وأنتَ نِعمَ المَوْلى ، ونِعْمَ النصيرِ." تَوَلَّنِي وأهلي برحمتِكَ وتوفيقِكَ وتأييدِكَ وحمايتِكَ ، وارزقني محبَتَكَ وعونَكَ ونُصرَتَكَ في الحياةِ الدُنيا ، وثوابَكَ الجزيلِ في الآخِرَة.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْمَوْلَى" أو "ْمَوْلَى" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "الْمَوْلَى" لخلقِهِ كلِّهِم ، كمدبرٍ لأمورِ حياتِهِم وأرزاقِهِم ، وهوَ الذي يخصُّ المؤمنينَ مِنهُم بمحبتِهِ وعونِهِ ونُصرَتِهِ لهُم في الحياةِ الدُنيا ، وبثوابِهِ الجزيلِ في الآخِرَة ، مكافأةً لهم على طاعتِهِم وصالحِ أعمالِهِم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمَوْلَى" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُحبَّ اللهَ وأولياءَهُ ويؤيدَهُم وينصرَهم ، وأنْ يقومَ بتدبيرِ أمورِ حياةِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، ويُقَدِّمَ لهم عونَهُ ونُصرَتَهُ.

91. نِعْمَ الْمَوْلَى

"نِعْمَ المَوْلَى" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ. وقد وردت كلمةُ "نِعْمَ" في ستةٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، وفي مديحِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبديهِ سليمانَ ويونسَ ، عليهِما السلامُ ، وللصدقاتِ ، والقائمينَ بأعمالِ الخيرِ ، والمتقينَ ، وللثوابِ ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ."

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "المَوْلَى" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أوْلَى" ، الذي يعني أنَّهُ أصبحَ وَالِياً ، ومُنِحَ الثقةُ ، واهتمَّ ، وأصبحَ وصياً ، وصنعَ معروفاً ، وقدَّمَ مساعدَةُ ، واعتنى بشخصٍ أو بأمرٍ ما. وكاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّه يعني أنَّ اللهَ "مَوْلَى" المؤمنينَ ، على الخُصوصِ ، أي الذي يهتمُّ بأمورِهِم ، ويعتني بهم ، ويقدمُ لهم العونَ والتأييد. وبذلكَ ، فإنهُ يستحقُّ منهم الحمدَ والشكرَ والعرفانَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ الإشارةِ إلى أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ ، بأنْ يبلغَ الكفارَ بأنَّ اللهَ سيغفرُ لهم إذا ما دخلوا في الإسلامِ. أمَّا إذا أصروا على كفرِهِم واستمروا في اضطهادِهِم للمسلمينَ ، فإنَّ اللهَ مَوْلَى المؤمنينَ ، وناصرُهم ، وهوَ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنْفَالُ ، 8: 38-40). كما وَرَدَ معَ أمرِ اللهِ للمسلمين بإقام الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ والاعتصامِ بهِ ، والجهادِ في سبيلِهِ ، وبأنْ يكونوا شهداءَ على الناسِ ، كما كانَ الرسولُ عليهِم شهيداً ، وبِأَلَّا يخافوا في اللهِ أحداً لأنهُ مَوْلاهُم وناصرُهُم ، فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 78).

وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنْفَالُ ، 8: 40).

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 78).

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، ومِنْ تطبيقاتِهِ ، مِمَّا ذُكِرَ آنفاً في اسمِ "الْمَوْلَى" ، تباركَ وتعالى.

92. النَّصِيرُ

" النَّصِيرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "نَصَرَ" ، الذي يعني نَجَّى ، وخَلَّصَ ، ونَجَدَ ، وأيَّدَ ، وأعانَ ، وأمَدَّ بوسائلِ الغَلَبَةِ. وكاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّه يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "نَصِيرُ" المؤمنينَ ، أي الذي يؤيدُهُم ، ويعينُهم ، ويمدُّهُم بوسائلِ الغّلَبَةِ على أعدائهِم الكافرينَ. وهوَ الذي يُنجدُهم ، ويُنجيهم ، ويخلِّصُهُم منهم ، ومِنْ شرورِهِم.

وقد وَرَدَ اسمُ "النَّصِيرِ" ثلاثَ عشرةَ مَرَّةَ في القرآنِ الكريم ، مُنَكَّرَاً ، جاءَ في إحدى عشرةَ مَرَّةً منها في الإشارةِ لغيرِ اللهِ. وجاءَ في اثنتينِ منها في إشارةٍ مباشرةٍ للهِ ، تباركَ وتعالى ، وذلكَ في سياقِ ذكرِهِ بأنهُ أعلمُ بأعداءِ عبادِهِ المؤمنينَ منهُم. ولذلكَ فهوَ أقدرُ على حمايتِهِم ونُصرتِهِم (النِّسَاءُ ، 4: 45). كما جاءَ في مَعْرِضِ ذكرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لشكوى رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، بأنَّ قومَهُ لم يؤمنوا بنزولِ القرآنِ عليهِ. فأجابَهُ ربُّهُ بأنهُ كافيهِ في التصدي لهم ، وبالهدايةِ والنُّصرةِ للمؤمنينَ ، كما فعلَ ذلكَ معَ أنبيائِهِ السابقينَ (الْفُرْقَانُ ، 25: 31). [111]

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا (النِّسَاءُ ، 4: 45).

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 31).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ النَّصِيرُ." أللهُمَّ إني أطلبُ تأييدَكَ وعونَكَ ومَدَدَكَ لأبقى على صراطِكَ المستقيمِ ، وإني أطلبُ نجدتَكَ ونجاتَكَ وخلاصَكَ لي مِنْ كيدِ الشيطانِ الرجيمِ ، ومِنْ شرِّ شياطينِ الإنسِّ والجنِّ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "النَّصِيرَ" أو "ْنَصِيرَ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "نَصِيرُ" عبادِهِ المؤمنينَ ، الذي يؤيدُهُم ، ويعينُهم ، ويمدُّهُم بوسائلِ الغّلَبَةِ على أعدائهِم الكافرينَ. وهوَ الذي يُنجدُهم ، ويُنجيهم ، ويخلِّصُهُم منهم ، ومِنْ شرورِهِم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ النَّصِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً على مدِّ يدِ العونِ للمؤمنينَ ، وعلى تأييدِهِم وإعانتِهِم ونجدتِهِم وتخليصِهِم مِنْ شرورِ أعدائِهِم.

93. نِعْمَ النَّصِيرُ

"نِعْمَ النَّصِيرُ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ ، ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، النَّصِيرُ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "نَصَرَ" ، الذي يعني نَجَّى ، وخَلَّصَ ، ونَجَدَ ، وأيَّدَ ، وأعانَ ، وأمَدَّ بوسائلِ الغَلَبَةِ.

وهكذا ، "فنِعْمَ النَّصِيرُ" ، كاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، يستحقُّ الحمدَ والشكرَ والعرفانَ مِنَ المؤمنينَ ، لنصرتِهِ وتأييدِهِ وعونِهِ لهم ، ولإمدادِهِم بوسائلِ الغّلَبَةِ على أعدائهِم الكافرينَ ، ولأنهُ الذي يُنجدُهم ، ويُنجيهم ، ويخلِّصُهُم منهم ، ومِنْ شرورِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ الإشارةِ إلى أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ ، بأنْ يبلغَ الكفارَ بأنَّ اللهَ سيغفرُ لهم إذا ما دخلوا في الإسلامِ. أمَّا إذا أصروا على كفرِهِم واستمروا في اضطهادِهِم للمسلمينَ ، فإنَّ اللهَ مَوْلَى المؤمنينَ ، وناصرُهم ، وهوَ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنْفَالُ ، 8: 38-40). كما وَرَدَ معَ أمرِ اللهِ للمسلمين بإقام الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ والاعتصامِ بهِ ، والجهادِ في سبيلِهِ ، وبأنْ يكونوا شهداءَ على الناسِ ، كما كانَ الرسولُ عليهِم شهيداً ، وبألا يخافوا في اللهِ أحداً لأنهُ مَوْلاهُم وناصرُهُم ، فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 78).

وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنْفَالُ ، 8: 40).

... فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الْحَجُّ ، 22: 78).

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، ومِنْ تطبيقاتِهِ ، مِمَّا ذُكِرَ آنفاً في اسمِ " النَّصِيرِ" ، تباركَ وتعالى.

94. خَيْرُ النَّاصِرِينَ

"خَيْرُ النَّاصِرِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " النَّاصِرِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "نَصَرَ" ، الذي يعني نَجَّى ، وخَلَّصَ ، ونَجَدَ ، وأيَّدَ ، وأعانَ ، وأمَدَّ بوسائلِ الغَلَبَةِ.

وهكذا ، "فخَيْرُ النَّاصِرِينَ" ، هوَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ في نُصرتِهِ وتأييدِهِ وعونِهِ للمؤمنين ، مِنْ أيِّ نصيرٍ أو مؤيِّدٍ أو مُعِينٍ آخرَ. وهوَ الأفضلُ في إمدادِهِم بوسائلِ الغّلَبَةِ على أعدائهِم الكافرينَ ، وفي نجدتِهِم ونجاتِهِم وخلاصِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ تذكيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، للمؤمنينَ بالَّا يُطيعوا الكافرينَ ، الذينَ أخذوا يشككونهم في دينِهِم ويدعونهم للارتدادِ عنهُ ، بعد هزيمتِهِم في معركة ِ أحُدٍ. فقالَ لهم المنافقون: ارجعوا إلى إخوانِكُم وادخلوا في دينِهِم. ودعاهم أبو سفيانَ إلى طلبِ الأمانِ مِنْ قُرَيْشٍ. أمَّا أهلُ الكتابِ ، فقالوا: لو كانَ محمدٌ نبيَّاً حقاً ، لَما غلبَهُ أعداؤهُ. [112]

ولكنَّ المعنى عامٌّ أيضاً ينطبقُ على المؤمنينَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ، وخاصةً في تعرضهم للأحوالِ الصعبةِ ، التي تُمَثِّلُ فرصةً لأعدائهِم الكافرينَ ، ليشككوهم في دينِهم ويردوهم عنهُ. فإذا ما أطاعوهم ، فإنهم يضلونَ بعدَ أنْ هداهمُ اللهُ ، فيخسرونَ الدُّنيا والآخرةَ. ولذلك ، فعلى المؤمنينَ التمسكُ بإيمانِهم بربِّهم ، ويعتمدوا عليه ، مهما حدثَ لهم ، لأنهُ مولاهُم ، وهوَ خيرُ الناصرينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 149-150).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴿١٤٩﴾‏ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿١٥٠﴾‏ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 149-150).

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، ومِنْ تطبيقاتِهِ ، مِمَّا ذُكِرَ آنفاً في اسمِ " النَّصِيرِ" ، تباركَ وتعالى.

95. خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

"خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَاكِرِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَكَرَ" ، الذي يعني خَدَعَ ، وتحايلَ ، ودَبَّرَ أمراً ، وخَطَّطَ للإيقاعِ بالآخَرِينَ. 

وكاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْمَاكِرِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأحْكَمُ وأنْفَعُ في تخطيطِهِ وتدبيرِهِ لشئونِ المؤمنينَ ، مِنْ حيثُ التصدي لتخطيطِ وتدبيرِ أعدائِهِم الكافرينَ ، وإفشالِ خُطَطِهِم الهادفةِ إلى إلحاقِ الضررِ بعبادِهِ في الحياةِ الدُّنيا ، وعقابِهِم على ذلكَ في الآخِرةِ.

وهكذا ، فالمكرُ مِنَ المخلوقينَ هوَ الخُبْثُ والخديعةُ والحيلةُ ، والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ استدراجُ الكافرينَ المكذبينَ وأخذُهُم بغتةً من حيث لا يعلمونَ ، كما قالَ تباركَ وتعالى: "وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾‏ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿١٨٣﴾‏ (الأعْرَافُ ، 7: 182-183).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ ذِكْرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لمكرِ الكافرينَ وتآمُرِهِم على حياةِ رسولِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ. ولكنَّ اللهَ كانَ أفضلَ منهم مكراً ، وذلكَ برفعِهِ إليهِ قبلَ أنْ يقتلوهُ. وزادَ على ذلكَ بالتمكينِ لأتْباعِهِ ليكونوا أقوى مِنَ الذينَ كفروا بِهِ ، ومسيطرونَ عليهِم ، إلى يومِ القيامة (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 54-55). كما وَرَدَ معَ ذكرِ مكرِ الكفارِ وتآمُرِهِم على آخرِ رُسُلِ اللهِ ، محمدٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمِ ، لِيُثْبِتُوهُ أَوْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ. ولكنَّ اللهً ، تباركَ وتعالى ، تصدى لهم بمكرٍ مُضادٍ لمكرِهِم ، فَثَبَّتَ رسولَهُ والمؤمنينَ معهُ على دينِهِم ، ونصرَهُم على أعدائِهِم ، فهوَ جلَّ وعلا خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفالُ ، 8: 30).

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿٥٤﴾‏ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 54-55).

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنْفَالُ ، 8: 30).

وجاءَ نفسُ المعنى في سياقٍ آخرَ في القرآنِ الكريمِ ، للردِّ على المنافقين ألذينَ يحاولونَ خداعَ اللهِ والمؤمنينَ ، أيْ بإظهارِ الإِيمانِ وتبطينِ الكفرِ. فإنْ انتصرَ المؤمنونَ ، قالوا لهم: "أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ؟" وإنْ انتصرَ الكافرونَ ، قالوا لهم: "أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ؟" فيرُدُّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عليِهِم ، بأنَّهُ مُطَّلِعٌ على ما يقومونَ بهِ مِنْ خِدَاعٍ ، وبأنَّهُ خادِعُهُم ، أي بعقابِهِم على ذلكَ في اليومِ الآخِرِ. كما أنهُ قد أشارَ إلى ثلاثٍ مِنْ صفاتِهِم ، وهيَ الكسلُ عندَ القيامِ للصلاةِ ، و مُراءاةِ الناسِ ، وقلةِ ذكرِهِم للهِ ، وذلك تبصرةً للمؤمنينَ للتعرُّفِ عليهِم (النِّسَاءُ ، 4: 141-142).

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿١٤١﴾‏ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ (النِّسَاءُ ، 4: 141-142).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ": أللهُمَّ إني أطلبُ تأييدَكَ وعونَكَ ومَدَدَكَ لأبقى على صراطِكَ المستقيمِ ، وإني أطلبُ نجدتَكَ ونجاتَكَ وخلاصَكَ لي مِنْ كيدِ الشيطانِ ومَكْرِهِ ، ومِنْ شرِّ شياطينِ الإنسِّ والجنِّ ومكرِهِم.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القادرُ على الاطِّلاعِ على مكرِ الشيطانِ وأتباعِهِ الكافرينً ، وعلى إفشالِ مكرِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى عقابِهِم في الآخرةِ. كما لا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا تجوزُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّهُ "الْمَاكِرُ" ، أو "مَاكِرُ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً ليكونَ أفضلَ وأحْسَنَ وأحْكَمَ وأنْفَعَ في تخطيطِهِ وتدبيرِهِ لشئونِهِ وشئونِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ حريصاً ألَّا يقعَ فريسةً لمكرِ أعدائهِ الكافرينَ ومكائِدِهِم ، وألَّا يُلْدَغُ "مِنْ ْجُحْرِ مَرَّتَيْنِ" ، كما أوصانا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [113]

96. خَيْرُ الْفاصِلِينَ

"خَيْرُ الْفَاصِلِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْفَاصِلِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "فَصَلَ" ، الذي يعني قَضَى ، وَحَكَمَ ، وَحَسَمَ أمراً أو بَتَّ فيهِ بعدَ فَصْلِ أجزائهِ بعضِها عنْ بعضٍ.   

وكاسمٍ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْفَاصِلِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ الأفضلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ والأكثرُ عَدْلاً فِي حُكْمِهِ وقضائهِ بينَ الناسِ (الْحَجُّ ، 22: 17 ؛ السَّجْدَةُ ، 32: 25) ، في يومِ القيامةِ ، الذي وصفهُ ، في كتابِهِ الكريمِ ، بأنَّهُ يومُ الفصلِ ، أي اليومُ الذي يُفْصَلُ فيهِ بينَ الحقِّ والباطلِ (الصَّافَّاتُّ ، 37: 21). [114]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في مَعرِضِ ذِكْرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يردَّ على مُشرِكي قريِشٍ ، قائلاً أنهُ على بينةٍ بما أوحى ربُّهُ إليهِ ، رغمَ تكذيبِهم له’ ، وأنَّ ما يستعجلونَ بهِ مِنَ العذابِ ، استهزاءً وسخريةً ، هوَ مِنْ أمرِ اللهِ ، جلَّ وعلا ، الذي يَقُصُّ الحقَّ في قرآنِهِ الكريمِ ، في هذهِ الدُّنيا. وهوَ "خَيْرُ الْفَاصِلِينَ" ، أي خيرُ مَنْ يَفْصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في قضائهِ وحُكْمِهِ العادلِ ، في الآخرِةِ (الأنْعَامُ ، 6: 57).

قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 57).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ": أللهُمَّ إني أطلبُ تأييدَكَ وعونَكَ ومَدَدَكَ لأبقى على صراطِكَ المستقيمِ ، اللهُمَّ افصلْ بالحقِّ بيننا وبين الذينَ يريدونَ لنا الشرَّ والأذى ، وتولنا ، فأنتَ نِعْمَ المولى ، ونِعْمَ النَّصِيرِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "خَيْرُ الْفَاصِلِينَ" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يَفْصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في يومِ القيامةِ. كما لا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا تجوزُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّهُ "الْفاصِلُ" ، أو "فاصِلُ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً ليكونَ أفضلَ وأحْسَنَ وأحْكَمَ وأنْفَعَ في حُكْمِهِ بينَ الناسِ وعليِهِم ، سواءٌ كانَ ذلكَ بحكمِ القرابةِ أو المكانةِ أو المسؤوليةِ.

97. الْهَادِي

"الْهَادِي" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "هَدَى" ، الذي يعني أرْشَدَ ، ودَلَّ ، ووَفَّقَ ، وعَرَّفَ ، وبَيَّنَ ، وبَصَّرَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْهَادِي" هوَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي يهدي عبادَهُ إلى طُرُقِ الخير ، وإلى صراطِهِ المستقيمِ ، مِنْ خلالِ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ ووَحْيهِ. فهوَ الذي يُرْشِدُهم ويدُلُّهُم على تلكَ الطُّرُقِ ، ويُبَيِّنُها لهُم ، ويُعَرِّفُهُم ويُبَصِّرُهم بها ، ويُوَفِّقُهُم للوصولِ إليها.  

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، في مَعْرِضِ الإشارةِ إلى أنَّ أنبياءَ اللهِ كانَ لكلٍ منهم عَدُوٌ مِنَ المُجرمينَ ، الذين كانوا يعارضونهم ، ويحاولونَ صَدَّ الناس عنهم. ولكنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، كانَ دائماً نصيراً لأنبيائهِ وهادياً لعبادِهِ ومثبتاً لهم على إيمانِهم بهِ (الْفُرْقَانُ ، 25: 31). وهوَ ، تباركَ وتعالى ، يهدي عبادَهُ المؤمنينَ إلى صراطِهِ المستقيمِ ، مِنْ خلالِ ما أنزلَ عليهِم في كتابِهِ الكريمِ ، خاصةً الذينَ أوتوا العِلمَ منهم ، الذين يؤمنوا بأنَّهُ الحقُّ مِنْ رَبِّهِم ، فتلينُ لهُ قلوبُهُم بعدَ إيمانِ عقولِهِم بهِ (الْحَجُّ ، 22: 54).

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 31).

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الْحَجُّ ، 22: 54).

وقد بيَّنَ لنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في آياتٍ عديدةٍ مِنْ كتابِهِ الكريمِ ، أنَّهُ يَتَدَخَلُ بالهدايةَ إلى طُرُقِ الخير وإلى صراطِهِ المستقيمِ بعدَ اختيارِ عبادِهِ للإيمانِ بهِ وبكتبهِ ورُسُلِهِ ، وأنهُ يُضِلُّ أعمالَ الكافرينَ بهِ وبكتبهِ ورُسُلِه. وذلكَ مُتَّسِقٌ معَ أنَّ الأصلَ في الثوابِ والعقابِ هو اختيارُ الإنسانِ للخيرِ أو الشرِّ ، أي بالإيمانِ أو الكفرِ في الحياةِ الدُّنيا ، كما مرَّ بيانُهُ مِن قبلُ. [115]

فَذّكَرَ لنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، أنهُ يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطِهِ المستقيمِ ، وذلكَ في إشارةٍ مباشِرَةٍ أو غيرِ مباشِرَةٍ إلى عبادِهِ المؤمنينَ ، أيْ على أساسِ إيمانِهِم بهِ. كما أنهُ يهدي مَنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ ، دونَ الحاجةِ إلى ذكرِ سببِ ذلكَ ، فهوَ ، جلَّ وعلا ، "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 23). وتخبرُنا الآياتُ الكريمةُ أنَّ اللهَ يهدي الذينَ آمنوا بهِ إلى صراطِهِ المستقيم ، وذلك بأنْ يُبَيِّنَ لهم سُننَ الذينَ مِنْ قبلِهِم ، وهوَ يَهْدِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ، والَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ،  ومَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ، والذينَ يؤمنونَ بآيَاتِهِ ، ويَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ، ويهدي َالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيَهْدِي رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، والمؤمنينَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ، وَيَهْدِي بالقرآنِ مَن يَشَاءُ مِنْ عبادِهِ. [116]  

كما ذَكَرَ لنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، أنهُ لا يهدي الكافرينَ ، وذلكَ لأنهم يَسْعَوْنَ في الأرضِ فساداً وتآمراً على عبادِهِ المؤمنينَ ، فَيُضِلُّهم ويُفْشِلُ خِطَطَهُم ومكائدَهُم ومكرَهُم ، إنقاذاً للبشريةِ مِنْ شرُورِ أعمالِهِم. وهكذا ، جاءَ ذِكْرُ سببِ حرمانِهِم مِنَ الهدايةِ "لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ" ، في يومِ الحساب (النِّسَاءُ ، 4: 165). فهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، "لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يُونُسُ ، 10: 44) ، بل هوَ "يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" (النَّحْلُ ، 16: 90). فَذَكَرَ لنا في كتابِهِ العزيز ، أنهُ يُضِلُّ مَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ، ولا يهدي الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِهِ ، والَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، والَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ، والْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، والْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ، والْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ، وكَيْدَ الْخَائِنِينَ ، ومَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ، ومَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ، ومَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ. [117]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْهادِي" ، ثُمَّ يدعو المؤمنُ بخير الدعاءِ ، وهوَ الذي عَلَّمَنا بِهِ رَبُّنا ، في كتابِهِ الكريمِ ، أيْ: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" (الْفَاتِحَةُ ، 1: 6) ، وبما دعا بهِ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، الذي كانَ يقولُ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" ، و "اللهم اهْدِني فيمَن هَدَيتَ ، وعافني فيمَنْ عافيتَ." كما أنهُ كانَ يقولُ عندَ افتتاحِ صلاتِهِ ، إذا قامَ مِنَ الليلِ: "اللَّهمَّ ربَّ جبرئيل ، وميكائيلَ ، وإسرافيلَ ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ ، عالمَ الغيبِ والشَّهادةِ ، أنتَ تحكمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلفونَ. اهدني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ ، إنَّكَ على صراطٍ مستقيمٍ." [118]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "الْهَادِي" أو "هَادِي" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ،  لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يُمْكِنُهُ أن يهدي مَنْ يشاءُ ويُضِلُّ مَنْ يشاءُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْهَادِي" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً لهدايةِ غيرِهِ مِنَ الناسِ إلى اللهِ وكتابِهِ وهديِّ رسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وإلى أعمالِ الخيرِ التي تفيدُ الناسَ ، ابتداءً بأسرتِهِ وأقارِبِهِ ، ووصولاً إلى المجتمعِ بصفةٍ عامةٍ.

98. الْحَيُّ

"الْحَيُّ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَيِيّ" الذي يعني عاشَ وصارَ ذا حياةٍ ، وذا نماءٍ ، وسَرَتْ فيهِ الرُّوحُ ، وعَكْسُهُ ماتَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْحَيَّ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْحَيُّ الْمُطْلَقُ أزلاً وأبداً. وهوَ واهبُ الحياةِ لغيرِهِ مِنَ الأحياءِ ، الذينَ يموتونَ ، كما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" (الْقَصَصُ ، 28: 88) ، وهوَ "الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ" (الْفُرْقَانُ ، 25: 58). وهوَ "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" (الْمُلْكُ ، 67: 2). كما أنهُ ، جلَّ وعلا ، هوَ الأولُ الذي لم يكنْ قبلَهُ شيءٌ أو أحدٌ ، وهوَ الآخِرُ ، الذي لا يموتُ ، بينما لكلٍ مِن مخلوقاتِهِ أجلُهُ الذي يُسْتَوْفَى سجلُّهُ في نهايتِهِ ويموتُ. [119]

وفي تعريفِهِ لِلْحَيِّ ، ذكرَ الغزالي أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ "الفعَّالُ الدَّرَّاكُ. والميتُ لا فعلَ ولا إدراكَ لهُ. وهوَ الْحَيُّ الْمُطْلَقُ ، وكلُّ حَيٍّ سِوَاهُ فحياتُهُ محدودةٌ بقدرِ إدراكِهِ وفعلِهِ." أمَّا القرطبيُّ ، فذكرَ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْحَيُّ الباقيُّ الذي لا يجوزُ عليهِ الموتُ والفناءُ ، وأنهُ ليسَ في الوجودِ موجودٌ لهُ حياةٌ مِنْ ذاتِهِ لذاتِهِ إلا اللهَ وحدَهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، جاءَ في ثلاثٍ منها مُقْتَرِنَاً معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْقَيُّومُ" ، وذلكَ في مَعْرِضِ الإشارةِ إلى أنَّ "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ" ، أيْ لا يوجَدُ إلهٌ غيرُهُ ، مما يتوجبُ على مخلوقاتِهِ عبادتَهُ. وهوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، أيْ الحيُّ أبداً ومنذُ الأزلِ ، والقائمُ على حِفظِ ملكوتِهِ الواسعِ ، والرزاقُ لمخلوقاتِه. وهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، "لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ" ، أي لا يَنْعَسُ ولا ينامُ ، وهوَ دائمُ اليقَظةِ والسهرِ على أجزاءِ ملكوتِهِ العظيم (الْبَقَرَةُ ، 2: 255). وهوَ الذي نزَّلَ القرآنَ الكريمَ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، هدايةً للبشريةِ ، كما أنزلَ التوراةَ والإنجيلَ مِنْ قبلُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 2-3). وهوَ الذي سيقفُ خلقُهُ أمامَهُ للحساب في الآخِرةِ (طَهَ ، 20: 111). وهوَ الْحَيُّ الذي لا يموتُ ، الْخَبِيرُ بذنوبِ عبادِهِ ، سبحانهُ وتعالى (الْفُرْقَانُ ، 25: 58). وهوَ "الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" ، رَبُّ الْعَالَمِينَ ، الذي يَحْمَدُهُ عبادُهُ على نِعَمِهِ التي لا تحصى في حياتِهم الدُّنيا ، وعلى الثوابِ الذي وعدَهُم إياهُ في الآخِرةِ )غَافِرُ ، 40: 65).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾‏ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٣﴾ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 2-3).

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (طَهَ ، 20: 111).

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 58).

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )غَافِرُ ، 40: 65).

***

وأفضلُ تفسيرٍ لمعنى اسمِ "الْحَيِّ" هو ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ ، وتحديداً في آيَةِ الْكُرْسِيِّ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255) ، التي تُقْرِنُهُ مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "الْقَيُّومُ" ، والتي يقولُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، فيها:

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم  (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

أوردَ ابنُ كثيرٍ ، جزاهُ اللهُ خيراً عن تفسيرِهِ للقرآنِ الكريم ، حديثاً شريفاً ذكرَ فيهِ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنَّ آيةَ الكرسي هيَ أعظمُ آيةٍ في القرآنِ الكريمِ ، لوجودِ اسمِ اللهِ الأعظمِ فيها ، وهو إما "اللهُ" أو "الْحَيُّ" أو "الْقَيُّومُ" ، الموجودُ كذلكَ في آيتينِ أخريينِ ، هما آلِ عِمْرَانَ ، 3: 2 ؛ و طَهَ ، 20: 111.  [120]

 

وبينما جاءَ ذكرُ اسمَ "الله" واسم "الْقَيُّومِ" في هذهِ الآياتِ الثلاثِ فقطْ ، فإنَّ اسمَ "الحيِّ" قد ذُكرَ وحدُهُ في آيتينِ أخريينِ ، هُما (الْفُرْقَانُ ، 25: 58) و  (غَافِرُ ، 40: 65) ، واللتينِ لم يتمْ ذكرُهُما في هذا الحديثِ الشريف.

وذكرَ القرطبيُّ أنَّ اسمَ اللهِ الأعظمَ يمكنُ أنْ يكونَ هوَ "الْحَيُّ." ولكنَّ الأرجحَ أنْ يكونَ هو "اللهُ" أو "الْقَيُّومُ" ،  لذكرِ الحديثِ الشريفِ لهذينِ الاسمينِ في الآياتِ الثلاثِ المشارِ إليها ، بينما "الْحَيُّ" مذكورٌ وحدُهُ في آيتينِ كريمتينِ أخريينِ ، واللهُ تعالى أعلم.

أما المعنى المباشرُ لاسمِ اللهِ ، الحيِّ ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ أصلُ الحياةِ وواهبُها ، وهو الأولُ الذي لم يكنْ قبلَهُ شيءٌ أو أحدٌ ، وهوَ الآخِرُ ، الأزليُّ الذي لا يموتُ ، بينما لكلٍ مِن مخلوقاتِهِ أجلُهُ الذي يُستوفَى سجلُّهُ في نهايتِهِ ويموت ، كما تمتْ مناقشتُهُ في الفصلِ التاسعِ: "الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ." 

***

وكما فعلَ المفسرونَ الثلاثةَ (الطبري والقرطبي وابنُ كثير) ، فإنَّ آيةَ الكرسي يُمكنُ تقسيمُها إلى عشرةِ أقسامٍ ، لتسهيلِ ذكرِ معانيها ، كما يلي:

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ: لا يوجَدُ إلهٌ غيرُهُ ، مما يتوجبُ على مخلوقاتِهِ عبادتَهُ ، عزَّ وجل.

الْحَيُّ الْقَيُّومُ: هوَ "الْحَيُّ" الْمُطْلَقُ أزلاً وأبداً. وهوَ واهبُ الحياةِ لغيرِهِ مِنَ الأحياءِ ، الذينَ يموتونَ. وهوَ الأولُ الذي لم يكنْ قبلَهُ شيءٌ أو أحدٌ ، وهوَ الآخِرُ ، الذي لا يموتُ.

وهوَ "القيومُ" ، أيْ القائمُ على حِفظِ نظامِ ملكوتِهِ والمتحكمُ فيهِ ، بما في ذلكَ عرشهِ وكرسيهِ ، الذي يحتوي على السماواتِ والأرضِ وما بينهما ، وهوَ المدبرُ لأمورِ خلقِهِ وأرزاقِهِم.

لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ: لا ينعسُ ولا ينامُ ، دائمُ اليقَظةِ والسهرِ على أجزاءِ ملكوتِهِ العظيم.

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ: هو مالكُ كلِّ ما في السماواتِ والأرضِ ، لا ينازِعُهُ في مُلكِهِ أحد.

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ: وعندما تقفُ مخلوقاتُهُ مِن إنسٍ وجنٍ للحسابِ أمامَهُ في اليومِ الآخِرِ ، لا يجرؤُ أحدٌ أنْ يشفعَ لأحدٍ منهم إلا بإذنِهِ ، سبحانه وتعالى. وذكرَ القرطبيُ أنَّ الإذنَ بالشفاعةِ سيُعطى لبعضِ الملائكةِ وللرسلِ والأنبياءِ والعلماءِ والمجاهدينَ وعبادِ اللهِ الصالحين. فيطلبُ هؤلاءُ الشفعاءِ مِن مالكِ يومِ الدينِ الرحمةَ والرفقَ بمن عَرِفوا مِنَ الناسِ الذين كانوا يقومونَ بالعباداتِ وبصالحِ الأعمالِ في الحياةِ الدنيا. وسيُعطى الإذنُ بالشفاعةِ أيضاً للذينَ ماتوا أطفالاً ، ليشفعوا لآبائِهِم وأمهاتِهِم.

أمَّا أكبرُ الشفاعاتِ فهيَ شفاعةُ خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلينَ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلام. حيثُ يسجدُ للخالقِ العظيمِ ، يسبحهُ ويعظمهُ ويحمدهُ ويُثني عليهِ ، حتى يستجيبَ لهُ ربُّهُ ، جلَّ وعلا ، فيُعَجلَ الحسابِ ويقبلَ شفاعتَهُ في أمتِهِ. [121]

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: وهوَ يعلمُ ما قدمتْ مخلوقاتُهُ مِنْ إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ مِنْ أعمالٍ في الحياةِ الدنيا ، وما سيؤولونَ إليهِ في الآخِرةٍ ، أي إنهُ يعلمُ الماضيَ والحاضرَ والمستقبلَ ، فهو المحيط ُبعلمِهِ لجميعِ مخلوقاتِهِ ، كما أخبرنا ، عزَّ وجل ، في الآيةِ الكريمة (النِّسَاءُ ، 4: 126).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (النِّسَاءُ ، 4: 126).

وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ: وهو الذي لا يستطيعُ أحدٌ الإلمامَ بشيءٍ مِن علمِهِ إلا بما يسمحُ بِهِ ، سبحانهُ وتعالى. وذلك لأنَّ مخلوقاتَهُ لا تستطيعُ الإلمامَ بملكوتِه العظيمِ وما فيهِ مِن بدائعِ صُنعِهِ ومِن عجائبِ مخلوقاتِهِ ، بينما يحيطُ هوَ بذلكَ كلِّهِ ، فيُعطي بعضاً مِن علمِهِ لمخلوقاتِهِ مِن ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍ ، بِما شاءَ مِن أمور.

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: وهوَ مالكُ المُلكِ الفسيحِ ، الذي يتسعُ كرسيُهُ للسماواتِ والأرضِ وما فيهِنَ ومَنْ فيهنَ. وذكرّ ابنُ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ الكُرسيَ إشارةٌ لعلمِ الله. أمَّا أبو مالِكِ وغيرُهُ مِنَ الصحابةِ ، فقد أشاروا لحجم الكرسي ، بناءً على الأحاديثِ الشريفة ، التي تشير أيضاً إلى أنهُ على الرغمِ مِنْ ضخامةِ حجمِهِ ، فإنهُ أصغرُ مِنَ العرشِ الذي يعلوهُ. [122]

وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا: وعلى ضخامةِ مُلكهِ العظيمِ مِن سماواتٍ وأرضينَ ، فإنهُ لا يُتعبُهُ حفظهما مِنْ أنْ يعتريَهما أيُ خللٍ ، في تكوينِ كلٍ منها ، أو في وظائِفِها ، أوفي أمورِ الكائناتِ التي تعيشُ فيها.

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم: وهوَ العليُّ فوقَ جميعِ مخلوقاتِهِ ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍ وسماواتٍ وأرضينَ ، وما فيها ومَن فيها. وهوَ العظيمُ في إبداعِهِ لملكوتِهِ ، وفي الحفاظِ عليهِ ، وفي رعايةِ وتوفيرِ الرزقِ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، سبحانهُ وتعالى.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" ، أحمَدُكَ على نعمةِ الحياةِ التي أسبغتَها علي. اللهم اهدني إلى خيرِ ما في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، مِنَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ ، وخيرِ ما في الآخِرةِ ، أي إلى الدخولِ إلى جنَّةِ خُلدِكَ ، معَ خيرِ عبادِكَ ، يا أرحمَ الراحمينَ. اللهمَّ إني أدعوكَ بما دعاكَ بِهِ رسولُكَ الكريمُ: ""اللهُمَّ لكَ أسلَمْتُ ، وبِكَ آمنْتُ ، وعليْكَ توكَّلْتُ ، وإليْكَ أنَبْتُ ، وبِكَ خاصمْتُ . اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بعزَّتِكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، أن تُضلَّنِي. أنتَ الحيُّ الّذي لا يَموتُ ، والجِنُّ و الإنسُ يَموتُونَ." [123]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "الْحَيُّ" أو "ْحَيُّ" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ،  لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الْحَيُّ الْمُطْلَقُ أزلاً وأبداً ، وهوَ واهبُ الحياةِ لغيرِهِ مِنَ الأحياءِ ، الذينَ يموتونَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَيِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ الحمدِ والشكرِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ، الذي وهبهُ نعمةَ الحياةِ الدُّنيا ، ونعمةَ الإيمانِ بهِ ، التي ستُدخلُهُ جنَّةَ الخُلدِ في الآخِرَةِ. وعلى المؤمنِ أنْ يحافظَ على حياتِهِ وحياةِ مَنْ هو مسؤولٌ عنهم ، لأنَّ الحياةَ هبةٌ مِنَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ ، واختبارٌ للناسِ ، ليبلُوَهُم أيُّهُم أحسنُ عملاً. فيكونُ ثوابُهم أو عقابُهم ، بناءً على إيمانِهِم وأعمالِهِم ، وبناءً على رحمتِهِ ، تباركَ وتعالى ، مِنْ قبلُ ومِنْ بعدُ.

 

99. مُحْيِي الْمَوْتَى

"ْمُحْيِي الْمَوْتَى" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ْمُحْيِي" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أحْيَا" ، الذي يعني جعلهُ حَيَّاً ، ويعني أيضاً أنهُ أخرجَ مِنَ الأرضَ نباتَها. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْمَوْتَى" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَاتَ" ، الذي يعني أنَّ الحياةَ قد توقفتْ في جسدِهِ ، بعدَ مفارقةِ الروحِ له. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ْمُحْيِي الْمَوْتَى" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُحيِي خلقَهُ للحسابِ في اليومِ الآخِر ، بإخراجِهِم مِنَ الأرضِ كالنباتِ ، مِثلَما يُحيي الأرضَ بعدَ موتِها بإخراجِ النباتِ مِنها ، بعدَ إنزالِ الماءِ عليها ، كما ذكرَ لنا في كتابِهِ الكريمِ. [124] وقد بيَّنَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كيفيةِ خروجِ الناسِ وبعثِهِم مِنَ الأرض ، وذلكَ باستنساخِ أجسادِهِم مِنْ "عَجْبِ الذَّنَبِ" ، بعدَ نزولِ المطرِ على الأرضِ. [125]

وَوَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ تقريبِ معنى البعثِ ، أي إحياءِ الموتى. فقالَ ربُّنا ، جلَّ وعلا ، أنَّ ذلكَ سيحدثُ بخروجِ الناسِ مِنَ الأرضِ ، كما يخرُجُ النباتُ مِنها بعدَ نزولِ الماءِ عليها ، وهوَ ، تباركَ وتعالى ، "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الرُّومُ ، 30: 50 ؛ فُصِّلَتْ ، 41: 39).

فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الرُّومُ ، 30: 50).

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فُصِّلَتْ ، 41: 39).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ مُحْيِي الْمَوْتَىٰ" ، مَكِّنِّي مِنَ الاستمرارِ على طاعتِكَ في هذهِ الحياةِ ، وأحْيِنِي في يومِ القيامةِ معَ الأنبياءِ والصديقين والشهداء والصالحين ، كما وعدتَّنا في كتابِكَ العزيزِ ، و معَ مَنْ أحبُّ ، كما بَشَّرَنا بِهِ رسولُكَ الكريمُ. [126]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "ْمُحْيِي الْمَوْتَى" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يُحيِي الموتى في يومِ القيامةِ. كما لا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللهِ ، ليبعثَهُ معَ الفائزينَ مِنْ عبادِهِ في يومِ القيامَةِ ، وأنْ يعملَ ما يستطيعُ لهدايةِ مَنْ يُحِبُّ في هذهِ الدُّنيا ، حتى يفوزوا مَعَهُ بجنةِ الخُلدِ ، في اليومِ الآخِرِ.

100. مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ

"مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ أربعِ كلماتٍ ، أولاهُما "ْمُخْرِجُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أخْرَجَ" ، الذي يعني أبرَزَ الشيءَ وأظهرَهُ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَيِّتِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَاتَ" ، الذي يعني أنَّ الحياةَ قد توقفتْ في جسدِهِ ، بعدَ مفارقةِ الروحِ لهُ. والكلمةُ الثالثةُ ، "مِنَ" ، هيَ حرفُ جرٍ لِما بعدِهِ. والكلمةُ الرابعةُ ، "الْحَيِّ" ، هيَ اسمٌ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَيِيّ" الذي يعني عاشَ وصارَ ذا حياةٍ ، وذا نماءٍ ، وسَرَتْ فيهِ الرُّوحُ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "مُخْرِجَ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي خلقَ دورةَ الحياةِ والموتِ ، لتكونَ سِمَةَ استمرارِ مخلوقاتِهِ في الحياةِ الدُّنيا. فهوَ الذي "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ" (يُونُسُ ، 10: 31 ؛ الرُّومُ ، 30: 19). ومِنْ أمثلةِ ذلكَ أنهُ ، جلَّ وعلا ، يُخرجُ النباتَ الحيَّ مِنَ الْحَبِّ الميِّتِ ، كما يُخرِجُ الْحَبَّ الْمَيِّتَ مِنَ النباتِ الحيِّ. فساقُ النباتِ حَيٌّ ، أي أنهُ ينمو ويَكْبُرُ ، ويُنْتِجُ أوراقاً وأزهاراً وحَبَّاً مَيِّتَاً في نهايةِ دَوْرَتِهِ. أمَّا الْحَبَّةُ ، فهيَ جامدةٌ لا حياةَ فيها ، أي أنها لا تنمو ولا تَكْبُرُ ، إلا إذا توفرتْ لها شروطُ الحياةِ ، من تُربةٍ وماءٍ وهواءٍ وضوءٍ. وبالمِثْلِ ، فإنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُخرِجُ البيضَ الْمَيِّتَ مِنَ الدجاجِ الْحَيِّ ، كما يُخرِجُ الدجاجَ الْحَيَّ مِنَ الْبَيضِ الْمَيِّتِ. وهوَ الذي سيُخرِجُ الناسَ أحياءً مِنَ الأرضِ الْمَيْتَةِ ، للحسابِ في اليومِ الآخِرِ (نُوحُ ، 71: 17-18). [127]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ دعوةِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، للناسِ للإيمانِ بهِ ، وذلكَ بذكرِ قُدرَتِهِ على إخراجِ النباتِ الْحَيِّ مِنَ الْحَبَّةِ والنواةِ الميتتينِ ، وإخراجِهِما أيضاً مِنَ النباتِ الْحَيِّ (الأنْعَامُ ، 6: 95).

إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 95).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ" ، الَّلهُمَّ "أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا" (الإسْرَاءُ ، 17: 80) ، أي اللهُمَّ إني أسألُكَ أنْ يكونَ أوَّلُ وآخِرُ كلِّ أمرٍ أقومُ بِهِ في هذهِ الدُّنيا ، في طاعتِكَ وعلى صراطِكَ المستقيمِ ، وأنْ تكونَ عاقبةَ أمري في الدُّنيا والآخِرَةِ خيراً وصدقاً ، وأنْ تَهِبَنِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ." كما لا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا يجوزُ أنْ يُقالَ على اللهِ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ مُخْرِجٌ ، أي بتجزئةِ هذهِ الصفةِ عَنْ موصوفِها. بل ينبغي ذكرُ الصفةِ والموصوفِ ، أيْ كما جاءَ في القرآنِ الكريمِ ، بأنَّ َاللَّهَ مُخْرِجٌ ما يَكْتُمُ الناسُ (البقرة ، 2: 72) ، و مُخْرِجٌ ما يَحْذَرُونَ (التَّوْبَةُ ، 9:  64).   [128]

101. الْقَيُّومُ

"الْقَيُّومُ" اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالَغةٍ مِنَ اسمٍ آخَرَ هوَ قائِمُ ، المشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَامَ" الذي يعني انْتَصَبَ وَاقِفَاً ، واعتدلَ في وقوفِهِ ، وتولى أمراً ، وقامَ عليهِ ، وقامَ بشئونِ الآخَرينَ ، أي اعتنى بِهِم. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَيُّومَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كافٍ ومكتفٍ بذاتِهِ وقدراتِهِ على القيامِ بحِفظِ نظامِ ملكوتِهِ ، والتحكمِ فيهِ ، بما في ذلكَ العرشِ والكرسيِّ ، والسماواتِ والأرضِ ، وما بينهما ، ومَنْ فيهما ، وهوَ المدبرُ لأمورِ خلقِهِ وأرزاقِهِم ، وهوَ قَائِمٌ بالْقِسْطِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18) ، و "يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا" (فَاطِرُ ، 35: 41).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، جاءَ مُقْتَرِنَاً فيها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْحَيُّ" ، وذلكَ في مَعْرِضِ الإشارةِ إلى أنَّ "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ" ، أيْ لا يوجَدُ إلهٌ غيرُهُ ، مما يتوجبُ على مخلوقاتِهِ عبادتَهُ. وهوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، أيْ الحيُّ أبداً ومنذُ الأزلِ ، والقائمُ على حِفظِ ملكوتِهِ الواسعِ ، والرزاقُ لمخلوقاتِه. وهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، "لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ" ، أي لا يَنْعَسُ ولا ينامُ ، وهوَ دائمُ اليقَظةِ والسهرِ على أجزاءِ ملكوتِهِ العظيم (الْبَقَرَةُ ، 2: 255). وهوَ الذي نزَّلَ القرآنَ الكريمَ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، هدايةً للبشريةِ ، كما أنزلَ التوراةَ والإنجيلَ مِنْ قبلُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 2-3). وهوَ الذي سيقفُ خلقُهُ أمامَهُ للحساب في الآخِرةِ (طَهَ ، 20: 111).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (البقرة ، 2: 255).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾‏ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٣﴾ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 2-3).

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (طَهَ ، 20: 111).

وأفضلُ تفسيرٍ لمعنى اسمِ "الْقَيُّومِ" هو ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ ، وتحديداً في آيَةِ الْكُرْسِيِّ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255) ، التي تُقْرِنُهُ مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "الْحَيُّ" ، الذي تَمَّ ذِكْرُهُ تفصيلاً في اسمِ "الْحَيِّ" ، مِنْ قبلُ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" ، أدعوكَ باسمِكَ العظيمِ ، الذي إذا دُعِيتَ بهِ أجبتَ ، وإذا سُئلتَ بهِ أعطيتَ ، كما قالَ رسولُكَ الكريمُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ. اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّومُ ، اشملني وأسرتي بتوفيقِكَ ورعايتِكَ وهدايتِكَ في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في رحمتِكَ وجنتِكَ ، في الآخِرَةِ. [129]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الكافي والمكتفي بذاتِهِ وقدراتِهِ ، وهوَ القائمُ على حِفْظِ نظامِ ملكوتِهِ ، والتحكمِ فيهِ ، بما فيهِ ومَنْ فيهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَيُّومِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ الحمدِ والشكرِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ، الذي وهبهُ نعمةَ الحياةِ الدُّنيا ، ونعمةَ الإيمانِ بهِ ، التي ستُدخلُهُ جنَّةَ الخُلدِ في الآخِرَةِ. وعلى المؤمنِ أنْ يقومَ برعايةِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، والمحافظةِ عليهِم ، وحمايتِهِم ، ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلا.

102. الْوَاحِدُ

"الْوَاحِدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَحُدَ" ، الذي يعني بقيَ مُفْرَدَاً. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْوَاحِدَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ،هوَ إلهٌ واحِدٌ ، ولا ثانيَ لهُ في الإلهية ، ولا إلهَ غيرُهُ ، أي أنهُ لا شريكَ لهُ. وهوَ إلهٌ واحدٌ ، وليسَ ثُنائياً أو ثُلاثياً في طبيعتِهِ. كما أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ." [130]

وقد بيَّنَ لنا الرسولُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أهميةَ التوحيدِ في العقيدةِ الإسلاميةِ ، وذلكَ بذكرهِ أولاَ عندَ دعوةِ غيرِ المسلمينَ إلى دينِ اللهِ. فَفِي وصيتِهِ لِمُعاذٍ بنِ جبلٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عندما أرسلَهُ إلى أهلِ اليمنِ ، نبهَهُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يدعوهُم إليهِ "أنْ يُوَحِدُوا اللهَ تَعالى." [131]

وَوَرَدَ هذا الاسمُ سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، جاءَ مُقْتَرِنَاً فيها معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْقَهَّارُ" ، للتأكيدِ على أنَّ وَحْدَانِيةَ اللهِ في إلهيتِهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، ليستْ اختياراً مِنْ مخلوقاتِهِ ، وإنما جاءتْ قهراً ، لأنهُ الخالقُ العظيمُ للكونِ وما فيهِ ومَنْ فيه. وجاءَ ذِكْرُ ذلكَ على لسانِ يوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، الذي قالَ لصاحبيِّ سِجنِهِ بأنّ اللهَ هوَ "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" ، أي أنَّ الاعتقادَ بآلهةٍ متعددةٍ ، كما كانّ الحالُ في مصرَ آنذاكَ ، هوَ باطِلٌ ، ولا يستقيمُ (يُوسُفُ ، 12: 39) ، كما جاءَ معَ أمرِ اللهِ لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بإخبارِ الكفارِ بأنَّهُ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الرَّعْدُ ، 13: 16).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أيضاً مع ذِكْرِ بروزِ الخلقِ مِنَ الأرضِ في يومِ القيامةِ ، مُجْبَرِينَ على الوقوفِ أمامَ "الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" للحسابِ ، بلا حولٍ منهم ولا قوةٍ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48) ، ومعَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد أرسلَ خاتَمَ رُسُلِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، نذيراً للكافرينَ مِنْ خلقِهِ (صَ ، 38: 65) ، وأنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لو أرادَ أنْ يكونَ لهُ ولدٌ لاصطفى مِنْ خلقِهِ مَنْ شاءَ لهذا الغرضِ. لكنهُ ، جلَّ وعلا ، لم يُرِدْ ذلكَ ، لأنهُ ليسَ بحاجةٍ لأيٍّ مِنْ خلقِهِ ، كيفَ لا ، وهو "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الزُّمَرُ ، 39: 4) ، وجاءَ معَ ذِكْرِ أنهُ عندما يبرزُ الخلقُ أمامَ خالِقِهِم لا يَخفى منهم شيءٌ ، يقولُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يُجيبُهُ أحدٌ من خلقِهِ ، بما في ذلكَ الملائكةُ. فيجيبُ هوَ ، سبحانهُ وتعالى ، نفسَهُ: "للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" ، أي الذي قهرَهُم بالموتِ ، ثمَّ البعثِ والحسابِ ، فالثوابِ أو العِقابِ (غَافِرُ ، 40: 16).

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (يُوسُفُ ، 12: 39).

قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرَّعْدُ ، 13: 16).

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48).

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (صَ ، 38: 65).

لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الزُّمَرُ ، 39: 4).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، أيْ "وَاحِدٌ" أو "وَاحِدَاً" ، في مَعْرِضِ إقرارِ بني يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، بإسلامِهِم وبعبادتِهم لإلهٍ واحدٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 133) ، وفي إعلانِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ "إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ" ( الْبَقَرَةُ ، 2: 163) ، وفي ردِّهِ على أهلِ الكتابِ بأنهُ " إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ" (النِّسَاءُ ، 4: 171) ، وأنهُ ليسَ ثالِثُ ثلاثةٍ (الْمَائِدَةُ ، 5: 73) ، وبأنهم "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 31).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى في أمرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يتبرأَ مِنْ شِرْكِ  المشركينَ ، وأنْ يقولَ لهم بأنَّ اللهَ "إِلَٰهٌ وَاحِدٌ" (الأنْعَامُ ، 6: 19) ، وفي إعلانِهِ أنَّ القرآنَ الكريمَ "بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 52) ، وأنَّ هذا القولُ هوَ الْحَقُّ الذي لا يُنْكِرُهُ إلَّا الْمُسْتَكْبِرُونَ ، الَّذِينَ "لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ" (النَّحْلُ ، 16: 22) ، وأنهُ تباركَ وتعالى "إِلَٰهٌ وَاحِدٌ" ، وليسَ ثانِيَ اثنينِ (النَّحْلُ ، 16: 51) ، وفي أمرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنْ يقولَ للناسِ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الْكَهْفُ ، 18: 110) ، "فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ" (فُصِّلَتْ ، 41: 6).

وَوَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى أيضاً مَعَ أمرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنْ يَدْعُوَ الناسَ للتسليمِ بأنَّ إلَهَهُم "إِلَٰهٌ وَاحِدٌ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 108 ؛ الْحَجُّ ، 22: 34) ، ومَعَ أمرِهِ للمؤمنينَ: بألَّا يُجادِلُوا "أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ" ، وأنْ يَقُولُوا لهم: "آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 46) ، ومَعَ خِطابِهِ للبشريةِ جمعاءَ: "إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾‏ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4-5).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْإلَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" ، لا شريكَ ، ولا مَثِيلَ لكَ ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. أللهمَّ إني أطلبُ رضاكَ ومحبَتِكَ ورحمَتِكَ وجنتِكَ وثوابَكَ الجزيلَ ، الذي ذَكَرَهُ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في وصيتِهِ لنا ، بقولِ: "لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ ، وَهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ." [132]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الإلهُ الواحدُ ، الذي لا شريكَ لهُ في إلاهيتِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَاحِدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ الحمدِ والشكرِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وأن يعبدُهُ إلهاً واحداً ، لا شريكَ لهُ. وكما أنَّ اللهَ واحدٌ متميزٌ ، فعلى المؤمنِ أنْ يتميزَ فيما يستطيعُ في دُنياهُ ، مِنْ صالحِ الأعمالِ والعلومِ ، وأنْ يجعلَ ذلكَ في طاعةِ اللهِ.

103. الْأَحَدُ

"الأحَدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَحُدَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْوَاحِدِ" ، والذي يعني بَقِيَ مُفْرَدَاً. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الأحَدَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْفَرْدُ الذي لا شبيهَ لهُ ولا نظيرَ ، المُنفرِدُ بوحدانيَّته في ذاتِهِ وصفاتِهِ ، والمُختَصُ بالأَحَدِيَّةِ التي لا يُشْرِكُ فيها غيرُهُ. وبينما أسمُ "الْوَاحِدِ" يشيرُ إلى أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ إلهٌ واحدٌ ، وليسَ متعدداً في طبيعتِهِ ، ولا يوجَدُ مَعَهُ إلهٌ آخَرٌ ، فإنَّ "الأحَدَ" يعني أنهُ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشُّورَى ، 42: 11) ، في صفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ ، بما في ذلكَ وَحْدانيَّتِهِ ، كإلهٍ لملكوتِهِ العظيمِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةُ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلك في سورةِ الإخلاصِ ، التي تُقَدِّمُ أفضلَ تعريفٍ وتفسيرٍ لهُ. فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، الأحَدُ ، الصَّمَدُ ، الذي لم يكنْ معهُ أحدٌ في البدايةِ ، ولا يُشَارِكُهُ أحَدٌ في ملكوتِهِ ، ولَمْ يَلِدْ أحَدَاً ، ولَمْ يَلِدْهُ أحَدٌ ، وليسَ كمثلهِ شيءٌ ، ولا يُعَادِلُهُ في صِفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ أحَدٌ.

أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾‏ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾‏ (الإخْلاصُ ، 112: 1-4).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ، الأحَدُ ، الصَّمَدُ" ، لا شريكَ ، ولا مَثِيلَ لكَ ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. أللهمَّ إني أطلبُ رضاكَ ومحبَتِكَ ورحمَتِكَ وثوابَكَ الجزيلَ ، في جنةِ خُلدِكَ ، كما بشَّرَ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، عبادِكَ الذين يقرأونَ سورةَ الإخلاص ، التي تُعادلُ ثُلُثَ القرآنِ الكريمِ ، في المعنى والثوابِ. [133]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الأحَدُ ، المُنفرِدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ في ذاتِهِ وصفاتِهِ ، وهوَ الْفَرْدُ الذي لا شبيهَ لهُ ولا نظيرَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الأحَدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ الحمدِ والشكرِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وأن يعبدُهُ إلهاً واحداً أحَدَاً ، لا شريكَ لهُ. وكما أنَّ اللهَ واحدٌ متميزٌ في ذاتِهِ وصفاتِهِ ، فعلى المؤمنِ أنْ يعملَ جاهداً لِيتميزَ فيما يستطيعُ في دُنياهُ ، مِنْ صالحِ الأعمالِ والعلومِ والصفاتِ الْخَيِّرَةِ ، وأنْ يجعلَ ذلكَ في طاعةِ اللهِ.

104. الصَّمَدُ

"الصَّمَدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "صَمَدَ" ، الذي يعني ثَبَتَ على الأمرِ واسْتَمَرَّ عليهِ ، كما يعني قُصِدَ في حاجةٍ أو مسألةِ أو أمرٍ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الصَّمَدَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يَقْصُدُ إليهِ خلقُهُ في حاجاتِهم ومسائلِهِم وأمورِهِم. وهوَ الذي لَمْ يَلِدْ أحَدَاً ، ولَمْ يَلِدْهُ أحَدٌ ، ولا يُعَادِلُهُ في صِفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ أحَدٌ ، كما مرَّ بيانُهُ في شرحِ معنى اسمِ الأحَدِ. وهوَ الدَّائِمُ ، الذي لا يَفْنَى ، لأنهُ "الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ" ، وهوَ "غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" ، وهوَ الذي لا يحتاجُ إلى طعامٍ ولا صاحبةٍ ولا ولدٍ ، وهوَ الجامعُ لصفاتِ الكمالِ كلِّها ، تَبَارَكَ اسْمُهُ "ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ." [134]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةُ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلك في سورةِ الإخْلاصِ ، التي تُقَدِّمُ أفضلَ تعريفٍ وتفسيرٍ لهُ. فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، الأحَدُ ، الصَّمَدُ ، الذي يَهَبُ الرزقَ لكافةِ مخلوقاتِهِ ، وهوَ مصدرُ العونِ والهدايةِ لِمَن يطلبُهما مِن خلقهِ ، كما أنهُ يتفردُ في الحكمِ على عبادِهِ في اليومِ الآخِر. وهوَ الذي لم يكنْ معهُ أحدٌ في البدايةِ ، ولا يُشَارِكُهُ أحَدٌ في ملكوتِهِ ، ولَمْ يَلِدْ أحَدَاً ، ولَمْ يَلِدْهُ أحَدٌ ، ولا يُعَادِلُهُ في صِفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ أحَدٌ.

أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾‏ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾‏ (الإخْلاصُ ، 112: 1-4).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ، الصَّمَدُ" ، الذي لا يُقْصَدُ غيرُهُ في الحاجاتُ التي لا يمكنُ لخلقكَ أنْ يلبونها. أللهمَّ أسألكُ أنْ تُفَرِّجَ كُربَتي ، وتقضي إليَّ حاجتي ، يا أرحمَ الرَّحمينَ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الصَّمَدُ ، الكاملُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ ، الغنيُّ عن كلِّ ما يحتاجُهُ خلقُهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الصَّمَدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ صامداً في التمسكِ بإيمانِهِ باللهِ وبما جاءَ بهِ رسولُهُ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. ويتأتى لهُ ذلكَ أيضاً باللجوءِ إلى اللهِ ، تباركَ وتعالى ، عندَ الحاجاتِ والملماتِ ، وبتقديمِ الْعَوْنِ لخلقِ اللهِ في قضاء حوائجِهِم ، ما استطاعَ إلى ذلكَ سبيلا.

105. غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ

"غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ ، أولاهُما "ْغَالِبٌ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ على وزنِ "فاعلِ" ، مثلَ أسماءِ مَالِكِ وفَاطِرِ وغَافِرِ وقَاهِرِ وعَالِمِ وشَاكرِ وحَافِظِ ، التي مَرَّ عرضُها مِنْ قبلُ. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَلَبَ" ، الذي يعني قَهَرَ وهَزَمَ وانتَصَرَ على عَدُوِّهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "عَلَى" ، فهيَ حرفُ جرٍ لِما بَعْدِهِ. والكلمةُ الثالِثَةُ ، "أمْرِهِ" ، فهيَ اسمٌ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "أمَرَ" الذي يعني قَضَى أمراً وعلى الآخَرينَ الانصياعَ له ، أو أعطى تعليماتٍ ينبغي تنفيذُها.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ "غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ" ، بمعنى أنهُ عندما يقضي أمراً ، فإنَّ مشيئتَهُ لا تُرَدُّ ، ولا يُمْكِنُ لأيِّ مِنْ خلقِهِ اعتراضُها أو وقفُها ، وذلكَ لأنَّ مشيئتَهُ تفرِضُها قوتُهُ وعزتُهُ ، كما جاء في قولِه ، تباركَ وتعالى: "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 21). وذَكَرَ أيضاً أنَّ حِزْبَهُ وجُنْدَهُ همُ الغالِبونَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 56 ؛ الصَّافَّاتُ ، 37: 173) ، وكذلكَ موسى وهارونَ ، عليهما السلامُ ، ومَنْ اتبعهما (الْقَصَصُ ، 28: 35) ، فكانوا بنصرِ اللهِ همُ الغالِبينَ (الصَّافَّاتُ ، 37: 116).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةُ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في معرِضِ ذكرِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لقصةِ يوسُفَ ، عليهِ السلامُ. فبعدَ أنْ جعلَهُ أخوتُهُ في غَيابَةِ الْجُبِّ ، أوحى لهُ ربُّهُ ، عزَّ وجلَّ ، بأنَّهُ سينبئهم في يومٍ ما ، بما فعلوهُ بهِ ، بعدَ أنْ يكونوا قد نَسَوْا الذنبَ الذي اقترفوهُ بحقهِ (يُوسُفُ ، 12: 15). وقد نفذَ أمرُ اللهِ ، وتحققتْ مشيئتُهُ ، وذلكَ بأنْ هيأَ ليوسُفَ مَنْ يتكفلُهُ ويعتني بهِ ، ثُمَّ علَّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ، إلى أنْ مَكَّنَ لهُ مِنْ أنْ يُصبحَ عزيزَ مِصْرَ (يُوسُفُ ، 12: 21) ، فعرَفَهم وما عرفوه ، وأخبرَهم عمَّا فعلوهُ به (يُوسُفُ ، 12: 89-90).

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (يُوسُفُ ، 12: 15).

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يُوسُفُ ، 12: 21).

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴿٨٩﴾‏ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾ (يُوسُفُ ، 12: 89-90).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ، غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِكَ" ، لا رادَّ لمشيئتِكَ وقضائِكَ. اللهمَّ إني أسألكُ كما سألكَ رسولُكَ الكريمُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ مِنَ الخيرِ كلِّهِ ، عاجلِهِ وآجلِهِ ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ. وأعوذُ بِكَ منَ الشَّرِّ كلِّهِ ، عاجلِهِ وآجلِهِ ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ." [135]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي عندما يَقْضِي أمراً ، فإنَّ مشيئتَهُ لا تُرَدُّ ، ولا يُمْكِنُ لأيِّ مِنْ خلقِهِ اعتراضُها أو وقفُها. كما لا يجوزُ أنْ يُجَزَّأُ هذا الاسمِ ، فلا ينبغي الإشارةُ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ غالِبٌ ، وإنما يبقى الاسمُ كاملاً ، أيْ "غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ" ، كما ذُكِرَ في كتابِهِ الكريمِ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً على إنفاذِ ما يُقَرِّرُهُ ، ما دامَ ذلكَ في طاعةِ اللهِ ، الذي يُحِبُّ لعبادِهِ أنهم إذا عَزَموا على فعلِ أمرٍ ، أنْ يتوكلوا عليهِ ويفعلوهُ ، إذا ما استطاعوا إلى ذلكَ سبيلا. فقال مُخاطِباً رسولَهُ الكريمَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آلِ عِمرانَ ، 3: 159) ، وقالَ للمسلمينَ عموما: "وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 186).

106. فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

"فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ ، أولاهُما "ْفَعَّالٌ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ مِنْ "فاعِلٍ" ، بما يُفيدُ تكرارَ الفعلِ ، وذلكَ على نفسِ وزنِ العديدِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى التي مرَّ عَرْضُها مِنْ قبلُ ، مثلَ جَبَّارٍ وخَلَّاقٍ وغّفَّارٍ ووَهَّابٍ ورَزاقٍ وفتاحٍ وعلَّام. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "فَعَلَ" ، الذي يعني عَمِلَ وصَنَعَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "لِمَا" ، فتتكونُ مِنْ حرفِ جرٍ ومجرورِهِ. والكلمةُ الثالِثَةُ ، "يُرِيدُ" ، هيَ فعلٌ مُضارِعٌ يعنى أنهُ يرغبُ ويشاءُ ويقضي أمراً.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "فَعَّالاً لِّمَا يُرِيدُ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قادرٌ على فعلِ أيِّ شيءٍ يُريدُهُ. وهوَ في ذلكَ يختلفُ عَنْ خَلْقِهِ ، الذينَ يمكنُ لهم أنْ يريدوا فعلَ شيءٍ ، لكنهم لا يستطيعونَ فِعْلَ كُلِّ ما يريدونَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ الذينَ شَقُوا. فهؤلاء مصيرُهم النَّارِ "خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ." فهوَ ، تباركَ وتعالى ، قادرٌ على ذلكَ ، وهوَ "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" (هُودُ ، 11: 106-107). كما جاءَ مسبوقاً بأربعةٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، هي الْغَفُورُ ، الْوَدُودُ ، ذُو الْعَرْشِ ، الْمَجِيدُ ، وذلكَ في مَعْرِضِ ذكرِ قدرتِهِ ، جلَّ وعلا ، على ثوابِ المؤمنينَ وعقابِ الكافرينَ (الْبُرُوجُ ، 85: 11-16).

 فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾‏ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾‏ (هود ، 11: 106-107).

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾‏ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ (الْبُرُوجُ ، 85: 14-16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ، فَعَّالٌ لِّمَا تُرِيدُ" ، لا يُعجِزُكَ عملُ شيءٍ في ملكوتِكَ العظيمِ. إنني أدعوكَ بقولِ ما أمرتنا في كتابِكَ الكريم: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القادِرُ على فعلِ أيِّ شيءٍ يُريدُهُ. كما لا يجوزُ أنْ يُجَزَّأُ هذا الاسمِ ، فلا ينبغي الإشارةُ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ فَعَالٌ ، وإنما يبقى الاسمُ كاملاً ، أيْ " فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" ، كما ذُكِرَ في كتابِهِ الكريمِ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ لا يَكِلَّ أو يَمِلَ في طلبِ رزقِهِ ، وأنْ يُكْثِرَ مِنَ القيامِ بصالحِ الأعمالِ ، تنفيذاً لأمرِ ربِّهِ الذي قالَ في كتابهِ العزيزِ: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التَّوْبَةُ ، 9: 105).

107. الْقَادِرُ

"الْقَادِرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَدِرَ" ، الذي يعني تَمَكَّنَ مِنْ شيءٍ ، وقَوِيَ عليهِ. كما أنهُ يعودُ للفعلِ "قَدَرَ" ، الذي يعني قضى بشيءٍ ، أو حَكَمَ بهِ ، أو استطاعَ فِعلَهُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَادِرَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يقضي بما يشاءُ مِنْ أمورٍ ، ويحكمُ بما يشاءُ بينَ خلقهِ ، ويستطيعُ فعلَ أيِّ شيءٍ يريدُهُ ، وهوَ مُتمكنٌ مِنْ ذلكَ ، قويٌ عليهِ. ويتصلُ هذا الاسمُ في معناهُ بثلاثةِ أسماءٍ أخرى ، هي الْقَدِيرُ والْمُقْتَدِرُ ونِعْمَ الْقَادِرُونَ ، كما سيتمُّ تناولُها بعدَهُ.

وفي شرحِهِ لمعنى "الْقَادِرِ" ، ذكرَ الغزاليُّ أنهُ ذو القُدرةِ ، التي تبدأُ بالتقديرِ في الإرادةِ والعلمِ. فالْقَادِرُ هوَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، الذي إنْ شاءَ فعلَ ، وإنْ شاءَ لمْ يفعلْ. وهوَ الْقَادِرُ الْمُطْلَقُ ، الذي يخترِعُ كلَّ موجودٍ اختراعاً ، ينفردُ بهِ ، ويستغني فيهِ عنْ مُعاونةِ غيرِهِ. وعرَّفَ القرطبيُّ "الْقَادِرَ" بأنهُ القويُّ على الشيءِ ، المستطيعُ لهُ. وأورد النجديُّ قولَ الزجاجِ بأنَّ "الْقَادِرَ" هوَ اللهُ ، الذي لا يُعجزُهُ شيءٌ ، وقولَ الحَليميِّ أيضاً بأنَّهُ لا يُعجزُهُ شيءٌ ، بلْ تيسرَ لهُ ما يريدُ ، لأنَّ أفعالَهُ قد ظهرتْ ، ولا يظهرُ الفعلُ اختياراً ، إلَّا مِنْ قادرٍ ، غيرِ عاجزٍ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ أمثلةٍ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ ، تباركَ وتعالى. فهوَ القادرُ على عذابِ العُصاةِ الكافرينَ مِنْ خلقِهِ كيفَ يشاءُ ، وذلكَ بأنْ يبعثَ عليهِم عذاباً مِنْ فوقِهِم ، كالصيحةِ ، التي عذَبً بها أقوامَ صالحٍ وشعيبٍ ولوطٍ ، والحجارةِ التي عذَّبَ بها قومَ لوطٍ وأصحابَ الفيلِ ، والريحِ التي عذَّبَ بها عاداً ، قومَ هودٍ ، والمشركينَ في يومِ الأحزابِ ، والطوفانِ الذي أخذَ بهِ قومَ نوحٍ وفِرعونَ وجنودَهُ. وهوَ القادرُ على عذابِهِم من تحت أرجلهِم ، أيْ بالرجفةِ التي أهلكَ بها قومَ صالحٍ وقومَ شعيبٍ وبعضاً مِنْ قومِ موسى ، وكذلكَ بالخسفِ ، كما فعلَ بقارونَ ، وبالغرقِ الذي أهلكَ بِهِ قومَ نوحٍ وفرعونَ وجنودَهُ. كما أنهُ القادرُ على تسليطِ بعضِهِم على بعضٍ ، عقاباً لهم على كفرِهِم بهِ ، لعلهم يفقهونَ قُدْرَتَهُ ، جلَّ وعلا ، فيؤمنوا بهِ ، ويتجنبوا عقابَهُ (الأنْعَامُ ، 6: 65). [136]

قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 65).

وعندَ نزولِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ ، دعا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ربَّهُ أنْ يُجَنِّبَ أمَّتَهُ العذابَ مِنْ فوقِهِم ومِنْ تحتِ أرجُلِهِم وألَّا يُذيقَهم بأسَ بعضٍ ، كما كانَ يحدثُ في الأممِ السابقة عندما كانَ يغضبُ اللهُ عليهِم لكفرِهِم. فأعطاهُ اللهُ الأولى والثانيةَ ، لكنهُ لم يُعطِهِ الثالثةَ. [137]

كما َوَرَدَ هذا الاسمُ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلك في سياقِ ذِكْرِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنُهُ قَادِرٌ على أن "يُنَزِّلَ آيةً" حِسِّيَةً على الكافرينَ لإقناعِهِم بِما جاءَ بهِ رسولُهُ الكريمُ ( الأنْعَامُ ، 6: 37) ، وأنهُ قَادِرٌ على "أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ" ، فذلكَ يسيرٌ عليهِ بالمقارنةِ معَ خلقِهِ للسماواتِ والأرض (الإسْرَاءُ ، 17: 99 ؛ يَس ، 36: 81) ، وأنهُ قَادِرٌ "عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ" ، للحسابِ في اليومِ الآخِرِ (الأحْقَافُ ، 46: 33 ؛ الْقِيَامَةُ ، 75: 40 ؛ الطَّارِقُ ، 86: 8).

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( الأنْعَامُ ، 6: 37).

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (الإسْرَاءُ ، 17: 99).

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (يَس ، 36: 81).

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأحْقَافُ ، 46: 33).

أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ (الْقَياَمَةُ ، 75: 40).

إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (الطَّارِقُ ، 86: 8).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْقَادِرُ على كلِّ شيءٍ." إني أدعوك بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ: "اللهم إني أَسْأَلُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ. اللهم إني أَسْأَلُكَ العَفْوَ والعافيةَ في دِينِي ودُنْيَايَ ، وأهلي ومالي. اللهم اسْتُرْ عَوْراتِي وآمِنْ رَوْعاتِي. اللهم احْفَظْنِي من بينِ يَدَيَّ ، ومن خلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، ومن فوقي. وأعوذ بعَظَمَتِكَ أن أُغْتالَ من تحتي." [138]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يقضي بما يشاءُ مِنْ أمورٍ ، ويحكمُ بما يشاءُ بينَ خلقهِ ، ويستطيعُ فعلَ أيِّ شيءٍ يريدُهُ ، وهوَ مُتمكنٌ مِنْ ذلكَ ، قويٌ عليهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَادِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً لتنميةِ قُدُراتِهِ الروحيةِ والجسديةِ والمعرفيةِ ، واستخدامِها فيما يُرضي اللهَ ، تباركَ وتعالى ، وبما يعودُ بالنفعِ عليهِ وعلى أسرتِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءِ.

108. الْقَدِيرُ

"القَدِيرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَدَرَ" ، الذي يعني قَضَى بشيءٍ ، أو حَكَمَ بهِ ، أو استطاعَ فِعلَهُ. ومِنْ خلالِ الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَ فيها ، فإنَّ "القَدِير" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "قَدِيرٌ" في فعلِهِ لِما يشاءُ مِنْ أفعالٍ ، بدليلِ خلقِهِ للسماواتِ والأرضِ ومنْ فيهنَّ ، مِنْ مخلوقاتٍ متعددةٍ ، مُكَلَّفَةٍ وغيرِ مُكَلَّفَةٍ ، وأنهُ جلّ وعلا ، قديرٌ على إحياءِ الموتى للحسابِ في اليومِ الآخرِ ، فذلكَ أيسرُ عليهِ منْ خلقِ السماواتِ والأرضِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ، الذي دللَ على قُدْرَتِهِ بذكرِ أنهُ خلقَ الإنسانَ وأخضعهُ للمرور في مراحلَ مختلفةٍ ، مِنْ ضعفٍ إلى قوةٍ ، ثُمَّ إلى ضعفٍ مرةَ أخرى ، وأنهُ تعالى في قُدْرَتِهِ على الخلقِ يخلُقُ ما يشاءُ مِنَ المخلوقاتِ. وقد جاءَ اسمُ "الْقَدِير" مُقترِناً معَ اسمِ الْعَلِيمٍ" للإشارةِ إلى أنَّ قُدْرَتَهُ ، جلَّ وعلا ، مُتلازِمَةَ معَ علمِهِ المُطلَقِ بكونِهِ وما فيهِ ومَنْ فيهِ (الرُّومُ ، 30: 54).

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الرُّومُ ، 30: 54).

وذكرَ القرطبيُّ قولَ الحَليميِّ بأنَّ "الْقَدِيرَ" هوَ الْمُظْهِرُ لقدرتِهِ ، بفعلِ ما يَقْدِرُ عليهِ. وأشارَ النجديُّ إلى قولِ السعديِّ بأنَّ "الْقَديرَ" هوَ كاملُ الْقُدرَةِ ، الذي أوجدَ الموجوداتِ بقُدرتِهِ ، ودربها وسوَّاها وأحكمَها. وأوردَ القرطبيُّ قولَ الزَّجَّاجِ بأنَّ "الْقَديرَ" أبلغُ في وصفِ القُدرَةِ مِنْ "الْقَادِرِ."

كما َوَرَدَ هذا الاسمُ أرْبَعَاً وَأرْبَعِينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، جاءَ في خمسٍ وثلاثينَ منها معَ ذِكْرِ أَنَّ "اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، وذلكَ في سياقِ أنهُ ، تباركَ وتعالى ، "قَدِيرٌ" على الذهابِ بسمعِ الكافرينَ وأبصارِهِم (الْبَقَرَةُ ، 2: 20) ، وعلى نسخِ ما يشاءُ مِنَ الآياتِ والإتيانِ بخيرٍ منها (الْبَقَرَةُ ، 2: 106) ، والإتيانِ بأمرِهِ متى شاءَ (الْحَجُّ ، 22: 6) ، وبالعلمِ لِما يُبدي الناسُ وما يكتمون ، ومحاسبتِهم على ذلك (الْبَقَرَةُ ، 2: 284) ، وإحياءِ الموتى (الْحَجُّ ، 22: 6) ، وإيتاءِ المُلْكِ لِمَنْ يشاءُ ونزعِهِ مِمَّنْ يشاءُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 17) ، والتحكُمِ في السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهن (الْمَائِدَةُ ، 5: 120) ، وهوَ الذي يعذبُ منْ يشاءُ ويغفرُ لِمَنْ يشاء (المائدةُ ، 5: 40). وهوَ "قَدِيرٌ" على إهلاكِ مَنْ في الأرضِ جميعاً (الْمَائِدَةُ ، 5: 189) ، وعلى كشفِ الضُّرِّ وإرسالِ الخير (الأنْعَامُ ، 6: 17) ، واستبدالِ العُصاةِ بغيرِهِم (التَّوْبَةُ ، 9: 39) ، وإرجاعِ الناسِ إليهِ للحسابِ في اليومِ الآخِرِ (هُودُ ، 11: 4) ، وعلى العلمِ بغيبِ السماواتِ والأرضِ (النَّحْلُ ، 16: 77) ، وعلى خلقِ ما يشاءُ مِنَ الدوابِ (النُّورُ ، 24: 45). وهوَ "قَدِيرٌ" على إنشاءِ النشأةِ الآخِرَةِ كما أنشأ الأولى (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 20) ، وعلى توريثِ المؤمنينَ أملاكَ الكافرينَ (الأحْزَابُ ، 33: 27) ، وعلى إدخالِ المؤمنينَ جناتٍ تجري مِنْ تحتِها الأنهارُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 8) ، وعلى خلْقِ أنواعٍ مختلفةٍ مِنَ الملائكةِ (فَاطِرُ ، 35: 1) ، وعلى الإحاطةِ بما لا يُحيطُ بهِ البشرُ (الْفَتْحُ ، 48: 29) ، وأنَّ أمرَهُ يتنزلُ بينَ السماواتِ والأرضِ ، وأنهُ قد أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْمَا (الطَّلاقُ ، 65: 12) ، كما في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطَّلاقُ ، 65: 12).

قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 29).

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 20).

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأحْقَافُ ، 46: 33).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى تِسْعَ مَرَّاتٍ أخرى في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "قديرٌ" على خلقِ الناس ، ووفاتِهم ، والذَّهابِ بِهم ، والإتيانِ بغيرِهِم إنْ شاءَ (النِّسَاءُ 4: 133 ، 149 ؛ النَّحْلُ ، 16: 70). وهوَ قَدِيرٌ على نُصْرَةِ عبادِهِ ، خاصةً المظلومينَ منهم (الْحَجُّ ، 22: 39). "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا" (الْفُرْقَانُ ، 25: 54). وهوَ الذي يُزَوِّجُ خَلْقَهُ "ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا" (الشُّورَى ، 42: 50) ، وهوَ الذي لا يُعجزهُ شيءٌ في السماواتِ والأرضِ (فَاطِرُ ، 35: 44) ، وهوَ قَدِيرٌ على جمعِ خلقِهِ منها إذا شاءَ (الشُّورَى ، 42: 29) ، وهوَ "قَدِيرٌ" وَ "غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 7).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ على كلِّ شيءٍ ْقَدِيرٌ." إني أدعوك بما دعاكَ بهِ رسولُكَ إبراهيمُ ، عليهِ السلامُ: اللهمَّ إنني أسألكَ الهدايةَ والرزقَ والشفاءَ ، وأنْ أحيا وأموتُ وأبعثُ على الإسلامِ ، وأنْ تغفرَ لي خطيئتي يومَ الدينِ ، وأنْ تهبَ لِيَ الحكمةَ وتُلحقُني بالصالحينَ ، وأنْ تجعلَ لي لسانَ صدقٍ في الآخِرينَ ، وأنْ تجعلَني مِنْ ورثةِ جنةِ النعيم. [139]  

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، "القَدِيرُ" في فعلِهِ لِما يشاءُ مِنْ أفعالٍ ، وهوَ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ومَنْ فيهنَّ ، وهوَ "القديرُ" على إحياءِ الموتى للحسابِ في اليومِ الآخرِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَدِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً لتنميةِ قُدُراتِهِ الروحيةِ والجسديةِ والمعرفيةِ ، واستخدامِها فيما يُرضي اللهَ ، تباركَ وتعالى ، وبما يعودُ بالنفعِ عليهِ وعلى أسرتِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءِ.

109. الْمُقْتَدِرُ

"الْمُّقْتَدِرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "اقْتَدَرَ" ، الذي يعني قضى بشيءٍ ، أو حَكَمَ بهِ ، واستطاعَ فِعلَهُ ، وتَمَكَّنَ مِنْهُ ، وقَوِيَ عليهِ. ومِنْ خلالِ الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَ فيها ، فإنَّ "الْمُّقْتَدِرَ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "مُقْتَدِرٌ" على فِعْلِ كُلِّ شيءٍ يشاءُ فعلَهُ ، وأنَّ قُدرَتَهُ تُظْهِرُ عِزَّتَهُ ، وتشمَلُ ملكوتَهُ العظيمِ.

وذَكَرَ القرطبي قولَ الخطابي بأنَّ "المُّقْتَدِرَ" هوَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، التامُّ القُدرَةِ ، الذي لا يمتنعُ عليهِ شيءٌ. وهوَ المُتناهي في الاقتدارِ ، والمُتحكِّمُ في جميعِ الآثارِ. كما ذَكَرَ قولَ الزَّجَّاجِ بأنَّ "الْقَديرَ" أبلغُ في وصفِ القُدرَةِ مِنْ "الْقَادِرِ" ، وقولَ ابنِ الأثيرِ بأنَّ "الْمُقْتَدِرَ" أبلغُ مِنَ "الْقَديرِ" ، أي أبلغُها جميعاً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا." فهوَ الذي خلقَ الحياةَ على الأرضِ ، وهوَ الذي يُنهيها ، ثُمَّ يعيدُ الخلقَ مرةً أخرى (الْكَهْفُ ، 18: 45). وهوَ ، جلَّ وعلا ، يأخذُ الطُّغاةَ أخذَ "عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ" ، أي يُعاقِبُهُم عقاباً لا يستطيعُ إنزالَهُ أحدٌ غيرُهُ ، كما فعلَ معَ آلِ فِرعونَ ، بِشَقَّ البحرِ وإغراقِهِم فيهِ لْقَمَرُ ، 45: 41-42). وهوَ "مُقْتَدِرٌ" على إنزالِ العقابِ بالكافرينَ ، كما توعدَهم بهِ (الزُّخْرُفُ ، 43: 42). وفي نفسِ الوقتِ ، فإنهُ لا يقدِرُ أحدٌ غيرُهُ على ما يُقَدِّمُ مِنْ مكافآتٍ ، كتلكَ التي وَعَدَ بها عبادَهُ المتقينَ ، أي بإسكانِهِم جناتِهُ التي تجري مِنْ تحتِها الأنهارُ ، وذلكَ لأنهُ هوَ الْمَلِيكُ لملكوتِهِ العظيمِ ، وما فيهِ مِنْ جِنانٍ (الْقَمَرُ ، 45: 54-55).

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (الْكَهْفُ ، 18: 45).

وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿٤١﴾‏ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴿٤٢﴾‏ (لْقَمَرُ ، 45: 41-42).

أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 42).

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴿٥٥﴾‏ (الْقَمَرُ ، 45: 54-55).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ على كلِّ شيءٍ مُّقْتَدِرَاً." اللهُمَّ أحفظني وأسرتي والمؤمنينَ جميعاً مِنْ كُلِّ سوءٍ ، وابعد عنا كيدَ الشيطانِ ، واهدِنا دائماً إلى صراطِكَ المستقيمِ ، وهيءْ لنا مِنْ أمرِنا رَشَدا. سُبحانَكَ يا "ذي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ" ، كما وصفكَ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَّ. [140]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، الْمُقْتَدِرُ على فِعْلِ كُلِّ شيءٍ يشاءُ فعلَهُ ، والذي تُظْهِرُ قُدرَتُهُ عِزَّتَهُ ، وتشمَلُ ملكوتَهُ العظيمِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُقْتَدِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً لتنميةِ قُدُراتِهِ الروحيةِ والجسديةِ والمعرفيةِ ، واستخدامِها فيما يُرضي اللهَ ، تباركَ وتعالى ، وبما يعودُ بالنفعِ عليهِ وعلى أسرتِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءِ.

110. نِعْمَ الْقَادِرُونَ

"نِعْمَ الْقَادِرُونَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ ، ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ." أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْقَادِرُونَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ للهِ ، الْوَاحِدِ الأحَدِ ، تباركَ وتعالى. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَدِرَ" ، الذي يعني تَمَكَّنَ مِنْ شيءٍ ، وقَوِيَ عليهِ. كما أنهُ يعودُ للفعلِ "قَدَرَ" ، الذي يعني قضى بشيءٍ ، أو حَكَمَ بهِ ، أو استطاعَ فِعلَهُ. 

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "نِعْمَ الْقَادِرُونَ" يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ للمديحِ والثناءِ عليهِ ، لأنهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ ، مِنْ أيِّ مخلوقٍ كانَ ، في قُدْرَتِهِ على قضاءِ ما يشاءُ مِنْ أمورٍ ، وعلى الحكمِ بما يشاءُ بينَ خلقهِ ، وعلى فعلِ أيِّ شيءٍ يُريدُهُ ، وهوَ مُتمكنٌ مِنْ ذلكَ ، قويٌ عليهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ تذكيرِ خلقِهِ مِنَ الناسٍ بأنهُ "نِعْمَ الْقَادِرُونَ" ، وذلكَ في تقديرِهِ وقدرتِهِ على خلقِ الإنسانِ في مراحلَ تكفُلُ لهُ الحياةَ الناجحةَ. فهوَ الذي خلقَهُ مِنْ ماءٍ مهينٍ ، وجعلهُ ينمو في رحمِ أمِّهِ بأمانٍ ، حتى إذا ما اكتملَ خَلْقُهُ خرجَ إلى الدنيا ، ليحيا ما شاء له خالِقُهُ أن يعيشَ فيها (الْمُرْسَلاتُ ، 77: 23). وبذلكَ ، فهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، أهلٌ لاعترافِ الإنسانِ بهِ إلهاً خالقاً لهُ ، وهوَ أهلٌ للعبادةِ والمديحِ والثناءِ عليهِ.

أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴿٢٠﴾‏ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿٢١﴾‏ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴿٢٢﴾‏ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴿٢٣﴾ (الْمُرْسَلاتُ ، 77: 23).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ في صيغةِ الجمعِ التعظيميةِ للهِ الواحدِ الأحدِ ، ولكنْ بدونِ فعلِ المَدِيحِ "نِعْمَ" ، في أرْبَعِ آياتٍ أخرى مِنْ القرآنِ الكريمِ. فجاءَ للتذكيرِ بقدرةِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، على إنزالِ المطرِ مِنَ السماءِ إلى الأرضِ ، وعلى الذهابِ بهِ إنْ شاءَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 18) ، وعلى إنزالِ العقابِ بالكافرينَ ، كما وَعَدَهُم (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 94-95) ، وعلى استبدالِهِم بِمَنْ هُم خيرٌ منهم (الْمَعَارِجُ ، 70: 40-41) ، وعلى البعثٍ في اليومِ الآخِر ، الذي لا يَسْتَلْزِمُ جمعَ العظامِ فقطْ ، وإنما تسويةَ البَنانِ أيضاُ ، فيُخلَقُ الإنسانُ مِنْ جديدٍ ، بنفسِ بصماتِ الأصابعِ التي كانتْ لهُ في الحياةِ الدُّنيا (الْقِيَامَةُ ، 75: 3-4).

وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 18).

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿٩٣﴾‏ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٩٤﴾‏ وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴿٩٥﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 94-95).

فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾‏ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٤١﴾‏ (الْمَعَارِجُ ، 70: 40-41).

أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾‏ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿٤﴾‏ (الْقِيَامَةُ ، 75: 3-4).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ نِعْمَ الْقَادِرُونَ." إني أدعوك بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ: "اللهم إني أَسْأَلُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ ..." ، أنظرْ نصَّ الحديثِ الذي تمَّ ذِكرُهُ في اسمِ "الْقَادِرِ."

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يقضي بما يشاءُ مِنْ أمورٍ ، ويحكمُ بما يشاءُ بينَ خلقهِ ، ويستطيعُ فعلَ أيِّ شيءٍ يريدُهُ ، وهوَ مُتمكنٌ مِنْ ذلكَ ، قويٌ عليهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَادِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى. كما لا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا تجوزُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّهُ "نِعْمَ" ، أو "الْقَادِرُونَ."

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعملَ جاهداً لتنميةِ قُدُراتِهِ الروحيةِ والجسديةِ والمعرفيةِ ، واستخدامِها فيما يُرضي اللهَ ، تباركَ وتعالى ، وبما يعودُ بالنفعِ عليهِ وعلى أسرتِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءِ.

111. نِعْمَ الْمَاهِدُونَ

"نِعْمَ الْمَاهِدُونَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ ، ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ." أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، " الْمَاهِدُونَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ للهِ ، الْوَاحِدِ الأحَدِ ، تباركَ وتعالى. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَهَدَ" ، الذي يعني بَسَطَ الشيءَ ، وأعدَّهُ ، وهيَّأهُ ، وجعلَهُ سهلاً للاستعمالِ.

وقد بيَّنَ لنا القرآنُ الكريمُ معنى هذا الاسمِ منْ خلالِ بعضِ اشتقاقاتِ الفعلِ "مَهَدَ" ، التي جاءتْ في أربعةَ عشرَ آيةً منهُ. وذُكِرَ "الْمَهْدُ" كأولِها ، في الإشارةِ إلى كلامِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، للناسِ وهو ما زالَ في الْمَهْدِ. والمعنى هنا أنهُ كانَ في سريرِ الطفولةِ المُبَكِّرَةِ ، الذي يحميه ويوفرُ لهُ الأمنَ والاطمئنان. وجاءَ نفسُ المعنى بالإشارةِ إلى الأرضِ التي جعلَها اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، للإنسانِ "مَهْدَاً" و "مِهَاداً" ، أي جَعَلَهَا آمِنةً وسهلةً ومريحةً ، ويتوفرُ فيها ما يحتاجهُ الإنسانُ لِنِمُوِّهِ وازدهارِهِ ، مِن طعامٍ وشرابٍ ومصادرَ طبيعيةِ. كما تمتْ الإشارةُ إلى جهنمَ على أنها "بِئْسَ الْمِهَادِ" للكافرينَ ، أي بِئْسَ المكانِ والقرارِ والمثوى لهم. وقالَ لنا رَبُّنَا ، جلَّ وعلا: "وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ" ، أي أنَّ مَنْ يقومُ بصالحِ الأعمالِ إنما يُمَهِّدُ لنفسهِ ويُعِدُّ لها الثوابَ الذي وعدَهُ اللهُ بهِ في الآخِرَةِ. وقالَ أيضاً: " وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا" ، أي أنهُ مَهَّدَ للإنسانِ أمورَهُ في الحياةِ الدُّنيا ، فجعلها ميسرة ومهيأةً له ، حتى يرى أيشكرُ أم يكفرُ بِنِعَمِهِ عليه. [141]

وعلى ذلكَ ، فإنَّ "نِعْمَ الْمَاهِدُونَ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ للمديحِ والثناءِ عليهِ ، لأنهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ ، مِنْ أيِّ مخلوقٍ كانَ ، في تمهيدِ الأرضِ ، أي في بسطِها وإعدادِها وتهيئتِها ، لتكونَ سهلةً ومُيَسَّرَةً لِسُكْنَى الإنسانِ فيها ، ونُمِوِّهِ وازدهارهِ. فهوَ ، تباركَ وتعالى ، الذي "جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا" (فُصِّلَتْ ، 41: 10).

ووَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ تذكيرِ خلقِهِ مِنَ الناسٍ بأنهُ "نِعْمَ الْمَاهِدُونَ" ، كما يشهدُ لهُ بذلكَ إعدادُهُ للأرضِ ، لتكونَ بمثابَةِ مَهْدٍ للإنسانِ ، تحميهِ وتوفرُ لهُ ما يحتاجُ للعيشِ فيها بأمانٍ ونجاحٍ ، وذلك بفرشِها بالنباتات ، وكذلكَ بتوفيرِ الحيواناتِ والمصادرِ الطبيعيةِ اللازمةِ لهُ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 48).

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧﴾‏ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ﴿٤٨﴾‏ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 47-48).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ نِعْمَ الْمَاهِدُونَ." إني أحمدُكَ وأشكرُكَ على نِعَمِكَ التي لا تُحصى ، كما شكركَ نَبِيُّكَ سُلَيمَانُ ، عليهِ السلامُ ، الذي قالَ: "رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النَّمْلُ ، 27: 19).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي مَهَّدَ الأرضَ ، أي بَسَطَهَا وأعدَّها وهيأها ، لتكونَ سهلةً ومُيَسَّرَةً لِسُكْنَى الإنسانِ فيها ، ونُمِوِّهِ وازدهارهِ. ولا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا تجوزُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّهُ "نِعْمَ" ، أو "الْمَاهِدُونَ."

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الْحَمْدِ والشُّكِرِ للهِ ، تباركَ وتعالى ، على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى عليهِ. كما أنَّ عليهِ شُكرَ والديهِ ، ومَنْ أحسنَ إليهِ ، ومَنْ ساعدَهُ بشيءٍ ، والاعترافَ بفضلِهِم عليه.

112. الأوَّلُ

"الأوَّلُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أَوِلَ" ، الذي يعني "سَبَقَ" في الوجودِ. وهوَ أيضاً مشتقٌ مِنَ الفعلِ "آلَ" ، بمعنى سَاسَ أو رَجِعَ ، أي الذي يَرجِعُ إليهِ مَنْ هوَ بَعدُهُ ، كرجوعِ الأعدادِ كلِّها إلى الواحِدِ ، الذي هوَ أوَّلُها ، وذلكَ كما نقلَ القرطبي عنِ الإقليشي.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الأوَّلَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، لمْ يكنْ قبلُهُ شيءٌ ، أيْ أنهُ قد سَبَقَ في وجودِهِ كُلَّ ما عداهُ. وكانَ عرشُهُ على الماءِ ، قبلَ أنْ يخلِقَ السماواتِ والأرضَ ، كما أخبرنا في كتابِهِ الكريمِ: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" (هُودُ ، 11: 7). وأفضلُ بيانٍ مِنَ البشرِ لمعنى هذا الاسمِ هوَ ما جاءَ في حديثِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قال فيهِ ، داعِياً ربَّهُ: "أنتَ الأوَّلُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ." [142]

وذَكَرَ القرطبيُّ ، أنَّ "الأوَّلَ" يعني أنهُ كانَ قبلَ كلِّ شيءِ بغيرِ حدٍّ ، وأنهُ كانَ ولا شيءٌ موجودٌ سِواهُ ، وسبقتْ أوليتُهُ حدوثَ كلِّ شيءٍ ، ولم يكنْ لها ابتداءٌ. وهوَ "الأولُ" بوجودِهِ في الأزلِ ، وقبلَ الابتداءِ. وهوَ الموجودُ قبلَ الخلقِ ، فكانَ ولا شيءٌ قبلَهُ. واتفق على ذلكَ ابنُ كثيرٍ ، في قولِهِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، كانَ قبلَ كلِّ شيءٍ بلا ابتداءٍ ، وكانَ هوَ ولم يكنْ شيءٌ موجوداُ غيرُهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ ثَلاثَةٍ أُخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في آيةٍ واحِدَةٍ تَذْكُرُ بأنّهُ ، جلَّ وعلا: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ" (الْحَدِيدُ ، 57: 3) ، أيْ أنهُ الذي سَبَقَ وجودُهُ كلَّ شيءٍ ، وهوَ الباقي بعدَ هَلاكِ الموجوداتِ ، وهوَ الأعلى والقاهِرُ لكلِّ ما عداهُ ، وهوَ القريبُ مِنْ خلقِهِ بعلمِهِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، وهوَ الذي "لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الأنْعَامُ ، 6: 103).

وجاءَتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ في سياقِ تعريفِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لخلقِهِ ببعضِ صفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ. فهوَ الذي لهُ مُلكُ السماواتِ والأرضِ وما ومَنْ فيهِنَّ ، وهوَ العزيزُ الحكيم ، وهوَ الذي يُحيي ويميتُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، وهوَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ ، يعلمُ ما يَلِجُ في الأرضِ وما يَخرُجُ منها ، وما يَنزِلُ مِنَ السماءِ وما يَعرُجُ فيها ، وهوَ معَ خلقِهِ أينما كانوا ، بعلمِهِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، وهوَ بما يعملونَ بصيرٌ (الْحَدِيدُ ، 57: 1-4).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾‏ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢﴾‏ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣﴾‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤﴾‏ (الْحَدِيدُ ، 57: 1-4).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الأوَّلُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ." إني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ: "اقضِ عنَّا الدَّينَ ، وأغنِنا منَ الفقرِ" ، يا أرحمَ الراحِمينَ. [143]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي سَبَقَ في وجودِهِ أزلاً كُلَّ ما عداهُ ، وهوَ الذي لم يَكُنْ قبلَهُ شيءٌ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الأوَّلِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يزدادَ إيماناً بأنَّهُ لا بُدَّ لهذا الوجودِ مِنْ موجِدٍ ، هوَ اللهُ ، الأوَّلُ ، تبارَكَ وتعالى ، وأنْ يُتْبِعَ ذلكَ الإيمانَ بعبادَتِهِ حقَّ العبادَةِ ، وبالقيامِ بصالِحِ الأعمالِ ، تنفيذاً لأمرِهِ الذي جاءَ في كتابِهِ الكريمِ: " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التوبةُ ، 9: 105). وبذلكَ ، فإنهُ يكونَ قد أتبعَ إيمانَهُ بعملِ الصالحاتِ في دُنياهُ ، حتى يفوزَ بالجنةِ ، تَمَثُّلاً لقولَهُ ، سبحانَهُ وتعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 82).

113. الآخِرُ

"الآخِرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أَخِرَ" ، الذي يعني أخَّرَ الشيءَ ، وأجلَّهُ إلى وقتٍ لاحقٍ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الآخِرَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الباقي بغيرِ نهايةٍ ، والدَّائمُ بعدَ فَناءِ كُلِّ شيءٍ. وأفضلُ بيانٍ مِنَ البشرِ لمعنى هذا الاسمِ هوَ ما جاءَ في حديثِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قال فيهِ ، داعِياً ربَّهُ: "وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ." [144]

واتفقَ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ على أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، الآخِرُ بعدَ كُلِّ شيءٍ ، بغيرِ نهايةٍ. وهوَ كائنٌ بعدَ فَناءِ الأشياءِ كُلِّها ، كما قال جلّ ثناؤهُ: "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" (الْقَصَصُ ، 28: 88). وأضافَ القرطبيُّ في الأسنى أنَّ أُخْرِيَّتَهُ ، تباركَ وتعالى ، قد تضمنتْ فَناءَ كُلِّ ما سِواهُ. وهوَ الآخِرُ في وجودِهِ في الأبدِ ، وبعدَ الانتهاء. وهوَ الموجودُ بَعدَ الخَلقِ ، فلا شيءٌ بعدَهُ ، وهو الذي لا انتهاءَ لهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ ثَلاثَةٍ أُخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في آيةٍ واحِدَةٍ تَذْكُرُ بأنّهُ ، جلَّ وعلا: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ" (الْحَدِيدُ ، 57: 3). فجاءَ اسمُ "الآخِرِ" بمعنى أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْبَاقِي بعدَ هَلاكِ الموجوداتِ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الآخِرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ" ، ثُمَّ طلبُ الخيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمة: " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 201).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وحدَهُ. فهوَ الْبَاقِي بغيرِ نهايةٍ ، والدَّائمُ بعدَ فَناءِ كُلِّ شيءٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الأخِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يزدادَ إيماناً بأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ وحدَهُ الدَّائمُ بعدَ فَناءِ كُلِّ شيءٍ وأنْ يُتْبِعَ ذلكَ الإيمانَ بعبادَتِهِ حقَّ العبادَةِ ، وبالقيامِ بصالِحِ الأعمالِ ، حتى يفوزَ بأعظمِ الثوابِ ، وهوَ الجنةِ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

114. الظَّاهِرُ

"الظَّاهِرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ظَهَرَ" ، الذي يَعني بَدَا ، واتَّضَحَ ، وتَبيَّنَ وِجودُهُ ، كما يَعني عَلا و سَادَ وغَلَبَ وقَهَرَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الظَّاهِرَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الواضحُ في وجودِهِ ، مِنْ خلالِ خلقِهِ لهذا الكونِ البديعِ ، الغايةِ في دقتِهِ وجمالِهِ ، ومِنْ خلالِ رسُلِهِ ورسالاتِهِ ومُعجزاتِهِ التي أظهرها لخلقِهِ. كما أنهُ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الأعلى ، فوقَ جميعِ خلقِهِ ، السائدُ عليهِم ، والقاهِرُ لهم. وأفضلُ بيانٍ مِنَ البشرِ لمعنى هذا الاسمِ هوَ ما جاءَ في حديثِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قال فيهِ ، داعِياً ربَّهُ: " وأنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ." [145]

وفي تفسيره لمعنى هذا الاسمِ ، ذَكَرَ الطبريُّ أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، الظَّاهِرُ على كلِّ شيءٍ دونِهِ ، وهوَ العالي فوقَ كلِّ شيءٍ ، فلا شيءٌ أعلى منهُ. وقالَ ابنُ كثيرٍ أنهُ الغالبُ ، العالي على كلِّ شيءٍ. وأضافَ القرطبيُّ ، في الأسنى ، أنهُ ، جلَّ وعلا ، عالٍ على غيرِهِ وقاهرٌ لهم ، كما جاءَ في قولِهِ تعالى: "فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (الصَّفُّ ، 61: 14). كما أنَّ "ظَهَرَ" يعني أصبحَ محسوساً أو معقولاً أو بائناً ، كقولِهِ ، تباركَ وتعالى: "وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ" (التَّحْرِيمُ ، 66: 3). وهكذا ، فإنَّ َالظَّاهِرَ هوَ العالي على غيرِهِ ، والقاهرَ لهم ، وهو َالظَّاهِرُ بقدرتِهِ ، وفي دلالتِهِ ، ولعبادِهِ. وأوردَ قولَ الحَليمي بأنَّ الظَّاهِرَ هوَ البادي بأفعالِهِ.  وقولَ الخطابي بأنهُ الظاهرُ بحججهِ ، وبراهينِهِ النيرةِ ، وشواهِدِ أعلامِهِ الدالةِ على ثبوتِ ربوبيتِهِ ، وصحةِ وحدانيتِهِ. وهوَ الظاهرُ فوقَ كلِّ شيءٍ بقدرتِهِ.

وقد جاءَ ذِكْرُ عِلُوِّهِ ، في قولِهِ ، جلَّ وعلا ، في كتابِهِ الكريمِ: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الْحَدِيدُ ، 57: 4) ، أي أنهُ أعلى مِنَ العرشِ ، الذي هوَ أعلى مِنَ الكرسيِّ ، الذي هو أعلى مِنَ السماواتِ السبع وما ومَنْ فيهِنَّ.

وَوَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ ثَلاثَةٍ أُخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في آيةٍ واحِدَةٍ تَذْكُرُ بأنّهُ ، جلَّ وعلا: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ" (الْحَدِيدُ ، 57: 3). فجاءَ اسمُ "الظَّاهِرِ" بمعنى أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الأعلى ، والقاهِرُ لكلِّ ما عداهُ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الظَّاهِرُ ، فليسَ فوقَكَ شيءٌ." اللهمَّ أغننا مِنْ حلالِكَ عَنْ حرامِكَ ، وانصرنا على أعدائكَ ، وأنتَ خيرُ الناصرينَ (وللداعي أنْ يدعو ربَّهُ بِما يشاءُ).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يعلوا على خلقِهِ كلِّهِم ، وهوَ القاهِرُ لهم جميعاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ "الظَّاهِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يزدادَ إيماناً بأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ وحدَهُ الذي يعلو خلقَهُ جميعاً ، غالِباً لهم ، ومتحكماً في مصائرِهِم ، وأنْ يُتْبِعَ ذلكَ الإيمانَ بعبادَةِ ربِّهِ حقَّ العبادَةِ ، وبالقيامِ بصالِحِ الأعمالِ ، حتى يفوزَ بأعظمِ الثوابِ ، وهوَ الجنةِ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

115. الْبَاطِنُ

"الْبَاطِنُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "بَطَنَ" ، الذي يَعني أخفى وحَجَبَ. كما يعنى خَبِرَ واطَّلَعَ على ما ظَهَرَ وما خفيَ مِنْ أمورٍ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الْبَاطِنَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ القريبُ مِنْ عبادِهِ بعلمةِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، المُطَّلِعُ على ما ظَهَرَ وما خفيَ مِنْ أمورٍ في ملكوتِهِ العظيمِ ، وهو معَ ذلكَ محتجبٌ عنْ أبصارِ خلقِهِ ، التي لا يُمكنُها إدراكَهُ حِسَّاً ، وإنما إدراكُها لهُ يكونُ مِنْ خلالِ آثارِهِ وأفعالِهِ. فهوَ الذي "لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الأنْعَامُ ، 6: 103). وأفضلُ بيانٍ مِنَ البشرِ لمعنى هذا الاسمِ هوَ ما جاءَ في حديثِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قال فيهِ ، داعِياً ربَّهُ: "وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ." [146]

وذَكَرَ الطبريُّ أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، الباطنُ لجميعِ الأشياءِ ، فلا شيءٌ أقربُ إلى شيءٍ منهُ ، كما قالَ ، جلَّ وعلا: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (قَ ، 50: 16). وأوردَ ابنُ كثيرٍ قولَ ابنِ عباسٍ أنَّ "الْبَاطِنَ" هوَ العالِمُ بكلِّ شيءٍ. وأضافَ القرطبيُّ ، في الأسنى ، أنَّ "الْبَاطِنَ" هوَ المُحتَجِبُ عن أبصارِ الخلقِ ، المُطَّلِعُ على بواطِنِهم ، وهوَ الرقيبُ عليهم ، العليمُ بهم ، مِنْ غيرِ أنْ يَحسُّوا بِهِ. وذَكَرَ بأنَّ "الْبَاطِنَ" مشتقٌ مِنْ "بَطَنَ" ، أي "أخْفَى." فهوَ تعالى ذِكْرُهُ غيرُ مُدرَكٍ بالحواسِّ ، وإنما يُدرَكُ بآثارِهِ وأفعالِهِ. وهوَ الخبيرُ ، العالِمُ بما بَطَنَ مِنْ أمورٍ. وأوردَ قولَ الخطابيِّ أنَّهُ بينما يتجلى "الظاهِرُ" لبصائرَ المتفكرينَ بهِ ، فإنَّ "الْبَاطِنَ" هو الذي يَحتجبُ عن أبصارِ الناظرِينَ إليهِ. وهوَ العالِمُ بما ظَهَرَ مِنْ أمورٍ ، والمُطَّلِعُ على ما بَطَنَ مِنْ عيوبٍ.

وعلى ذلكَ ، فإنهُ على الرغمِ مِنْ عِلُوِّهِ ، تباركَ وتعالى ، إلا إنهُ قريبٌ مِنْ عبادِهِ ، كما ذكَرَ لنا بقولِهِ: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 186). وهوَ ، تباركَ وتعالى ، يتنزلُ "كُلَّ ليلَةٍ إلى السماءِ الدنيا" ، ليكونَ قريباً مِنْهُم ، كما أخبرَنا رسولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. لكنَّ نزولَهُ إلى السماءِ الدُّنيا وقربَهَ مِنْ عبادِهِ إنما يكونُ بعلمِهِ وقُدرَتِهِ ، وبالكيفيةِ التي يشاءُ ، وليسَ كما يمكنُ أنْ يتصورَهُ خَلقُهُ ، فهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشُّورَى ، 42: 11). [147] 

وَوَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ ثَلاثَةٍ أُخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في آيةٍ واحِدَةٍ تَذْكُرُ بأنّهُ ، جلَّ وعلا: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ" (الْحَدِيدُ ، 57: 3). فجاءَ اسمُ "الْبَاطِنِ" بمعنى أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ القريبُ مِنْ خلقِهِ بعلمِهِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الباطنُ ، فليسَ دونَكَ شيءٌ." اللهمَّ إنني أستغفرُكَ ، لي ولوالديَّ وأجداديَ مِنْ قبلي ، ولأولاديَ وأحفاديَ مِنْ بعدي ، كما أخبرتنا عنِ استغفارِ الملائكةُ للمؤمنينَ: "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾‏ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾‏ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾" (غَافِرُ ، 40: 7-9).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القريبُ مِنْ عبادِهِ بعلمةِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، المُطَّلِعُ على ما ظَهَرَ وما خفيَ مِنْ أمورٍ في ملكوتِهِ العظيمِ ، وهو معَ ذلكَ محتجبٌ عنْ أبصارِ خلقِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ "الباطنِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يزدادَ إيماناً بأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ وحدَهُ القريبُ مِنْ عبادِهِ بعلمةِ وقُدرَتِهِ ومشيئتِهِ ، المُطَّلِعُ على ما ظَهَرَ وما خفيَ مِنْ أمورٍ في ملكوتِهِ العظيمِ. وأنْ يُتْبِعَ ذلكَ الإيمانَ بعبادَةِ ربِّهِ حقَّ العبادَةِ ، وبالقيامِ بصالِحِ الأعمالِ ، حتى يفوزَ بأعظمِ الثوابِ ، وهوَ الجنةِ ، كما تَمَّ بيانُهُ في اسمِ "الأوَّلِ" أعلاهُ.

116. الْبَرُّ

"الْبَرُّ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "بَرَّ" ، الذي يَعني أكثَرَ مِنَ الإحسانِ والعملِ الصالحِ. كما يعنى صَدَقَ بوعدِهِ ووفَى بِهِ ، وأحسنَ معامَلَهَ مَنْ لهم حقٌ عليهِ ، وتَزَيَّنَ بالخُلُقِ الحَسَنِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْبَرَّ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ المُحْسِنُ لخلقِهِ جميعاً في الحياةِ الدُّنيا ، بأنْ وهبَهُم الحياةَ ، ووَفَّرَ لهم أسبابَها. وهو المُحْسِنُ للمؤمنينَ على وجهِ الخصوصِ في الآخِرَةِ ، بالوفاءِ بوعدِهِ لهم بالجزاءِ الأوفى ، في الجنةِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الرَّحِيمُ" ، وذلكَ في سياقِ اعترافِ أهلِ الجنةِ مِنَ المؤمنينَ بِبِرِّ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لهم ، ورحمتِهِ بِهِم. فهوَ الذي صَدَقَهُم وعدَهُ ، وأحسنَ إليهِم بإدخالِهم في رحمتِهِ ، متمتعينَ بالحياةِ الأبديةِ في جنةِ خُلدِهِ ، هُم ومَنْ آمَنَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِم (الطُّورُ ، 52: 17-28). فقالَ ، عزَّ وجلَّ ، على لسانِ أهلِ الجنةِ:

"إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ" (الطُّورُ ، 52: 28).

وذَكَرَ الغزاليُّ أنَّ "الْبَرَّ" هوَ المُحسنُ ، و"الْبَرُّ" المُطلَقُ هوَ الذي مِنهُ كُلَّ مَبَرَّةٍ وإحسانٍ ، والعبدُ إنما يكونُ بّرَّاً بقدرِ ما يتعاطاهُ مِنَ الْبِرِّ ، لا سيما بوالديهِ. وقالَ القرطبيُّ أنَّ "الْبِرَّ" هوَ الاتساعُ في الإحسانِ ، والزيادَةُ منهُ. وأوردَ قولَ ابنِ عباسٍ بأنَّ الْبَرَّ هوَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، الْلَّطِيفُ بعبادِهِ ، وقولَ الحَليمي بأنهُ الرفيقُ بِهِم ، وقولَ القشيري بأنهُ العَطوفُ عليهِم. وأفضلُ تعريفٍ بشريٍّ لِلْبرِّ هوَ ما أخبرنا بهِ النبيُّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في قولِهِ أنَّ "الْبِرَّ" هوَ "حُسنُ الخُلُقِ." كما دلَّنا ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، على إحدى الطُّرِقِ الموصلَةِ لِلْبِرِّ ، وهيَ الصِّدْقِ ، فقالَ: "إنَّ الصِّدْقَ يَهدِي إلى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهدِي إلى الجنةِ." [148]

وقد وَصَفَ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، المؤمنينَ بأنهم "الْمُتَّقونَ" و "الْمُحْسِنُونَ" ، كما جاءَ في قولِهِ: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحلُ ، 16: 128). وخيرُ تعريفٍ لِلْبِرِّ على الإطلاقِ هوَ ما جاءَ في القرآنِ الكريمِ ، والذي يشيرُ إلى أعمالِ الخيرِ والإحسانِ ، التي أمرَنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنْ نقومَ بها ، لمساعدةِ بعضِنا بعضاً في هذهِ الدُّنيا ، حتى نفوزَ بأعظمِ الثوابِ في الآخِرَةِ ، وذلكَ كما يلي:

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 177).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبّرُّ" ، الذي شمِلَ إحسانُكَ جميعَ مخلوقاتِكَ ، في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، وخصصتَ بِهِ عبادِكَ المتقينَ في الآخِرَةِ. "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 201).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ المُحْسِنُ لخلقِهِ جميعاً في الحياةِ الدُّنيا ، بأنْ وهبَهُم الحياةَ ، ووَفَّرَ لهم أسبابَها. وهو المُحْسِنُ للمؤمنينَ في الآخِرَةِ ، بالوفاءِ بوعدِهِ لهم بالجزاءِ الأوفى ، في الجنةِ. ولكنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، يُحِبُّ أنْ يتصِفَ عبادَهُ بالْبِرِّ والإحسانِ. فأمَرَنا بالإحسانِ للوالدينِ ، مباشرةً بعدَ أمرِهِ لنا بعبادَتِهِ ، وذلكَ في قولِهِ: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الإسْرَاءُ ، 17: 23). كما أنهُ قد مَدَحَ يَحْيَ ، عليهِ السلامُ ، واصفاً إياهُ بأنهُ كان "بَرَّاً" ، بوالِديهِ ، وذلكَ في قولِهِ "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 14). ومدحَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، أيضاً بوصفِهِ أنه كانَ "بَرَّاً" بوالِدَتِهِ ، في قولِه: "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 32).

وعلى ذلكَ ، فإنهُ بينما لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَرِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعترِفَ بِبِرِّ رَبِّهِ لهُ وإحسانِهِ إليهِ ، فيشكُرُهُ على ذلكَ ، ويعبُدُهُ حقَّ العبادَةِ. كما عليهِ أنْ يكونَ بارَّاً بوالِدَيْهِ ، وذلكَ بالإحسانِ إليهِما ، ووصلِهِما ، والرفقِ بهِما ، وحُسنِ معاملَتِهِما ، وطاعتِهِما في غيرِ معصيةٍ لربِّ العالَمينَ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ مُحسناً لأقارِبِهِ ، والمؤمنينَ ، والناسَ جميعاً حتى يفوزَ برضى اللهِ عنهُ ، وبثوابِهِ العظيمِ ، الذي وَعَدَهُ للأبْرَارِ مِنْ خلقِهِ ، كما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ" (الانْفِطَارُ ، 82: 13).

117. التَّوَّابُ

"التَّوَّابُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَابَ" ، الذي يَعني أقَرَّ بارتكابِ المعصيةِ أو الذَّنْبِ ، ونَدِمَ على ما صَدَرَ مِنْهُ ، وأقلَعَ عنهُ ، وتَعَهَدَ بعدمِ الرجوعِ إليهِ ، وطَلَبَ المغفرةَ والعَفوَ والإفلاتَ مِنَ العِقابِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "التَّوَّابَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي أمَرَ عبادَهُ المؤمنينَ بالتوبةِ إليه (النورُ ، 24: 31) ، ووَعَدَ التائبينَ مِنْهُم بأنْ يتوبَ عليهِم (الْمَائِدَةُ ، 5: 39) ، أي أنْ يعفوَ عنهم ويغفرَ لهُم ، ويبدلَ سيئاتِهِم حسناتٍ (الْفُرْقَانُ ، 25: 70) ، إذا ما أقرُّوا بذنوبِهم ، ونَدِموا عليها ، وأقلعوا عنِ ارتكابِها ، وتعهدوا بعدمِ الرجوعِ إليها ، وطلبوا العَفوَ والمغفرةَ مِنهً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الرَّحِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ توبَتَهُ على عبادِهِ إنما تحدُثُ بسببِ رحمتِهِ ، التي "وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" (الأعْرَافُ ، 7: 156 ؛ غافرُ ، 40: 7). فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ توبَتِهِ ، عزَّ وجلَّ ، على آدمَ وزوجِهِ ، عليهِما السلامُ ، بعدما "عَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ" (طَهَ ، 20: 121). فأوحى اللهُ إليهِ بكلماتٍ ، ليدعوهُ بها ، فقالا: "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (الأعْرَافُ ، 7: 23). عندها ، تابَ اللهُ عليهِما ، "إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 37).

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 37).

كما جاءَ اسمُ "التَّوَّابِ" في ذِكرِ توبةِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على قومِ موسى ، عليهِ السلامُ ، بعدما ظلموا أنفسَهُم باتخاذِهِم العجلِ إلهاً مِنْ دونِ اللهِ ، فتابوا إلى اللهِ ، فتابَ عليهِم ، لأنهُ هُوَ "التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 54). وذُكِرَ في دُعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، لربِّهِ بالتوبةِ عليهِ وعلى ذُرِّيتِهِ مِنْ بعدِهِ ، لأنهُ "التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 138).  وأتى في سياقِ وعدِهِ ، تباركَ وتعالى ، بالتوبةِ على الذينَ تابوا وأصلحوا مِنْ أهلِ الكتابِ ، إذا ما بينوا للناسِ ما في الكتابِ مِنْ بيناتٍ وهُدىً ، ولا يكتمونهُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 37). وكانَ هذا الاسمُ كذلكَ في إعلانِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لعبادِهِ بأنهُ يقبلُ التوبةَ ، وأنهُ "هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التَّوْبَةُ ، 9: 104). كما تضمنهُ قولُ اللهِ ، تباركَ وتعالى: "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التَّوْبَةُ ، 9: 118).

وَوَرَدَ اسمُ هذا الاسمُ أيضاً خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ذُكِرَ في ثلاثِ مَرَّاتٍ مِنها مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "رَحِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ توبَتَهُ ، عزَّ وجلَّ ، على عبادِهِ إنما تحدُثُ بسببِ رحمتِهِ بهم. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ توبَتِهِ على التائبينَ مِنَ اللذينَ يقترفونَ الفاحشةَ ، وذلكَ لأنهُ "كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 16). وجاءَ أيضاً معَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ كانَ سَيتوبُ على المنافقينَ لو أنهم جاءوا للرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، "فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ" ، فلو فعلوا ذلكَ "لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 64). وذُكِرَ هذا الاسمُ كذلكَ معَ تلازُمِ توبةِ اللهِ على مَنْ يأثمُ مِنَ المؤمنينَ معَ رحمتِهِ بهم. فقد نَهَاهُم اللهُ ، تباركَ وتعالى ، عنِ الظنِّ والتجَسُّسِ والغيبةِ ، مؤكِّدَاً لهم أنهم إنْ اجتنبوا ذلكَ فإنهُ بهم "تَوَّابٌ رَّحِيمٌ" (الْحُجُراتُ ، 49: 12).

وبالإضافة إلى ذلكَ ، جاءَ هذا الاسمُ في سياقِ ذكرِ الحكمةِ مِنَ التوبةِ على التائبينَ مِنْ إثمِ رَميِّ المُحْصَنَاتِ ، الذي وصفه ربُّنا ، جلَّ وعلا ، بأنه "بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" (النُّورُ ، 24: 16) ، لِما في ذلكَ الإثمِ مِنْ تهديدٍ لكيانِ الأسرَةِ ، التي هي اللبنةِ الأساسِ في بناءِ المجتمع. فذكرَ ، تباركَ وتعالى ، أنَّ تلكَ الموعظةَ هيَ مِنْ فضلِ اللهِ على الناسِ ، ومِنْ رحمتِهِ بهم ، لأنهُ "تَوَّابٌ حَكِيمٌ (النُّورُ ، 24: 10). وأخيراً ، جاءَ هذا الاسمُ وحدَهُ ، في سياقِ إعلانِ تَوْبِ اللهِ على عبادِهِ ، إذا ما سبَّحوا بحمدِهِ وطلبوا المغفرةَ منهُ ، كما قالَ سُبحانهُ وتعالى: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (النَّصْرُ ، 110: 3).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" ، الذي يقبلُ توبةَ التائبينَ مِنْ عبادِهِ ، رحمةً بهم. اللهمَّ إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "ربِّ تقبَّل توبتي ، واغسِل حَوبتي ، وأجِب دعوتي ، وثبِّت حُجَّتي ، واهدِ قَلبي ، وسدِّد لِساني ، واسلُل سخيمةَ قَلبي." [149]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يقبلُ توبةَ التائبينَ ويغفرُ لهم (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 135). أما الذينَ يُصِرُّونَ على المعصية وعدمِ التوبةِ منها ، فأولئكَ همُ الظالمون (الْحُجُراتُ ، 49: 11) ، الذين توعدَهم اللهُ بالعقاب ، كما عاقبَ الظالمينَ مِنْ قبلِهِم (الأعْرَافُ ، 7: 162). ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ التَّوَّابِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يتواضعَ لخالِقِهِ ، فيطلبُ منهُ التوبةَ والمغفرةَ ، إذا ما ارتكبَ معصيةً أو إثماً ، سواءً كانَ ذلكَ في حقِّ اللهِ أو في حقوقِ العبادِ. فالتوبة ُتصحيحٌ لسلوكِ الناسِ ، وبالتالي فهيَ تقويةٌ للمجتمعِ الذي يعيشونَ فيهِ. وليستْ التوبةُ نقصاً في الإنسانِ ، وإنما هي صفةٌ حميدةٌ يُحِبُّها اللهُ في عبادِهِ ، كما ذَكَرَ ذلكَ في كتابِهِ الكريم: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 222).

118. قَابِلُ التَّوْبِ

"قَابِلُ التَّوْبِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "قَابِلُ" ، وهيّ اسمُ صفةٍ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَبِلَ" ، الذي يعني رضيَ ، ووافقَ ، وصدَّق ، واستجابَ. أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "التَّوْبِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَابَ" ، الذي يعني أقَرَّ بارتكابِ المعصيةِ أو الذَّنْبِ ، ونَدِمَ على ما صَدَرَ مِنْهُ ، وأقلَعَ عنهُ ، وتَعَهَدَ بعدمِ الرجوعِ إليهِ ، وطَلَبَ المغفرةَ والعَفوَ والإفلاتَ مِنَ العِقابِ ، كما قالَ ابنُ كثيرٍ وغيرُهُ مِنَ المُفَسرينَ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "قَابِلَ التَّوْبِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي يرضيَ عنْ توبةِ عبادِهِ ، ويوافقُ عليها ، ويصدِّقُهم في تعبيرِهِم عنها ، ويستجيبُ لهم بالعفوِ والمغفرةِ. ولذلكَ ، فإنهُ أمَرَ عبادَهُ المؤمنينَ بالتوبةِ إليه (النُّورُ ، 24: 31) ، ووَعَدَ التائبينَ مِنْهُم بأنْ يتوبَ عليهِم (الْمَائِدَةُ ، 5: 39) ، أي أنْ يعفوَ عنهم ويغفرَ لهُم ، ويبدلَ سيئاتِهِم حسناتٍ (الْفُرْقَانُ ، 25: 70) ، إذا ما أقرُّوا بذنوبِهم ، ونَدِموا عليها ، وأقلعوا عنِ ارتكابِها ، وتعهدوا بعدمِ الرجوعِ إليها ، وطلبوا العَفوَ والمغفرةَ مِنهً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةُ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ ثلاثَةٍ أخرَى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسْنَى ، التي تعبِّرُ عنْ صفاتٍ مُحَدَّدِةٍ لهُ ، تبارَكَ وتعالى ، وهي: غَافِرِ الذَّنبِ ، وشَدِيدِ الْعِقَابِ ، وذِي الطَّوْلِ ، والتي لا يجمعُها معاً إلَّا اللهُ ، الذي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ، والذي يعودُ إِلَيْهِ مَصِيرُ خلقِهِ أجمعينَ (غَافِرُ ، 40: 3).

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غاَفِرُ ، 40: 3).

وأشارتْ الآياتُ الكريمةُ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، "يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 222) ، وأنهُ في مديحِهِ لعبادِهِ مِنَ النساءِ ، وَصَفَهُنَّ بأنهُنَّ "مُسلماتِ مُؤمناتِ قَانتاتِ" ، وبأنهنَّ أيضاً "تَائباتِ" (التَّحْرِيمُ ، 66: 5). وكانَ أولُ وصفٍ للمؤمنينَ الذينَ بشَّرَهم بجنتِهِ بأنهم "التَّائِبُونَ" (التَّوْبَةُ ، 9: 112). وأمرَ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أن يقولَ للكافرينَ: "هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ" (الرَّعْدُ ، 13: 30). ووعدَ بالقبولِ لتوبةِ مَنْ يتوبونَ مِنَ المؤمنينَ ، ويُتْبِعُونَ ذلكَ بقيامِهم بصالحِ الأعمالِ ، فقالَ ، جلَّ وعلا: "وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا" (الْفُرْقَانُ ، 25: 71).

ومِنْ حُبِّهِ لعبادِهِ وحِرْصِهِ عليهِم ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، أمَرَهُم بالاستغفارِ أولاً ، ثُمَّ بالتوبةِ إليهِ بعدَ ذلكَ ، لِيتوبَ عليهِم ، فيغفرَ لهم سيئاتِهم ، ويُجنِّبَهُم عقابَهُ ، ويُدخِلَهُم في رحمتِهِ. جاءَ ذلكَ على لسانِ رُسُلِهِ ، هودٍ (هُودُ ، 11: 52) ، وصالحٍ (هُودُ ، 11: 61) ، وشُعَيْبٍ (هُودُ ، 11:  90) ، وموسى (الْبَقَرَةُ ، 2: 54) ،  ومحمدٍ (هُودُ ، 11: 3) ، عليهِمُ سلامُ اللهِ ورحمتُهُ جميعاً. وجاءَ ذلك في أمرٍ عامٍ للمؤمنين ،  في قولِه ، تبارَكَ وتعالى: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النُّورُ ، 24: 31) ، وأيضاً في قولِهِ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" (التَّحْرِيمُ ، 66: 8).

وذَكَرَ لنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، أنَّهُ يَقْبَلُ التوبةَ مِنْ عبادِهِ ، تشجيعاً لهم على تركِ المعاصي ، وأنَّهُ يأخذُ الصدقاتِ منهم لِيُزَكِّيهِم بها ، ويعفو عن سيئاتِهِم ، وذلكَ مِنْ محبتهِ لعبادِهِ ، ولأنهُ "هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التَّوْبَةُ ، 9: 104 ؛ الشُّورَى ، 42: 25). وأخبرنا أيضاً أنهُ ، جلَّ وعلا ، يقبلُ توبةَ الذينَ "يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ" (النِّسَاءُ ، 4: 17) ، أي الذين يُسرِعونَ في التوبةِ بعد اقترافِهم للسوءِ ، وذلكَ لأنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عليمٌ بضعفَ بعضِ عبادِهِ ، وحكيمٌ في توبتِهِ على التائبينَ منهم ، حتى لا يستمروا في سوءِ أعمالِهِم. كما وَعَدَ العليمُ الحكيمُ ، تعالى ذِكْرُهُ ، عبادَهُ بأنهُ يتوبُ حتى على القاتِلِ منهم ، إذا ما كانَ القتلُ خطأً ، ولكنْ بعدَ دفعِ الدِّيَّةِ ، وتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ المُؤمِنَةِ ، أو الصيامِ شهرينِ مُتتابعينِ لِمَنْ لا يجدُ إلى ذلكَ سبيلاً (النِّسَاءُ ، 4: 92). [150]

وقد ذُكِرَ لنا ربُّنا ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ "تَابَ" على آدمَ ، عليهِ السلامُ (البقرةُ ، 2: 37 ؛ طَهَ ، 20: 122) ، وعلى قومِ موسى ، عليهِ السلامُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 54) ، وأصحابِ النبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 187) ، والذينَ أنابوا مِنْ بني إسرائيلَ بعدما عَمُوا عنِ الحقِّ وصَمُّوا أذانهم عنهُ (المائدةُ ، 5: 71) ، وعلى النبيِّ وأصحابِهِ في ساعةِ العُسرةِ (التَّوْبَةُ ، 9: 117) ، والثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا (التَّوْبَةُ ، 9: 118) ، والذينَ كانوا يُناجُونَ الرسولَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 13) ، وعلى الذينَ لم يستطيعوا قيامَ الليلِ مِنْ الصحابةِ ، رِضوانُ اللهِ عليهِم (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 20).

ووَعَدَ رَبُّنا ، جلَّ وعلا ، أنْ "يَتُوبَ" على التائبينَ مِنْ عبادِهِ ، ومعنى ذلكَ أنَّ توبتَهُ تنطبقُ على الحاضِرِ والمستقبَلِ ، وفي ذلكَ تشجيعٌ للمذنبينَ على تركِ ذنوبِهِم ، وطلبِ التوبةِ مِنْ ربِّهِم. وقد بَيَّنَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، للمسلمينَ أنهُ يُرِيدُ أنْ يَهْدِيَهُم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَيَتُوبَ عَلَيْهِم (النِّسَاءُ ، 4: 26 ، 27). فذكرَ أنه "يَتُوبُ" على الذينَ "يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ" (النِّسَاءُ ، 4: 17) ، وعلى مَنْ "تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ" (الْمَائِدَةُ ، 5: 39) ، وعلى المؤمنينَ والمؤمناتِ (الأحْزَابُ ، 33: 73) ، "وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ" (التَّوْبَةُ ، 9: 15).

لكنَّ اللهَ ، جلّ وعلا ، قد أخبرنا أنَّهُ لا يَقْبَلُ التوبةَ مِنَ الضَّالِّينَ ، "الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 90) ، وذلكَ لأنَّ فِعْلَهُم ذاكَ يَدُلُّ على الاستكبارِ والجحودِ إزاءَ خالِقِهِم. وذَكَرَ لنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، أنَّهُ لا يَقْبَلُ أيضاً توبةَ الذينَ يستمرونَ في الكفرِ وعملِ السيئاتِ طيلةِ حياتِهِم ، ولا يعلنونَ التوبةَ إلا عندَ لحظةِ موتِهِم. فتوعدَ هؤلاء بالعذاب الأليم (النِّسَاءُ ، 4: 18) ، وذلكَ لأنَّ الحكمةَ مِنَ التوبةِ هيَ أنْ يتوقفَ الناسُ عنْ أعمالِ السوءِ ، فتستقيمُ الحياةُ لهم ولمجتمعاتِهِم. ولا يتأتى ذلكَ إلا بالتوبةِ السريعةِ ، وليسَ بالاستمرارِ بالفسادِ في الأرضِ إلى أنْ يَحْضُرَ الموتُ لهُم. [151]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ قَابِلُ التَّوْبِ." اللهمَّ تَقَبَّلْ توبتي عن خطيئتي ، فإنكَ تفرحُ بتوبةِ عبادِكَ ، كما قالَ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "اللهُ أشَدُّ فرَحًا بتوبةِ عبدِه مِن أحَدِكم ، يستيقظُ على بعيرِهِ ، أضلَّهُ بأرضٍ فَلاةٍ." اللهمَّ إنني أدعوكَ بما دعاكَ به: "اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نَفسي ظُلمًا كثيرًا ، ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ ، فاغفرْ لي مَغفرةً مِن عندِكَ ، وارحمني ، إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ." [152]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يقبلُ توبةَ التائبينَ مِنْ عبادِهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 40). ولا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ. فلا تجوزُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّهُ "قَابِلُ" ، أو "التَّوْبِ" وإنما " قَابِلُ التَّوْبِ" ، أي الكلمتينِ معاً. ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ التَّوَّابِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُداومَ على طلبِ التوبةِ والمغفرةِ مِنْ رَبِّهِ ، كُلَّما ارتكبَ معصيةً أو إثماً ، لأنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، تعهدَ بقبولِ التوبةِ مِنْ عبادِهِ ، في قولِهِ: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" (الشُّورَى ، 42: 25).

119. الْعَفُوُّ

"الْعَفُوُّ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَفَا" ، الذي يَعني سَامَحَ ، وصَفَحَ ، وغَفَرَ ، وتَجَاوَزَ ، ولم يُعَاقِبْ المُخْطِئَ أو الْمُذْنِبَ على خطئهِ أو ذنبِهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْعَفُوَّ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي يُسامحُ مَنْ شاءَ مِنْ عِبادِهِ ، خاصةً التائبينَ مِنْهُم ، ويصفحُ عنهُم ، ويغفرُ لهم ذنوبَهُم ، ويتجاوزُ عنْ أخطائهم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، جاءَ في أربعٍ منها معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسْنَى ، هوَ "غَفُورٌ" ، إشارةً مِنَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، إلى أنَّ عفوَهُ مرتبطٌ بمغفرَتِهِ لعبادِهِ. فهوَ ، جلَّ وعلا ، يعفو عنْهُم لأنهُ كثيرُ المغفرةِ ، كما أنَّ عفوَهُ عنهم نابعٌ مِنْ محبتِهِ لهم ، وهوً أيضاً تشجيعٌ لهم على التوبةِ منَ المعاصي والذنوبِ.  وجاءَ هذا الاسمُ في المرةِ الخامسةِ معَ اسمِ ثانٍ هوَ "قَدِيرٌ" ، بما يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يعفو عنْ عبادِهِ التائبينَ ، معَ أنهُ قادرٌ على عقابِهِم.

فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، يعفو عنْ عبادِهِ ويغفرُ لهم في الحالاتِ الاضطراريةِ ، حيثُ قالَ: "فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الأنْعَامُ ، 6: 145). والأصلُ أن يكونَ المسلمُ مُتيقظاً ، عالِماً لِما يقولُ ويفعلُ ، وخاصةً عندَ مُخاطبتهِ لربِّهِ في الصلاةِ. ولذلكَ كانَ التدرُّجُ في تحريمِ شُربِ الخمرِ ، قبلَ الصلاةِ أولاً ، ثُمَّ تحريمِها كُلياً بعدَ ذلكَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 90). والأصلُ أيضاً أنْ يكونَ المسلمُ نظيفاً بصفةِ عامةٍ ، وخاصةً عندَ وقوفِهِ للصلاةِ ، وذلكَ بالوضوءِ ، أو بالاغتسالِ بالماءِ ، بعدّ الجنابةِ. لكنْ إذا لم يكنْ الماءُ متوفراً ، فقد أذِنَ اللهُ لعبادِهِ بالتيممِ ، بدلاً مِنْ ذلكَ ، تسهيلاً عليهِم ، لأنهُ عَفُوُّ غَفُورٌ (النِّسَاءُ ، 4: 43).

وقد وَعَدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بالانتصار لعبادِهِ ، الذينَ يُعاقِبونَ بما عُوقِبوا بهِ ، ثُمَّ يُبْغَى عليهِم ، لكنهُ أخبرَهُم أنهُ عَفُوٌّ غَفُورٌ (الْحَجُّ ، 22: 60) ، وذلكَ ليُحَبِبَهُم في العفوِّ والمغفرةِ لِمنْ أساءَ إليهم ، معَ أنَّ لهمُ الحقَّ في مُعاقبَتِهِم.    

وتوعدَ اللهُ ، جلَّ وعلا ، بالعذابِ للذينَ يَقْبَلُونَ الظلمَ والاستضعافَ في بلادِهِم ، معَ قُدرتِهِم على الهجرةِ منها ، إلى الحريةِ في أقطارِ الأرضِ الأخرى. "فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" ﴿٩٧﴾‏." واستثنى مِنْ ذلكَ "الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾‏ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٩٩﴾‏" (النِّسَاءُ ، 4: 97-99).

كما أنَّ اللهَ "عَفُوٌّ غَفُورٌ" لِمَنْ يتوبونَ بعدَ قولِهِم الزورِ والمُنكرِ ، كما في حالةِ الذينَ كانوا يُظاهِرونَ مِنْ نسائِهِم (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 2). وقد حَثَّ المؤمنينَ على الخيرِ مِنَ القولِ ، وألَّا يجهروا "بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ" ، وأنْ يعفوا عَمَّنْ أساءَ إليهِم ، كما يفعلُ هوَ ، تبارَكَ وتعالى ، معَ قُدْرَتِهِ على العقابِ. فهوَ ، عزَّ وجلَّ ، كانَ دوماً "عَفُوًّا قَدِيرًا" (النِّسَاءُ ، 4: 148-149). [153]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ عَفُوٌّ غَفُورٌ" ، تعفو عنْ عبادِكَ وتغفرُ لهم ، معَ قُدرَتِكَ على عقابِهِم. اللهمَّ إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كَريمُ ، تُحبُّ العفوَ ، فاعْفُ عنِّي." وإني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ الرسولُ والمؤمنونَ ، كما جاءَ في كتابِكَ العزيزِ: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 286). [154]

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي يعفو عنْ التائبينَ مِنْ عبادِهِ المُذنبينَ ، أي الذي يُسامِحُهُم ، ويصفحُ عنهُم ، ويغفرُ لهم ذنوبَهُم ، ويتجاوزُ عنْ أخطائهم ، فلا يُعَاقَبُونَ عليها في اليومِ الآخِرِ. ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الْعَفُوِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يعفو ويصفحَ ويسامحَ ويغفرَ لِمَنْ أساءَ إليهِ ، فيفوزَ بعفوِ اللهِ عنهُ ، وبمديحِهِ لهُ ، معَ مَنْ مَدَحَهُم في كتابِهِ الكريم ، أي "الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ" ، الذين وَصَفَهُم بأنهم مِنَ "الْمُتَّقِينَ." فقد أعَدَّ لهؤلاءِ مَغْفِرَةً وَجَنَّةً ، عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وأنهم أيضاً مِنَ "الْمُحْسِنِينَ" ، الذينَ أعلنَ حُبَّهُ لهم ، في قولِهِ: "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾‏ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾‏" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133-134).

120. الرَّؤُوفُ

"الرَّؤُوفُ" (الرَّءُوفُ) اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَأَفَ" ، الذي يَعني عَطَفَ عَلَى شَخْصٍ ، وَرَحِمَهُ ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الرَّؤُوفَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، عَطُوفٌ على عِبَادِهِ ، رَحِيمٌ بِهِم ، ومُشْفِقٌ عليهم ، لأنهُ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ الرَّأفةَ تُمَثِّلُ أعلى معانيَ الرَّحمةِ ، وهي عامَّةٌ لجميعِ الخلْقِ في الدُّنيا ، ولبعضِهِم في الآخرةِ. أمَّا الرَّحْمَةُ الْمُتَضَمَّنَةُ في اسمِ "الرَّحيمِ" ، فهيَ للمؤمنين خاصةً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، عَشْرَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، جاءَ في اثنتينِ منها وَحْدَهُ ، ولكنْ مَعَ ذِكْرِ أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، رَؤُوفٌ بِعبادهِ الذينَ يبتغونَ مَرْضَاتِهِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 207) ، والذينَ يعملونَ الخيرِ في الحياةِ الدُّنيا (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 30).

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 207).

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 30).

كما جاءَ هذا الاسمُ في المرَّاتِ الثَّمَانِ الأخرى مَعَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هُوَ "رَحِيمٌ" ، وذلك للتأكيدِ على ارتباطِ رَأفَةِ اللهِ بعبادِهِ معَ رحمتِهِ بِهِم. فهوَ ، سُبحانَهُ وتعالى ، "رَؤُوفٌ ، رَحِيمٌ" بالناسِ ، خاصةً الذينَ يؤمنونَ بِهِ ، ويُطيعونَ رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 143) ، كما كانَ رَؤُوفَاً رَحِيمَاً بالمهاجرينَ والأنصارَ ، الذينَ اتَّبَعُوا الرسولَ في ساعةِ العُسْرَةِ ، أي في غزوةِ تبوكٍ ، حيثُ شُقَّ عليهم السفرُ في حَرِّ الصيفِ ، ونالَ مِنهم الجوعُ والعطشُ (التَّوْبَةُ ، 9: 117).

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 143).

لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التَّوْبَةُ ، 9: 117).

ومِنْ مظاهرِ رأفةِ اللهِ ورحمتهِ بعبادِهِ أنهُ خلقَ لهم الأنْعَامَ ، التي يحملُ بعضُها أثقالَهم ، عندما يرتحلونَ مِنْ بلدٍ إلى آخرَ (النَّحْلُ ، 16: 7). كما أنهُ سَخَّرَ لهم ما في الأرضِ ، والفُلْكَ التي " تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (الْحَجُّ ، 22:65). وهوَ الذي أنزلَ القرآنَ الكريمِ على عبدهِ ورسولِهِ ، مُحَمَّدٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لِيُخْرِجَ الناسَ "مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" (الْحَدِيدُ ، 57: 9). وهوَ الذي يدعوهُ المؤمنون بهذا الاسم لِيَغْفِرَ لهم ولإخوانِهم الذين سبقوهم بالإيمان (الْحَشْرُ ، 59: 10). وهوَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بالناسِ عموماً ، حتى مَعَ الذين يمكرونَ السيئاتِ أو يفعلونها ، وذلكَ بأنهُ لا يُعَجِّلُ لهم العذابَ في هذهِ الدُّنيا ، مَعَ قدرتِهِ على ذلكَ ، جلَّ وعلا (النُّورُ ، 24: 20 ؛ النَّحْلُ ، 16: 47).

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (النَّحْلُ ، 16: 7).

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْحَجُّ ، 22: 65).

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْحَدِيدُ ، 57: 9).

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْحَشْرُ ، 59: 10).

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (النُّورُ ، 24: 20).

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (النَّحْلُ ، 16: 45-47).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ "الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ المؤمنونَ مِنْ قَبْلِنَا: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" (الْحَشْرُ ، 59: 10).

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفَاً ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي لا يُجَارِيهِ أحَدٌ في رأفتِهِ وعطفِهِ وإشفاقِهِ ورحمتِهِ على عِبادِهِ. ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الرَّؤوفِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لِيكونَ رؤوفاً ورحيماً لِمَنْ حولَهُ مِنَ الناسِ ، خاصةً لِمَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، فيعطفَ عليهم ، ويحرِصَ على مصالِحِهم ، وذلكَ تأسياً برسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي مدحَهُ رَبُّهُ ، جلَّ وعلا ، فوصَفًهُ بأنهُ رَؤُوفٌ ورَحِيمٌ بالمؤمنينَ ، ويَحْرِصُ عليهِم ، يُحِبُّ لَهُم الْخَيْرَ ، ويتألمُ لآلامِهِم ، كما جاءَ في كتابِهِ العزيزِ: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" (التَّوْبَةُ ، 9: 128).

121. الْغَنِيُّ

"الْغَنِيُّ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَنِيَ" ، الذي يَعني اكْتَفَى ، وَكَثُرَ مَالُهُ ، وَصَارَ ثَرِيًّا ، وَمَلَكَ مَا يَفِيضُ عَنْ حَاجَتِهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، سُبحانهُ وتعالى ، ليسَ بحاجةٍ لِأحَدٍ. فهوَ مالِكُ الكونِ كُلِّهِ ، بما فيهِ وبِمَنْ فيهِ ، يُعْطِي مِمَّا فيهِ لِمَنْ يشاءُ ، بِسَخَاءٍ لا يَقْدِرُ على مُجاراتِهِ أحَدٌ. ومَعَ أنهُ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ، فإنهُ يَرْضَى لعبادِهِ الإيمانَ بِهِ ، وأنْ يشكروهُ على نِعَمِهِ التي يُسبِغُهَا عليهِم ، ولا يَرْضى لهم الْكُفْرَ بِهِ ، والْجُحُودَ بِنِعَمِهِ التي لا تُحْصى.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فَجَاءَ مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هوَ "ذُو الرَّحْمَةِ" ، للتأكيدِ على رّحْمَتِهِ ، تباركَ وتعالى ، بخلقِهِ ، على الرغم مِنْ عدمِ حاجتِهِ إليهم. فهوَ ، جلَّ وعلا ، قادرٌ على إهلاكِ مَن يشاءُ مِنْ خلقِهِ ، وعلى استخلافِ غيرِهِم في الأرضِ (الأنْعَامُ ، 6: 133). وهوَ الذي ليسَ بحاجةٍ لأنْ يكونَ لهُ ولدٌ ، لأنَّ "َلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (يُونُسُ ، 10: 68). وهوَ ، تباركَ وتعالى ، غَنِيٌّ عنْ صدقاتِ الناسِ ، وإنما أمَرَهُم بها ، حتى يساعدوا المحتاجينَ لها منهم ، ويكافئهم عليها. أمَّا مَنْ يبخلْ ، ولا يُنْفِقُ في سبيلُ اللهِ ، فإنما يبخلْ عن نفسهِ ، بحرمانِها مِنْ الثوابِ في الآخِرَةِ (مُحَمَّدُ ، 47: 38).

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 133).

قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (يُونُسُ ، 10: 68).

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (مُحَمَّدُ ، 47: 38).

وجاءَ اسمُ "الْغَنِيِّ" مُعَرَّفَاً أيضاً في الآياتِ الخمسِ الأخرى ، ومَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْحَمِيدُ" ، وذلكَ لتذكيرِ الْخَلْقِ بِأنَّ اللهً ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ أهلٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ ، لِتَفَضُّلِهِ عليهِم بِنِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ، مَعَ أنهُ غنيٌّ عنهم. فلهُ "مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (الْحَجُّ ، 22: 64 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 26). أمَّا الناسُ ، فإنهم هم الفقراءُ إليهِ (لُقْمَانُ ، 31: 26). فهوَ الذي هيأ لهم ما يحتاجونَ إليهِ مما تُنبتُ الأرضُ ومما هو موجودٌ فيها. لذلكَ ، تَوَجَّبَ عليهِم الإنفاقَ مما آتاهم ، وألَّا يبخلوا بهِ أو يأمروا غيرَهم بِالْبُخْلِ (الْحَدِيدُ ، 57: 24). أمَّا المؤمنونَ حقاً ، فإنهم يعترفونَ بفضلِ اللهِ عليهِم ، ويحمَدونَهُ على ذلكَ ، ويتوكلونَ عليهِ ، مُتَأسِّيِينَ في ذلكَ بإبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، والذينَ آمنوا معهُ (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 6).

لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَجُّ ، 22: 64).

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (لُقْمَانُ ، 31: 26).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فَاطِرُ ، 35: 15).

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَدِيدُ ، 57: 24).

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 6).

كما َوَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، عَشْرَ مَرَّاتٍ ، في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. جاءَ في خمسٍ منها مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، هوَ "حَمِيدٌ" ، وذلكَ لتذكيرِ الْخَلْقِ بِأنَّ اللهً ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ أهلٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ ، لِتَفَضُّلِهِ عليهِم بِنِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ، مَعَ أنهُ غنيٌّ عنهم. فَهْوَ أهلٌ للحمدِ مِنَ الذينَ آتاهم مِنْ فضلهِ ، وذلكَ بطاعتِهِ فيما أمَرَهُم بهِ ، وهوَ أنْ ينفقوا مِنْ طيباتِ مَا كَسَبُوا ومما أخرجَ لهم مِنَ الأرضِ ، لا مِنْ الخبيثِ مِنْهُ. فإنْ لمْ يفعلوا ، فإنهم لا يَضُرُّوا إلًّا أنفسَهُم ، ولا يَضُرُّوهُ شيئاً ، فهو غَنِيٌّ عنهم ، وحَمِيدٌ مِنْ غيرِهِم مِنَ المؤمنينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 267). وَهْوَ ، تبارَكَ وتعالى ، أهلٌ للحمدِ مِنْ أهلِ الكتابِ ، على نِعْمَةِ إنزالِهِ للكتابِ عليهِم ، لكنهُ غنيٌّ عنهم إنْ همُ استحبوا الْكُفْرَ على الإيمانِ برسولهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلهُ "مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" ، بدلاً منهم (النِّسَاءُ ، 4: 131).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 267).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (النِّسَاءُ ، 4: 131).

كذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، كانَ أهلاً لِأنْ يَحْمَدَهُ بنو إسرائيلَ ، الذينَ نَجَّاهُم مِنْ فِرْعَوْنَ ، فعبدوا العجلَ بدلاً مِنْ عبادةِ ربِّهِم. فقالَ لهم موسى ، عليهِ السلامُ ، أنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنهم وعن مَنْ هُم "فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8). وهكذا ، فإنَّ "مَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ" ، لأنَّ ذلكَ يعودُ عليهِ بالثوابِ في الآخِرَةِ. أمَّا "َمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" (لُقْمَانُ ، 31: 12). فَمَنْ كفرَ برسالاتِ اللهِ ورُسُلَهُ ، لهم عذابٌ أليمٌ في الآخِرَةِ ، واللهُ ليسَ في حاجةِ لهم أو لأحدٍ غيرِهِم ، لأنهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٦﴾ (التغابن ، 64: 6).

وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8).

وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (لُقْمَانُ ، 31: 12).

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٥﴾‏ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٦﴾ (التغابن ، 64: 6).

وجاءَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "حَلِيمٌ" ، للإشارةِ إلى حِلْمِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، نحوَ خلقِهِ على الرغم مِنْ عدم حاجتِهِ إليهم. فجاءَ ذِكْرُهُ في سياقِ أمرِ اللهِ للمؤمنينَ بألَّا يُتْبِعُوا ما يُنفقونَ في سبيلَ الله مَنًّا وَلَا أَذًى. وبَشَّرَ مَنْ يفعلْ ذلكَ بالأجرِ مِنْ عندِهِ ، وبأنهُ لَا "خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 262). وهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، غَنِيٌّ عَنْ صدقاتِهِم ، ولكنهُ حَلِيمٌ بإرشادِهِ لهم ، بأنَّ القولَ المعروفَ والمغفرةَ "خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى" ( الْبَقَرَةُ ، 2: 263). كما جاءَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً ، مَعَ اسمٍ ثالِثٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "كَرِيمٌ" ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ كَرَمِ اللهِ ، عَزَّ وجَلَّ ، على نبيهِ سُلَيْمَانَ ، عليهِ السلامُ ، بأنْ آتاهُ ما لم يُؤتِ أحداً غيرَهُ ، فجعلَ في خدمتِهِ الذي كانَ عندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكتابِ ، وهوَ الذي تَمَكَّنَ مِنْ إحضارِ عرشِ مَلِكَةِ سبأٍ في طَرْفَةِ عينٍ (النَّمْلُ ، 27: 40).

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾‏ ۞ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴿٢٦٣﴾‏ (الْبَقَرَةُ ، 2: 262-263).

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (النَّمْلُ ، 27: 40).

وجاء هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُؤَكِّدَاً أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، ليسَ فقطْ غَنِيَّاً بِذاتِهِ عَنْ الناسِ ، وإنما عَنْ العالَمِينَ ، أي عَنْ جميعِ الخَلائقِ التي تسكنُ السماواتِ والأرضَ وما بينهُما (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24). فبالرغمِ مِنْ غِنَاهِ عَنْ عبادِهِ ، فإنَّهُ لا يَرْضَى لهُم الْكُفْرَ بِنِعَمِهِ عليهِم ، ولكنهُ يَرْضَى لهم أنْ يشكروهُ عليها (الزُّمَرُ ، 39: 7). وهكذا ، فَرَضَ على عِبادِهِ الْحَجَّ إلى بيتِهِ الحرامِ ، في مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ ، لِمنْ استطاعَ إليهِ سبيلاً. فإنْ فعلوا ، فَقَدْ فازوا بِرِضَاهُ ، ونالوا الثَّوابَ على ذلكَ. أمَّا مَنْ يكفرْ مِنْهُم ، "فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 97). وذلكَ يعني أنَّهُ "مَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ" (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 6) ، فينالُهُ الثوابُ على الإيمانِ والعملِ الصالحِ ، أو العقابُ على كُفرِهِ ، والعياذُ باللهِ. وختاماً ، فإنَّ اللهَ هوَ "أغْنَى وأقْنَى" (النَّجْمُ ، 53: 48) ، أي أنهُ أعطى المالَ وغيرَهُ مِنَ الْمُمْتَلَكَاتِ لٍمَنْ شاءَ مِنَ الناسِ ، لكنهُ يَبْقَى مَالِكَ الْمُلْكِ وَحْدَهُ ، لا إلهَ إلَّا هوَ ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (الزُّمَرُ ، 39: 7).

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 97).

وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 6).

وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (النَّجْمُ ، 53: 48).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" ، إنني أسألُكَ أنْ تتفضلَ عليَّ مِنْ نِعَمِكَ ، بما لا أسألُ عنهُ أحَداً غيرَكَ. اللهمَّ أنتَ الْغَنِيُّ ، ونحنُ الفقراءُ إليكَ ، فوفقنا إلى ما تحبهُ و ترضاهُ لنا ، مِنْ صالحِ الأعمالِ ، ومِنَ الرزقِ الحلالِ ، وسلامةِ النفسِ والبدنِ والعيالِ ، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ الذي لا يحتاجُ لأحَدٍ ، ولا يُجَارِيهِ أحَدٌ في العطاء لخلقِهِ أجمعينَ. ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الْغَنِيِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لِيَكُونَ دائمَ الْحَمْدِ والشُّكْرِ لِرَبِّهِ ، على نِعَمِهِ التي لا تُحصى. كما عليهِ أن يكونَ مُعْتَرِفَاً بالجميلِ لِمَنْ يُحْسِنُ إليهِ مِنَ الناسِ. وعليهِ أيضاً أنْ يكونَ كريماً ومِعطاءً لِمَنْ هم في حاجةٍ إليهِ ، سواءً كانَ هوَ في حاجَةٍ إليهم ، أم لم يكنْ ، وذلكَ اتباعاً لِسُنَّةِ اللهِ ، الْغَنِيِّ ، الذي يُسْبِغُ نِعَمِهِ على خَلْقِهِ ، معَ أنهُ ليسَ بحاجةٍ إلى أيِّ شيءٍ منهم. وعلى أيةِ حالٍ ، فإنَّ للفقراءِ حقٌ في ثرواتِ الأغنياءِ ، كما جاءَ في كتابِ اللهِ العزيزِ: "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ (المعارج ، 70: 24-25) ، وفي الحديثِ الشريف ، الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّم: أنَّهُ "من كان معه فضلُ ظهْرٍ فليعُدْ به على مَنْ لا ظهْرَ لَه ، ومن كان له فضلُ زادٍ فليعُدْ بِهِ على مَنْ لا زاد له." [155] 

122. نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ. أولاهما "نُورُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "نَارَ" ، الذي يعني: جَعَلَ الشَّيْءَ بَيِّنَاً ، وَاضِحَاً ، يُمْكِنُ إبْصَارُهُ وتَبَصُّرُهُ. وبإضافةِ الكلمتينِ الأخريين ، فإنَّ هذا الاسمَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ "نُورُ" السماواتِ والأرضِ ، الذي بَيَّنَ لِمَنْ فيهِنَّ الحُجَجَ والبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ على وَحْدَانِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ ، وَهَدَاهُم إلى مَعْرِفَةِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ. كما أنهُ ، جلَّ وعلا ، هُوَ نُورٌ بذاتِهِ ، ولكنْ ليسَ كما يَعْرِفُ خلقُهُ مِنْ الأنوارِ ، فهوَ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشُّورَى ، 42: 11).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، فِي مَطْلَعِ آيةِ النُّورِ ، التي تَضْرِبُ مَثَلاً لِتَوْضيحِ معناهُ. فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، "نُورٌ على نُورٍ" ، أيْ أنهُ نورُ السماواتِ والأرضِ ، ونُورُ الْهِدَايَةِ لعبادِهِ ، مِن خلالِ رسالاتِهِ لهم (النُّورُ ، 24: 35).

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (النُّورُ ، 24: 35).

وتتضِحُ معانيَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بِالتَّمَعُّنِ في تفاصيلِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ ، وبالاستنادِ إلى ما ذَكَرَهُ المفسرونَ الثلاثةُ ، جَزَاهَم اللهُ خيراً ، وشَمِلَهُم برحمتِهِ ، كما يلي:

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: أي أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، نُورٌ ، بَيَّنَ لِمَنْ فيهِنَّ الحُجَجَ والبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ على وَحْدَانِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ ، وَهَدَاهُم إلى مَعْرِفَةِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ. كما أنهُ ، نُورٌ ، جَعَلَ ما في السماواتِ والأرضِ بَيِّنَاً ، وَاضِحَاً ، يُمْكِنُ إبْصَارُهُ وتَبَصُّرُهُ. وقد أخبرنا بذلكَ أيضاً رسولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قالَ عَنْ رَبِّهِ: "رَأَيْتُ نُوراً." [156]

مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ: ضربَ اللهُ لنا مثلاً حتى نفهمَ نورَهُ ، عزَّ وجلَّ ، فقالَ إنهُ كمصباحٍ في كُوَّةِ جدارٍ ، حتى لا يتفرَّقَ نورُهُ.

 الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ: أيْ أنَّ المصباحَ مغلفٌ بزجاجةٍ شفافةٍ تسمحُ برؤيةِ ضوئِهِ ، وتُرَكِّزُهُ ، وتحميهُ مِنْ أنْ يُطفئَهُ الريحُ. والجديرُ بالملاحظةِ أنَّ المصابيحَ الكهربائيةَ التي نستخدمُها الآنَ مُحاطةٌ بغلافٍ زُجاجيٍ أيضاً.

الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ: وتَظهرُ الزجاجةُ الحاويةُ للمصباحِ وكأنها كوكبٌ لامعٌ ، عندما يَسقطُ عليهِ ضوءُ الشمسِ ، فينعكسُ مِن خلالِ غلافِهِ الجويِّ ، فنراهُ مُتلألئاً.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ: كرَّمَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، شجرةَ الزيتونِ بذكرِها هنا في آيةِ النورِ ، وفي خمسِ آياتٍ أخرى مِنَ القرآنِ الكريم. ووصفَها بأنها شجرةٌ مباركةٌ ، نظراً للفوائدِ العديدةِ التي تقدِّمُها للناس. فمنها يُستخرجُ الزيتُ الذي يُستعملُ في الطبخِ والإضاءةِ وتدليكِ الجلدِ وتغذيةِ جذورِ شعرِ الرأسِ وتنعيمِهِ. كما أنَّ ثِمارَها مفيدةٌ وفاتحةٌ للشهيةِ كَمُقَبِّلاتٍ للطعام. أما بذورُها ، فتُستعملُ كوقودٍ للنارِ ، لطهي الطعامِ وتسخينِ الماء. [157]

لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ: أيْ أنَّ شجرةَ الزيتونِ المباركةِ هيَ في أفضلِ موقعٍ مِنَ البستانِ. فهيَ تتوسطُهُ ، مما يجعلُها على مسافةٍ واضحةٍ تفصلُها عَنِ الأشجارِ الأخرى ، مما يُمكنُها مِنَ الحصولِ على ضوءِ الشمسِ طيلةَ اليومِ ، وعلى أكبرِ كميةٍ ممكنةٍ مِنَ الهواءِ ، وعلى ما يكفيها مِنَ العناصرِ المُغذيةِ مِنَ الأرض. وبالتالي ، فإنَّ هذهِ المزايا تُمكنُها مِنْ إنتاجِ أفضلِ زيتٍ ممكنٍ. ولو كانَ موقعُها في الحافةِ الشرقيةِ للبستانِ أو في الحافةِ الغربيةِ مِنْهُ ، لَحَرَمَها ذلكَ مِنَ الحصولِ على تلكَ المزايا ، وبالتالي لَمَا تمكنتْ مِنْ إنتاجِ أفضلِ الزيوت.

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ: ونتيجةً للموقعِ المثاليِّ لهذهِ الشجرةِ المباركةِ وما يتبعُ ذلكَ مِنْ مزايا ، فإنَّ زيتَ ثمارِها في صفائِهِ يكادُ يضيءُ ، حتى دونَ أنْ يشتعلَ بالنار.

نُورٌ عَلَى نُور: هذهِ إشارةٌ إلى نورِ النارِ ونورِ الزيتِ معاً ، كما أنها إشارةٌ إلى هدايةِ اللهِ ، عزَّ وجل ، للمؤمنينَ. فإيمانُهُم باللهِ نُورٌ ، وعليهِ نُورٌ آخَرَ ، هوَ نُورُ تَعَلُّمِ القرآنِ الكريمِ والعملِ به.

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ: نورُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ هديهٌ للبشريةِ ، مِنْ خلالِ رسالاتِهِ التي أرسلَها لِرُسِلِهِ ، عليهمُ السلامُ أجمعينَ ، وأتَمَّهَا بالقرآنِ الكريمِ ، الذي أنزلَهُ على خاتَمِ رُسُلِهِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلام.

واللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يهدي بنورِهِ مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ ، خاصةً الذينَ آمنوا منهُم وعملوا الصالحاتِ ، والطائعينَ لأوامرِهِ ، والتائبينَ له. فهؤلاءِ يَهديهِم ويُنِيرُ لهم طريقَهُم ، ولكنهُ لا يَهدي الظالمينَ ، والفاسقينَ ، والكافرينَ ، والذين يُصرُّونَ على كفرِهم. [158]

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ: حتى يُقرِّبَ المعنى لهم ، فَيَفْهَمُوا هَدْيَهُ ، عزَّ وجلَّ.

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (النُّورُ ، 24: 35).

وإجمالاً ، فَإنَّ آيةَ النورِ ، هِيَ آيةُ نورِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما قالَ ابنُ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما. وأضافَ المفسرونَ الثلاثةَ على أنها آيةُ نورِ المؤمنِ ، أيْ أنَّ نورَ اللهِ هوَ هدايةٌ للمؤمنينَ وتثبيتٌ لهم على إيمانِهِم بربِّهِم. وشُبهتْ الهدايةُ في هذا المثلِ الرَّبَّانيِّ بأنها كالمصباحِ ، وهو قلبُ المؤمنِ الذي يُضيئُهُ الإيمانُ بخالقِهِ وما يتعلمُهُ مِنَ القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المشرَّفةِ ، اللذَيْنِ يُمثلانِ مصدريْ الهدايةِ للمؤمنينَ ، تماماً مثلما يُمثلُ زيتُ الزيتونِ النقيِّ عندَ اشتعالِهِ بالنارِ مصدراً لضوءِ المصباحِ والنورِ الناتجِ عنهُ ، أي أنهُ "نورٌ على نور."

وأوردَ القرطبيُّ وصفَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للقرآنِ الكريمِ ، بأنهُ أنزلَهُ "نُورًا مُّبِينًا" ، وذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 174 مِنْ سورةِ النِّسَاءِ (4) ، كما وصفَ خاتمَ رُسُلِهِ ، محمداً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنهُ " نُورٌ" ، وذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 15 مِن سورةِ الْمَائِدَةِ (5). وهكذا ، فالمؤمنُ يتلمسُ الهدايةَ مِن نورِ كتابِ اللهِ ونورِ سُنةِ رسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلام. وأضافَ أنَّ نورَ اللهِ في قلبِ المؤمنِ يشبهُ زيتَ الزيتونِ في المصباحِ ، والذي يكادُ أنْ يضيءَ مِن شدةِ نقائهِ ، حتى دونَ أنْ تمسسهُ نارٌ. وهكذا ، يزدادُ إيمانُ المؤمنِ ويتعمقُ كلما تعلمَ أكثرَ مِنَ القرآنِ الكريم ، تماماً مثلَ ازديادِ نورِ زيتِ الزيتونِ عندما يشتعلُ بالنارِ ، فيصبحُ نوراً على نورٍ.

وذكرَ قولَ ابنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ عبارةَ "نُورٍ على نُورٍ" هي إشارةٌ لصالحِ الأعمالِ التي يقومُ بها المؤمنونَ ، والتي تعكسُ إيمانَهُم باللهِ ، عزَّ وجل. أما مُجَاهِدُ والسُّديُّ ، رضيَ اللهُ عنهما ، فذكرا أنها رُبما تعني نورَ اللهِ ونورَ المصباحِ ، أو نورَ النارِ ونورَ الزيتِ ، أو نورَ القرآنِ الكريمِ ونورَ الإيمانِ معاً. وذكرَ ابنُ كثيرٍ تفسيرَ أُبَيِّ ابنِ كعبٍ بأنها نورٌ مُضاعَفٌ للمؤمنِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ وموتهِ وبعثهِ.

والخلاصة ُأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، "نُورٌ على نورٍ" ، أيْ أنهُ نورُ السماواتِ والأرضِ ونورُ الهدايةِ لعبادِهِ ، مِن خلالِ رسالاتِهِ لهم ، التي أكملَها بالقرآنِ الكريمِ ، الذي أنزلهُ على خاتمَ ِ رُسُلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلام.

الأدِلَّةُ على مَعَانِيَ هَذَا الاسْمِ ، مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى ، مِنَ الْقُرْآنِ والسُّنَّةِ:

أولاً: "اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (النُّورُ ، 24: 35) ، وتُشْرِقُ الأرضُ بِنُورِهِ في اليومِ الآخِرِ (الزُّمَرُ ، 39: 60) ، وهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، "حِجابُهُ النُّورُ" ، كما ذَكَرَ لنا ذلكَ رَسُولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (الزُّمَرُ ، 39: 60).

عنْ أبي موسى الأشعريُّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قال: قامَ فِينا رَسولُ اللهِ ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ، بخَمْسِ كَلِماتٍ ، فقالَ: "إنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وجَلَّ ، لا يَنامُ ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ. يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. حِجابُهُ النُّورُ ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ." [159]

ثانياً: نُورُ اللَّهِ هُوَ الإسلامُ ، الدِّينُ الْحَقِّ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ:

أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الزُّمَرُ ، 39: 22).

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٣٢﴾‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾‏ (التَّوْبَةُ ، 9: 32-33).

يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (لصَّفُّ ، 61: 8).

ثالثاً: الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ السَّابِقَةُ ، كَالتَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ ، كَانَتْ نُوراً وهُدَىً لِلنَّبِيِّينَ وَالنَّاسِ ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ:

 إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا (الْمَائِدَةُ ، 5: 44).

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ (الأنْعَامُ ، 6: 91).

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (الْمَائِدَةُ 5: 46).

رَابِعَاً: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ نُورٌ وكِتَابٌ مُبِينٌ ، يهدي بِهِ اللهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عبادِهِ ، ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (النِّسَاءُ ، 4: 174).

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (الْمَائِدَةُ 5: 15).

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 157).

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الشُّورَى ، 42: 52).

فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (التَّغَابُنُ ، 64: 8).

ما قالَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَنْ مَعَانِيَ هَذَا الاسْمِ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ، "اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ":

فسرَ الطَّبَرِيُّ قولَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ" ، بأنهُ "هاديَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ ، فَهُم بنورِهِ إلى الحقِّ يهتدونَ ، وبِهُدَاهُ مِنْ حِيرَةِ الضلالةِ يعتصمونَ." واستشهدَ في ذلكَ بأقوالِ الصحابةِ ، رضيَ اللهُ عنهم. فأوردَ قولَ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ "الله سبحانه هاديَ أهلِ السماواتِ والأرضِ" ، وقولَ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ بِأنَّ نُورَ اللهِ هُوَ هُدَاهُ. وذكَرَ قولَ أُبَيٍّ بنِ كَعْبٍ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "بدأ بنورِ نفسهِ ، فذكرَهُ، ثُمَّ ذكرَ نورَ المؤمنِ. وأضاف ابنُ كَثِير على ما نقلَهُ الطَّبَرِيِّ قولَ السُّدِّيِّ: "فبنورِهِ أضاءتْ السماواتُ والأرضُ."

أمَّا الْقُرْطُبِيُّ ، فقالَ أنَّهُ يجوزُ "أنْ يُقَالَ: للهِ تعالى نورٌ ، مِنْ جهةِ المدحِ ، لأنهُ أوجدَ الأشياءَ ، ونَوَّرَ جميعَ الأشياءِ ، منهُ ابتداؤها وعنهُ صدورُها ، وهو سبحانُهُ ليسَ مِنَ الأضواءِ الْمُدْرَكَةِ ، جَلَّ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلًوَّاً كبيراً." وأضافَ الْقُرْطُبِيُّ ، نقلاً عَنْ مُجاهِدٍ والزُّهْريِّ ، أنَّهُ "بِهِ وبقدرتِهِ أنارتْ أضواؤها ، واستقامتْ أمورُها ، وقامتْ مصنوعاتُها . فالكلام على التقريب للذهن." ونقلَ عَنْ ابنِ عَرَفَةٍ والضَّحَاكِ والْقُرَظِيِّ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، "مُنَوِّرِ السماواتِ والأرضِ." كما نقلَ عَنْ مُجاهِدٍ قولَهُ أنَّهُ "مدبر الأمور في السماواتِ والأرضِ." وذكَرَ تفسيرَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ والْحَسَنِ وأبو الْعَالِيَةِ بأنَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، "مُزَيِّنُ السماواتِ بالشمسِ والقمرِ والنجومِ ، ومُزَيِّنُ الأرضِ بالأنبياءِ والعلماءِ والمؤمنينَ."

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ "نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا ، وفي لساني نورًا ، وفي بصري نورًا ، وفي سمعي نورًا ، وعن يميني نورًا ، وعن يساري نورًا ، ومن فوقي نورًا ، ومن تحتي نورًا ، ومن أمامي نورًا ، ومن خَلْفي نورًا ، واجعلْ لي في نفسي نورًا ، وأَعظِمْ لي نورًا." [160]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "نُورُ" السماواتِ والأرضِ ، الذي بَيَّنَ لِمَنْ فيهِنَّ الحُجَجَ والبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ على وَحْدَانِيَّتِهِ وإلاهِيَّتِهِ ، وَهَدَاهُم إلى مَعْرِفَةِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ. ولا يجوزُ تجزئةُ هذا الاسمِ أو إحداثُ أيِّ تغييرٍ فيهِ ، كما مرَّ بيانُهُ مِنْ قبلُ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لِيكونَ مُنِيرَاً وهَادِيَاً ووَاعِظَاً لِمَنْ حولَهُ ، بقولِ الحقِّ ، والدعوةِ إليهِ ، وإسداءِ النُّصحِ ، وتقدِيمِ العونِ ما أمكنَهً ذلكَ.

123. الْوَارِثُ

"الْوَارِثُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَرِثَ" ، الذي يعني حَصَلَ على الْوِرْثِ ، أي آلَتْ إليهِ أموالُ وممتلكاتُ أحدِ أقارِبِهِ ، بعدَ موتِهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هو الذي يرِثُ السماواتِ والأرضَ ، بعدما يموتُ خلقهُ فيها.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ للهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وذلك في سياقِ تذكيرِهِ لخلقِهِ بأنهُ هوَ الذي يُحْيي ويُمِيتُ ، وأنَّهُ لا محالةَ وَارِثٌ للسماواتِ والأرضِ بعدَ موتِ الذينَ يعيشونَ فيها (الْحِجْرُ ، 15: 23). كما جاءَ مَعَ ذِكْرِ أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الوارِثُ للقرى التي أهلكها ، بعدما بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا (الْقَصَصُ ، 28: 58).

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 23).

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 58).

وقد ذَكَرَ لنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، أنَّهُ سَيَرِثُ الأرضَ ومَنْ عليها (مَرْيَمُ ، 19: 40). وعندما يرجعُ إليهِ خلقُهُ للحسابِ في اليومِ الآخرِ ، فإنهُ سيسألُهم " لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ" ، فلا يستطيعَ أحدٌ الإجابةَ. فيجيبُ هوَ: " لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (مَرْيَمُ ، 19: 40).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

وَوَرَدَ هذا الاسمُ أيضاً في الإشارةِ إلى المؤمنينَ ، الذينَ وَصَفَهُم رَبُّهُم بأنهم "هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿١١﴾‏ (المؤمنون ، 23: 1-11). كما جاءَ كوعدٍ مِنَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ يَمُنُّ على المستضعفينَ في الأرضِ بأنْ يَجْعَلَهُم لها وارثينَ (الْقَصَصُ ، 28: 5).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾‏ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾‏ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾‏ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾‏ (المؤمنون ، 23: 1-11).

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 5).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ وَارِثُ السماواتِ والأرضِ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ ، إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿٨٣﴾‏ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴿٨٤﴾‏ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿٨٥﴾" (الشُّعَرَاءُ 26: 83-85).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "وَارِثُ السماواتِ والأرضِ." ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَارِثِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لِيكونَ مؤمناً صالحاً ، مُطَبِّقَاً للشروطِ التي ذَكَرَها اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، حتى يكونَ مِنْ الْوَارِثِينَ ، "الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (المؤمنون ، 23: 1-11).

وقد حثَّنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ ، على إيتاءِ الزكاةِ وبذلِ الصدقات ، في الحياةِ ، وقبلَ المماتِ ، حتى نقتني ثوابَ ذلكَ في الآخِرَةِ. أمَّا ما يترُكُهُ الناسُ بعدَ موتِهِم ، فهوَ للورثةِ يفعلونَ بهِ ما يشاؤونَ. فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "يقولُ العبدُ : مالي ، مالي ، وإِنَّ مِنْ مالِهِ ثلاثًا: ما أكل فأفْنَى ، أو لبِسَ فأبْلَى ، أو أعْطَى فأقْنَى. وما سِوَى ذلِكَ ، فهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ للناسِ." [161]

124. خَيْرُ الْوَارِثِينَ

"خَيْرُ الْوَارِثِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْوَارِثِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَرِثَ" ، الذي يعني حَصَلَ على الْوِرْثِ ، أي آلَتْ إليهِ أموالُ وممتلكاتُ أحدِ أقارِبِهِ ، بعدَ موتِهِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هو الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ لمخلوقاتِهِ في وِرَاثَتِهِ للسماواتِ والأرضَ ، بعدما يموتُ خلقُهُ فيها.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ عرضِ قصةِ زكريا ، عليهِ السلامُ ، الذي نادى رَبَّهُ بأنْ يَهَبَهُ ولداً معَ كِبَرِ سِنِّهِ وعُقْرِ زوجتِهِ ، حتى يَرِثَهُ ويَرِثَ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، بعدَ موتِهِ (مَرْيَمُ ، 19: 1-6). وتوجَّهَ بالدُّعاءِ إلى رَبِّهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى: "خَيْرُ الْوَارِثِينَ." فاستجابَ لهُ رّبَّهُ ، فأصلحَ لهُ زوجَهُ ، ووهبَ لهُ يحيى ، عليهِ السلامُ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 89-90).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

كهيعص ﴿١﴾‏ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾‏ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴿٦﴾‏ (مَرْيَمُ ، 19: 1-6).

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴿٨٩﴾‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴿٩٠﴾‏ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 89-90).

وتُبَيِّنُ لنا الآياتُ الكريمةُ معنى هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى. فهوَ ، جَلَّ وعلا ، "خَيْرُ الْوَارِثِينَ" ، بمعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ لمخلوقاتِهِ في وِرَاثَتِهِ للسماواتِ والأرضَ ، بعدما يموتُ خلقُهُ فيهما. فقد أخبرنا أنهُ أعدَّ "للمتقينَ" منهم جَنَّةً "عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133 ، مَرْيَمُ ، 61-63). وأكَّد ذلكَ مرَّةً أخرى ، بأنَّها ستكونُ "لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ" (الْحَدِيدُ ، 57: 21 ، الزخرف ، 43: 68-72). وبذلكَ ، فإنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هو "خَيْرُ الْوَارِثِينَ" للسماواتِ والأرضِ ، بجعلِها جَنَّةً لعبادِهِ المؤمنينَ المُتقينَ. فلا يُوجَدُ ما هوَ أفضلُ ولا أحسنُ ولا أنفعُ لهم مِنْ أنْ يجدوا ما تركوا مِنْ ورائهِم في حياتِهِم الدُّنيا وقد تحولَ إلى مكافأةٍ لهم ، بالخلودِ في الجَنَّةِ ، التي سَيَرَوْنَ فيها ما تَقَرُّ بِهِ أعيُنُهُم (السَّجْدَةُ ، 32: 17) ، و "ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ" ، كما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [162]

وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133).

سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴿٦١﴾‏ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿٦٢﴾‏ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ﴿٦٣﴾ (مَرْيَمُ ، 61-63).

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦٨﴾‏ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٦٩﴾‏ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿٧٠﴾‏ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٧١﴾‏ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧٢﴾ (الزخرف ، 43: 68-72).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ نَبِيُّكَ زكريا ، عليهِ السلامُ: "رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 89).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ " خَيْرُ الْوَارِثِينَ للسماواتِ والأرضِ وجميعِ خلقِهِ." ولكنْ يجوزُ لهُ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَارِثِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لِيكونَ مؤمناً صالحاً ، مُطَبِّقَاً للشروطِ التي ذَكَرَها اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، حتى يكونَ مِنْ الْوَارِثِينَ ، "الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (المؤمنون ، 23: 1-11). كما أنَّ عليهِ القيامَ بتربيةِ أبنائِهِ وتنشئتِهِم في طاعةِ اللهِ ، حتى يَرِثُوا منهُ خيرَ ما يُوَرَّثُ ، وهوَ الإيمانَ والتقوى ، بما يعودُ عليهِم بأقصى المنفعةِ والثوابِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.

125. خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

"خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمُنْزِلِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ ، في صيغةِ الجمعِ التعظيميةِ للهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أنْزَلَ" ، الذي يعني أحَلَّ شخصاً على الرَّحْبِ والسَّعَةِ ، وهَيَّأَ لهُ نُزُلَهُ ، وحَقَقَ لهُ رَجَاءَهُ وأمَلَهُ. كما يعني أنَّهُ جَعَلَ شيئاً يَهْبِطُ مِنْ أعلى إلى أسْفَلِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هو الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ لخلقهِ في الحياةِ الدُّنيا. ويشملُ ذلكَ ما أنزلَ عليهِم مِنْ الهدى ، مِنْ خلالِ رُسُلِهِ ورسالاتِهِ. ويشملُ أيضاً تهيئةَ البيئاتِ النافعةِ لهم ، بما في ذلكَ مِنْ خيراتِ الأرضِ ورزقِ السماءِ. أمَّا في الآخِرَةِ ، فإنَّ هذا الاسمُ يُشيرُ إلى المنزلةِ العاليةَ والنعيمِ المقيمِ ، اللذيْنِ أعدَّهما اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، للمؤمنينَ في جنةِ خُلْدِهِ ، والتي وصفَها بأنها ستكونُ "نُزُلاً" لهم (الْكَهْفُ ، 18: 107).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (الْكَهْفُ ، 18: 107).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ عرضِ قصةِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، الذي هيأَ لهُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، وللمؤمنينَ الذينَ كانوا معهُ ، النجاةَ مِنَ الطوفانَ ومِنَ القومِ الكافرينَ. ثُمَّ أوصاهُ بأنْ يَحْمَدَهُ على النجاةِ مِنَ القومِ الظالِمِينَ ، وبأنْ يدعوهُ راجياً أنْ يُنْزِلَهُ مُنزَلًا مُّبَارَكًا (المؤمنون ، 23: 28-29) ، أي في مكانٍ مبارَكٍ على الأرضِ ، ليعيشَ فيهِ والمؤمنينَ معهُ رَغَدَاً ، وذلكَ عِوَضَاً عنْ المكانِ الذي عاشوا فيهِ قبلَ الطوفانِ.

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٨﴾‏ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴿٢٩﴾‏ (المؤمنون ، 23: 28-29).

وقد ذُكِرَ الفعلُ "أنْزَلَ" والفعلُ "نَزَّلَ" ومُشْتَقَّاتُهُما 293 مَرّةً في القرآنِ الكريم ، جاءتْ في غالبيتِها العُظمى عَنْ إنْزَالِ القرآنِ الكريمِ والكتبِ السماويةِ الأُخرى لهدايةِ البشرِ. ويلي ذلك َفي الإشارةِ إلى إنزالِ الماءِ ، الذي جعلَ اللهُ منهُ كلَّ شيءٍ حيٍّ. وجاءَ ذلكَ أيضاً مَعَ ذِكْرِ أفضالِ اللهِ التي أنزلها على خَلْقِهِ عامةً ، وعلى المؤمنينَ منهم على وجهِ الخصوصِ. [163]

فقد أنزلَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، القرآنَ الكريمَ (البقرةُ ، 2: 285 ؛ الأنْعَامُ ، 6: 114 ؛ يُوسُفُ ، 12: 2) ، وأنزلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 3) ، وَمَا هدى بِهِ "إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ (البقرةُ ، 2: 136) ، ونصرَ المؤمنينَ ببدرٍ بأنْ أمدَّهم "بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِين" (آلِ عِمْرَانَ ، 123-124) ، وأنزلَ على بني إسرائيلَ الْمَنَّ والسَّلْوَى (الْبَقَرَةُ ، 2: 57) ، وأنزلَ مائدةً مِنَ السماءِ على رسولِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، والحواريينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 115) ، وأنزلَ "سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا" (التَّوْبَةُ ، 9: 26). وأنزلَ الماءَ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 68-69) ، الذي يحيا بِهِ خَلْقُهُ مِنْ إنسانٍ وحيوانٍ ونباتٍ. وأنزلَ الْحَدِيدَ "فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" (الْحَدِيدُ ، 57:25). وأنزلَ لَهُمُ الأنْعَامَ (الزُّمَرُ ، 39: 6).  [164]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ نوحٌ ، عليهِ السلامُ: "رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ"‏ (المؤمنون ، 23: 29).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ." كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ على علاقةٍ وثيقةٍ ودائمةٍ معَ رَبِّهِ ، وأنْ يتوجَهَ بالدُّعاءِ بهِ ، لطلبِ ما يأملُ ويرجو مِنْ رَبِّهِ أنْ يوفقهُ للوصولِ إليهِ. كما أنَّ عليهِ أنْ يُعْطِي لكلِّ ذي حَقٍ حَقَهُ ، وأنْ يكونَ عادِلاً في التعامُلِ معِ الناسِ ، مُتأسياً بِنَبِيِّ اللهِ ، يُوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، كما جاءَ في كتابِ اللهِ الكريمِ:

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (يوسف ، 12: 59).

126. فَالِقُ الْإِصْبَاحِ

"فَالِقُ الْإِصْبَاحِ" اسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما " فَالِقُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَلَقَ" ، الذي يعني شَقَّ أو شَطَرَ شيئاً ، كما جاءَ في وصفِ القرآنِ الكريمِ لِما حَدَثَ للبحرِ عندما ضربَهُ موسى ، عليهِ السلامُ ، بعصاه (الشُّعَرَاءُ ، 26: 63). و "الْفَلَقُ" اسمٌ مُشْتَقٌ مِنْ هذا الفعلِ أيضاً ، وهُوَ الصُّبْحُ عندما يَنْشَقُّ نُورُهُ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيل ، كما تَمَّ ذِكْرُهُ في الآية الأولى مِنْ سورةِ الْفَلَقِ (113). أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْإِصْبَاحُ" ، فَتَعْنِي الصُّبْحَ ، والصَّبَاحَ ، أي أوَّلَ النهارِ.

فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 63).

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (الْفَلَقُ ، 113: 1).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "فَالِقَ الْإِصْبَاحِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي شَقَّ نُورَ الصباحِ عَنْ ظُلْمَةِ الليلِ ، وأَبداهُ وأَظْهَرَهُ وأَوضحَهُ. فهوَ الذي خَلَقَ السماواتِ ، بما فيها السماءَ الدُّنيا ، بشموسِها وكواكِبِها. وخَلَقَ الأرضَ لِتَكُونَ مُناسِبَةً للحياةِ ، مِنْ خلالِ دورانِها المثاليِّ حولَ نفسِها وحولَ الشمسِ ، مما أدى إلى تَعَاقُبِ الليلِ والنهارِ ، وإلى انشقاقِ الصبحِ عَنْ عَتْمَةِ الليل.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ التذكيرِ بعظمةِ خَلْقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ ، في تقديرٍ بديعٍ لتكوينِهما ووظائِفهما. فَمِنْ خلالِ العلاقةِ بينَ الشمسِ والأرضِ ، ينشأُ الليلُ ليكونَ سكناً لخلقِ اللهِ ، ويعقبُهُ النهارُ ، الذي يقومونَ فيه إلى أنشطتِهِم وأعمالِهم ، بعدما يبدأُ نورُ الشمسِ في الانتشار. وذلكَ صُنْعُ اللهِ ، "فَالِقِ الْإِصْبَاحِ" ، الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنعام ، 6: 96).

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنعام ، 6: 96).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ موسى ، عليهِ السلامُ ، الذي "قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾‏ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾‏ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴿٢٧﴾‏ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾‏ "‏ (طَهَ ، 20: 25-28).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "فَالِقِ الْإِصْبَاحِ" ، نتيجةً لخلقِهِ للشمسِ والأرضِ والقمر. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ لصلاةِ الفجرِ ، لِيَحْمَدَ اللهَ ويَشْكُرَهُ على نِعْمةِ تعاقُبِ الليلِ والنهارِ ، الأمرُ الذي يتيحُ لهُ النومَ في الليلِ ، ثُمَّ النشاطَ والعملَ عندما ينتشرُ نورُ الصباحِ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، أوصى عبادَهُ بالعملِ ، في قولِهِ:

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 105).

127. فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ

"فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ" اسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كَلِمَاتٍ ، أولاهُما " فَالِقُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَلَقَ" ، الذي يعني شَقَّ أو شَطَرَ شيئاً ، كما جاءَ في وصفِ القرآنِ الكريمِ لِما حَدَثَ للبحرِ عندما ضربَهُ موسى ، عليهِ السلامُ ، بعصاهُ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 63). و "الْفَلَقُ" اسمٌ مُشْتَقٌ مِنْ هذا الفعلِ أيضاً ، وهُوَ الصُّبْحُ عندما يَنْشَقُّ نُورُهُ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيل ، كما تَمَّ ذِكْرُهُ في الآية الأولى مِنْ سورةِ الْفَلَقِ (113). أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَبُّ" ، أو "الْحُبُوبُ" ، ومُفْرَدُها حَبَّةٌ ، فهيَ تشيرُ إلى الْبُذُورِ الصغيرةِ التي استأنسها الإنسانُ ، مثلِ القمحِ والشعيرِ والذُّرَةِ والأرُزِّ والشًّوفَانِ. وهذهِ هي ثمارٌ بذاتِها ، وقد أصبحتْ جزءاً أساسياً مما يأكُلُ الناسُ. وتشيرُ الكلمةُ الثالثةُ ، "النَّوَىٰ" ، ومُفْرَدُها نَوَاةٌ ، إلى البذورِ التي تُوجَدُ داخلَ الفاكهةِ ، والتي لا تُؤكَلُ عادةً ، كتلكَ الموجودةِ في ثمارِ النخيلِ والزيتونِ والخوخِ والعنبِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ" يشيرُ إلى إحدى آياتِ الخلقِ ، وهيَ دورَةُ حياةِ النباتِ على الأرضِ. فعندما يتوفرُ الماءُ والهواءُ والضوءُ للبذرةِ ، فإنها تَنْفَلِقُ لِيَخْرُجَ مِنْ بينِ فلقتيْها ساقُ النباتِ ، الذي ينموا ويَكْبُرُ ، حتى ينتهي بهِ الحالُ إلى إنتاجِ الأوراقِ والأزهارِ والبذور ، ثُمَّ يموتُ بعدَ ذلكَ. لكنَّ الحياةَ تُبْعَثُ في تلكَ البذورِ مِنْ جديدٍ عندما تتوفرُ لها ظروفُ النموِّ مَرَّةً أخرى. وقد ضرَبَ اللهُ بدورةِ حياةِ النباتِ مثلاً على خلقِ الإنسانِ ومعيشتِهِ في الحياةِ الدُّنيا ، ثُمَّ بعثِهِ في الآخِرَةِ ، فقالَ تبارَكَ وتعالى:

وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  (الحج ، 22: 5).

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (نوح ، 71: 17).

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (طَهَ ، 20: 55).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ التذكيرِ بقدرتهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على إخْرَاجِ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ وإخْرَاجِ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. ففي حالةِ النباتِ ، فإنَّ البذرةَ التي لا حياةَ فيها ، أيْ لا حركةَ ولا نُمُوَّ فيها ، يَخْرُجُ منها النباتُ الْحَيُّ عندما تتوفرُ لهُ شروطُ النُّمُوِّ ، منْ تربةٍ وماءٍ وهواءٍ وضوءٍ. وهكذا ، ينمو ساقُ النباتِ ويَكْبُرُ ، وتَخْرُجُ منهُ الأوراقُ والأزهارُ والثمارُ.  ثُمَّ تنتهي دورةُ حياةِ النباتِ بخروجِ البذرةِ الميتةِ مِنَ النباتِ الحيَّ ، الذي يَصْفَرُّ ويصبحُ لا حياةَ فيهِ بعد ذلكَ. وكذا الحالُ بالنسبةِ للإنسانِ. فقد خلقهُ اللهُ مِنْ حيوانٍ مَنَوِيِّ وبويضةٍ ، لا حياةَ فيهما ، أي لا نُمُوَّ في كُلٍّ منهما مُنفَرِدَيْنِ. لكنَّ الحياةَ تَبْدَأُ فيهما بعدَ اتحادِهِما في نُطْفَةٍ واحدةٍ ، تَنْمُو وتكبُرُ وتصبحُ إنساناً حياً. وعندَ انقضاءِ أجلِهِ في الحياةِ الدُّنيا ، فإنهُ يموتُ ، ثُمَّ يبعثُهُ اللهُ في اليومِ الآخِرِ (الأنعام ، 6: 95).

إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (الأنعام ، 6: 95).

وقد بَيَّنَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، لنا كيفيةَ بَعْثِ الإنسانِ في اليومِ الآخِرِ ، وذلكَ بتشبيههِ بالنباتِ الذي يَخْرُجُ مِنَ الأرضِ عندما ترتوي بُذُورُهُ بالماءِ (الحج ، 22: 5 ؛ نوح ، 71: 17 ؛ طَهَ ، 20: 55). وذلكَ يعني أنهُ حتى بعدَ تحللِ وذهابِ جسدِ الإنسانِ ، بعدَ الموتِ ، تَبْقَى مِنْهُ بعضُ الخلايا التي لا تزولُ ولا تندثرُ ، وتكونُ بمثابةِ البذرةِ التي سينمو منها ، في يومِ البعثِ ، تماماً مثلما ينمو النباتُ.

كما أخبرَنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ على الرغمِ مِنْ تحللِ الجسدِ الإنسانيِّ بعدَ الموتِ ، إلَّا أنَّ عناصرَهُ الأساسيةَ تبقى في الأرض ، وأنها مدونةٌ بصفاتِها ومقاديرِها الدقيقةِ في كتابٍ حفيظٍ (ق ، 50: 4). وهكذا ، يخرُجُ جسدُ الإنسانِ مِنَ الأرضِ ، في يومِ البعثِ ، بصفاتِهِ ومقاديرِهِ الدقيقةِ ، بعدما ينزلُ عليهِ الماءُ ، أي بنفسِ الطريقة التي يخرُجُ فيها النباتُ (ق ، 50: 9-11).

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴿١﴾‏ بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٢﴾‏ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿٣﴾‏ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴿٤﴾ (ق ، 50: 4).

وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴿١٠﴾‏ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾ (ق ، 50: 9-11).

كذلكَ أخبرنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، عْنْ البذرةِ التي يُبْعَثُ منها الإنسانُ في اليومِ الآخِرِ ، فقالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ ، وَفِيهِ (ومنهُ) يُرَكَّبُ." وقالَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في حديثٍ آخَرَ: "إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا ، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ." [165]

والجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ بعضَ الباحثينَ قد توصلوا إلى معرفةِ ذلكَ الجزءٍ مِنْ جسدِ الإنسانِ ، الذي لا تتغيرُ خلاياهُ بالسحق أو حتى بالنارِ ، وهوَ "عَجْبُ الذَّنَبِ" ، أو "الْعُصْعُصُ" ، الذي يُوجَدُ في نهاية عَظْمَةِ ذيلِ الإنسانِ ، والذي يشيرُ إليهِ الباحثونَ في اللغةِ الإنكليزيةِ باسمِ (the “primitive streak,” or the coccyx bone). ويبدو أنَّ بعضَ خلاياهُ لا تَبْلَى ، وتبقى وكأنها الخليةَ الأصليةَ للإنسانِ ، أو البذرةَ التي تحتفظُ بالصبغةِ الوراثيةِ له حتي يومِ البعثِ ، عندما ينمو منها جسدُهُ ، ويخرُجُ مِنَ الأرضِ. [166]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ" ، إنني أدعوكَ بما دعاكَ بهِ رسولُكَ الكريمُ محمدٌ ، عليهِ الصلاةُ السلامُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا معاشِي ، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتي الَّتي فِيهَا معادِي ، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لي مِن كُلِّ شَرٍّ." [167]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ" ، وخالقُ الموتِ والحياةِ . كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يتذكرَ دائماً بأنَّ الحياةَ الدُّنيا ما هي إلَّا اختبارٌ وابتلاءٌ ، وأنَّ النجاحَ فيها مرهونٌ بالإيمانِ والعبادةِ وصالحِ الأعمالِ ، فيعملُ لذلكَ ما استطاعَ حتى يفوزَ بما وَعَدّ اللهُ عبادَهُ الصالحينَ ، ألا وهيَ جَنَّةَ خُلْدِهِ.

128. شَدِيدُ الْمِحَالِ

شَدِيدُ الْمِحَالِ اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "شَدِيدُ" ، وهي اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "شَدَّ" الذي يعني "قَوَّى" و "مَتَّنَ" و "تَحَكَّمَ بِزِمَامِ الأمُورِ" ، أيْ أنَّ "الشَّدِيدَ" هوَ الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْمُتَحَكِمُ بِزِمَامِ الأمُورِ وتَدْبِيرِهَا. وجاءَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قالَ عَنْ داودَ ، عليهِ السلامُ ، "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" (ص ، 38: 20) ، أي جعلهُ قوياً.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمِحَالُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "مَحُلَ" ، الذي يعني "عَاقَبَ" و "كَادَ" و "مَكَرَ" ، ودَبَّرَ ، أي أنَّ "الْمِحَالَ" هوَ الْعِقَابُ والْكَيْدُ والتَّدْبِيرُ. وهكذا ، فإنَّ شَدِيدَ الْمِحَالِ ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي لهُ أقصى الْحَوْلِ والْقُوَّةِ ، مِمَّا يتجلَّى في قُدْرَتِهِ على الِعِقَابِ ، والتَحَكِّمِ بِزِمَامِ الأمُورِ في ملكوتِهِ العظيم ، وهوَ الْقويٌ في تصديهِ لِكَيْدِ ومَكْرِ العُصاةِ الكافرينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ التذكيرِ بِعَظَمَةِ وَقُوَّةِ وَقُدْرَةِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى. فهوَ الذي خَلَقَ الأرضَ وجعلها مُنَاسِبَةً للحياةِ ، بأنْ خَلَقَ فيها نظاماً لدورةِ الماءِ ، الذي جَعَلَ مِنْهُ "كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 30). فَالسَّحَابُ الثِّقَالُ تنشأُ نتيجةً للتفاعُلِ بينَ الشمسِ ومصادرِ المياهِ على الأرض ، مِنْ بِحارٍ وبحيراتٍ وأنهارٍ. ثُمَّ يحدثُ البرقُ والرعدُ والصواعِقُ نتيجةً للتفاعُلِ بينَ السَّحَابِ الثِّقَالِ والهواءِ والأرضِ ، مما يؤدي إلى خيرٍ كثيرِ لِلْخَلْقِ ، أو إلى مصائبَ وكوارِثَ عظيمةٍ تَحِلُّ على مَنْ يشاءُ مِنْهُم. وهذهِ كُلُّها مِنْ آياتِ إلاهيتِهِ وربوبيتِهِ لِخَلْقِهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، شَدِيدُ الْمِحَالِ (الرَّعْدُ ، 13: 12-13).

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾‏ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾‏ (الرَّعْدُ ، 13: 12-13).

ومِنَ الجديرِ بالذِّكْرِ أنَّ هذا الاسمَ الْمُرَكَّبَ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، قد جاءَ ذِكْرُهُ مَعَ ذِكْرِ كلمةِ "الرَّعْدِ" ، في الآيةِ الثالثةِ عَشْرَةِ ، مِنْ سُورَةِ "الرَّعْدِ" ، وهيَ أيضاً السُّورَةُ الثَّالثةُ عَشْرَةُ في ترتيبِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ. ويُعَدُّ ذلكَ مِنْ شواهِدِ الإعجازِ العدديِّ في القرآنِ الكريمِ. فقد كانَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أمِّيَاً ، لا يعرِفُ القراءةَ والكتابةَ ، وبالتالي فلم يكنْ بمقدورِهِ أنْ يُرَتِّبَ آياتِ كتابِ اللهِ بمثلِ ذلكَ الإعجازِ العدديِّ. وإنما كانَ ذلكَ وحياً مِنَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، عَنْ طريقِ " شَدِيدِ الْقُوَىٰ" ، جبريلَ ، عليهِ السلامُ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 48 ؛ النَّجْمُ ، 53: 3-5).

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 48).

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾‏ (النَّجْمُ ، 53: 3-5).

وهناكَ أمثلةٌ عديدةٌ أُخرى عَنْ الإعجازِ العدديِّ في القرآنِ الكريمِ ، كالإشارةِ إلى عددِ أبناءِ يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، الاثني عَشْرَ ، أي يُوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، وأخوتُهُ الأحَدَ عَشَرَ ، وذلكَ في سُورَةِ يُوسُفَ ، وهيَ أيضاً السُّورَةُ الثانيةُ عَشْرةُ في ترتيبِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ (يُوسُفُ ، 12: 4). كما أنَّ هناكَ إشارةً إلى التماثُلِ بينَ آدَمَ وعيسى ، عليهما السلامُ ، في أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد خَلَقَهُمَا في الأصلِ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ قالَ لكلٍ منهما "كُنْ" ، فَكَانَ. وهناكَ تماثلٌ آخَرَ بينهما يتلخصُ في أنَّ اسمَ كُلٍ منهما قد ذُكِرَ خَمْسَاً وعِشْرِينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 54). وبالمثلِ ، ذُكِرَتْ كلمةُ "الْحَدِيدِ" في الآيةِ الخامسةِ والعشرينَ مِنْ سُورَةِ "الْحَدِيدِ" ، وهيَ السُّورَةُ السَّابِعَةُ والْخمْسُونَ في ترتيبِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ (الْحَدِيدُ ، 57: 25). ومِنْ المدهشِ حقاً أنَّ العلماءَ قد اتفقوا على أنَّ الوزنَ الذَّرِّيَّ لِلْحَدِيدِ هوَ أيضاً 57 تقريباً. [168]

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، اهتم بعضُ الباحثينَ بالعددِ تِسْعَة عَشَر بشكلٍ خاصٍ ، والذي جاءَ في الإشارةِ إلى الملائكةِ المُكَلَّفينَ بِنَارِ جَهَنَّمَ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 30). فاكتشفَ هؤلاءِ الباحثونَ أنَّ هذا العددَ يُقدِّمُ دليلاً على النظامِ العدديِّ الدقيقِ ، الموجودِ في القرآنِ الكريم ، ولكنْ دونَ مُغالاةٍ أو شططٍ في تطبيقِهِ ، كما فعلَ بعضُهُم. فمثلاً ، تتكونُ الآيةُ الأولى مِنْ كتابِ اللهِ ، وهيَ الْبَسْمَلَةُ ، مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ حرفاً. وتكمنُ أهميةُ البسملةِ في أنها تُذْكَرُ في بدايةِ كُلِّ سورةٍ ، ما عدى سورةَ التَّوْبَةِ (9). كما أنها تُذْكَرُ في داخلِ سورةِ النَّمْلِ أيضاً. وهناكَ إعجازٌ عدديٌّ آخَرَ للعددِ تِسْعَة عَشَر ، يتمثلُ في أنَّ اسْمَيْ آدَمَ وعِيسَى ، عليهما السلامُ ، يتكررانِ تِسْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً مِنْ أولِ كتابِ اللهِ حتى سورةِ مَرْيَمَ ، وهيَ السورةُ التَّاسِعَةُ عَشْرَةُ فيه. [169]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ، قَوِيٌ في عقابِكَ ، وفي تصديكَ لِكَيْدِ ومَكْرِ العُصاةِ الكافرينَ. اللهمَّ اكفني شرَّهم ، واجعلني في حمايتِكَ ورحمتِكَ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القَوِيُ في عقابِهِ للعُصاةِ ، والْمُتَحَكِّمٌ بِزِمَامِ الأمُورِ في ملكوتِهِ العظيم ، والْقويٌ في تصديهِ لِكَيْدِ ومَكْرِ الكافرينَ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ شديداً في التزامِهِ بطاعةِ اللهِ ، وفي التحكمِ بنفسهِ وأهوائها ، وخاصةً عندَ الغضبِ. فكما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ." [170]

129. شَدِيدُ الْعِقَابِ

"شَدِيدُ الْعِقَابِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "شَدِيدُ" ، وهي اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "شَدَّ" الذي يعني "قَوَّى" و "مَتَّنَ" و "تَحَكَّمَ بِزِمَامِ الأمُورِ" ، أيْ أنَّ "الشَّدِيدَ" هوَ الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْمُتَحَكِمُ بِزِمَامِ الأمُورِ وتَدْبِيرِهَا. وجاءَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قالَ عَنْ داودَ ، عليهِ السلامُ ، "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" (ص ، 38: 20) ، أي جَعَلَهُ اللهُ قوياً.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، " الْعِقَابُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَاقَبَ" ، الذي يعني أوْقَعَ جَزَاءً بشخصٍ ، أو اقْتَصَّ مِنْهُ لارتكابِهِ ذنباً أو معصيةً أو جُرْمَاً. كما أنَّهُ في صيغتِهِ الثُلاثِيَةِ ، "عَقِبَ" ، يُفيدُ التعاقُبَ ، أي حُدُوثَ شَيءٍ بعدَ شيءٍ آخَرَ ، أي أنَّ الْعِقَابَ يأتي بعدَ حدوثِ الْجُرْمِ ، والإصرارِ عليهِ.

وهكذا ، فإنَّ "شَدِيدَ الْعِقَابِ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، قَوِيٌ في عِقَابِهِ للذينَ يُصِرُّونَ على كفرِهِم وذنوبِهِم وعِصْيانِهِم وإجرامِهِم ، أيْ أنهُ مُنْزِلٌ عِقَابَهُ فيهِم ، لا محالةٍ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ وَعِيدِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ للذينَ لا يتقونَ اللهَ ، ويعصونَ أوَامِرَهُ (الْبقرةُ ، 2: 196 ؛ الْحَشْرُ ، 59: 7) ، والذينَ يُبَدِّلُونَ آياتِهِ (الْبقرةُ ، 2: 211) ، والذينَ يُكَذِّبُونها (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 11) ، والذينَ يَتَعَاوَنُونَ "عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (الْمائِدَةُ ، 5: 2) ، والذين يُشَاقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (الأنْفَالُ ، 8: 13 ؛ الْحَشْرُ ، 59: 4) ، والظالِمِينَ الذين يسعونَ في الفتنةِ (الأنْفَالُ ، 8: 25) ، والَّذِينَ "خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (الأنْفَالُ ، 8: 48-47) ، والذينَ ” كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ" (الأنْفَالُ ، 8: 52) ، والذينَ "كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا" بها (غَافِرُ ، 40: 22).

وعلى الرَّغِمِ مِنْ أنَّ اللَهَ ، عّزَّ وَجَلَّ ، شَدِيدُ الْعِقَابِ ، إلا إنَّهُ غَافِرُ الذَّنبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ (غَافِرُ ، 40: 3) ، وهوَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الْمائِدَةُ ، 5: 98) ، وهوَ ذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ (الرَّعْدُ ، 13: 6). وفي ذلكَ تشجيعُ وتذكيرٌ للناسِ بأنْ يَسْعَوْا إلى الإقلاعِ عن المعاصي ، وطلبِ المغفرةِ والتوبةِ والرَّحمةِ منهُ ، حتى يتجنبوا عِقابَهُ الشَّدِيدِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

حم ﴿١﴾‏ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾ (غَافِرُ ، 40: 1-3).

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الْمائِدَةُ ، 5: 98).

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (الرَّعْدُ ، 13: 6).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. احمنا مِنْ كيدِ الطغاةِ والعُصاةِ والظالمينَ والكافرينَ ، وأدخلنا في رحمتكَ وجنتكَ ، التي أعددتَها لعبادِكَ الصالحينَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القَوِيُ في عِقَابِهِ للكافرينَ والمشركينَ والعُصاةِ والذينَ يمكرونَ السيئاتِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم. وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جُهْدِهِ ليكونَ قوياً في ثباتِهِ على الحقِّ ، وفي نُصرتِهِ لهُ ، قولاً وفعلاً.

130. شَدِيدُ الْعَذَابِ

"شَدِيدُ الْعَذَابِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "شَدِيدُ" ، وهي اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "شَدَّ" الذي يعني "قَوَّى" و "مَتَّنَ" و "تَحَكَّمَ بِزِمَامِ الأمُورِ" ، أيْ أنَّ "الشَّدِيدَ" هوَ الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْمُتَحَكِمُ بِزِمَامِ الأمُورِ وتَدْبِيرِهَا. وجاءَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قالَ عَنْ داودَ ، عليهِ السلامُ ، "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" (ص ، 38: 20) ، أي جعلهُ اللهُ قوياً.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْعَذَابُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَذَّب" ، الذي يعني ألْحَقَ الأذى والألَمَ والنِّكَالَ بشخِصٍ ما ، ويشملُ ذلكَ كُلَّ ما شَقَّ عَلَى الإنسانِ ، نفسياً وجسدياً. وهكذا ، فإنَّ "شَدِيدَ الْعَذَابِ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، قَوِيٌ في إنزالِ الأشكالِ المختلفةِ مِنَ العذابِ على الظالمينَ والعُصاةِ والمشركينَ والكافرينَ ، عقاباً لهم على ما يقترفونَهُ مِنْ ذنوبٍ وآثامٍ ، في الحياةِ الدُّنيا.

فقد توعدَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ في الدُّنيا والآخِرَة كُلاً مِنَ الذينَ كفروا (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 56) ، "وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ" (فَاطِرُ ، 35: 10) ، والذينَ جعلوا "مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ" (ق ، 50: 26) ، والْقُرَى التي "عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ" (الطَّلَاقُ ، 65: 8-10). [171]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ المقارنةِ بينَ فئتينِ مِنَ الناسِ. تتمثلُ الفئةُ الأولى بالمؤمنينَ ، الذينَ وَصَفَهُم الله بأنهم " أَشَدُّ حُبًّا" لهُ. أمَّا الفئةُ الثانيةُ ، فتضُمُّ أولئكَ الذينَ ظلموا أنْفُسَهُم باتخاذِهم "مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ." فهؤلاء سيعذبُهم اللهُ عذاباً شديداً في الآخِرَةِ ، حيثُ تكونُ القوةُ لهُ جميعاً. أمَّا هُم ، فلنْ يكونَ لهم حولٌ ولا قوةٌ (البقرةُ ، 2: 165).

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (البقرةُ ، 2: 165).

وَوَصَفَ اللهُ ، عَزَّ وجلَّ ، عذابَهُ للظالمينَ والعُصاةِ والمشركينَ والكافرينَ بأنهُ عَظِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 7) ، وأليمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 10) ، ومُهينٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 90) ، وشديدٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 4) ، ومُقيمٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 37) ، وبَئِيسٌ (الأعْرَافُ ، 7: 165) ، وغليظٌ (هُودُ ، 11: 58) ، وَنُكْرٌ (الْكَهْفُ ، 18: 87) ، وكبيرٌ (الْفُرْقَانُ ، 25: 17) ، وواصِبٌ (الصَّافَّاتُ ، 37: 9) ، ومُسْتَقِرٌ (الْقَمَرُ ، 54: 38) ، ووَاقِعٌ (الْمَعَارِجُ ، 70: 1) ، وصَعَدٌ (الْجِنُّ ، 72: 17).

كما وصفهُ ، جَلَّ وعَلا ، بأنهُ عَذَابُ الْخِزْيِّ (يونُسُ ، 10: 98) ، والهَوْنِ (فُصِّلَتْ ، 41: 17) ، والسَّمُومِ (الطُّورُ ، 52: 27) ، والنَّارِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 126) ، والحريقِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 181) ، والسَّعِيرِ (الْحَجُّ ، 22: 4) ، والْجَحِيمِ (غَافِرُ ، 40: 7) ، وجَهَنَّمَ (الْفُرْقَانُ ، 25: 65). وهُوَ الْعَذَابُ الأكْبَرُ (السَّجْدَةُ ، 32: 21) ، وعَذَابُ الآخِرَةِ (الزُّمَرُ ، 39: 26) ، والخُلْدِ (يُونُسُ ، 10: 52) ، وعَذَابُ يومٍ عظيمٍ (الأنْعَامُ ، 6: 15) ، ويومٍ كَبِيرٍ (هُودُ ، 11: 3) ، ويومٍ ألِيمٍ (هُودُ ، 11: 26) ، ويومٍ مُحِيطٍ (هُودُ ، 11: 84) ، ويومٍ عَقِيمٍ (الْحَجُّ ، 22: 55).

ومِنْ أمثلةِ ألوانِ العذابِ ، التي ذُكِرَت في القرآنِ الكريمِ ، الْجَلْدُ (النُّورُ ، 24: 2) ، والحرقُ في النار (الأعرافُ 7: 38-39) ، وحَرْقُ الْجِلْدِ وتبديلُهُ لِيُحْرَقَ مِنْ جديدٍ (النِّسَاءُ ، 4: 56) ، وشجرةِ الزَّقُومِ ، طعامِ الأثيمِ (الدُّخَانُ ، 44: 43-48).

وذَكَرَ اللهُ ، عَزَّ وجَلَّ ، أنواعاً أخرى مِنَ العذابِ ، التي أهلَكَ بها المكذبينَ لِرُسُلِهِ. فعذَّبَ قومَ نُوحٍ بالغرقِ في فَيَضَانٍ عظيمٍ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 76-77) ، وعَاداً "بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ" (الْحَاقَّةُ ، 69: 6) ، وثَمُودَ بالصاعقةِ (فُصِّلَتْ ، 41: 17) ، وقومَ لوطٍ بالزلزال وبحجارةِ مِنْ سِّجِّيلٍ مَّنضُودٍ (هُودُ ، 11: 82) ، وقومَ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ والصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 189 ؛ هُودُ ، 11: 94 ؛ الأعْرَافُ ، 7: 91) ، وفِرْعَوْنَ ومَلَأَهُ بالطُّوفَانَ وَالْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ (الأعْرَافُ ، 7: 133) ، وفِرْعَوْنَ وجنودَهُ بالغرقِ في البحرِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 50 ؛ الْقَصَصُ ، 28: 40).

وتجدرُ الإشارةُ هنا إلى أنَّ ذِكْرَ ما وقعَ مِن عذابٍ للذينَ أجرموا في الدُّنيا ، وما سيقعُ لأمثالِهِم في الآخِرَةِ ، إنما يهدفُ إلى تخويفِ العبادِ (الإسْرَاءُ ، 17: 59) ، حتى يتجنبوا عقابَ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وحتى تستقيمَ لهم الحياةُ الدُّنيا ، ويفوزوا بجزيلِ الثوابِ في الآخِرَةِ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ليسَ بحاجةٍ لعذابِهم (النِّسَاءُ ، 4: 147) ، ولا يعذِّبُ أحداً إلا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ ، مِنْ خلالِ رسالاتِهِ ورُسُلِهِ (الإسْرَاءُ ، 17: 15). [172]

وقد بَيَّنَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بشاعةَ وفظاعةَ الذنوبِ التي نهانا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عنْ ارتكابِها ، وذلكَ منِ خلالِ وصفةِ لِما شاهدَهُ في رحلةِ الإسراءِ والمعراجِ. فقد شاهدَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُوم النَّاس وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضهمْ ، والَّذِينَ يَأْتُونَ الْحَرَام وَيَتْرُكُونَ الْحَلَال ، والْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ ، والَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ، والزُّنَاةَ مِنَ الرِّجَالِ والنساءِ ، والَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ، والَّذِينَ يَتَثَاقَلُونَ عَنْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ، والَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهمْ ، والذينَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيق فَيَقْطَعُونَهَا ، والرَّجلَ الذي عَلَيْهِ أَمَانَاتٍ للنَّاسِ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ المزيدَ عَلَيْهَا ، وخُطَبَاءَ الْفِتْنَةِ ، والرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدّهَا. كما سَمِعَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، جَهَنَّمَ تطلبُ مِنْ رَبِّها أنْ يأتِيَها بِما وعدَها مِنَ المجرمينَ ، وسَمِعَ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، يُجِيبُها إلى طلبِها. [173]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ شَدِيدُ الْعَذَابِ”. "رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا" (الْفُرْقَانُ ، 25: 65).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القَوِيُ في عذابِهِ للكافرينَ والمشركينَ والعُصاةِ والذينَ يمكرونَ السيئاتِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جُهْدِهِ ليكونَ قوياً في ثباتِهِ على الحقِّ ، وفي نُصرتِهِ لهُ ، قولاً وفعلاً. وقد حثَّ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، المؤمنَ أن يكونَ قوياً ، في قولِهِ: "المُؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعيفِ ، وفي كلٍّ خيرٌ." [174]

131. ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ

"ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍأسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ ، أولها "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ." أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "عِقَابُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَاقَبَ" ، الذي يعني أوْقَعَ جَزَاءً بشخصٍ ، أو اقْتَصَّ مِنْهُ لارتكابِهِ ذنباً أو معصيةً أو جُرْمَاً. كما أنَّهُ في صيغتِهِ الثُلاثِيَةِ ، "عَقِبَ" ، يُفيدُ التعاقُبَ ، أي حُدُوثَ شَيءٍ بعدَ شيءٍ آخَرَ ، أي أنَّ الْعِقَابَ يأتي بعدَ حدوثِ الْجُرْمِ ، والإصرارِ عليهِ.

وبالنسبةِ للكلمةِ الثالثةِ في هذا الاسمِ ، أيْ "ألِيمُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "ألِمَ" ، الذي يعني توجعَ وقاسى ، نفسياً أو جسدياً. أي أنَّ الألمَ هوَ الْوَجَعُ الذي يعانيهِ مَنْ يقعُ عليهِ ذلكَ. وهكذا ، فإنَّ "ذا عِقَابٍ أَلِيمٍ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هوَ الذي يُنْزِلُ العِقابَ الْمُوجِعَ بالذينَ يُصِرُّونَ على إجرامِهم ،  مِنَ الطُّغاةِ والعُصاةِ والمشركينَ والكافرينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ وعيدِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، للذينَ كفروا بكتابِهِ العزيز ، الذي " لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ." فبينما هوَ "ذُو مَغْفِرَةٍ" للمؤمنينَ ، المستغفرينَ والتائبينَ ، فإنهُ "ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ" للذينَ يُصِرُّونَ على كُفْرِهِم (فُصِّلَتْ ، 41: 41-43).

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴿٤١﴾‏ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿٤٢﴾‏ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴿٤٣﴾‏ (فُصِّلَتْ ، 41: 41-43).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ، أنتَ القادرُ على عِقابِ العُصاةِ الأشرارِ مِنْ شياطينِ الجنِّ والإنسِ ، والتصدي لِكَيْدِهِم ومَكْرِهِم. اللهمَّ اكفني شرَّهُم ، واجعلني في حمايتِكَ ورحمتِكَ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القادرُ على إنزالِ عقابِهِ الأليمِ على المُجرمينَ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ ما في وسعهِ لِيعيشَ في طاعةِ اللهِ ، وفي كَنَفهِ ، حتى يفوزَ بِرَحْمَتِهِ ، ويتجنبَ عقابَهُ الأليمِ.

132. ذُو انتِقَامٍ

"ذُو انتِقَامٍ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ." أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "انتِقَامُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ الرُّبَاعِيِّ ، "انْتَقَمَ" ، الذي يعني "عَاقَبَ ، وأخَذَ بِالثَّأرِ مِنْ شَخْصٍ مَا." ويُضِيفُ الفعلُ الثُلاثِيُّ ، "نَقَمَ" ، معنيً قريباً ، هُوَ: "اشتدّ سَخَطُهُ على شخصٍ."

وهكذا ، فإنَّ "ذُا انتِقَامٍ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هوَ الْمُنْتَقِمُ مِنَ المجرمينَ ، مِنْ طُّغَاةٍ وعُصَاةٍ ومُشْرِكِينَ وكَافِرِينَ ، نتيجةً لِشِدَةِ سَخًطِهِ عليهِم (الْمَائِدَةُ ، 5: 80) ، وللثأرِ لِمَنْ ظَلَمُوا مِنْ عبادِهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أرْبَعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ،  وذلكَ في سياقِ وعيدِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بالانتقامِ مِنْ الذينَ كفروا بآياتِ اللهِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 4) ، والذينَ يعودونَ لارتكابِ المعاصي وهم على علمٍ بها (الْمَائِدَةُ ، 5: 95) ، والذينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 47). كما جاء في سياقِ وَعدِهِ ، جَلَّ وعلا ، بِحِمَايَةِ عبادِهِ الذينَ هداهم للإيمانِ بهِ مِنْ أيةِ محاولةٍ لإضلالِهِم (الزُّمَرُ ، 39: 37). وجاء فيها جميعاً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هُوَ "عَزِيزُ" ، وذلكَ للتأكيدِ على قُدرةِ اللهِ التامةِ ، وعظَمَةِ قوتهِ ، في الانتقامِ مِنَ الكافرينَ ، ومِنَ الذينَ يحاولونَ إضلالَ عبادِهِ الذينَ هداهم للإيمانِ.

... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 4).

... عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (الْمَائِدَةُ ، 5: 95).

فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 47).

وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ (الزُّمَرُ ، 39: 37).

وقد تَمَّتْ الإشارةُ إلى انتقامِ اللهِ ، عزَّ وَجَلَّ ، باستعمالِ الفعلِ الماضي ، "فَانْتَقَمْنَا" ، وذلكَ في ذِكْرِهِ لانتقامِهِ مِنْ الذينَ كذَّبوا رُسُلَهُ ، قبلَ بعثةِ آخِرِ الرُّسُلِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بصفةٍ عامةٍ (الرُّومُ ، 30: 47) ، والْمُتْرَفِينَ منهم خاصةً ، الذينَ كانوا يتمسكونَ بما وجدوا عليهِ آباءَهُم (الزُّخْرُفُ ، 43: 23) ، وآلِ فِرْعَوْنَ ، لتكذيبِهِم بآياتِهِ ، ولِنَكْثِهِم للعهودِ التي قطعوها لرسوِلِهِ موسى ، عليهِ السلامُ (الأعْرَافُ ، 7: 135-136 ؛ الزُّخْرُفُ ، 43: 55) ، وأصحابِ الأيْكَةِ ، لِظُلْمِهِم (الْحِجْرُ ، 15: 78: 79).

كما تَمَّتْ الإشارةُ أيضاً إلى انتقامِ اللهِ ، عزَّ وَجَلَّ ، باستعمالِ صيغةِ الفعلِ المستقبلي ، "مُنتَقِمُونَ" ، وذلكَ في تهديدهِ بالعذابِ في النارِ للمجرمينَ ، الذينَ يُعْرِضونَ عنْ آياتِ اللهِ ، بعدَ أنْ يُذَكَّرُوا بها (السَّجْدَةُ ، 32: 22) ، وفي طمأنتِهِ لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنهُ سينتقمُ مِنَ الكافرينَ في الآخِرَةِ ، إنْ توفاهُ قبلَ النصرِ عليهِم في الحياةِ الدُّنيا (الزُّخْرُفُ ، 43: 41) ، وأكدَ ذلكَ مَرَّةً أخرى ، أي بالانتقامِ منهم يَوْمَ "الْبَطْشَةِ الْكُبْرَىٰ" ، أيْ في اليومٍ الآخِرِ (الدُّخَانُ ، 44: 16).

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 22).

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 41).

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (الدُّخَانُ ، 44: 16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو انتِقَامٍ" ، أنتَ القادرُ على الانتقامِ مِنَ الذين كذَّبوا رُسُلَكَ وآياتِكَ وظلموا عبادِكَ الصالحينَ. اللهمَّ انزلْ بهمُ انتقامِكَ ، واكفني شرَّهُم ، واجعلني في حمايتِكَ ورحمتِكَ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ القادرُ على الانتقامِ مِنَ المُجرمينَ الذين َ كذَّبوا آياتِهِ ورُسُلَهُ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ ما في وسعهِ لِيعيشَ في طاعةِ اللهِ ، وفي كَنَفهِ ، حتى يفوزَ بِرَحْمَتِهِ وحمايتِهِ.

133. ذُو الْفَضْلِ

"ذُو الْفَضْلِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْفَضْلُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَضَلَ" ، الذي يعني زَادَ عَنْ الْحَاجَةِ. والْفَضلُ هوَ الإحِسانُ بِلا مُقَابِلٍ ، أيْ الْهِبُةُ ، والنِّعْمَةُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذا الْفَضْلِ" يعني أنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، صاحبُ جميعِ الأفضالِ والنِّعَمِ في ملكوتِهِ العظيمِ ، يَهَبُ مِنْهُ ما يشاءُ مِنْ عبادِهِ ومخلوقاتِهِ ، بِلا مُقَابِلٍ ، لأنهُ غَنِيٌ عنْ العالَمينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. جاءَ في واحدةٍ منها في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، قد وعدَ عبادَهُ المؤمنينَ المتقينَ أنْ يجعلَ لهم فُرْقَانًا وَيُكَفِّرَ عَنْ سَيِّئَاتِهِم وَيَغْفِرَ لهم (الأنْفَالُ ، 8: 29). أمَّا في الخمسِ مَرَّاتٍ الأخرى ، فإنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد أعلنَ بأنَّ فضلَهُ العظيمِ يختصُّ بهِ مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ ، بدونِ شرطٍ لذلكَ. فقد اختص المؤمنينَ بِهِ وبِرُسُلِهِ بمغفرتِهِ وجنتِهِ التي "عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" (الْحَدِيدُ ، 57: 21). واختصَّ الأميينَ برحمتِهِ ، وبرسالتِهِ ، وبرسولِهِ الكريمِ ، الذي علِّمَهُم الكتابَ والحكمةَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 105 ؛ آلِ عِمْرَانَ ، 3: 74 ؛ الْجُمُعَةُ ، 62: 4) ، وأشارَ إلى أنَّ الفضلَ بيدِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وحْدَهُ ، يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ، وليسَ لأمانيِّ أهلِ الكتابِ دخلٌ فيهِ (الْحَدِيدُ ، 57: 29).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الأنْفَالُ ، 8: 29).

سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 105).

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 74).

ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْجُمُعَةُ ، 62: 4).

لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْحَدِيدُ ، 57: 29).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سِتَّ مَرَّاتٍ أُخْرَى في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. جاءَ في اثنتينِ منها في سياقِ ذِكْرِ فضلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على المؤمنينَ ، وذلكَ بعفوهِ عنْ الذينَ خالفوا أمْرَ النبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في معركةِ أُحُدٍ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 152) ، وعلى دَاوُدَ وبني إسرائيلَ ، بأنْ نصرَهم على جالوتَ وجنودَهُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 251). أمَّا في الأربعِ مّرَّاتٍ الأخرَى ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، ذَكَرَ بأنَّ "أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" أفضالَهُ عليهم. ومِنْ أمثلةِ ذلكَ "الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 243) ، و "الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ" ، بتحريمِهِم ما أحلَّ اللهُ مِنَ الرزقِ (يُونُسُ ، 10: 60) ، والذينَ كفروا باللهِ وباليومِ الآخِرِ (النَّمْلُ ، 27: 67-73) ، والَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ خالقِهِم ، الَّذِي جَعَلَ لهم اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ ، وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا (غَافِرُ ، 40: 60-61).

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 152).

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 251).

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 243).

وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (يُونُسُ ، 10: 60).

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (النَّمْلُ ، 27: 73).

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (غَافِرُ ، 40: 61).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" ، أسبغْ علينا مِنْ فضلكَ رحمةً واسعةً ، ورزقاً كريماً ، وهدايةً إلى صراطِكَ المستقيمِ ، في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في جنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، بِعَظَمَةِ مَلَكُوتِهِ ، مِنْ عرشٍ وكُرسيِّ وسماواتٍ وأرضينَ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ للهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُعطي مِنْ فضلِ اللهِ الذي مَنَّ عليهِ بِهِ إلى المحتاجينَ مِنَ الناسِ ، كما أوصانا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في قولِهِ: "مَنْ كانَ عندَهُ فضلُ ظَهْرٍ ، فليعُدْ بهِ علَى مَن لا ظَهْرَ لَه. وَمَنْ كانَ عندَهُ فَضلُ زادٍ ، فليَعُدْ بهِ علَى مَن لا زادَ لَه." [175]

134. ذُو الطَّوْلِ

"ذُو الطَّوْلِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الطَّوْلُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "طَالَ" ، الذي يعني أنْعَمَ الخيرَ على الآخَرِينَ ، وتفضَّلَ عليهِم. والطَّوْلُ هوَ السَّعَةُ والْغِنَى والفضلُ والْخَيْرُ والْكَرَمُ الكثيرُ ، الذي يغمرُ بِهِ الكريمُ المُكَرَّمَ عندَهُ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذا الطَّوْلِ" يعني أنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، صاحبُ السَّعَةِ والْغِنَى والفضلِ والْخَيْرِ والْكَرَمِ الكثيرِ ، الذي يُسْبِغُهُ على مَنْ يشاءُ مِنْ خَلْقِهِ. فهوَ مالِكُ كُلِّ ما في السماواتِ والأرضِ ، يُنفقُ مِنهُ ما يشاءُ لِمَنْ يشاءُ ، ولا يُنْقِصُ ذلكَ مِنْ مُلْكِهِ شيءٌ. فما عندَ الخلقِ ينفدُ ، أمَّا مَا عندَ الخالِقِ فهوَ بَاقٍ (النَّحْلُ ، 16: 96). [176]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ غَافِرُ الذَّنبِ لعبادِهِ المستغفرينَ لذنوبِهِم ، وَقَابِلُ التَّوْبِ للتائبينَ مِنهُم ، الذينَ يُعلنونَ لهُ توبتَهم عنْ اقترافِها. أمَّا بالنسبةِ للعُصاةِ الذينَ يُصِرُّونَ على ذنوبِهِم ، فإنهُ "شَدِيدُ الْعِقَابِ" لهم على أفعالِهِم. كما أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ذُو الطَّوْلِ ، يغمرُ خَلْقَهُ كُلَّهُم بِكَرَمِهِ ، في الحياةِ الدُّنيا ، وهوَ في الآخِرَةِ كَرِيمٌ ، كَريمٌ ، يُدْخِلُ عبادَهُ الصالحينَ في جنةِ خُلْدِهِ ، فيجدونَ فيها ما يَسُرُّهُم ، ويُسْعِدُهُم (غافر ، 40: 3).

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غافر ، 40: 3).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الطَّوْلِ" ، أسبغْ علينا مِنْ فضلكَ رحمةً واسعةً ، ورزقاً كريماً ، وهدايةً إلى صراطِكَ المستقيمِ ، في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في جنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ ذُو الطَّوْلِ ، الذي يتفضلُ بهِ على مَنْ يشاءُ مِنْ خَلْقِهِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُعطي مِنْ فضلِ اللهِ ، الذي مَنَّ عليهِ بِهِ ، إلى المحتاجينَ مِنَ الناسِ ، وألَّا يبخلَ أو يخافَ الإملاقَ إذا تصدَّقَ. فكما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "مَا نقَصَ مالٌ قطُّ من صدقةٍ ، فتصدَّقُوا." [177]

135. ذُو الْمَعَارِجِ

"ذُو الْمَعَارِجِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ."

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَعَارِجُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَرَجَ" ، الذي يعني صَعَدَ ، وارْتَفَعَ ، وارتقى. كما أنهُ يعني مَشَى أو تَحَرَّكَ بشكلٍ غيرِ مُسْتَقِيمٍ ، وذلكَ في وصفِ الرَّجُلِ الأعْرَجِ ، الذي يميلُ إلى أحَدِ جانبيهِ في مِشْيَتِهِ. كذلكَ ، فإنَّ نفسَ المعنى موجودٌ في الفعلِ "عَرَّجَ" ، الذي يُفيدُ بالميلِ عَنْ الطريقِ ، للذهاب إلى مكانٍ على يمينِها أو يسارِها. وذلكَ يعني أنَّ الصُّعُودَ والارْتِفَاعَ والارْتِقَاءَ ، في الْفَضَاءِ ، لا يكونُ بشكلٍ مُسْتَقِيمٍ ، وإنما يكونُ بِخَطٍّ مُنْحَنٍ ، كما ثبتَ مِنْ علومِ الفضاءِ مُؤَخَّرَاً. [178]

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذُا الْمَعَارِجِ" يعني أنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، هُوَ الأعْلَى في مَلَكُوتِهِ العظيمِ ، الذي خَلَقَ أبواباً في السماواتِ ، تُؤَدِّي إلى مَعَارِجَ ، أي إلى طُرِقٍ مُنْحَنِيَةٍ ، تختصرُ المسافاتِ لملائكتِهِ في نزولِهِم بأوامِرِهِ إلى الأرضِ ، وفي صعودِهم إلى السماواتِ ، بعدَ ذلكَ. وهُوَ الذي خَلَقَ مَعَارِجَ أخرى لهم ، فوقَ السماواتِ ، ليصلَ إليهِ ، مِنْ خلالِها ، مَنْ يشاءُ لهم مِنْ خَلْقِهِ وملائكتهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ الأعْلَى في مَلَكُوتِهِ العظيمِ ، الذي يَصْعَدُ إلَيْهِ الملائكةُ والرُّوحُ ، جبريلُ ، عليهِ السلامُ ،    مِنْ خلالِ الْمَعَارِجِ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (الْمَعَارِجُ ، 70: 3-4).

مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾‏ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾‏ (الْمَعَارِجُ ، 70: 3-4).

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النَّبَأُ ، 78: 38).

كما تَمَّ ذِكْرُ الْعُرُوجِ في القرآنِ الكريمِ ، في الإشارةِ إلى نزولِ أوامِرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وصعودِ أحوالِ خلقِهِ وأعمالِهِم إليهِ. فَذَكَرَ لنا رَبُّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنَّ في السماءِ أبواباً ، يَعْرُجُ فيها مَنْ شاءَ لهُ مِنْ خَلْقِهِ (الْحِجْرُ ، 15: 14) ، وتعرُجُ إليهِ أمورُ خلقِهِ ، "فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ" ، مِنَ السنينِ التي نَعُدُّ بها على الأرضِ (السَّجْدَةُ ، 32: 5). كما أنهُ ، جَلَّ وعلا ، يَعْلَمُ مَا "يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا" (سَبَأُ ، 34: 2 ؛ الْحَدِيدُ ، 57: 4). وهُوَ ، سبحانهُ وتعالى ، يَصْعَدُ إليهِ الكلامُ الطيبُ ، الَّذِي يَرْفَعُهُ العملُ الصالحُ ، ويَجْعَلُهُ مقبولاَ لديهِ (فَاطِرُ ، 35: 10). [179]

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 14).

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 5).

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (سَبَأُ ، 34: 2).

... يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ... (فَاطِرُ ، 35: 10).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الْمَعَارِجِ" ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ صيامَنا وصلاتَنا وزكاتَنا وصالحَ أعمالِنا ، واهدنا إلى صراطِكَ المستقيمِ ، في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في جنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ ذُو الْمَعَارِجُ ، ومالكُ السماواتِ والأرضِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يتذكرَ دائماُ أنَّ الملائكةَ يعرجونَ إلى رَبِّهِم ، بأعمالِ عبادِهِ على الأرضِ ، فيقومُ بعبادةِ خالِقِهِ ، وبصالحِ الأعمالِ ، خيرَ قيامٍ. فكما جاءَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هُرَيْرَةَ وأبو سعيدٍ الخُدريِّ ، رَضِيَ اللهُ عنهُما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: "يتعاقبونَ فيكُم ، ملائكةٌ بالليلِ ، وملائكَةٌ بالنهارِ ، و يجتمعونَ في صلاةِ الفجْرِ وصلاةِ العْصرِ. ثُمَّ يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم ، فيسألُهم ، وهُوَ أعلَمُ بِهم: كيفَ تَرَكْتُمْ عبادي؟ فيقولونَ: تركناهم وهم يصلُّونَ ، وأتيْناهم وهم يصلُّونَ." [180]

136. ذُو الْعَرْشِ

"ذُو الْعَرْشِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ."

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْعَرْشُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَرَشَ" ، الذي يعني هيَّأ ، أو بنى بناءً مِنْ الخَشَبِ أو فروعِ الأشجارِ ، لِيُستظلُّ بهِ. والعَرِيشُ هوَ ذلكَ المبنى. والعرشُ هوَ سَرِيرُ الْمُلْكِ ، الْمُعَبِّرُ عنْ سُلْطَتِهِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذَا الْعَرْشِ" ، هوَ اللهُ ، صاحبُ الْعَرْشِ ، الذي بناهُ فوقَ كُرْسِيِّهِ ، وما بهِ منْ سماواتٍ وأرضينَ ، ثم استوى عليه ، تعالى شأنهُ (الأعْرَافُ ، 7: 54) ، كتعبيرٍ عَنْ سُلْطَتِهِ على مُلْكِهِ العظيم.

وقد خَلَقَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، عَرْشَهُ على الماءِ ، وذلكَ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السماواتِ والأرضِ (هود ، 11: 7). والعرشُ في اللغةِ هو سريرُ الْمُلْكِ. أمَّا الكرسيُّ ، فقد وصفَهُ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنهُ "مَوْضِعُ القدمينِ." فإذا كانَ الكرسيُّ يتسعُ للسماواتِ والأرضِ (البقرةُ ، 2: 255) ، فالعرشُ أكبرُ مِنْ ذلكَ بكثيرٍ. وهكذا، فإنَّ الكُرْسٍيَ موجودٌ فوقَ السماواتِ ، والماءُ فوقَهُ ، والعرشُ فوقَ الماءِ ، واللهُ ، جَلَّ وعَلا ، فوقَ الْعَرْشِ ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [181]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أرْبَعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ مَالِكُ الْمُلْكِ كُلِّهِ ، وصاحبُ الْعَرْشِ وحدَهُ ، ولو كانَ معهُ آلهةٌ آخَرونَ لنازعوهُ عليهِ (الإسْرَاءُ ، 17: 42). ولذلك ، ينبغي أنْ يكونَ الدُّعاءُ خالصاً لهُ ، فهوَ الذي أرادَ الخيرَ لخلقهِ ، فأرسلَ لهم رُسُلَهُ ، لهدايتهم ، ولإنذارِهِم بالحسابِ عندما يَلْقَوْنَهُ في اليومِ الآخِرِ(غَافِرُ ، 40: 14-15). وهُوَ الذي أنزلَ القُرْآنَ الكريمَ ، مِنْ خلالِ رسولِهِ جبريلَ ، عليهِ السلامُ ، صاحبِ القوةِ والمكانةِ العاليةِ عندَهُ (التَّكْوِيرُ ، 81: 19-20). ومعَ أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، غَفُورٌ وَدُودٌ لعبادِهِ الصالحينَ المستغفرينَ ، إلَّا أنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ على الكافرينَ المُستكبرينَ ، وهوَ قادرٌ على فعلِ ما يُريدُ (غَافِرُ ، 40: 15).

قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 42).

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿١٤﴾‏ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴿١٥﴾‏ (غَافِرُ ، 40: 15).

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾‏ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ (التَّكْوِيرُ ، 81: 19-20).

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾‏ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾‏ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

وَقَدْ ذُكِرَتْ كلمةُ "الْعَرْشِ" تِسْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً في القُرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَةً ، في الإشارةِ إلى عَرْشِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى. فجاءتْ في أرْبَعِ مَرَّاتٍ في الإشارةِ إلى مِلْكِيَّةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لِلْعَرْشِ ، كما تَمَّ ذِكْرُهُ أعلاهُ. وجاءتْ في سَبْعِ مَرَّاتٍ أُخْرَى في الإشارةِ إلى استواءِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، على الْعَرْشِ ، بعدَ خَلْقِهِ للسماواتِ والأرض (الأعْرَافُ ، 7: 54). وجاءتْ في سِتِّ مَرَّاتٍ في الإشارةِ إلى أنهُ ، سُبْحَانَهُ وتَعَالَى ، هو رَبُّ الْعَرْشِ ، الذي وَصَفَهُ أيضاً بالعظيمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 129) ، والكريمِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 116). وجاءتْ مَرَّةً مَعَ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةَ وهم "حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" (الزُّمَرُ ، 39: 75) ، وأخرى معَ ذِكْرِهِم وهم يَحْمِلُونَه (غَافِرُ ، 40: 7). [182]

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْ‌شِ (الأعْرَافُ ، 7: 54).

فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 129).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 116).

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الزُّمَرُ ، 39: 75).

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (غَافِرُ ، 40: 7).

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، ذُكِرَتْ كلمةُ "عَرْشٍ" مَرَّتَيْنِ ، مُنَكَّرَةً ، أيضاً في الإشارةِ إلى عَرْشِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى. فجاءتْ مَعَ ذِكْرَ أنَّ عَرْشَ اللهِ كانَ على الماءِ ، قبلَ أنْ يَخْلِقَ السماواتِ والأرضَ (هُودُ ، 11: 7). كما جاءتْ مَعَ ذِكْرِ أنَّ عَرْشَ اللهِ يَحْمِلُهُ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الملائكةِ ، عندما تقعُ الواقِعَةُ ، في اليومِ الآخِرِ (الْحَاقَّةُ ، 69: 17).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ... (هُودُ ، 11: 7).

وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (الْحَاقَّةُ ، 69: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" ، سبحانكَ وتعالى شأنُكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، اهدنا إلى صراطِكَ المستقيمِ ، في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في جنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ ذُو الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، ومالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهن. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ لخالِقِهِ ، ذي العرشِ ، ربِّ العالمينَ ، كما أوصانا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [183]

137. ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ

"ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كَلِمَاتٍ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْجَلالُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "جَلَّ" ، الذي يعني وَقَّرَ وَبَجَّلَ وَعَظَّمَ ونَزَّهَ. وبالنسبةِ للكلمةِ الثالثةِ ، الإكْرَامُ ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "كَرُمَ" ، الذي يعني جَادَ وأعطى بسخاءِ ، ومِنَ الفعلِ "كَرَّمَ" ، الذي يعني عَظَّمَ وشَرَّفَ وَبَجَّلَ ، أي أنهُ يَقْرُبُ في معناهُ مِنْ "جَلَّ."   

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" ، هوَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، صاحبُ الوقارِ والعظمةِ والْعِزَّةِ والشرفِ ، وأهلٌ للتنزيهِ والتبجيلِ والتعظيمِ والتشريفِ ، لأنهُ الخالقُ ، واهبُ الحياةِ ، وهادي العبادِ. وهُوَ الذي يجودُ على خَلْقِهِ عَامَّةً بأفضالِهِ ونِعَمِهِ التي لا تُحْصَى ، وعلى المؤمنينَ منهم خاصةً بالخلودِ في جنتهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، جَلَّ وَعَلا ، هَوَ وحدَهُ الباقي ، بعدَ أنْ يفنى كُلُّ حَيٍّ في هذهِ الدُّنيا ، وذلكَ شاهِدٌ على عَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وإلِاهِيَّتِهِ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 26-27). وَهُوَ صاحبُ الجلالِ والإكْرَام ، كما سمَّى نفسَهُ ، تبارَكَ وتعالى ، في الإشارةِ إلى سخاءِ كَرَمِهِ لعبادِهِ الصالحينَ ، عندما يدخلونَ جَنَّتَهُ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 46-78).

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾‏ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿٢٧﴾ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 26-27).

تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 78).

ومِنْ تطبيقاتِ الْعِلْمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ." اللهُمَّ إنني أدعوكَ بِما دعاكَ بهِ أحدُ الصحابةِ ، رَضِيّ اللهُ عنهُ ، وأقرَّهُ على ذلكَ نَبِيُّكَ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: اللهم إني أسألُكَ بأنَّ لكَ الحمدُ ، لا إلهَ إلا أنتَ ، وحدَكَ لا شريكَ لكَ ، المنَّانُ ، يا بديعَ السماواتِ والأرضِ ، يا ذا الْجَلالِ والإكْرَامِ ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ ، إني أسألُكَ الْجَنَّةَ ، وأعوذُ بِكَ مِنَ النارِ. [184]  

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ صاحبُ الوقارِ والعظمةِ والْعِزَّةِ والشرفِ ، في الدُّنيا والآخِرَةِ. وهُوَ الذي يجودُ على خَلْقِهِ عَامَّةً بأفضالِهِ ونِعَمِهِ التي لا تُحْصَى ، وعلى المؤمنينَ منهم خاصةً بالخلودِ في جنتهِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكْثِرَ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ لخالِقِهِ ، اتِّبَعَاً لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي كانَ إذا سَلَّمَ عندَ نهايةِ الصلاةِ ، يقولُ: "اللَّهمَّ أنتَ السَّلامُ ، ومنكَ السَّلامُ ، تبارَكْتَ يا ذا الْجَلالِ والإِكْرَامِ." [185]

138. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ

"رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ ، أولاهُما "رَفِيعُ" ، وهِيَ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفعلِ "رَفَعَ" ، الذي يعني عَلا ، وارْتَفَعَ ، وطَالَ ، وزَادَ. أيْ أنَّ الرَّفِيعَ هُوَ الْعَالِيُ ، الْمُرْتَفِعُ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الدَّرَجَاتُ" ، فهيَ جَمْعُ "دَرَجِةٍ" ، أيْ "مَنْزِلَةٍ" ، أو "مَرْتَبَةٍ" ، أو "مُسْتَوَىً." وكاسمٍ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ الأعلى والأسمى والأشْرَفُ مَنْزِلَةً ، ومَكَانَةً ، وشَأنَاً. وهُوَ "ذُو الْعَرْشِ" ، الذي لا يَطَالُهُ ولا يُزِايدُ عليهِ أحدٌ.    

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الخامسةَ عَشرَة َمِنْ سُورَةِ غَافِرٍ (40) ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد عرَّفَ نَفْسَهُ للناسِ مِنْ خلالِ آياتِهِ الدالةِ على وجودِهِ ، ومِنْ خلالِ تفضُّلِهِ عليهِم ، بإنزالِ ماءِ المطرِ ، الذي جعلَ منهُ كُلَّ شيءٍ حَيٍّ. ولذلك ، ينبغي أنْ يكونَ دُعاؤُهُم خالصاً لهُ ، فهوَ الذي أرادَ الخيرَ لخلقهِ ، فأرسلَ لهم رُسُلَهُ ، لهدايتِهِم ، ولإنذارِهِم بالحسابِ ، عندما يَلْقَوْنَهُ في اليومِ الآخِرِ. وسيعلمونَ في ذلكَ اليومِ أنهُ عالمٌ بكلِّ شيءٍ عنهُم ، وأنهُ لا مفرَّ لهم منهُ ، فهوَ مَالِكُ الْمُلْكِ ، الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (غَافِرُ ، 40: 13-15).

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ﴿١٣﴾

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿١٤﴾

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴿١٥﴾‏

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾‏ (غَافِرُ ، 40: 13-16).

وأخبرنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّهُ يرفعُ مَنْ يشاءُ درجاتٍ (الأنْعَامُ ، 6: 83) ، ولكنهُ يُعطي الفرصةَ للناسِ لِلتَّقَرُّبِ منهُ ، فَيَرْفَعُهُم درجاتٍ بِحَسَبِ أعمالِهم (الأنْعَامُ ، 6: 132) ، وعلى قَدْرِ إيمانِهِم وصالحِ أعمالِهِم (طَهَ ، 20: 75) ، وعلى سَعْيِهِم في الحصولِ على العلمِ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 11).

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (الأنْعَامُ ، 6: 83).

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 132).

وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ (طَهَ ، 20: 75).

... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 11).

ومِنْ تطبيقاتِ الْعِلْمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَفِيعُ الدَّرَجَات" ، إنني أدعوكَ بالهدايةِ والتوفيقِ إلى ما تُحُبُّهُ و ترضاهُ ، في هذهِ الدُّنيا ، وإلى الفوزِ بجنَّةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ "رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ" ، أيْ أنَّهُ هُوَ الأعلى والأسمى والأشْرَفُ مَنْزِلَةً ، ومَكَانَةً ، وشَأنَاً. وهُوَ "ذُو الْعَرْشِ" ، الذي لا يَطَالُهُ ولا يُزِايدُ عليهِ أحدٌ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكْثِرَ مِنَ الأعمالِ التي ترفعُهُ درجاتٍ عندَ رَبِّهِ. فقد أخبرنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يرفعُ درجاتِ عبادِهِ ، الذينَ يُكثرونَ السجودَ ، فقالَ: "عليك بكثرةِ السجودِ ، فإنك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعَك اللهُ بها درجةً ، وحطَّ بها عنك خطيئةً." وأضافَ في حديثٍ آخَرَ أنَّ مِنَ الأعمالِ التي يَمْحُو اللهُ بِها الخطايا ويَرْفَعُ درجاتِ عبادِهِ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارِهِ ، وكثرةُ الخُطى إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ." [186]

139. رَبُّ

"رَبُّ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْمَالِكُ لِمَلَكُوتِهِ العظيمِ ، بما فيهِ ومن فيهِ. فهوَ الذي خلقَ السماواتِ ، وما فيها مِنْ مَجَرَّاتٍ ومجموعاتٍ شمسيةٍ ، وما يسكنُها مِنْ ملائكتِهِ. وخلقَ الأرضَ وما فيها وما عليها مِن إنسانٍ وحيوانٍ وغيرَ ذلكَ مِنْ مخلوقاتٍ. وخلقَ الْجِنَّ الذينَ يسكنونَ بينهما.  وهوَ رَبُّ هذهِ العوالمَ ومَن فيهِنَّ مِن مخلوقاتٍ تعيشُ فيها برعايتِهِ وعطفِهِ وحنانِهِ. وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِخَلْقِهِ مِنْ خلالِ رُسُلِهِ ورسالاتِهِ لهم ، وهوَ الْمُتَكَفِّلُ لَهُم بما يحتاجونَهُ في حياتِهِم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وهوَ الذي يبعثُهُم مِنْ جديدٍ للحسابِ في الآخِرَةِ. وقد لَخَّصَّ ذلكَ رسولُ اللهِ إبراهيم ُ ، عليهِ السلامُ ، في قولِهِ:

قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾‏ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾‏ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٧٨﴾‏ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴿٧٩﴾‏ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠﴾‏ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴿٨١﴾‏ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴿٨٢﴾‏ (الشُّعَرَاءُ 26: 75-82).

وهكذا ، فإنَّ هذا الاسمَ ، "رَبَّ" ، يشتملُ على معانيَ عديدةٍ تتضمنُها أسماءٌ أخرَى ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، الرَّزَّاقُ ، الْقَيُّومُ ، الْمُقِيتُ ، الْكَرِيمُ ، ذُو الْفَضْلِ ، ذُو الطَّوْلِ ، الْوَلِيُّ ، الْمُجِيبُ ، الْحَافِظُ ، الْحَلِيمُ ، الرَّؤوفُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، الْعَفُوُّ ، الْغَفُورُ ، التَّوَّابُ ، رَبُّ النَّاسِ ، رّبُّ الْعَالَمِينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "رَب" ، 967 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ بصيغةِ "رَب" وحدها 67 مَرَّةً. وجاءَ 84 مَرَّةً بصيغة "رَب" المُضافةً إلى اسمٍ آخر ، مثلِ "الْعَالَمِينَ" ، و "السَّمَاوَاتِ والأرْضِ." كما جاءَ بصيغةِ "رَبّكَ" (242 مَرَّةً) ، و "رَبكُم" (118 مَرَّةً) ، و "رَبكْما" (33 مَرَّةً) ، و "رَبنَا" (110 مَرَّاتٍ) ، و "رَبهُ" (76 مَرَّةً) ، و "رَبهَا" (9 مَرَّات) ، و "رَبهم" (125 مَرَّةً) ، و "رَبهما" (3 مَرَّات) ، و "رَبِّي" (100 مَرَّةً) ، كما في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ. [187]

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (آلِ عِمْرَانَ 3: 38).

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 2).

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 86).

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (يُونُسُ ، 10: 3).

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 20).

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 127).

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 37).

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ ... (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 37).

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (غَافِرُ ، 40: 7).

وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (الأعْرَافُ ، 7: 22).

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ  (يُوسُفُ ، 12: 100).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رّبِّي" ، خلقتني ، وهديتني إلى الدينِ الحقِّ ، وعَلَّمْتَنِني ما لم أعْلَم. سبحانكَ وتعالى شأنُكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. هبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رزقاً كريماً ، وعملاً صالحاً أتقرَّبُ بهِ إليكَ ، وأحفظني وأهلي مِنْ كُلِّ سوءٍ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ الناسِ ، ورَبُّ الْعَالَمِينَ ، ورّبُّ كُلِّ شَيءٍ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُحاولَ ما استطاعً أنْ يقومَ بواجباتِ الربوبيةِ نحوَ مَنْ هوَ مسؤولُ عنهم ، وذلكَ بتوفيرِ المأكلِ والملبسِ والمأوى والأمنِ والأمانِ لهم ، وبتعليمِهِم وتربيتِهِم على طاعةِ الله ، في كافةِ أمورِ حياتِهم ، حتى يفوزوا بالسعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخِرَةِ.

 

140. رَبُّ الْعَرْشِ

"رَبُّ الْعَرْشِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْعَرْشُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَرَشَ" ، الذي يعني هيَّأ ، أو بنى بناءً. والعَرِيشُ هوَ السقفُ ، أو ما يُسْتَظَلٌ بهِ. وقد خَلَقَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، عَرْشَهُ على الماءِ ، وذلكَ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السماواتِ والأرضِ (هود ، 11: 7). والعرشُ في اللغةِ هو سريرُ الْمُلْكِ ، الْمُعَبِّرُ عنْ سُلْطَتِهِ. أمَّا الكرسيُّ ، فقد وصفَهُ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنهُ "مَوْضِعُ القدمينِ." فإذا كانَ الكرسيُّ يتسعُ للسماواتِ والأرضِ (البقرةُ ، 2: 255) ، فالعرشُ أكبرُ مِنْ ذلكَ بكثيرٍ. وهكذا، فإنَّ الكُرْسٍيَ موجودٌ فوقَ السماواتِ ، والماءُ فوقَهُ ، والعرشُ فوقَ الماءِ ، واللهُ ، جَلَّ وعَلا ، فوقَ الْعَرْشِ ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [188]

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْعَرْشِ" ، هوَ اللهُ ، صاحبُ الْعَرْشِ ، الذي بناهُ فوقَ كُرْسِيِّهِ ، وما بهِ منْ سماواتٍ وأرضينَ ،  ثم استوى عليه ، تعالى شأنهُ (الأعْرَافُ ، 7: 54) ، كتعبيرٍ عَنْ سُلْطَتِهِ على مُلْكِهِ العظيم. كما أنهُ ، جَلَّ وعلا ، هُوَ رَبُّ جميعِ مخلوقاتِهِ ، التي تعيشُ في ملكوتِهِ العظيمِ ، مِنْ ملائكةٍ وإنسٍ وجِنِّنٍ ، متمتعةً برعايتِهِ وعطفِهِ وحنانِهِ. وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِخَلْقِهِ مِنْ خلالِ رُسُلِهِ ورسالاتِهِ لهم. وهوَ الْمُتَكَفِّلُ لَهُم بما يحتاجونَهُ في حياتِهِم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وهوَ الذي يبعثُهُم مِنْ جديدٍ للحسابِ في الآخِرَةِ. كما لَخَّصَّ ذلكَ رسولُ اللهِ إبراهيم ُ ، عليهِ السلامُ (الشُّعَرَاءُ 26: 75-82).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، رَبُّ الْعَرْشِ ، سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، في سياقِ ذِكْرِ مواساةِ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، للرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يحتسبَ ويتوكلَ على الله ، إذا ما رفضَ الكفارُ دعوتَهُ لهم (التَّوْبَةُ ، 9: 129). وجاءَ في سياقِ الرَّدِّ على الذينَ كانوا يعبدونَ آلهةً متعددةً ، بأنهُ إلهٌ واحدٌ ، لا يستكبرُ الملائكةُ عنْ عبادتِهِ ، ولا يتوقفونَ عنْ ذلك ، ولا يتعبونَ. وأنهُ لو كانَ هناكَ آلهةٌ غيرُ اللهِ ، كما يزعُمونَ ، لفسدتْ السماواتِ والأرضُ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 19-22). كما جاءَ في سياقِ التذكيرِ بأنَّ اللهَ ، عَزَّ وجَلَّ ، هوَ مالِكُ السماواتِ والأرضِ ، وهوَ القادِرُ على بعثِ خَلْقِهِ بعدَ أنْ يكونوا تُراباً وعظاماً (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 82-87) ، وأنهُ سيخبرُهُم في يومِ القيامةِ أنهُ لم يَخْلُقْهُم عبثاً ، وأنهم كانوا سيرجعونَ إليهِ لا محالةَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116). وجاءَ أيضاً في سياقِ ذِكْرِ استغرابِ الْهُدْهُدِ منْ قومِ سبأٍ ، الذينَ كانوا يسجدونَ للشمسَ ، مِنْ دونِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى (النَّمْلُ ، 27: 25-26). وجاءَ أخيراً في أمرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ سلَّمَ ، بأنْ يقولَ للذينَ يزعمونَ بأنَّ للهِ وَلَدٌ: "إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ" (الزُّخْرُفُ ، 43: 81-82).

فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 129).

وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿١٩﴾‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢٠﴾‏ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ﴿٢١﴾‏ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٢٢﴾ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 19-22).

قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٨٢﴾‏ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٨٣﴾‏ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾‏ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 82-87).

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116).

أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾‏ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٢٦﴾‏ (النَّمْلُ ، 27: 25-26).

قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴿٨١﴾‏ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٨٢﴾‏ (الزُّخْرُفُ ، 43: 81-82).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" ، سبحانكَ وتعالى شأنُكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، اهدنا إلى صراطِكَ المستقيمِ ، في هذهِ الدُّنيا ، وأدخلْنا في جنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، ومالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهن. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُكثرَ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ لخالِقِهِ ، رَبِّ العرشِ ، ربِّ العالمينَ ، شكراً لهُ ، تبارَكَ وتعالى ، على ربوبيتِهِ لهُ. كما أوصانا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [189]

141. رَبُّ الْعِزَّةِ

"رَبُّ الْعِزَّةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْعِزَّةُ" ، فهي اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَزَّ" ، الذي يعني قَوِيَ ، ونَدَرَ ، وتعالى ، وارتفعَ مكانةً وموقعاً ، وبَرِئَ مِنَ الذُّلِّ ، كما جاءَ في معجم المعاني الجامع. ومنهُ جاءَ "العزيزُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أي القويُ المنيعُ ، تعالى شأنُهُ ، وارتفعت مكانتُهُ على جميعِ خلقِهِ ، سبحانهُ ، الذي تَنَزَّهَ عنْ أيَّةِ نقائصٍ. وهكذا ، فإنهُ ، عزَّ وَجَلَّ ، صاحبُ الْعِزَّةِ ، أيْ الرِّفْعَةِ والْمَنَعَةِ والْكَمَالِ والْقُوَّةِ الْمُطْلَقةِ والْمَجْدِ والسُّؤْدَدِ. ومَنْ يَطلبُها مِنْ غيرِ اللهِ فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا. أمَّا مَنْ يَطلبُها مِنْ مالكِها ، "رَبُّ الْعِزَّةِ" ، فهوَ على الصراطِ المستقيم. فكما قالَ اللهُ ، تباركَ وتعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ " (فَاطِرُ ، 35: 10).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ (الصافات ، 37: 180) ، في سياقِ ذِكْرِ رَدِّ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على الكفارِ الذين ادَّعَوْا بأنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ ، وأنَّ بينهُ وبينَ الْجِنَّةِ نسباً ، بدونِ سُلْطَانٍ ، ولا كتابٍ مُبِينٍ (الصافات ، 37: 150-158). فخاطبَ رَسُولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يتولى عنهُم ، وأنْ يُنَزِّهَ رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَمَّا يصفونَهُ ، مِنْ إفكٍ وبُهْتَانٍ عظيمٍ (الصافات ، 37: 178-182). 

وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿١٧٨﴾‏ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٩﴾‏ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾‏ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾‏ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾‏ (الصافات ، 37: 178-182). 

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ" ، سبحانكَ وتعالى شأنُكَ ، ولا إلهَ غَيْرُكَ ، ثَبِّتْنَا على صراطِكَ المستقيمِ ، وامنحنا في هذهِ الدُّنيا ، حتى نفوزَ بجنةِ خُلدِكَ ، في الآخِرَةِ ، يَا عَلِيُّ ، يَا عَظِيمُ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ الْعِزَّةِ ، القويُ المنيعُ ، تعالى شأنهُ ، وارتفعت مكانتُهُ على جميعِ خلقِهِ ، سبحانهُ ، الذي تَنَزَّهَ عنْ أيةِ نقائصٍ.  كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ مداوماً على تعظيمِ اللهِ ، وتنزيهِهِ ، وتكبيرِهِ ، وتحميدِهِ. كما أنَّ عليهِ ألَّا يكونَ سبباً في تطاوِّلِ الكفارِ على اللهِ ، سبحانهُ وتعالى. فلا يَسُبُّ آلِهَتَهُم ، حتى لا يَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنْعَامُ ، 6: 108) ، وألَّا يقعدَ في جمعٍ يكفرونً بآياتِ اللهِ ويستهزئونَ بها ، حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 140). [190]

142. رَبُّ الشِّعْرَىٰ

"رَبُّ الشِّعْرَىٰ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الشِّعْرَىٰ" ، فهيَ اسمُ نَجمٍ مِنْ أكثرِ النجومِ سطوعاً في السماءِ الدُّنيا ، يقعُ ضِمْنَ مجموعةٍ مِنَ النجومِ تُسَمَّى كِينِسْ مِيجُرْ. وكانَتْ تَعْبُدُهُ بعضُ الجماعاتِ السُّكَّانِيَّةِ على الأرضِ ، بما في ذلكَ طائفةٌ مِنَ الْعَرَبُ ، معتقدينَ أنهُ إلَهُهُم.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الشِّعْرَىٰ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ رّبُّ هذا النَّجمِ ، كما هوَ رَبُ السماواتِ ، وما تحتويهُ مِنْ نجومٍ وكواكبَ. وذلكَ يعني أيضاً أنهُ صاحبُ هذا النَّجْمِ وَسَيِّدُهُ ، وبالتالي ، فهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤَدِّبُ والرَّزَّاقُ لِمَنْ يعيشُ في الكواكبِ التي تدورُ في فَلَكِهِ ، إنْ وُجِدَتْ ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ (النجم ، 53: 49) ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ رَبُّ خلقِهِ على الأرضِ ، كما هوَ ربُّهُم في السماواتِ ، وما بينهما ، بما في ذلكَ الشِّعْرَىٰ. وأنهُ يُذكِّرُهُم بقدرتهِ على كُلِّ شيءٍ. فهوَ الذي أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ، وأَمَاتَ وَأَحْيَا ، وأَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ. وهوَ الذي أَهْلَكَ عَادًا ، وَثَمُودَ ، وَقَوْمَ نُوحٍ ، وَالْمُؤْتَفِكَةَ. وهوَ الذي خَلَقَهم مِن نُّطْفَةٍ ، ثُمَّ إليهِ مُنتهاهُم ، عندما يُنْشِئهُم مَرَّةً ْأُخْرَىٰ. وقد أرسلَ إليهم خاتمَ رُسُلِهِ ، مُحَمَّدَاً ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، مُبَشِّرَاً للمؤمنينَ ونذيراً للكافرينَ. فلا ينبغي أنْ يكونَ لديهم أدنى شكٍ في قُدرتِهِ ، جلَّ وعلا ، على معاقبةِ المُسيئينَ منهم ، الذينَ يَظْلِمُونَ أنفسَهُم بكفرِهِم ، ويَظْلِمُونَ غَيرِهِم بطغيانِهِم عليهِم (النَّجْمُ ، 53: 43-56).

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ﴿٤٢﴾‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴿٤٣﴾‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿٤٤﴾‏ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ ﴿٤٥﴾‏ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴿٤٦﴾‏ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿٤٧﴾‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴿٤٨﴾‏ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ ﴿٥٠﴾‏ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ ﴿٥١﴾‏ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ﴿٥٢﴾‏ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴿٥٣﴾‏ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴿٥٤﴾‏ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴿٥٥﴾‏ هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ (النَّجْمُ ، 53: 43-56).

وقد جاءَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الْحُسنى ، في سورة النَّجْمِ (53) ، التي تبدأُ بالآيةِ الكريمةِ: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ." وفي تفسيرِهِم لمعنى هذهِ الآيةِ ، ذَكَرَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الطَّبَرِيُّ والْقُرْطُبِيُّ وابنُ كَثِيرٍ ، أنَّ المقصودَ هوَ سُقُوطُ الثُّرَيَّا عندَ الفجرِ ، أي أنَّ الفعلَ "هَوَىٰ" يعني "سَقَطَ."  لكنهم لم يُشِيرُوا إلى ذِكْرِ نَجْمِ الشِّعْرَىٰ ، المذكورِ في الآيةِ الكريمةِ 49 مِنْ نفسِ السورةِ ، معَ أنهُ أحَدُ النُّجُومِ الثلاثةِ الوحيدةَ التي ذكَرَهَا اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، بالاسمِ ، في القُرآنِ الكريمِ ، بالإضافةِ إلى الشمسِ والطّارِقِ (86: 1-3).

والْمَعْرُوفُ أنَّ الثُّرَيَّا هيَ مجموعةٌ مِنَ النجومِ الموجودةِ في بُرْجِ الثورِ ، وليستْ نَجماً واحداً ، كما جاءَ ذلكَ تحديداً في الآيةِ الكريمة. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ النجومَ التي نراها كُلَّ ليلةٍ لا تَسْقُطُ عندَ الفجرِ ، ولكنَّ رؤيتَها تصبحُ متعذرةً مَعَ ضوءِ الشمسِ في النهار.

وهناكَ ما يَدُلُّ الآنَ على أنَّ النَّجْمَ الذي ذَكَرَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، سُقُوطَهُ ، في الآيةِ الأولى مِنْ سورةِ النَّجمِ (53) ، هوَ نَجْمُ الشِّعْرَىٰ الأصغرُ ، المذكورُ في الآيةِ الكريمةِ 49 ، مِنْ نفسِ السورةِ ، وذلكَ بناءً على نتائجِ الأبحاثِ العلميةِ الحديثةِ.

فقد ثبتَ أنَّ الشِّعْرَىٰ نِظامٌ نَجْمِيٌ ثُنَائيُّ ، أيْ أنهُ يتكونُ مِنْ نَجْمَيْنِ ، هُما الشِّعْرَىٰ الأكبرُ والشِّعْرَىٰ الأصغرُ (ويُشَارُ إليهما أيضاً بالحرفينِ ألف وباء). والشِّعْرَىٰ الأكبرُ هوَ النَّجْمُ الْكَلْبِيُّ ، الذي يبلغُ حجمَهُ ضعفيِّ حجمِ الشمسِ ، وهو أكثرُ النجومِ التي نراها في الليل لمعاناً. ويمكنُ رؤيتُهُ في أيِّ مكانٍ على الأرضِ ، ما عدا أقصى الشَّمالِ ، ويظهرُ في الجنوبِ ، خلالَ الشتاءِ. أما نَجْمُ الشِّعْرَىٰ الأصغرُ ، فهوَ أصغرُ كُتلَةً ، ويدورُ حولَ الشِّعْرَىٰ الأكبرِ مَرَّةً كُلَّ خمسينَ سنةٍ. وهوَ بقيةٌ ميتةٌ مِمَّا كانَ نَجْمَاً نَشِطَاً مِنْ قبلُ. وعلى الرغمِ منْ أنهُ لا يُنتجُ أيةَ حرارةٍ الآنَ ، إلَّا إنهُ لا زالَ حارَّاً جداً. [191] 

ويَبْعُدُ نَجْمُ الشِّعْرَىٰ الأكبرُ عنْ الأرضِ 8,6 سنةً ضوئيةً ، مما يجعلُهُ خامسَ أقربِ النجومِ لهذا الكوكبِ. ويقعُ في المجموعة النجميةِ المُسمَّاةِ "كِينِس مِيجُر." وبالنسبةِ لِلشِّعْرَىٰ الأصغرِ ، فقد استنفذَ مصادِرَ وقودِهِ النوويِّ ، مما أدى إلى سُقُوطِهِ إلى داخلِهِ ، وأصبح قُطرُهُ مِنَ الصغرِ بحيثُ لا يزيدُ على 12000 كيلومتراً ، وكُتلتهُ حوالي 98% مِنْ كُتلةِ الشمسِ. ومعَ ذلكَ ، فلا يزالُ حاراً جداً ، إذ تبلغُ حرارةُ سَطْحِهِ حوالي 25000 درجةً مئويةً. [192]

ويصلُ نِصفُ قُطرِ نَجمِ الشِّعْرَىٰ الأكبرِ إلى 1,71 مّرَّةً أكبرَ مِنْ حجمِ الشمسِ. وتبلغُ حرارةُ سَطْحِهِ حوالي 9,940 كَلفن ، أي بما يزيدُ بِ 4000 كَلفن عنْ حرارةِ سَطْحِ الشمسِ. كما أنهُ يَزِيدُ في لمعانهِ بعشرينَ مرةً عنْ لمعانِ الشمسِ. وقد لاحظهُ قُدماءُ الْمِصْرِيِّينَ ، وأطلقوا عليهِ اسمَ "نَجمِ النيلِ" ، لارتباطِ ظهورِهِ اللامِعِ معَ موسمِ الفيضانِ. كما عَرِفَهُ اليونانيونَ القُدماءُ ، واعتبروهُ مسؤولاً عنْ ازديادِ درجةِ الحرارةِ في الصيفِ. وعرفهُ العربُ أيضاً. وذّكّرَ الْقُرْطُبِيُّ نقلَاً عنْ السُّدِّيِّ أنَّ حِمْيَرَ وخُزَاعَةَ كانتا مِنَ العربِ الذينَ كانوا يعبدونَ نجمةَ الشِّعْرَىٰ. وقد كانَ مَنْ لا يَعْبُدُها مِنَ العربِ يُعَظِّمُهَا ، ويعتقدُ بِتأثيرَها في العالمِ.

وكانَ الشِّعْرَىٰ الأصغرُ في الأصلِ نَجماً أزرقاً ، تَزِيدُ كُتلتُهُ على كُتلةِ الشمسِ بخمسِ مَرَّاتٍ ، أي أنهُ كانَ مِثْلَ الشِّعْرَىٰ الأكبرِ. لكنهُ انتفخَ ، وأصبحَ عملاقاً أحمراً ، ثُمَّ انكمشَ لِيُصْبِحَ قزماً أبيضاً ، مُنذُ حوالَيْ 124 مليونَ سنةٍ. [193]

وبصفةٍ عامةٍ ، فإنَّ النَّجمَ يموتُ بعدَ عدةِ بلايينَ مِنَ السنينَ ، مُنذُ نشأتِهِ. فعندما يَنْفَذُ مخزونُهُ مِنْ وَقودِ الهيدروجينِ ، فإنهُ ينكمشُ نتيجةً لضغطِ وزنِ الجاذبيةِ. ثُمَّ يَحْمَى مِنْ جديدٍ ، مما يُسببُ تَمَدُّدَ طبقاتِهِ الخارجيةِ ، ليصبحَ عملاقاً أحمراً. عندها ، يصبحُ مركزُهُ (جوفُهُ) على درجةٍ عاليةٍ مِنَ الحرارةِ ، بما يكفي لصهر الهيليوم وتحويلِهِ إلى كربونٍ. وعندما يَنْفَذُ وقودُ الهيليوم ، يتمددُ المركزُ ، ثُمَّ يَبْرُدُ ، لِيُصْبِحَ في النهايةِ قَزَمَاً أبيضاً ، ثُمَّ يتحولُ إلى قزمٍ أسودٍ. وأخيراً ، تبدأُ الطبقاتُ الخارجية ُفي الانفصالِ عنهُ ، مُكَوِّنَةً السَّدِيمَ الكوكبِيَّ. [194]

والخُلاصةُ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، يُقْسِمُ بالنَّجْمِ إذا هَوَى ، أيْ بِنَجْمِ الشِّعْرَىٰ الأصغرِ الذي سَقَطَ ، مُنكمشاُ إلى مركزِهِ ، ومتحولاً مِنْ نَجْمٍ أزرقٍ نَشِطٍ إلى قَزِمٍ أبيضٍ ، لا يَنْتُجُ عنهُ نشاطٌ يُذْكَرُ. ولم نستطعْ فهمَ هذا الْقَسَمِ العظيمِ إلَّا بعدَ الاكتشافاتِ العلميةَ ، التي تَمَّ الإعلانُ عنها مُؤخَّرَاً ، في القرنينِ 14-15 للهجرةِ ، 20-21 للميلاد. وهكذا ، يُقْسِمُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، بالنجمِ إذا هوى ، أنَّ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَمَ ، ما ضَلَّ وما غَوَى ، وأنهُ لا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ، وإِنَّمَا هُوَ وَحْيٌ يُوحَىٰ ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ، جِبْرِيلُ ، عليهِ السلامُ (النَّجْمُ ، 53: 1-5).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿١﴾‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿٢﴾‏ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾‏ (النَّجْمُ ، 53: 1-5).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ" ، الذي أخبرتنا عَنْ سُقُوطِهِ ، كمثالٍ على عِلْمِكَ الذي يُحِيطُ بملكوتِكَ كُلِّهِ ، وبِمَا يَحْدُثُ فيهِ. سبحانكَ وتعالى شأنُكَ ، ولا إلهَ غَيْرُكَ. أهدِنا إلى صراطِكَ المستقيمِ ، وفقهنا بكتابِكَ العزيزِ ، وبتعاليمِ رسولِكَ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.  

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ السماواتِ والأرضِ ، والنجومِ جميعاً ، بما فيها نَجْمِ الشِّعْرَىٰ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ على يقينٍ راسخٍ بأنَّ القُرآنَ الكريمَ هُوَ كتابُ اللهِ العزيزِ ، الذي أنزلَهُ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. ويتبعُ ذلكَ قراءتُهُ ودراستُهُ والعملُ بما جاءَ بهِ ، ليفوزَ بخيرِ الدارينِ ، الدُّنيا والآخِرَةِ.

 

143. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولاهُما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "السَّمَاوَاتِ" ، فهيَ اسمُ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "سَمَا" ، الذي يعني عَلا وارْتَفَعَ. وتَمَّ ذِكْرُهَا بصيغةِ الجمعِ 185 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ. جاءتْ وحدَها خمسَ مَرَّاتٍ ، وجاءت مع ذِكْرِ "الأرضِ" ، في نفسِ الآيةِ 180 مَرَّةً. وقد أخبرنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ خَلَقَ سَبْعَ سماواتٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 29). وأنهُ بناها طِبَاقاً (الْمُلْكُ ، 67: 3) ، أي تعلو كُلُّ واحدةٍ منها الأخرى ، على شكلِ طبقاتٍ متوازيةٍ ، وبِلا أعمدةٍ مَرْئِيَّةٍ (الرَّعْدُ ، 13: 2) ، وأنَّ لها أبواباً (الأعْرَافُ ، 7: 40) ، ويَسْكُنُها الملائكةُ (الإسْرَاءُ ، 17: 95) ، وعليها حرسٌ شديدٌ (الْجِنُّ ، 72: 8) ، يَحمونَها مِنَ الاختراقِ (الرَّحْمنُ ، 55: 35) ومِنَ استراقِ السمعِ (الْجِنُّ ، 72: 9) ، وأنها في توسعٍ مستمرٍ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 47).

و "الأرضُ" هيَ الكلمةُ الثالثةُ في هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى. وتَمَّ ذِكْرُهَا 461 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، 445 منها مُعَرَّفَةً ، وَسِتَّ عَشْرَةَ مُنَكَّرَةً. وَقَدْ اختارَ اللهُ ، جَلَّ وعلا ، الأرْضَ لتكونَ مَهْدَاً للحياةِ ، التي بثها فيها. وقد وَرَدَ ذِكْرُها مُفردةً ، معَ ذِكْرِ السماواتِ السبعِ ، في إشارةٍ إلى تَفَرُّدِها بوجودِ الحياةِ على ظهرها ، بالمقارنةِ معَ غيرِها مِنَ الكواكبَ في مجموعتنا الشمسيةِ ، وللبعدِ العظيمِ بينَ مجموعتِنا الشمسيةِ وغيرِها في الْمَجَرَّةِ. وقد وَضَعَهَا رَبُّنَا ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالى ، لتكونَ صالحةً لحياةِ خلقِهِ فيها (الرَّحْمَنُ ، 55: 10) ، ولإنْبَاتَهُم منها (نُوحُ ، 71: 17) ، ومَهْدَاً لهم (الزُّخْرُفُ 43: 10) ، يحفظُهُم في نشأتِهِم الأولى (النَّجْمُ ، 53: 32) ، وفي تكاثُرِهِم على سطحِها (الْمُلْكُ ، 67: 24). و خَلَقَ لَهُم "مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (الْبَقَرَةُ ، 2: 29) ، وجعلَها ذَلُولَةٌ لهم ، يسيطرونَ عليها وعلى ما فيها مِنْ أرزاقٍ (الْمُلْكُ ، 67: 15). ولَمَّا أصبحوا قادرينَ على تَلَقِّي رسالاتِهِ ، شاءَ أنْ يجعلَهُم خُلَفاءَ عليها (الْبَقَرَةُ ، 2: 30) ، يحكمونَ بشرعِهِ ويقيمونَ دينَهُ الذي ارتضى لهم (النُّورُ ، 24: 55).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ رَبُ السماواتِ السبعِ ، وما تحتويهُ ، وما يسكنُ فيها مِنْ ملائكةٍ. وهوَ رَبُّ الأرَضِ وما فيها وما عليها مِنْ أحياءٍ ، بما في ذلكَ البشرِ. وذلكَ يعني أيضاً أنهُ خالِقُ السماواتِ والأرضِ ، وصاحِبُها ، وَسَيِّدُها. وبالتالي ، فهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤَدِّبُ والرَّزَّاقُ لِمَنْ يعيشُ فيها مِنْ خلقهِ ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، هوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وهوَ الذي يُنَزِّلُ مِنَ السماءَ ماءً فينفعُ بِهِ خَلْقَهُ على الأرضِ (الرَّعْدُ ، 13: 16-17). وهوَ الذي شَهِدَ لهُ إبراهيمُ ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ "رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ" ، وذلكَ في مُناظرتِهِ معَ الكافرينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 56). وهوَ الذي أيَّدَ موسى ، عليهِ السلامُ ، بِتِسْعِ آياتٍ بَيِّنَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ ، حتى يعلمَ أنَّ مَنْ أنزَلَها هوَ اللهُ ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ (الإسْرَاءُ ، 17: 101-102). وهوَ الذي اعترفَ بِهِ أصحابُ الكهفِ رَبَّاً لهم ، فَرَبَطَ على قلوبِهِم ، فلم يَدْعُوا مِنْ دونِهِ إلهاً آخرَ (الْكَهْفُ ، 18: 14). وهوَ الذي قال لخاتَمِ رُسُلِهِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يَرُدَّ على الذينَ ادَّعَوْا بأنَّ اللهَ ، جَلَّ وعلا ، لَهُ وَلَدٌ ، بالقولِ: "إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ." فهوَ "رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يَصِفُونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 81-82). وهُوَ "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الأنعامُ ، 6: 101). والحمدُ للهِ على رُبُوبِيَّتِه للسماواتِ ، والأرضِ ، والعالَمينَ (الْجَاثِيَةُ ، 45: 36).

قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرَّعْدُ ، 13: 16).

قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 56).

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا ﴿١٠١﴾‏ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴿١٠٢﴾ (الإسْرَاءُ ، 17: 102).

وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (الْكَهْفُ ، 18: 14).

قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴿٨١﴾‏ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٨٢﴾ (الزُّخْرُفُ ، 43: 81-82).

فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الْجَاثِيَةُ ، 45: 36).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8).

لكَ الحمدُ والشكرُ على نِعَمِكَ التي أسبغتَ علينا ، مِنْ رُبُوبِيَّةٍ لِخَلْقِكَ كُلِّهِم ، ومِنْ هُدىً إلى دينِكَ الحقِّ ، ومِنْ رزقٍ كريمٍ ومأوىً وأمانٍ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ السماواتِ ، وما فيها مِنْ ملائكةٍ ، ورَبُّ والأرضِ ، وما فيها مِنَ البشرٍ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الْحَمْدِ والشُّكْرِ لِرَبِّهِ على نِعَمِهِ التي أسْبَغَهَا عليهِ ، مِنْ رُبُوبِيَّةٍ ، وهُدىً إلى دينِهِ الحقِّ ، ورزقٍ كريمٍ ، ومأوىً ، وأمانٍ ، وذلكَ اتِّباعاً لِسُنَّةِ النبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي كانَ يقولُ إذا رُفِعتْ مائدتُهُ: "الْحَمْدُ للهِ حَمْدَاً كَثِيرَاً طَيِّبَاً مُبارَكَاً فِيهِ ، الْحَمْدُ للهِ الَّذي كَفَانَا و آوانَا ، غَيْرَ مُكْفِيٍّ ولا مَكْفُورٍ ، ولا مُوَدَّعٍ ، ولا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، رَبَّنَا." [195]

144. رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا

"رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ خَمْسِ كلماتٍ ، تَمَّ تَعْرِيفُ الثلاثَ الأولى مِنْها في اسم "رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ." أمَّا الكلمتانِ الباقيتانِ ، أي الرابعةُ والخامسةُ ، فإنهما تُشيرانِ إلى كُلِّ ما هُوَ موجودٌ بينَ السماواتِ والأرضِ ، مِنْ مَجَرَّاتٍ ، وما فيها مِنْ مجموعاتٍ شمسيةٍ ، وما تحتوي عليهِ مِنْ نُجُومٍ وكواكبَ ، وما يوجدُ فيها مِنْ مخلوقاتٍ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَّبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ رَبُ السماواتِ السبعِ ، وما تحتويهُ ، وما يسكنُ فيها مِنْ ملائكةٍ. وهوَ رَبُّ الأرَضِ وما فيها وما عليها مِنْ أحياءٍ ، بما في ذلكَ البشرِ ، الذينَ شاءَ لهم أنْ يكونوا خُلَفَاءَهُ فيها ، يحكمونَ بشرعِهِ ويقيمونَ دينَهُ الذي ارتضى لهم. وهُوَ كذلكَ رَبُّ كُلِّ ما هُوَ موجودٌ بينهما مِنْ نُجُومٍ وكواكِبَ ، وما يحيا هناكَ مِنْ مخلوقاتٍ ، كالجِنِّ مثلاً. وذلكَ يعني أيضاً أنهُ خالِقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما ، وصاحِبُها جميعاً ، وَسَيِّدُها. وبالتالي ، فهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤَدِّبُ والرَّزَّاقُ لِمَنْ يعيشُ فيها مِنْ خَلْقِهِ ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

والْجِنُّ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "جَنَّ" ، الذي ذَكَرَهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، في القرآنِ الكريمِ (الأنْعَامُ ، 6: 76) ، بمعنى سَتَرَ ، ووَارَى ، وأصبحَ غيرَ مرئيِّ. وذلكَ يعنى أنَّ الْجِنَّ قادرونَ على الاختفاءِ عَنْ عِيُونِ البشرِ ، الذينَ لا يستطيعونَ رؤيَتَهُم ، إلا إذا تجسدوا عمداً. وقد خَلَقَهُم اللهُ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، قَبْلَ خَلْقِ الإنْسَانِ (الْحِجْرُ ، 15: 26-27) ، وذلكَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (الرَّحْمَنُ ، 55: 15) ، أيْ مِنْ لَهَبِ النار الخالِصِ ، الذي لا دُخَانَ فيهِ. وخَلَقَهُم ، كما خَلَقَ الإنسَ ، لِيَعْبُدُوهُ ، ولا يشركوا بِهِ أحَدَاً (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56). ولذلكَ ، فقد أرسل اللهُ رُسُلَهُ لهم ، لِهِدَايَتِهِم ، كما أرسلَ لخلقِهِ مِنَ البشرِ (الأنعامُ ، 6: 130). فكانَ منهم الْمُسْلِمُونَ ، الذينَ تَحَرَّوْا سَبِيلَ الرَشَادِ (الْجِنُّ ، 72: 14) ، والْقَاسِطُونَ ، الذينَ سيكونونَ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (الْجِنُّ ، 72: 15) ، هُم ومَنْ كانَ يَعْبدُهُم مِنَ الإنسِ (سَبَأُ ، 34: 40-41).  [196]

وحَثَ اللهُ ، جَلَّ وعلا ، الْجِنَّ وَالْإِنسَ على مُحَاوَلَةِ النفاذِ "مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، أي على الطيرانِ والسفرِ في الفضاء. لكنَّهُ ذَكَرَ بأنَّ ذلكَ لنْ يَحْدُثَ إلا بإذنِهِ وتحتَ سُلْطانِهِ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 33). أمَّا إنْ حَاوَلا ذلكَ بغيرِ إذنِهِ ، وبتمردٍ على سُلْطَانِهِ ، فإنهُ يُرْسَلُ عَلَيْهِمَا شُوَاظاً مِّن نَّارٍ وَنُحَاساً ، فَلَا يَنتَصِرَانِ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 35). ومِنْ أمثلةِ ذلك ما ذَكَرَهُ نَفَرٌ مِنَ الْجِنَّ ، بأنهم حَلَّقُوا في الفضاء ، إلى أنْ لَمِسُوا السَّمَاءَ الدُّنيا ، فوجدُوها وقد "مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا" (الْجِنُّ ، 72: 8). وَأَنَّهُ كُلَّمَا حاولَ أحدٌ مِنْهم الاستماعَ إلى ما يجري في السماءِ ، فإنهُ كانَ يَجِدُ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴿٩﴾ (الْجِنُّ ، 72: 9). وهكذا ، فإنهم قد أصبحوا على يقينٍ مِنْ أنَّهُم لَّن يُعْجِزُوا اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَن يُعْجِزُوهُ هَرَبًا ، إلى أي مكانٍ آخرَ (الْجِنُّ ، 72: 12). [197]

وكانَ الْجِّنُّ يأتونَ إلى الأرضِ ، ومِنْ بينِ أولئكَ الذينَ جعلَهُم الله ، تبارَكَ وتعالى ، في خدمةِ سُلَيْمَانَ ، عليه السلامُ (سَبَأُ ، 34: 12) ، وكجنودٍ في جيشهِ (النَّمْلُ ، 27: 17). وكانَ لبعضِهم قُدُرَاتٌ لا يَقْدِرُ عليها البشرُ ، كالإتيانِ بعرشِ ملِكَةِ سَبَأٍ ، قبلَ أن يقومَ سليمانُ مِنْ مقامهِ (النَّمْلُ ، 27: 38-39) ، أو كالإتيانِ بهِ في طَرْفَةِ عَينٍ (النَّمْلُ ، 27: 40). ومِنهم الذينَ أتَوْا إلى مَكَةَ ، واستمعوا لتلاوةِ المسلمينَ الأوائلَ للقرآنِ الكريم ، فأعلنوا إيمانَهُم بهِ ، وبأنهم لنْ يشركوا بِرَبِّهِم أحَدَاً (الْجِنُّ ، 72: 1-2). [198]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، لِمَعْنَاهُ ، الذي جاءَ في رَدِّ مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، على فِرْعَوْنَ ، الذي سأَلَهُ: "وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ." فَأجَابَهُ ، بأنهُ: "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24). كما جاءَ في سياقِ ذِكْرِ أنهُ الإلَهُ الواحِدُ ، رَبُّ الْمَشَارِقِ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4-5). وهُوَ كذلكَ الْوَاحِدُ ، الْقَهَّارُ ، الْعَزِيزُ ، الْغَفَّارُ (ص ، 38: 65-66). وهُوَ السَّمِيعُ ، الْعَلِيمُ ، الذي أنْزَلَ الْكِتَابَ الْمُبِينَ ، هدايةُ لِخَلْقِهِ (الدُّخَانُ ، 44: 6-7) ، لِيَعْبُدُوهُ ، ويَصْطَبِرُوا لِعِبَادَتِهِ (مَرْيَمُ ، 19: 65) ، حتى يفوزوا بِجَنَّتِهِ ، التي "لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا" ، وذلكَ‏ جَزَاءً مِّن رَّبِّهِم ، "عَطَاءً حِسَابًا" (النَّبَأُ ، 78: 35-37).

 

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).  

إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾‏ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4-5).

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٦٦﴾ (ص ، 38: 65-66).

رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦﴾‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٧﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 6-7).

رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 65).

لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾‏ جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴿٣٦﴾‏ رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾ (النَّبَأُ ، 78: 35-37).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا." اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ "شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" (الأنْعَامُ ، 6: 112).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ السماواتِ ، وما فيها مِنْ ملائكةٍ ، ورَبُّ والأرضِ ، وما فيها مِنَ البشرٍ ، وَرَبُّ الْجنِّ بينَهُما. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الْحَمْدِ والشُّكْرِ لِرَبِّهِ على نِعَمِهِ التي أسْبَغَهَا عليهِ ، مِنْ رُبُوبِيَّةٍ ، وهُدىً إلى دينِهِ الحقِّ ، ورزقٍ كريمٍ ، ومأوىً ، وأمانٍ.

145. رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ

"رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ ، أولها "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَشْرِقُ" ، فهيَ اسمُ مكانٍ يشيرُ إلى مَوْضِعِ ووقتِ شُروقِ الشمسِ ، بالنسبةِ إلى مكانٍ محددٍ على الأرضِ. كذلكَ فإنَّ الكلمةَ الثالثةَ ، "الْمَغْرِبَ" ، هيَ اسمُ مكانٍ يشيرُ إلى مَوْضِعِ ووقتِ غُرُوبِ الشمسِ ، بالنسبةِ إلى مكانٍ محددٍ على الأرضِ. والجديرُ بالذكرِ أنَّ ظاهرَتي الشروقِ والغروبِ ناتجتانِ عن دورانِ الأرض ِ حولَ محورِها ، في مُقابِلِ الشمسِ.      

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مالكُ المشرقِ والمغربِ ، بملكيتِه لملكوتِهِ العظيمِ ، بما فيهِ ومن فيهِ. فهوَ الذي خلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ، بِمَا في ذلكَ مِنْ مَجَرَّاتٍ ومجموعاتٍ شمسيةٍ. وهوَ الذي وضعَ أنظمتَها وقوانينَها ، بما في ذلكَ شروقَ شموسِها وغروبِها ، على ما يتبعها من كواكبَ وأقمارٍ ، لما في ذلكَ مِنْ فوائدَ لحياةِ خلقِهِ الذينَ يعيشونَ عليها. فشروقِ الشمسِ وغروبِها على الأرض يَكْفُلُ الحياةَ عليها. فبدونِ الشروقِ والغروبِ ، يسودُ الليلُ فتصبحُ الأرضُ ظلاماً دامساً ، أو يسودُ النهارُ وحرُّ الشمسِ الدائمُ فلا تستقيمُ الحياةُ عليها. فسبحانَهُ اللطيفُ بعبادِهِ وبخلقِهِ ، رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ، الرَّحْمَٰنِ ، الرَّحِيمِ ، الذي عَبَّرَ عَنْ ذلكَ في قولِهِ:

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿٧١﴾‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٧٢﴾‏ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾‏ (الْقَصَصُ ، 28: 71-73).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ أمرِ اللهِ لعبادِهِ بأنْ يذكروا اسمَهُ ، ويَتَبَتَّلُوا إليهِ بِهِ ، ويتخذونَهُ وكيلاً لهم ، فهوَ "رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ" (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9) ، الذي يَسَّرَ لهم الحياةَ على الأرضِ ، مِنْ خلالِ شروقِ الشمسِ وغروبِها عليهم ، وعلى كلِّ خلقِهِ الذينَ يعيشونَ على ظهرِها. وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً في سياقِ المُناظَرَةِ التي جرتْ بينَ رسولِ اللهِ موسى ، عليهِ السلامُ ، وفرعونَ ، الذي سألهُ عن رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فأجابَهُ بأنهُ "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" ، أي مِنْ نجومٍ وكواكبَ وما عليها مِنَ الخلقِ. ثُمَّ أضافَ بأنهُ أيضاً "رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا" (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-28) ، أي أنهُ رَبُّ كُلِّ ما هوَ موجودٌ على الأرضِ ، بينَ مشرِقِ الأرضِ ومغربِها.

وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴿٨﴾رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴿٩﴾ (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9).

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾‏ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿٢٥﴾‏ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦﴾‏ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٢٧﴾‏ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾‏ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-28).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا." اللَّهُمَّ إنني أحْمَدُكَ وأشكُرُكَ وأثْنِي عليكَ ، لِنِعْمَةِ شُرُوقِ الشمسِ وغُرُوبِها ، وما يتبعُ ذلكَ مِنْ ليلٍ نسكنُ فيهِ ونهارٍ نَسْعَى فيهِ ، ونبتغي فيهِ مِنْ فَضلِكَ. أللهُمَّ أدِمْ علينا نِعَمِكَ ، ظاهِرَها وباطِنَها ، إنَّكَ أنتَ الرَّزَّاقُ الكريمُ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ كُلِّ ما هوَ موجودٌ على الأرضِ ، بينَ مشرِقِ الأرضِ ومغربِها. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُدِيمَ التعبيرَ عَنْ حَمْدِهِ وشُكْرِهِ لِرَبِّهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى ، بما في ذلكَ نِعْمَةِ شُرُوقِ الشمسِ وغُرُوبِها ، فيكثِرُ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ ، كما سبقَ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الْمَعَارِجِ" (135).

146. رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ

"رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ أرْبَعِ كلماتٍ ، جَاءَتْ كَلِمَةُ "رَبِّ" فيهِ مَرَّتَيْنِ ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

وبالنسبةِ لِلْكَلِمَةِ الثانيةِ ، أيْ "الْمَشْرِقَيْنِ" ، فهيَ اسمُ مكانٍ يشيرُ إلى مَوْضِعَيْنِ ووَقْتَيْنِ لِشُرُوقِ الشَّمْسِ ، على مكانٍ مُحَدَّدٍ ، على كُلٍّ مِنَ الأرضِ والقمرِ. كذلكَ فإنَّ الكلمةَ الرَّبِعَةَ ، "الْمَغْرِبَيْنِ" ، هيَ اسمُ مكانٍ يشيرُ إلى مَوْضِعَيْنِ ووَقْتَيْنِ لِغُرُوبِ الشمسِ ، على مكانٍ مُحَدَّدٍ ، في كُلٍّ مِنَ الأرضِ والقمرِ.  

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبَّ الْمَغْرِبِيْنِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مالكُ الْمَشْرِقَيْنِ والْمَغْرِبَيْنِ ، بملكيتِه لملكوتِهِ العظيمِ ، بِمَا فيهِ ومَنْ فيهِ. فهوَ الذي خلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ، بِمَا في ذلكَ مِنْ مَجَرَّاتٍ ومجموعاتٍ شمسيةٍ. وهوَ الذي وضعَ أنظمتَها وقوانينَها ، بما في ذلكَ شروقَ نُجُومِهَا وغروبِها ، على ما يتبعها من كواكبَ وأقمارٍ ، لما في ذلكَ مِنْ فوائدَ لحياةِ خلقِهِ الذينَ يعيشونَ عليها. فشروقِ الشمسِ وغروبِها على الأرض والقمرِ يَكْفُلُ الحياةَ عليهما. فبدونِ الشروقِ والغروبِ ، يسودُ الليلُ فيصبحا ظلاماً دامساً ، أو يسودُ النهارُ وحرُّ الشمسِ الدائمُ فلا تستقيمُ الحياةُ عليهِما.

وقد ذكَرَ المفسرونَ الثلاثةَ ، ونقلوا عنْ غيرِهِم ، أنَّ "الْمَشْرِقَيْنِ والْمَغْرِبِيْنِ" تعنيانِ الصيفِ والشتاءِ ، وأضافَ الْقُرْطُبِيُّ بأنَّ ذلكَ يعني أطولَ وأقصرَ يومينِ في السنةِ ، وكذا قالَ العديدُ مِنَ المفسرينَ الذين أتَوْا مِنْ بعدِهِم.

والأرْجَحُ أنَّ "الْمَشْرِقَيْنِ والْمَغْرِبِيْنِ" يُشِيرَانِ إلى شُرُوقِ الشمسِ على الأرضِ والقمرِ ، لِمَا في ذلكَ مِنْ ضرورةٍ لحياةِ خَلْقِ اللهِ عليهما. ومِمَّا يؤيدُ هذا التفسيرِ أنَّ الإنسانَ قد وصلَ إلى القمرِ ، ابتداءً مِنَ العامِ 1389 للهجرةِ ، 1969 للميلاد ، ولم تنقطعْ رَحَلاتُ استكشافِهِ مُنْذُ ذلكَ الحينِ. وبالفعلِ ، فهناكَ شروقٌ وغروبٌ للشمسِ على القمرِ ، كما أنَّ هناكَ خُططاً لإقامةِ الإنسانِ على سَطْحِهِ قريباً ، خاصةً أنَّ هناكَ ماءً مُتَجَمِّدَاُ عندَ قطبيهِ ، وحتى في الأماكنِ التي تَرَى ضُوءَ الشمسِ مِنْهُ. وصَدَقَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبِيْنِ ، الذي قالَ: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياءُ ، 21: 30). [199]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في ذِكْرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأفضالِهِ على خَلْقِهِ. فقالَ بأنهُ الرَّحْمَٰنُ ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ، الذي خَلَقَ الإنْسَانَ والْجَانَّ ، الْلَّذَيْنِ لا يُمْكِنُهُما أنْ يُنكِرَا أفضالَهُ عليهِما (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 14-18). فهوَ السَّيِّدُ في ملكوتِهِ كُلِّهِ ، بما في ذلكَ الأرضِ والقمر ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ والرَّزَّاقُ لِكُلِّ مَنْ يعيشُ عليهِما ، مِنْ إنْسٍ وجِنٍّ.  

 

خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴿١٤﴾‏ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴿١٥﴾‏ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٦﴾‏ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴿١٧﴾‏ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٨﴾ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 14-18).

ووَرَدَتْ كلمةُ "الْمَشْرِقَيْنِ" وَحْدَها مَرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلك في سياقِ تحذيرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لِخَلْقِهِ بألَّا يَغْفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ ، لكي لا يقعوا فريسةً للشياطينِ ، الذينَ يصدونهم عن سبيلِ الله. فإنْ حَدَثَ لهم ذلكَ ، فَسَيَنْدَمُونَ أشدَّ النَّدَمِ عندما يقفونَ أمامَ خالِقِهِم ، في يومِ الحساب ، فيقولُ أحَدُهُم لقرينهِ مِنَ الشياطين: "يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ" (الزُّخْرُفُ ، 43: 36: 38) ، أي يا ليتَني كنتُ بعيداً عنكَ بُعْدَ الأرضِ عَنِ القمرِ.

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾‏ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾‏ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴿٣٨﴾ (الزُّخْرُفُ ، 43: 36: 38).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ." اللَّهُمَّ إنني أحْمَدُكَ وأشكُرُكَ وأثْنِي عليكَ ، لِنِعْمَةِ شُرُوقِ الشمسِ وغُرُوبِها ، وما يتبعُ ذلكَ مِنْ ليلٍ نسكنُ فيهِ ونهارٍ نَسْعَى فيهِ ، ونبتغي فيهِ مِنْ فَضلِكَ. أللهُمَّ أدِمْ علينا نِعَمِكَ ، ظاهِرَها وباطِنَها ، إنَّكَ أنتَ الرَّزَّاقُ الكريمُ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ كُلِّ ما هوَ موجودٌ على الأرضِ والْقَمَرِ ، بينَ مشرِقِ الشَّمْسِ ومغربِها عليهما. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُدِيمَ التعبيرَ عَنْ حَمْدِهِ وشُكْرِهِ لِرَبِّهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى ، بما في ذلكَ نِعْمَةِ شُرُوقِ الشمسِ وغُرُوبِها ، فيكثِرُ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ ، كما سبقَ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الْمَعَارِجِ" (135).

147. رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ

"رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولها "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم. وبالنسبةِ لِكَلِمَتي "الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ" ، فإنهما تُشِرانِ إلى شُرُوقِ النُّجُومِ على كَوَاكِبِهَا ، وغُرُوبِهَا عنها ، فيما بينَ السماءِ والأرضِ. 

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مالكُ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ، بملكيتِه لملكوتِهِ العظيمِ ، بِمَا فيهِ ومَنْ فيهِ. فهوَ الذي خلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ، بِمَا في ذلكَ مِنْ مَجَرَّاتٍ ومجموعاتٍ شمسيةٍ. وهوَ الذي وضعَ أنظمَتَها وقوانينَها ، بما في ذلكَ شُرُوقَ نُجُومِهَا وغروبَها ، على ما يتبعُها مِنْ كواكبَ وأقمارٍ ، لما في ذلكَ مِنْ فوائدَ لحياةِ خلقِهِ الذينَ يعيشونَ عليها. فبدونِ الشروقِ والغروبِ ، يسودُ الليلُ فتصبحُ الكواكِبُ والأقمارُ في ظلامٍ دامسٍ ودرجةِ حرارةٍ منخفضةً جداً ، أو يسودُ فيها النهارُ وترتفعُ درجاتُ الحرارةِ على سطحِها ، فلا تستقيمُ الحياةُ عليهِا.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أي "رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ" ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ مَعَ ذِكْرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ قادرٌ على أنْ يستبدلَ الكافرينَ بِمَنْ هُم أفضلُ منهم ، مِنْ عبادِهِ الصالحينَ. لكنهُ شاءَ أنْ يؤخِّرَ حسابَهم إلى اليومِ الآخِرَ الذي وعدَهم (الْمَعَارِجُ ، 70: 40-42).

فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾‏ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٤١﴾‏ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿٤٢﴾‏ (الْمَعَارِجُ ، 70: 40-42).

 

كما وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً أخْرَى في القرآنِ الكريمِ ، ولكنْ بدونِ ذِكْرِ "الْمَغَارِبِ" ، لأنها مفهومةٌ ضمناً ، فإذا كانَ هناكَ مشارقٌ فلا بُدَّ أنْ يكونَ هناكَ مغارِبٌ أيضاً. جاءَ ذلكَ مَعَ تذكيرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لعبادِهِ ، أنهُ الإلهُ الواحدُ ، "رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" ، بما في ذلكَ السماءِ الدُّنيا ، التي زَيَّنَهَا بالكواكبِ المتلألئةِ بأضواءِ نجومِها ، عندما تنعكسُ عليها (الصَّافَّاتُ ، 37: 4-6).

إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾‏ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4-6).

وقد ذكَرَ المفسرونَ الثلاثةَ ، ونقلوا عنْ غيرِهِم ، أنَّ "الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ" تعنيانِ مطالِعَ الشمسِ ومغارِبَها على الأرضِ ، في كُلِّ يومٍ مِنْ أيامِ السنةِ. وانفردَ ابنُ كثيرٍ بذِكْرِ الكواكبِ الأخرى. أمَّا الطبريُّ ، فذكرَ القمرَ ، أي بشروقِ الشمسِ على القمرِ أيضاً.

والأرْجَحُ أنَّ "الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ" يُشِيرَانِ إلى شُرُوقِ النُّجُومِ وغُرُوبِها على كواكبِ مجموعاتِها الشمسيةِ ، في مَجَرَّتِنَا ، وغيرِها مِنَ الْمَجَرَّاتِ ، في ملكوتِ اللهِ العظيمِ ، لِمَا في ذلكَ مِنْ ضرورةٍ لحياةِ خَلْقِ اللهِ عليها. ومِمَّا يؤيدُ هذا التفسيرِ أنَّ علماءَ الطبيعةِ الفلكيةِ قد تَوَصَّلُوا إلى أنَّ هناكَ بلايينِ النجومِ في مَجَرَّتِنَا وحدَها ، وهيَ تُشْرِقُ وتَغْرُبُ على الكواكبِ التي تدورُ حولَها ، وأنَّ هناكَ احتمالاً لِوجودِ الحياةِ في الكثيرِ مِنْ تلكَ الكواكبِ ، نظراً لوجودِ الماءِ فيها. وصدقَ اللهُ ، رّبُّنَا ، جَلَّ وعلا ، في قولِهِ: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياءُ ، 21: 30). [200]

كما أخبرَنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ قد خَلَقَ سَبْعَ كواكبَ مِثْلَ الأرضِ ، وذلكَ في قولِهِ: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ." والمعنى أنه مثلما أنَّ هناكَ سَبْعَ سماواتٍ مسكونةٍ بالملائكةِ يتنزلُ أمرُ اللهِ بينَهُنَّ ، فإنَّ هناكَ سَبْعَ أرضينَ مسكونةٍ أيضاً بِخَلْقِ اللهِ ، ويتنزلُ أمْرُهُ بينَهُنَّ أيضاً (الطَّلاقُ ، 65: 12). وهذهِ الآيةُ الكريمةُ هيَ بمثابةِ نبوءةٍ تشجعُ الباحثينَ على اكتشافِ هذهِ الكواكبِ المعمورةِ بمخلوقاتٍ ذكيةٍ ، مِثْلَ الْجِنِّ ، يتنزلُ أمْرُ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، بَيْنَهُنَّ  (الْجِنُّ ، 72: 14).

اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق ، 65: 12).

اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق ، 65: 12).

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (الْجِنُّ ، 72: 14).

واتفقَ المفسرونَ الثلاثةَ على أنَّ هُناكَ سّبْعَ أرضينَ ، كما ذكرَ الطبريُّ ، رَحِمَهُ اللهُ ، في تفسيرِهِ ، فقالَ: "وَلَا خِلَاف فِي السَّمَوَات أَنَّهَا سَبْعٌ ، بَعْضهَا فَوْق بَعْض. دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ: "وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلهُنَّ" يَعْنِي سَبْعًا . وَاخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، أَنَّهَا سَبْعُ أَرَضِينَ طِبَاقًا ، بَعْضهَا فَوْق بَعْض ، بَيْن كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ مَسَافَةٌ كَمَا بَيْن السَّمَاءِ وَالسَّمَاءِ ، وَفِي كُلِّ أَرْضٍ سُكَّانٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ."

وهذا التفسيرُ تؤيدُهُ نتائجُ أبحاثُ الفضاءِ الحديثةِ. فما زالَ العلماءُ يبحثونَ عَنْ أيةِ دلالاتٍ لوجودِ الحياةِ على الكواكبِ الأخرى في مجموعتِنا الشمسيةِ ، والمجموعاتِ الشمسيةِ الأخرى ، في مجرتِنا. ومِنْ أهمِّ الدلالاتِ التي يبحثونَ عنها وجودُ الماءِ في هذهِ الكواكبِ. ومِنَ المُكتشَفاتِ العلميةِ في هذا المجالِ ما أعلنتْ عنهُ وكالةُ الفضاءِ الأميركيةِ ، ناسا ، في 22 فبراير 2017. فقد أشارَ تقريرُها إلى اكتشافِ نظامٍ كوكبيٍ أسماهُ العلماءُ تْرَابِسْتْ رقم واحد ، وهوَ يقعُ في المجموعةِ الشمسيةِ المعروفةِ باسمِ أكويريوس ، والتي تبعد عن أرضنا بحوالي 40 سنةً ضوئيةً ، أي حوالي 235 ترليون مِيل. وذكرَ التقريرُ أيضاً أنَّ هُناكَ سَبْعَ كواكبَ ، بحجمِ الأرضِ ، تدورُ حولَ شمسِها ، مَعَ احتمالِ وجودِ الماءِ فيها جميعاً ، واحتمالِ وجودِ الحياةِ في ثلاثٍ منها على الأقل. والتقريرُ لا يجزمُ بوجودِ ماءٍ أو حياةٍ في هذهِ المجموعةِ مِنَ الكواكبِ بالذاتِ ، ولكنهُ يفتحُ البابَ على إمكانيةِ اكتشافِ وجودِ ذلكَ مستقبلاً ، سواءً في تلكَ المجموعةِ أو في غيرِها. وهكذا ، فهذا الاكتشافُ لعلماءِ وكالةِ الفضاءِ الأميركيةِ قد أصبحَ مِنَ الحقائقِ العلميةِ التي تشيرُ إليها هذهِ الآيةُ الكريمةُ. [201]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ." اللَّهُمَّ إنَّكَ أهلٌ للحمدِ والشكرِ والثناءِ ، لِنِعَمِكَ التي لا تُحصى على خلقِكَ أجمعينَ. فأنتَ مالكُ الْمُلْكِ ، بما في ذلكَ النُّجومِ التي تُشْرِقُ على كواكِبِها ، وتَغْرُبُ عنها ، فيما بينَ السماءِ والأرضِ ،  وما يتبعُ ذلكَ مِنْ ليلٍ يسكنُ فيهِ خَلْقُكَ ، ونهارٍ يَسْعُونَ فيهِ ، ويبتغُونَ فيهِ مِنْ فَضلِكَ. أللهُمَّ أدِمْ علينا نِعَمِكَ ، ظاهِرَها وباطِنَها ، إنَّكَ أنتَ الرَّزَّاقُ الكريمُ.  

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ كُلِّ ما هوَ موجودٌ فيما بينَ السماءِ والأرضِ ، بما في ذَلكَ النُّجومِ ، وَمَشَارِقِها وَمَغَارِبِها على كَوَاكِبِها ،. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُدِيمَ التعبيرَ عَنْ حَمْدِهِ وشُكْرِهِ لِرَبِّهِ ، تبارَكَ وتعالى ، على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى ، بما في ذلكَ نِعْمَةِ شُرُوقِ الشمسِ وغُرُوبِها ، فيكثِرُ مِنَ التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليلِ ، كما سبقَ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الْمَعَارِجِ" (135). كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ موقِناً مِنْ إجابةِ رَبِّهِ لهُ ، عندما يدعوهُ في حاجةٍ ماسَّةِ إليهِ ، وذلكَ كما أوصانا رسولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي قالَ: "ادعوا اللهَ وأنتم مُوقِنونَ بِالإجَابةِ." [202]

148. رَبُّ الْفَلَقِ

رَبُّ الْفَلَقِ اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ ، أولاهما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْفَلَقُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَلَقَ" ، الذي يعني شَقَّ أو شَطَرَ شيئاً ، كما جاءَ في وصفِ القرآنِ الكريمِ لِما حَدَثَ للبحرِ عندما ضربَهُ رسولُ اللهِ ، موسى ، عليهِ السلامُ ، بعصاه (الشُّعَرَاءُ ، 26: 63). و "الْفَلَقُ" أيضاً هُوَ الصُّبْحُ عندما يَنْشَقُّ نُورُهُ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيل ، كما تَمَّ ذِكْرُهُ في الآية 96 مِنْ سورة الأنعامُ (6) ، وكذلكَ في الآيِةِ الأولى مِنْ سورةِ الْفَلَقِ (113).

فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 63).

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنْعَامُ ، 6: 96).

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (الْفَلَقُ ، 113: 1).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْفَلَقِ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الذي شَقَّ نُورَ الصباحِ عَنْ ظُلْمَةِ الليلِ ، وأَبداهُ وأَظْهَرَهُ وأَوضحَهُ. وَهُوَ الذي خَلَقَ السماواتِ ، بما فيها السماءَ الدُّنيا ، بِنُجُومِها وكواكِبِها. وخَلَقَ الأرضَ لِتَكُونَ مُناسِبَةً للحياةِ ، لِبُعْدِها الْمِثَالِيِّ عنْ الشَّمْسِ ، ومِنْ خلالِ دورانِها حولَ نفسِها وحولَ الشمسِ ، مما أدى إلى تَعَاقُبِ الليلِ والنهارِ ، وإلى انشقاقِ الصبحِ عَنْ عَتْمَةِ الليل.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ التذكيرِ بعظمةِ خَلْقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ ، في تقديرٍ بديعٍ لتكوينِهما ووظائِفهما. فَمِنْ خلالِ العلاقةِ بينَ الشمسِ والأرضِ ، ينشأُ الليلُ ليكونَ سكناً لخلقِ اللهِ ، ويعقبُهُ النهارُ ، الذي يقومونَ فيه إلى أنشطتِهِم وأعمالِهم ، بعدما يبدأُ نورُ الشمسِ في الانتشار. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، يُعَلِّمُنا أنْ ندعوهُ بهذا الاسمِ ، ونَتَعَوَّذُ بِهِ مِنْ شَرِّ خلقِهِ ، ومما هم قادرونَ عليهِ مِنْ أذىً ، ومِنْ شَرِّ ظلمةِ الليلِ ، وسِحرِ السَّحَرَةِ ، وحسَدِ الْحَاسِدِينَ (الْفَلَقُ ، 113: 1-5).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾‏ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾‏ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾‏ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾‏ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾‏ (الْفَلَقُ ، 113: 1-5).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْفَلَقِ." إني أعوذُ بِكَ مِنْ شّرِّ شياطينِ الإنسِ والْجِنِّ ، وأنْ تحفظني وأهلي مِنْ شرِّهِم وسحرِهِم وحسدِهِم.  

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ الْفَلَقِ ، ورَبُّ كُلِّ ما هوَ موجودٌ فيما بينَ السماءِ والأرضِ ، بما في ذَلكَ النُّجومِ ، وَمَشَارِقِها وَمَغَارِبِها على كَوَاكِبِها. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُدَاوِمَ على الاستعاذَةِ باللهِ مِنْ شّرِّ شياطينِ الإنسِ والْجِنِّ وهَمَزَاتِهِم ، وبقراءةِ المعوذَتَيْنِ ، الفلقِ والناسِ ، وذلكَ كما أوصى اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعبادَهُ الصالحينَ مِنْ بعدِهِ:

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾‏ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾ (الْمُؤمِنُونَ ، 23: 97-98).

149. رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ

"رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كَلِمَاتٍ ، أوَّلُهَا "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "كُلُّ" ، فمعناها "جَمِيعُ" ، وهيَ "كلمةٌ تدلُّ على الشُّمولِ والاستغراقِ والتَّمامِ لأفرادِ ما تضافُ إليهِ أو أجزائِهِ." والكلمةُ الثالِثَةُ في هذا الاسمِ هِيَ "شَيْءٌ" ، وهيَ تشيرُ "لأيّ موجودٍ ثابتٍ ، مُتَحَقّقٍ ، يصحُّ أن يُتصوَّرُ ويُخبرُ عنهُ ، سواءً كانَ حسِّيًّا أم معنويًّا ، ويُطلقُ على المذكَّرِ والمؤنَّثِ" ، وذلكَ كما جاءَ تعريفُهُما في مُعْجَمِ الْمَعَانِي الْجَامٍعِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ رَبُّ جميعِ الموجوداتِ ، في ملكوتِهِ العظيمِ ، سواءَ كانتْ حسيةً أو معنويةً ، مُتَحَقَّقَةً أو مُتَصَوَّرةً. ويشملُ ذلكُ كُلاً مِنَ المخلوقاتِ الحيةِ ، التي يرزُقُها بما تحتاجُ له في حياتِها ، وغيرِ الحيةِ التي نظَّمَ عملَها بالقوانينِ الطبيعيةِ ، حتى تقومَ بأداءِ وظائفها كما ينبغي لها أنْ تفعلً. وهوَ مالِكُ يومِ الدينِ ، الذي يجمعُ فيهِ المُكَلّفينَ مِنْ خلقِهِ للحسابِ ، على ما قاموا بهِ مِنْ أعمالٍ في حياتِهم الدُّنيا.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ التذكيرِ بأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، الذي لا يُحاسِبُ خَلْقَهُ إلَّا على ما قاموا بِهِ مِنْ أعمالٍ ، أي أنهُ لا يأخذُ أحداً بِوَازِرَةِ ، أي بِذَنْبِ ، أحدٍ آخرَ. وعندما يرجعونَ إليهِ ، في اليومِ الآخِرِ ، فإنهُ سيحكُمُ بينهم بالعدل ، وينبئُهُم بما كانوا فيهِ يختلفونَ (الأنعام ، 6: 164).

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (الأنعام ، 6: 164).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ." اللهمَّ اهدني بهديكَ ، وارزقني مِنْ رزقكَ ، وقِنِي شَرَّ مَنْ لا يخافُكَ ، "سُبْحَانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ ، و تَبارَكَ اسْمُكَ ، و تَعالَى جَدُّكَ ، و لا إلهَ غيرَكَ." [203]

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، فهوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ في ملكوتِهِ العظيمِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الحمدِ والشكرِ لربِّهِ على نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، وألَّا يترددَ في الدعاءِ إليهِ ، وطلبِ العونِ منهُ لأنهُ رَبُّهُ الذي يريدُ لهُ خيرَ الدُّنيا والآخِرَةِ.

150. رَبُّ النَّاسِ

"رَبُّ النَّاسِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ ، أولاهما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، " النَّاسُ" ، فهيَ اسمٌ للجمعِ ، يُشِيرُ إلى جِنْسَيْنِ مِنْ خَلْقِ اللهِ الْمُكَلَّفِينَ ، هُمَا الإنْسُ والْجِنُّ ، كما جاءَ في القرآنِ الكريمِ (النَّاسِ ، 114: 5-6 ؛ الرَّحْمَٰنُ ، 55: 3-4 ، 14-16 ، 33 ، 39) ، وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ والْقُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ. وبالنسبةِ لمعنى هذهِ الكلمةِ ، فإنها رُبَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الفعلِ "نَاسَ" ، الذي يعني تَحَرَّكَ ، أو الفعلِ "أنَسَ" ، الذي يعني ألِفَ واطْمَأَنَّ وفَرِحَ بالصُّحْبَةِ ، كما جاء في مُعْجَمِ الْمَعَانِي الْجَامٍعِ. وَرُبَمَا كانَ اشْتِقَاقُها مِنَ الفعلِ "آنَسَ" ، الذي يعني اكتشفَ شَيْئَاً أو وَجَدَهُ أو بَصُرَ بِهِ أو عَلمَ عنهُ ، كما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا" (النِّسَاءُ ، 4: 6) ، و "إِنِّي آنَسْتُ نَارًا" (طَهَ ، 20: 10).

وهكذا ، فإنَّ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "رَبُّ النَّاسِ" ، يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ السَّيِّدُ على هذينِ الجنسينِ مِنْ مخلوقاتِهِ الْمُكَلَّفَةِ ، أي على الإنْسِ والْجِنِّ. وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لهُما مِنْ خلالِ رسالاتِهِ ورُسُلِهِ ، والْمُتَكَفِّلُ لهما بما يحتاجانِهِ في حياتِهِما ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِما. وهُوَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ ، الذي يقفانِ فيهِ أمامهُ للحسابِ ، ثُمَّ حُكمِهِ لهما بالثوابِ في الْجَنَّةِ ، أو عليهِما بالعقابِ في النارِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ التذكيرِ بأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ "رَبُّ النّاسِ" ، مِنْ إنْسٍ وجِنٍّ ، الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم. وهُوَ "مَلِكُ النَّاسِ" ، الذي يَحْكُمُ فيهِم في الدُّنيا والآخِرَةِ. وهُوَ "إِلَٰهُ النَّاسِ" ، الذي خَلَقَهُم ، والذي يُميتُهُم في الحياةِ الدُّنيا ويُحييهُم في الآخِرَةِ. ولذلكَ ، فقد أمَرَ رَسُولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والمؤمنينَ مِنْ إنسٍ وجِنٍّ ، بأنْ يلجئوا إليهِ ويستعيذوا بِهِ مِنْ شَرِّ الشيطانِ الرجيمِ ، الذي وصَفَهُ بأنَّهُ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (الناس ، 114: 1-6).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾‏ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾‏ إِلَٰهِ النَّاسِ ﴿٣﴾‏ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾‏ (الناس ، 114: 1-6).

والشيطانُ ليسَ لهُ سلطانٌ على المؤمنينَ ، الذينَ يستعيذونَ بِرَبِّهِم مِنْ شَرِّهِ ، وإنما سلطانُهُ على الذينَ يستمعونَ إلى وسوستِهِ و يَتَوَلَّوْنَهُ (النَّحْلُ ، 16: 98-100). وقد وصفهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنهُ الخناسُ ، أي الذي يختفي بعد أنْ يوسوِسُ ، خاصةً عندَ ذِكْرِ اللهِ. وفي يومِ الحسابِ ، فإنهُ يأتي لِيقولَ لِلذينَ اتبعوهُ بأنهُ ما كانَ لهُ عليهم مِنْ سُلْطَانٍ ، إلَّا أنَّهُ دعاهم فاستجابوا لهُ. لذلكَ ، فعليهِم ألَّا يلوموا إلَّا أنْفُسَهُم (إبْرَاهِيمُ ، 14: 22).

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٩٨﴾‏ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾‏ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٠﴾‏ (النَّحْلُ ، 16: 98-100).

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ ... (إبْرَاهِيمُ ، 14: 22).

ومِنْ تطبيقاتِ الْعِلْمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ النَّاسِ" ، إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَّرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. وذلكَ تطبيقٌ لأمرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، للمؤمنينَ ، إذا نَزَغَهُم مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ (الأعْرَافُ ، 7: 200). وكذلكَ ، فإنهُ اتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، الذي أمَرَ أصْحَابَهُ بقراءَةِ الْمُعَوَّذَتَيْنِ ، بَعْدَ كُلِّ صلاةٍ. [204]

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأعْرَافُ ، 7: 200).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، فهوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ في ملكوتِهِ العظيمِ. كما لا يجوزُ أن يُجَزَّأَ هذا الاسمُ عندَ الإشارةِ بهِ إلى اللهِ ، سُبحانهُ وتعالى. بلْ يبقى كاملاً ، كما جاءَ في القرآنِ الكريم.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يُدَاوِمَ على الاستعاذَةِ باللهِ مِنْ شّرِّ شياطينِ الإنسِ والْجِنِّ وهَمَزَاتِهِم ، وبقراءةِ المعوذَتَيْنِ ، الفلقِ والناسِ ، وذلكَ كما أوصى اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعبادَهُ الصالحينَ مِنْ بعدِهِ:

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾‏ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾ (الْمُؤمِنُونَ ، 23: 97-98).

151. رَبُّ الْعَالَمِينَ

"رَبُّ الْعَالَمِينَ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ ، أولاهما "رَبُّ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَبَّ" ، الذي يعني عَلَّمَ وأدَّبَ وَتَكَفَّلَ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى. والرَّبُّ هو مَالِكُ الشَّيْءِ وصَاحِبُهُ ، وهوَ السَّيِّدُ في مَكَانِهِ ومَكَانَتِهِ ، وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِمَنْ هوَ مَسْؤولٌ عنهم ، الْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ وَالْلِبَاسِ وَالْمَأوَى لَهُم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم. أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْعَالَمِينَ" ، فهيَ اسمُ يُشِيرُ إلى عَوَالِمِ السماواتِ والأرضِ وما بينهُما ، كما بينَ لنا ربُّنا ، سبحانه وتعالى ، في الآيتينِ الكريمتينِ 22-23 من سورةِ الشُّعَرَاءُ (26).

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "رَبَّ الْعَالَمِينَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، الْمَالِكُ لِمَلَكُوتِهِ العظيمِ ، بما فيهِ ومن فيهِ. فهوَ الذي خلقَ السماواتِ ، وما فيها ، وما يسكنُها مِنْ ملائكتِهِ. وخلقَ الأرضَ وما فيها وما عليها مِن إنسانٍ وحيوانٍ وغيرَ ذلكَ مِنْ مخلوقاتٍ. وخلقَ الْجِنَّ الذينَ يسكنونَ بينهما.  وهوَ رَبُّ هذهِ الْعَوَالِمَ ومَنْ فيهِنَّ مِن مخلوقاتٍ تعيشُ برعايتِهِ وعطفِهِ وحنانِهِ. وهوَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِخَلْقِهِ مِنْ خلالِ رُسُلِهِ ورسالاتِهِ لهم ، وهوَ الْمُتَكَفِّلُ لَهُم بما يحتاجونَهُ في حياتِهِم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم.  وقد لَخَّصَّ ذلكَ رَسُولُ اللهِ إبْرَاهِيم ُ ، عليهِ السلامُ ، كما يلي:

قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾‏ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾‏ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٧٨﴾‏ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴿٧٩﴾‏ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠﴾‏ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴿٨١﴾‏ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴿٨٢﴾‏ (الشُّعَرَاءُ 26: 75-82).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 42 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ. جاءَ في سَبْعٍ منها مَعَ ذِكْرِ "الْحَمْدِ لِلَّهِ" ، كما في الآية الثانيةِ مِنْ سورةِ الفاتحةِ ، التي يُعَلِّمُنا اللهُ ، رَبُّنَا ، تباركَ وتعالى ، فيها أنْ نشكُرَهُ على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى. وجاءَ في الآيةِ العاشرةِ مِنْ سورةِ يُونُسَ ، التي تَذْكُرُ شُكْرَ المؤمنينَ في الجنةِ لربِّهِم ، قائلينَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (يُونُسُ ، 10: 9-10). وجاء أيضاً مَعَ ذِكْرِ الْحَمْدِ للهِ على ربوبيتِهِ للسماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهِن (الْجَاثِيَةُ ، 45: 36).

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 2).  

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٩﴾‏ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٠﴾‏ (يُونُسُ ، 10: 9-10).

فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الْجَاثِيَةُ ، 45: 36).

وجاءَ هذا الاسمُ مَعَ الاسمِ الأعظمِ للخالِقِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، "اللهُ" ، في تسعِ آياتٍ أخرى ، كما في الآية 162 مِنْ سورةِ الأنْعَامِ (6) ، التي يُعَلِّمُنا اللهُ ، تباركَ وتعالى ، فيها أنْ نقولَ بأنَّ عبادَتَنا وحياتَنا ومماتَنا إنما هيَ خالصةٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، لِمرضاتِهِ ، والتقرُّبِ إليهِ (الأنْعَامُ ، 6: 162). وجاء أيضاً مَعَهُ في مَعْرضِ التعريفِ باللهِ بأنهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 30) ، وفي سياق التذكير بأفضالِ اللهِ على الناسِ ، بإسكانِهم في الأرضِ ، ورزقِهِم منْ الطيباتِ ، وأنهُ تباركَ وتعالى صَوَّرَهُم فأحسنَ صُوَرَهُم  (غَافِرُ ، 40: 64).  

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 162).

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 30).

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (غَافِرُ ، 40: 64).

كما ذُكِرَ اسمُ "رَبِّ الْعَالَمِينَ" في سِتِّ آياتٍ وَصَفَ فيها الرُّسُلُ ، عليهِم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ ، رَبَّهُم ، تبارَكَ وتعالى ، بأنهُ "رَبُّ الْعَالَمِينَ." فجاءَ ذلكَ على لسانِ نُوحٍ (الأعْرَافُ ، 7: 61) ، وهُودٍ (الأعْرَافُ ، 7: 67) ، وموُسى (الأعْرَافُ ، 7: 104) ، الذينَ أخبرواَ أقوامَهُم بأنهم رُسُلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. وجاءَ ذلكَ على لسانِ صَالِحٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 145) ، ولوطٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 164) ، وشُعَيْبٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 180) ، الذينَ قالوا لأقوامِهِم بأنهم لا يسألونَهم أجراً ، لأنَّ أجْرَهُم على "رَّبِّ الْعَالَمِينَ."

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 61).

وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 145 ، 164 ، 180).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ." أنتَ الْمُعَلِّمُ والْمُؤدِّبُ لِخَلْقِكَ ، والْمُتَكَفِّلُ لَهُم بما يحتاجونَهُ في حياتِهِم ، والْمُدَبِّرُ لِشِئونِهِم. إنني أدعوكَ بما دعاكَ بِهِ رسولُكَ إبْرَاهِيمَ ، عليهِ السلامُ:

"رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾‏ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿٣٨﴾‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٩﴾‏ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴿٤١﴾‏ (إبْرَاهِيمُ ، 37-41).

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ لأنَّهُ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. فهوَ رَبُّ خلقِهِ جميعاً ، وهوَ مُؤَدِّبُهُم والْمُتَكَفِّلُ بهم. ولكنْ يُمكنُ تسميةُ الولدِ "عَبْدُ الرَّبِّ" أو "عَبدُ رَبِّهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الحمدِ والشكرِ لربِّهِ على نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، وألَّا يترددَ في الدعاءِ إليهِ ، وطلبِ العونِ منهُ.

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الْخَامِسُ

***

أَسْمَاءُ الْأفْعَالِ ، وَالْمَمَادِحُ السَّلْبِيَّةُ ،

 

والصِّفَاتُ الْمُسْتَنْبَطَةُ  

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

 

 

يحتوي هذا الفصلُ الخامسُ مِنَ الكتابِ على ثلاثِ مجموعاتٍ مِنْ الْعِبَارَاتِ التي تُعَبِّرُ عَنْ أفْعَالِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، والصفاتِ التي لا تنطبقُ إلَّا عليهِ ، تبارَكَ وتعالى (والتي سمَّاها بعضُ الباحثينَ "الْمَمَادِحَ السَّلْبِيَّةَ") ، والصفاتِ التي استنبطَها مؤلفونَ آخرونَ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ. ولذلكَ ، فقد تمَّ استثناؤها مِنَ القائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى.

كما يقدمُ الفصلُ الخامسُ جدولاً يتضمنُ 151 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تُمثلُ صِفَاتِهِ وقُدُرَاتِهِ ، والتي ذُكرتْ مفصلةً في الفصلِ الرابعِ. ويحتوي الفصلُ الخامسُ أيضاً على جدولٍ آخَرَ يتضمنُ 99 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي اختارها هذا المؤلفُ استجابةً للدعوةِ المشهورةِ لرسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. وقد تم اختيارُها من القائمةِ الأكبرِ ، والتي أحصاها في الفصلِ الرابعِ ، بعدَ استثناءِ الأسماءِ الأخرى المشتقةِ من نفسِ الفعلِ.

أَوَّلَاً ، أسْمَاءُ الْأَفْعَالِ 

فيما يلي أحَدَ عَشَرَ اسماً مِنْ أسماءِ الأفعالِ ذاتِ الصِّلةِ باللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، والتي ذُكِرَت في القرآنِ الكريمِ ، ولكنها استثنيتْ مِنَ القائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى في هذا الكتابِ ، لكونِها تُعَبِّرُ عَنْ أفعالٍ اللهِ ، سُبحانَهُ وتعالى ، وليسَ عَنْ صفاتِهِ ، كما هوَ الحالُ بالنسبةِ للأسماءِ الْمُدْرَجَةِ في القائمةِ.

1. وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ

تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 47 مِنْ سورةِ الذَّارِيَاتِ (51) أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قد بَنَى السماءَ ، وجعلَها في حالةٍ مستمرةٍ مِنَ التوسعِ. وجاءَ ذلكَ بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ ، في الفعلينِ " بَنَيْنَاهَا" و "مُوسِعُونَ." ولا يجوزُ لأيِّ مخلوقٍ أنْ يدَّعِي بأنهُ فعلَ ذلكَ ، ولا أنْ يُشارَ إليهِ بِهِ ، فهذانِ الفعلانِ هُما مِنْ أفعالِ اللهِ وحدَهُ ، وهُما مِنْ خصائصِ قُدرَتِهِ وإلاهيتِهِ. كما لا يجوزُ تحويلُ هذينِ الفعلينِ إلى اسمينِ ، أيْ إلى "بَانِي" و "مُوسِعٍ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بهما ، جّلَّ وعلا.

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 47).

والمعنى أنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تُخبرُنا بأنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد بَنى السماءَ ، مستخدماً في وصفِ ذلكَ الفعلَ الماضي "بَني" ، أيْ أنَّ البِناءَ قد تمَّ وانتهى في الزمنِ الماضي. ثم تُخبرُنا أنَّهُ مُوسِعٌ للسماءِ ، أيْ أنَّ صفةَ اتساعِ السماءِ هيَ في حالةٍ مستمرةٍ ، تعني الحاضرَ والمستقبلَ.

وهذهِ حقيقةٌ اتفقَ عليها علماءُ الفيزياءِ الفلكيةِ ابتداءً مِنَ القرنِ العشرين فيما يسمُّونَهُ "الْكَوْنَ الْمُتَوَسِّعَ" ، بمعنى "الكونِ دائمِ الاتساع." أما المفسرونَ الثلاثةَ ، جزاهم اللهُ خيراً ، فكانَ تفسيرُهم وَقْفاً على وصفِ السماءِ بالاتساعِ فقطْ ، دونما التطرقِ إلى استمرارِ الاتساعِ ، وهو المعنى الدقيقُ لغوياً وعلمياً. [205]   

2. إِنَّا مُّنتَقِمُونَ

تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 22 مِنْ سورةِ السَّجْدَةِ (32) أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، سَيَنْتَقِمُ مِنَ الْمُجْرِمِينَ ، الذينَ ظلموا أنفسَهم بإعراضِهِم عنْ آياتِ رَبِّهِم ، عندا كانوا يُذَكَّرُونَ بِها. وكذلكَ ، سيفعلُ بالكافرينَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 41) ، عندما يبطشُ بهم الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ ، في اليومِ الآخِرِ (الدُّخَانُ ، 44: 16).

وجاءَ ذلكَ بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ لِلفعلِ "مُنتَقِمُونَ" ، الذي لا يقدِرُ عليهِ إلا اللهُ وحدَهُ ، للاقتصاصِ مِنَ الكافرينَ المُجرمينَ. ولا يجوزُ تحويلُ هذا الفعلِ إلى اسمٍ ، أيْ إلى "مُنْتَقِمٍ" أو "مُنْتَقِمُونَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ كذلكَ.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 22).

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 41).

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (الدُّخَانُ ، 44: 16).

3-6. نَحْنُ الْخَالِقُونَ ، الزَّارِعُونَ ، الْمُنزِلُونَ ، الْمُنشِئُونَ

تَذْكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ 51-72 مِنْ سورةِ الْوَاقِعَةِ (56) وعيداً مِنَ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، للضالينَ الذينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ ورسالاتِهِ ، بِأنهم سَيُعَذَّبُونَ في جهنمَ إذا ما استمروا على ضلالِهِم وتكذيبِهِم ، وذلكَ بصيغةٍ استفهامِيَةٍ استنكاريَّةٍ. وقد بَيَّنَ لهم أنهُ بإذنِهِ فقط يُخْلَقُ مَنِيُّهُم ، ويَنْبُتُ زَرْعُهُم ، ويَنْزِلُ الْمَطَرُ عليهِم ، وتُقَادُ نارُهُم. وجاءتْ أفعالُ اللهِ هذهِ بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ: نَحْنُ الْخَالِقُونَ ، ونَحْنُ الزَّارِعُونَ ، و نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ، و نَحْنُ الْمُنشِئُونَ. وعلى ذلكَ ، فلا يجوزُ تحويلُ هذهِ الأفعالِ إلى أسماءٍ ، لا بصيغةِ الجمعِ ولا بصيغةِ الإفرادِ ، ولا تجوزُ الإشارةُ إليها كأسماءٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بِها.

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾‏ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ﴿٥٢﴾(الْوَاقِعَةُ ، 56: 51-52).

أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾‏ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 58-59).

أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾‏ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿٦٤﴾(الْوَاقِعَةُ ، 56: 63-64).

أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾‏ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴿٦٩﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 68-69).

أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾‏ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ﴿٧٢﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 71-72).

7-8. إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ

تَذْكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ 1- 5 مِنْ سورةِ الدُّخَانِ (44) أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد أنزلَ كتابَهُ العزيزِ ، في ليلةٍ مُبَارَكًةٍ ، هيَ ليلةِ الْقَدْرِ ، لِيُنْذَرَ بِهِ خَلْقَهُ ، مِنْ إنْسٍ وَجِنٍ. كما تُخبرُنا الآياتُ الكريمةُ أنهُ ، عزَّ وجلَّ يُرْسِلُ رُسُلَهُ مِنَ الملائكةِ بأوامِرِهِ في تلكَ الليلةِ ، بما شاءَ عَنْ أمُورِ خلقِهِ.

وجاءَ ذِكْرُ هذينِ الفعلينِ مِنْ أفعالُ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ: إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، وإِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وعلى ذلكَ ، فلا يجوزُ تحويلُهُما إلى أسماءٍ ، لا بصيغةِ الجمعِ ولا بصيغةِ الإفرادِ ، ولا تجوزُ الإشارةُ إليهما كأسماءٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بِهما.

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

حم ﴿١﴾‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾‏ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴿٣﴾‏ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿٤﴾‏ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٥﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 1-5).

وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (القصص ، 28: 45).

9. إِنَّا مُبْرِمُونَ

تَذْكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ 74-79 مِنْ سورةِ الزُّخْرُفِ (43) أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد أنذرَ المجرمينَ أنهم سَيُخَلَّدُونَ في العذابِ المستمرِّ ، عقاباً لهم على ظلمهِم. ومنْ شدةِ ذلكَ العذابِ ، فإنهم سيتمنَونَ الموتَ ويطلبوهُ مِنْ مالكٍ ، المتوكلِ بالنارِ ، ولكنهُ سيخبرُهم أنهم ماكثونَ في العذابِ. وهنا يقولُ لهم ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ جاءهم بالحقِّ ، لكنهم كانوا لهُ كارهينَ. وقد أبرموا أمراً ، لكنَ اللهَ أبْرَمَ ما كانَ أكبرَ مما أبرموا ، أي أنهم كانوا يدبرونَ المكائدَ لرسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لكنَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، دَبَّرَ لهم ما هوَ أكبرُ مِنْ مكائدِهِم.

وجاءَ ذِكْرُ هذا الفعلِ مِنْ أفعالُ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ: فَإِنَّا مُبْرِمُونَ. وعلى ذلكَ ، فلا يجوزُ تحويلُ هذا الفعلِ إلى أسمٍ ، لا بصيغةِ الجمعِ ولا بصيغةِ الإفرادِ. ولا تجوزُ الإشارةُ إليهِ كاسمٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بِهِ.

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤﴾‏ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٥﴾‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴿٧٦﴾‏ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ﴿٧٧﴾‏ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٨﴾‏ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴿٧٩﴾ (الزُّخْرُفُ ، 43: 74-79).

10. وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ

جاءَ هذا الفعلُ مِنْ أفعالُ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، في سياقِ عرضِ قصةِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، الذي هيأَ لهُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، وللمؤمنينَ الذينَ كانوا معهُ ، النجاةَ مِنَ الطوفانَ ومِنَ القومِ الكافرينَ. ثُمَّ أوصاهُ بأنْ يَحْمَدَهُ على النجاةِ مِنَ القومِ الظالِمِينَ ، وبأنْ يدعوهُ راجياً أنْ يُنْزِلَهُ مُنزَلًا مُّبَارَكًا ، أي في مكانٍ مبارَكٍ على الأرضِ ، ليعيشَ فيهِ والمؤمنينَ معهُ رَغَدَاً ، وذلكَ عِوَضَاً عنْ المكانِ الذي عاشوا فيهِ قبلَ الطوفانِ. ثُمَّ يقولُ لنا رَبُّنا أنَّ في هذهِ القصةِ عِبرَةً للناس ، ليعلموا أنَّ هذهِ الدُّنيا ما هيَ إلَّا ابتلاءٌ لهم (المؤمنون ، 23: 28-29) ، ليرى أيُؤمِنُونَ أم يَكْفُرُونَ (آلِ عِمْرَان ، 140-142 ، 154 ، 179 ؛ مُحَمَّدُ ، 47: 31).

وجاءَ ذِكْرُ هذا الفعلِ مِنْ أفعالُ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بصيغةِ الجمعِ التعظيميةِ: وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ. وعلى ذلكَ ، فلا يجوزُ تحويلُ هذا الفعلِ إلى أسمٍ ، لا بصيغةِ الجمعِ ولا بصيغةِ الإفرادِ. ولا تجوزُ الإشارةُ إليهِ كاسمٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بِهِ. 

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٨﴾‏ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴿٢٩﴾‏ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿٣٠﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 30).

11. جَامِعُ النَّاسِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ

تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 9 مِنْ سورةِ آلِ عِمْرَانَ (3) أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، جَامِعُ الناسَ ، أي أنهُ سَيَجْمَعُهُم ، للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، وأنَّ ذلكَ لا ريبَ فيهِ ، وأنهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، لا يُخلفُ الميعادَ. كذلكَ ، فإنَّ الآيةَ الكريمةَ 140 مِنْ سورةِ النِّسَاءِ (4) تُخبرُنا بأنهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ، عقاباً لهم على نفاقِهِم وكفرِهِم في الحياةِ الدُّنيا. وليسَ لأيِّ مخلوقٍ في هذا الكونِ القُدْرَةَ على القيامِ بذلكَ ، فهذا الْفِعْلُ مِنْ قُدُرَاتِ اللهِ وَحْدَهُ ، ومِنْ خصائصِ إلاهيتِهِ. ولا يجوزُ تحويلُ هذا الفعلِ إلى اسمٍ ، أيْ "جَامِعِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ لم يسمِ نفسَهُ بِهِ ، وإنما كانَ ذلكَ فِعْلُهُ ، جّلَّ وعلا.

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 9).

... إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 140).

***

ثَانِيَاً ، الْمَمَادِحُ السَّلْبِيَّةُ

فيما يلي تِسْعُ مِنَ الْعِبَارَاتِ أو الْجُمَلِ ذاتِ الصِّلةِ باللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، ولكنها اسْتُثْنِيَتْ مِنَ القائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى في هذا الكتابِ. فهيّ لم تردْ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ على هيئةِ أسماءٍ ، وإنما كعِبَارَاتٍ تنفي عن اللهِ ، نقائصَ الْخَلْقِ ، وبذلكَ فإنها تؤكدُ كمالَهُ ، جَلَّ وَعَلا. وقد سَمَّاها بعضُ الباحثينَ "الْمَمَادِحَ السَّلْبِيَّةَ" ، لاشتمالِ كُلٍّ منها على إحدى أدواتِ النفي. وقد ذُكِرَت هذهِ التسميةُ في كتابِ يوسف القرضاوي ، رَحِمَهُ اللهُ ، "أسماءُ اللهِ الحُسنى مِنْ كتابهِ وما صحَّ عَنْ نبيِّهِ ."

1. لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ

وردتْ جملةُ "لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ" في 29 آيةً من آياتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وهيَ تقريرٌ واضحٌ مِنَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنهُ لا يُوَجَدُ إلهٌ غيرُهُ ، مما يتوجبُ على مخلوقاتِهِ عبادتَهُ. والملاحَظُ أنها تتضمنُ أحدَ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وهوَ "إله" ، الذي تمَّ ذِكْرُهُ أعلاه. كما أنها تتضمنُ إشارةً إلى اسمٍ آخرَ لهُ ، عزَّ وجل ، باستخدامِ الضميرِ "هُوَ" ، الذي يعودُ على أحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يسبقُ هذهِ الجملةِ مِنَ الآية ، أو يليها. وفي 20 آيةً منها ، فإنَّ الضميرَ "هُوَ" يعودُ على لفظ ِالجلالةِ ، اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما هوَ الحالُ في الآيةِ الكريمةِ 255 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (2). أمَّا في الآياتِ التسعِ الأخرى ، فإنهُ يعودُ على أسماءٍ أخرى لهُ ، جَلَّ وعلا ، كما جاء في الأمثلة التالية: [206]

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (غَافِرُ ، 40: 65).

رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (الْمُزِّمِّلُ ، 73: 9).

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غَافِرُ ، 40: 3).

وهكذا ، فإنَّ جملةَ "لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ" تأكيدٌ لأسماءِ اللهِ الحُسنى التي ذُكرتْ في نفسِ الآيةِ الكريمةِ ، أيْ أنها لا تتضمنُ أحدَ هذهِ الأسماءِ بحدِّ ذاتِها. ولكنَّ القرطبيَّ قد وضعَها ضِمنَ قائمتِهِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى ، بإضافةِ ياءِ المنادَى قَبلَها ، ولكنْ دونَ ذكرِ أيٍّ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى فيها. أمَّا دراويشُ الصوفيةِ ، فإنهم يركزونَ على الضميرِ "هُوَ" ، فيرددونَهُ في حلَقاتِ الذكرِ التي يقيمونها ، في قولهم: "الله حَي ، الله هُو" ، كما سمعَهُم وشاهدَهُم هذا المؤلفُ في فلسطين.

وقد أشارَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في حديثِ طويلٍ رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عَمروٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، إلى أهميةِ "لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ" ، فقال: "فإنَّ السَّماواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبعِ ، لَو وُضِعَتْ في كفَّةٍ ، ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كفَّةٍ ، لرجَحت بهنَّ." [207]

2. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

وردتْ جملةُ "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" في آيَةٍ وَاحِدَةٍ منْ آيِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وذلكَ في مَعْرِضِ ذِكْرِ خَلْقِ اللهِ ، تبارَكً وتعالى ، للسماواتِ والأرض ، وإبداعِها على غيرِ مثالٍ سابقٍ ، وذِكْرِهِ للتكاثُرِ بينَ خَلْقِهِ بأنْ جعلَ لهم مِنْ أنفسِهِم أزواجاً. وهوَ الذي يَسْمَعُهُم ويَرَاهُم ، ولكنهُ لا مثيلَ لهُ في ذلكَ ، جّلَّ وَعَلَا (الشُّورَى ، 42: 11).

وكما مَرَّ ذِكْرُهُ في الفصلِ الأولِ مِنْ هذا الكتابِ ، فإنَّ الصفاتِ الْحِسِّيَّةِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، المذكورةِ في القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشريفِ ، لا تَعني أنها كتلكَ التي لمخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ البشرِ منهم. ولذلكَ ، فإنَّ ذِكْرَهَا لا ينبغي أنْ يُفهمَ منهُ أنَّ بالإمكانِ مقارنتَها بالصفاتِ الجسديةِ للبشرِ ، كما قالَ الطبريُّ وعلماءُ الأمةِ في مختلفِ القرون. [208]

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشُّورَى ، 42: 11).

3. لَمۡ يَلِدْ وَلَمۡ يُولَدْ

وردتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ ، "لَمۡ يَلِدْ وَلَمۡ يُولَدْ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (الإخْلَاصُ ، 112: 3) ، كَرَدٍّ واضِحٍ وصريحٍ على الذينَ قالوا ويقولونَ أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، لهُ ولَدٌ. فقالَ لهم ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ لَمْ يَلِدْ أحَدَاً ، ولَمْ يَلِدْهُ أحدٌ ، أي أنهُ لا ولدٌ لهُ ولا أبوينَ ، تعالى عما يَأفِكُونَ. كما أنهُ إلهٌ واحدٌ ، وليسَ ثالثُ ثلاثةٍ كما يَدَّعُونَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 73) ، وهوَ مصدَرُ الخيرِ لخلقِهِ ، وأنهُ لا نظيرَ ولا مثيلَ لهُ في صفاتِهِ وقُدُرَاتِهِ (الإخْلَاصُ ، 112: 1- 4).

4. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ

وردتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ ، "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (الإخْلَاصُ ، 112: 4) ، كَرَّدٍ على المشركينَ ، الذين كانوا يعبدونَ أصناماً ظنوا أنها آلهةً لهم ، تعادلُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وتشارِكُهُ في إلاهيتهِ لِمَلَكُوتِهِ وخَلْقِهِ. فقالَ لهم اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، أنهُ لا مَثِيلَ ولا شَبِيهَ ولا نظيرَ لهُ ، في ذاتِهِ ، وفي صفاتِهِ وقُدُراتِهِ ، ولا في المقارنةِ معهُ في أيِّ شيءٍ كانَ. فهوَ الإلهُ الواحدُ القهَّارُ (الرَّعْدُ ، 13: 16) ، الذي لا إلهَ غَيْرُهُ (الأعْرَافُ ، 7: 59).

أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾‏  (الإخْلَاصُ ، 112: 1- 4).

5. لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

وردتْ هذهِ الْجُمْلَةُ ، "لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، في آيةِ الْكُرْسِي (الْبَقَرَةُ ، 2: 255) ، وذلكَ بعدَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارّكَ وتعالى ، هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، أي أنهُ هوَ الْحَيُّ الْمُطْلَقُ أزلاً وأبداً. وهوَ واهبُ الحياةِ لغيرِهِ مِنَ الأحياءِ ، الذينَ يموتونَ. وهوَ الأولُ الذي لم يكنْ قبلَهُ شيءٌ أو أحدٌ ، وهوَ الآخِرُ ، الذي لا يموتُ. وهوَ "القيومُ" ، أيْ القائمُ على حِفظِ نظامِ ملكوتِهِ والمتحكمُ فيهِ ، بما في ذلكَ عرشهِ وكرسيهِ ، الذي يحتوي على السماواتِ والأرضِ وما بينهما ، وهوَ المدبرُ لأمورِ خلقِهِ وأرزاقِهِم. وهكذا ، فإنهُ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، "لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ" ، أي أنَّهُ لا يَنْعَسُ ولا يَنَامُ ، وهُوَ دائمُ اليقَظةِ والسَّهَرِ على أجْزَاءِ مَلَكُوتِهِ الْواسِعِ العظيمِ.

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

6. وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا

وردتْ هذهِ الْجُمْلَةُ ، "وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، في آيةِ الْكُرْسِي (الْبَقَرَةُ ، 2: 255) ، وذلكَ بعدَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارّكَ وتعالى ، هُوَ الذي "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ." وذلكَ يعني أنهُ على ضخامةِ مُلْكِهِ العظيمِ مِن سماواتٍ وأرضينَ ، فإنهُ لا يُتعبُهُ حِفْظُهُمَا ، مِنْ أنْ يَعْتَرِيَهُمَا أيُ خللٍ ، في تكوينِ كلٍ منها ، أو في وظائِفِها ، أوفي أمورِ الكائناتِ التي تعيشُ فيها.

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

7. لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ

وردتْ هذهِ الْجُمْلَةُ ، "لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (سَبَأُ ، 34: 3) ، وذلكَ في سياقِ رَدِّ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، على الكافرينَ الذينَ أنكروا قيامَ الساعةِ.  فأمرَ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنْ يُقْسِمَ لهم بِقَولِه: " بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ" ، وأمَرَهُ أنْ يفعلَ ذلكَ أيضاً في آيتينِ أخريينِ (يُونُسُ ، 10: 53 ؛ التَّغَابُنُ ، 64: 7) ، كما ذَكَرَ ابنُ كَثِيرٍ. عندها ، فإنهُ ، جَلَّ وَعَلا ، سَيُحَاسِبُ خَلْقَهُ على أفعالِهم وأقوالِهِم ، مهما كانتْ صغيرةً أو كبيرةَ. فهوَ "عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ" ، أي الذي لا يغيبُ عنْ علمِهِ مِقدَارُ أو وزنُ ذرةٍ فيهما ، لأنَّ ذلكَ مُسَجَّلٌ عندَهُ في اللوحِ المحفوظِ.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سَبَأُ ، 34: 3).

 

8. لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ

وردتْ هذهِ الْجُمْلَةُ ، "لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (الأنْعَامُ ، 6: 103) ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، لِقُدْرَتِهِ على إدراكِ أبصارِ خَلْقِهِ ، بينما لا تَقْدِرُ أبصارُهُم على إدراكِهِ ، عّزَّ وَجَلَّ. والمعنى أنهُ يحيطُ بخلقِهِ علماً ، بما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ، بينما هم لا يُمْكِنُهُم الإحاطةُ بعلمِهِ إلَّا بما شاءَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

والإدراكُ هوَ الإحاطةُ بالشيءِ والعلمُ بهِ وفَهْمُهُ ، برؤيتِهِ أو بغيرِ ذلكَ. أمَّا إبصارُ الشيءِ فيعني رؤيتَهُ ، ولكنْ ليسَ بالضرورةِ إدراكُهُ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، يَرَى خلقَهُ ويُدْرِكُ أبصارَهم ، وماهم قادرونَ على فعلِهِ ، وما يفعلونَ. لكنهم لا يقدرونَ على إدراكِ كُنْهِهِ ، أو الإبصارِ بهِ ، أي رؤيتِهِ في هذهِ الدُّنيا (الأعْرَافُ ، 7: 143).أمَّا في الآخِرَةِ ، فإنَّ أهلَ الجنةِ سَيَسْعَدُونَ بالنظرِ إليهِ (الْقِيَامَةُ ، 75: 22-23) ، ولكنْ دونما الإحاطةِ بهِ ، عَزَّ وَجَلَّ.

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 103).

9. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ

وردتْ هذهِ الْجُمْلَةُ ، "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ" ، مَرَّةً واحِدَةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (فَاطِرُ ، 35: 44) ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، لِقُدْرَتِهِ على فعلِ أيِّ شيءٍ يُرِيدُهُ في السماواتِ والأرضِ. أمَّا الخلقُ ، فإنهم محدودونَ بقدراتِهم ، بفعلِ محدوديتِهِم في الزمانِ والمكانِ.

وقد كانَ ذلكَ خطابٌ لكُفَّارِ قُرَيْشٍ (وللكافرينَ عموماً مِنْ بعدِهِم) ليسيروا في الأرض ، لِيَرَوْا عقابَ اللهِ للكافرينَ مِنَ الأممِ السابقةِ ، مثلَ عادٍ وثمودَ وأصحابِ الأيكةِ وقومِ لوطٍ ، ليتعظوا بما حلَّ بهم مِن تدميرٍ ، معَ أنهم كانوا أشدَّ قوةَ منهم. لكنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لم تُعْجِزْهُ قوتُهم ، فأهلكَهم بذنوبِهِم. أمَّا كفارُ قُريشٍ ، فقد مَكَّنَ اللهُ ، عَزَّ وجَلَّ ، رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، منهم في فتحِ مكةَ ، بعدَ ذلكَ بسنين.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (فَاطِرُ ، 35: 44).

***  

ثَالِثَاً ، الصِّفَاتُ الْمُسْتَنْبَطَةُ

فيما يلي 28 مِنَ أسماءِ الصفاتِ التي أوْرَدَها مؤلفونَ آخرونَ على أنها مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ استناداً على القائمةِ التي ذكرَها التِّرمِذيُّ (الْمُتَوَفَّى في عامِ 209 للهجرةِ \ 892 للميلاد) ، جزاهُ اللهُ خيراً عنْ أعمالِهِ في خدمةِ دينِ اللهِ. وقد اسْتُثْنِيَتْ أسماءُ الصِّفَاتِ هذهِ مِنْ قائمةِ أسماءِ اللهِ الحسنى في هذا الكتابِ لأنها لم تَرِدْ نَصَّاً في كتابِ اللهِ العزيزِ ، وهو الشَّرْطُ الأساسُ الذي توفرتْ عليه جميعُ الأسماءِ المُدْرَجَةِ في هذهِ القائمةِ. ورُبَّمَا تكونُ هذهِ الأسماءُ قد اسْتُنْبِطَتْ مِنَ كتابِ اللهِ (أي فُهِمَتْ ، وتَمَّ اسٍتِنتَاجُها ، والتَّوَصُّلَ إلَيْها) ، وذَكَرَها العديدُ مِنَ المؤلفينَ ، دونَ تمحيصٍ مِنْ أغلبهم عنْ مصدرِها. وغنيٌّ عنْ القولِ أنَّ هذا المؤلِفَ وحدَهُ هوَ المسؤولُ عَمَّا يلي مِنْ شرحٍ وتفسيرٍ لهذهِ الأسماءِ ، ومنْ توثيقٍ لما يُمْكِنُ أنْ يكونَ مَصْدَرُها في كتابِ اللهِ ، واللهُ الْمُسْتَعَانُ.

1. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْقَابِضِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ (فُهِمَ ، وتَمَّ اسٍتِنتَاجُهُ ، والتَّوَصُّلَ إلَيْهِ) مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 245).

2. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْبَاسِطِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 245).

3. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْخَافِضِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾‏ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴿٣﴾‏" (الْوَاقِعَةُ ، 56: 1-3). والجديرُ بالذكرِ أنَّ هذهِ صفةَ الساعةِ ، وليستْ صفةً للهِ ، عَزَّ وَجَلًّ.

4. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الرَّافِعِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 55).

5. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُعِزِّ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا" (فَاطِرُ ، 35: 10).

6. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُذِلِّ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ" (الْمُجَادِلَةِ ، 58: 20).

7. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْحَكَمِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" (يُونُسَ، 10: 109).

8. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْعَدْلِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النَّحْلُ ، 16: 90).

9. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْجَلِيلِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 27).

10. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْبَاعِثِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُور" (الْحَجُّ ، 22: 7).

11. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُحْصِي" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا " (الْجِنُّ ، 72: 28).

12. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُبْدِئِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏" (الرُّومُ ، 30: 11).

13. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُعِيدِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏" (الرُّومُ ، 30: 11).

14. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُمِيتِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 28).

15. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْوَاجِدِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ" (الضُّحَى ، 93: 6).

16. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمَاجِدِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ" (هُودُ ، 11: 73).

17. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُقَدِّمِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ" (ق ، 50: 28).

18. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُؤَخِّرِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 42).

19. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْوَالِي" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "ُوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ "(الشُّورَى ، 42: 28).

20. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُقْسِطِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18).

21. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْجَامِعِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 9).

22. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمُغنِي" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "... وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التَّوْبَةُ ، 9: 28).

23. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْمَانِعِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ" (الأنْبِيَاءُ ، 21: 43).

24. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الضَّارِّ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "... قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَاً" (الْفَتْحُ ، 48: 11).

25. لَمْ يَرِدْ اسمُ "النَّافِعِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "... قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَاً" (الْفَتْحُ ، 48: 11).

26. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الْبَاقِي" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ" (طَهَ ، 20: 73).

27. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الرَّشِيدِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "ٰوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

28. لَمْ يَرِدْ اسمُ "الصَّبُورِ" نَصَّاً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وإنما يُمْكِنُ أنْ يكونَ قد اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى: "ٰوَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 42).

والجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بأنهُ "صَبُورٌ" ، باستخدامِ الفعلِ "صَبَرَ" أو أيٍّ مِنْ مُشْتَقَّتِهِ ، في القرآنِ الكريمِ. لكنهُ وَصَفَ رُسُلَهُ بذلكَ (الأنْعَامُ ، 6: 34) ، وكذلكَ وَصَفَ المؤمنينَ (الرَّعْدُ ، 13: 42).

*** *** ***

***


 

الْجَدْوَلُ الأوَّلُ

القَائِمَةُ الْمُطَوَّلُةُ التي تَتَضَمَّنُ 151 مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى ، كَمَا ذُكرتْ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

 

اللهُ

إلَهُ

إلَهُ النَّاسِ

 

الرَّحْمَنُ

الرَّحِيمُ

أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

ذُو الرَّحْمَةِ

الْمَلِكُ

الْمَلِيكُ

مَالِكُ يَوْمِ

الدِّينِ

مَالِكُ الْمُلْكِ

الْقُدُّوسُ

السَّلامُ

الْمُؤمِنُ

الْمُهَيْمِنُ

الْعَزِيزُ

الْجَبَّارُ

الْمُتَكَبِّرُ

الْخَالِقُ

الْخَلَّاقُ

أحْسَنُ

الْخَالِقِينَ

الْبَارِئُ

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ

الْمُصَوِّرُ

غَافِرُ الذَّنْبِ

الْغفُورُ

الْغَفَّارُ

خَيْرُ الْغَافِرِينَ

ذُو الْمَغْفِرَةِ

وَاسِعُ

الْمَغْفِرَةِ

أهْلُ الْمَغْفِرَةِ

أهْلُ التَّقْوَى

الْقَاهِرُ

الْقَهَّار

الْوَهَّابُ

الرَّزَّاقُ

خَيْرُ الرَّازِقِينَ

الْفَتَّاحُ

خَيْرُ الْفَاتِحِينَ

الْعَلِيمُ

عَالِمُ الْغَيْبِ

عَالِمُ الْغيبِ والشَّاهَدَةِ

عَلَّامُ الْغُيُوبِ

وَاسِعٌ عَلِيمٌ

الْمُحِيطُ

السَّمِيعُ

الْبَصِيرُ

الْحَكِيمُ

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ

وَاسِعٌ حَكِيمٌ

اللَّطِيفُ

الْخَبِيرُ

الْحَلِيمُ

الشَّاكِرُ

الشَّكُورُ

الْعَلِيَّ

الْمُتَعَالُ 

الأعْلَى

الْكَبِيرُ

الْعَظِيمُ

الْحَافِظُ

الْحَفِيظُ

الْمُقِيتُ

الْحَسِيبُ   

سَرِيعُ الْحِسَابِ

أسْرُعُ الْحَاسِبِينَ

الْكَرِيمُ

الأكْرَمُ

الرَّقِيبُ

الْقَرِيبُ

الْمُجِيبُ

نِعْمَ الْمُجِيبُونَ

الْوَدُودُ  

الْحَمِيدُ

الْمَجِيدُ

الشَّهِيدُ

الْحَقُّ

الْمُبِينُ

الْوَكِيلُ

 

نِعْمَ الْوَكِيلِ

الْكَافِي

  الْقَوِيّ 

ذُو الْقُوَّةِ

الْمَتِينُ

الْمُسْتَعَانُ

الْوَلِيُّ

الْمَوْلَى

نِعْمَ الْمَوْلَى

النَّصِيرُ

 

نِعْمَ النَّصِيرُ

خَيْرُ النَّاصِرِينَ

خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ

الْهَادِيُّ

الْحَيُّ

مُحْيي الْمَوْتَى

مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ

الْقَيُّومُ

الْوَاحِدُ

الأحَدُ

الصَّمَدُ

غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ

فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ

الْقَادِرُ

الْقَدِيرُ

الْمُقْتَدِرُ

نِعْمَ الْقَادِرُونَ

 

نِعْمَ الْمَاهِدِونَ

الأوَّلُ

الآخِرُ

الظَّاهِرُ

الْبَاطِنُ

الْبَرُّ

التَّوَّابُ

 

قَابِلُ التَّوْبِ

الْعَفُوُّ 

الرَّؤوفُ

الْغَنِيُّ

نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ 

الْوَارِثُ

خَيْرُ الْوَارِثِينَ

 

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

فَالِقُ الإصْبَاح    

فَالِقُ الْحَبِّ والنَّوَى 

شَدِيدُ الْمِحَالِ

شَديدُ الْعِقَابِ

شَدِيدُ الْعَذَابِ

ذُو عِقَابٍ ألِيمٍ

ذُو انْتِقَامٍ

ذُو الْفَضْلِ 

ذُو الطَّوْلِ

ذُو الْمَعَارِجِ

ذُو الْعَرْشِ

ذُو الْجَلالِ والإكْرَامِ

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ

الرَّبُّ

رَبُّ الْعَرْش

رَبُّ الْعِزَّةِ

رَبُّ الشِّعْرَى

رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ

رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا

رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

رّبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ

رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ

رَبُّ كُلِّ شَيءٍ 

 رَبُّ النَّاسِ

رَبُّ الْعَالَمِين

 

الْجَدْوَلُ الثَّانِي

القَائِمَةُ الْمُصَغَّرَةُ التي تَتَضَمَّنُ 99 مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى ، التي اختارها هذا المؤلفُ مِنَ القائمةِ المطوَّلةِ ، الموجودةِ في الجدولِ الأولِ ، بعدَ استثناءِ الأسماءِ الأخرى المشتقةِ من نفسِ الفعلِ

 

الْجَبَّارُ

الْعَزِيزُ

الْمُهَيْمِنُ

الْمُؤْمِنُ

السَّلَامُ

الْقُدُّوسُ

الْمَلِكُ

الرَّحِيمُ

الرَّحْمَـٰنُ

اللهُ

الرَّزَّاقُ

الْوَهَّابُ

الْقَاهِرُ

الْغَافِرُ

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْض

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرْض

الْمُصَوِّرُ

الْبَارِئُ

الْخَالِقُ

الْمُتَكَبِّرُ

الشَكُورُ

الْحَلِيمُ

الْخَبِيرُ

اللَّطِيفُ

الْحَكِيمُ

الْبَصِيرُ

السَّمِيعُ

الْمُحِيطُ

الْعَلِيمُ

الْفَتَّاحُ

المُّجِيبُ

القَرِيبُ

الرَّقِيبُ

الْكَرِيمُ

الحَسِيبُ

المُّقِيتُ

الحَفِيظُ

الْعَظِيمُ

الْكَبِيرُ

الْعَلِيُّ

الْمَتِينُ

الْقَوِيُّ

الْكَافِي

الْوَكِيلُ

الْمُبِينُ

الْحَقُّ

الشَهِيدُ

الْمَجِيدُ

الْحَمِيدُ

الْوَدُودُ

الْقَيُّومُ

مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ

مُحْيِي الْمَوْتَى

الْحَيُّ

الْهَادِي

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ

 خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

النَّصِيرُ

الْوَلِيُّ

الْمُسْتَعَانُ

الظَّاهِرُ

الْآخِرُ

الْأَوَّلُ

نِعْمَ الْمَاهِدِونَ

نِعْمَ الْقَادِرُونَ

الْقَدِيرُ

فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ

غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ

الصَّمَدُ

الأحَدُ

فَالِقُ الإصْبَاحِ

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

الْوَارِثُ

نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ

الْغَنِيُّ

الرَؤوفُ

العَفُوّ

التَّوَّابُ

الْبَرُّ

الْبَاطِنُ

ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ

ذُو الْمَعَارِجِ

ذُو الطَّوْلُ

ذُو الْفَضْلِ

أهْلُ التَّقْوَى

ذُو انتِقَامٍ

شَدِيدُ الْعَذَابِ

شَدِيدُ الْعِقَابِ

شَدِيدُ الْمِحَالِ

فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى

رَبُّ الْعَالَمِين

 رَبُّ النَّاسِ

رَبُّ كُلِّ شَيءٍ 

رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ

رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا

رَبُّ الشِّعْرَى

رَبُّ الْعِزَّةِ

رَبُّ الْعَرْش

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْمُلاحَظَاتُ الاسْتِطْرَادِيَّةُ وَالتَوْثيِقِيَّةُ

***

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



مُلاحَظَاتٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ وَتَوْثيِقِيَّةٌ:

[1] جاءَ وصفُ الشيطانِ بأنه "رجيم" في ستِّ آياتٍ منَ القرآنِ الكريمِ ، هيَ: 3:36 ، 15: 17 ، 15: 34 ، 16: 98 ، 38: 77 ، 81: 25. والمعنى أنَّ الشيطانَ ملعونٌ ومطرودٌ مِنْ رحمةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لمعصيتهِ واستكبارِهِ. ولذلكَ ، أمرَنا اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، في الآياتِ الكريمةِ 16: 98 ، 23: 97 ، 114: 1-6 بالاستعاذةِ مِنَ الشيطانِ "الرَّجِيمِ" ، حتى لا نتأثرَ مِنْ شرِّهِ ووَسْوَسَتِهِ. 

 وبينت لنا الآيات الكريمة 37: 6-10 أن وصف الشيطان "بالرجيم" إشارة إلى رميه هو ونسله وأتباعه بالشهب الثاقبة كلما حاولوا الاقتراب من السماء الدنيا لاستراق السمع عما يجري فيها ، وذلك بعد طرده من مملكة الله السماوية لعصيانه أمر ربه.

وأخبرنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله إبراهيم ، عليه السلام ، قد رجم الشيطان بالحصى فعلياً ، عندما حاول أن يثنيه عن طاعة ربه ، عز وجل. وأصبح ذلك جزءاً من شعائر الحج ، حيث يقوم الحجاج برمي الجمرات على نفس المواضع التي ظهر الشيطان فيها لإبراهيم ، عليه السلام ، مما يعني طاعتهم لله ورفضهم لوسوسة الشيطان الرجيم.

فعن عبد الله بنِ عباس ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "لمَّا أَتَى إبراهيمُ خَلِيلُ اللهِ المَناسِكَ عرضَ لهُ الشَّيْطَانُ عندَ جَمْرَةِ العقبةَ ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ ، ثُمَّ عرضَ لهُ عندَ الجمرةِ الثانيةِ ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ ، ثُمَّ عرضَ لهُ عِنْدِ الجمرةِ الثالثةِ ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ" (صححهُ الألباني ، في صحيح الترغيب: 1156).

 

[2] أنظر البحث القيم الذي نشره د. محمد بن عبد الله المقشي ، بعنوان: "القول في بعض صفات الله تعالى كالقول في البعض الآخر" ، في "الألوكة الشرعية" ، بتاريخ 2\4\1439 هجرية ، 21\12\2017 ميلادية ، والذي استعرض فيه أقوال وشروح وتفسيرات علماء الأمة في القرون المختلفة ، في موضوع صفات الله الجسدية ، سبحانه وتعالى ، والذي يمكن قراءته على الرابط التالي:

 

https://www.alukah.net/sharia/0/123931/#ixzz6xlGDHqLL

 

القول في بعض صفات الله تعالى كالقول في البعض الآخر (alukah.net)

[3] وهؤلاءِ المفسرونَ الثلاثةُ لهم معرفة شاملة بكتابِ اللهِ وبسنةِ رسولهِ وبأقوالِ الصحابةِ ، فوظفوا ذلك في الوصول إلى أكثر من تفسير للكلمة أو الآية ، ورجحوا تفسيراً على آخر ، بل وانتقدوا بعض الشروح والمعاني التي لا تتماشى مع القرآن الكريم ، خاصة أن آياتِهِ تفسرُ بعضَها بعضاً.

وأقدمهم أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، الذي ولد في طبرستان (في إيران) في عام 224 هجرية (840 ميلادية) وتوفى في بغداد ، في عام 310 هجرية (923 ميلادية). أما كتاب تفسيره للقرآن الكريم فهو بعنوان: "ْجَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِّ الْقُرْآنِ" ، الذي استغرق في كتابته حوالي ست سنوات من أواخر عمره ، من عام 283 إلى عام 290 هجرية.

ويليه زماناً محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي ، الذي ولد في قرطبة بالأندلس ، في العقد الأول من القرن السابع الهجري ، وتوفى في منية بني خصيب ، بصعيد مصر ، في عام 671 هجرية (1272 للميلاد). وكتاب تفسيره للقرآن الكريم بعنوان: "الْجَامِعُ لأحْكَامِ الْقُرْآنِ والْمُبَيِّنُ لِمَا تَضَمَنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وآيِّ الْفُرْقَانِ."

أما ثالثهم زماناً فهو أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير ، الذي ولد في مَجْدَلِ بُصْرَى ، بجنوب سوريا ، في عام 700 هجرية (1300 ميلادية) ، ولكنه تعلم وعاش في دمشق حتى وفاته في عام 774 هجرية (1372 ميلادية). وعنوان كتابه هو: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ."

***

وبالإضافةِ إلى أعمالِ المفسرينَ الثلاثةَ ، فقد استفادَ هذا المؤلفُ مِنْ كتابينِ آخَرَينِ شهيرينِ. الأولُ مِنْ تأليفِ القرطبي ، بعنوانِ: "الأسنى في شرحِ أسماءِ اللهِ الحُسنى وصفاتِهِ." وهو منشور على روابطَ عديدةٍ في الشبكةِ العالميةِ ، منها:

Quranicthought Top|الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته للقرطبي ( ط – المكتبة العصرية )

والكتابُ الثاني هوَ مِنْ تأليفِ أبي حامدٍ الغزالي ، المتوفي عام 505 ه \ 1111 م ، بعنوانِ: "المقصدُ الأسنى في شرحِ أسماءِ اللهِ الحُسنى." وهو منشور على روابطَ عديدةٍ في الشبكةِ العالميةِ ، منها:

 

تحميل كتاب المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - الغزالي - ت الخشت - ط القرآن ل لابي حامد الغزالي pdf (ketabpedia.com)

 

[4] انظرْ الملاحظةَ الاستطراديةَ رقم 122 ، المُلْحَقَةُ باسمِ "الْحَيِّ" ، تبارَكَ وتعالى ، والتي تُورِدُ آياتٍ وأحاديثَ عنْ الكرسي. وهناك رواية أخرى لواحدٍ منَ الأحاديثِ ، كما يلي:

 

عن سعيد بن جبير ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "الكُرْسِيُّ موضعُ القدمينِ ، والعرشُ لا يقدرُ أحدٌ قدْرَهُ " (الألباني ، مختصر العلو ، صحيح موقوف: 45).

 

[5] ذُكرت العبادات المفروضة الخمس (الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج) في آيات عديدة من القرآن الكريم ، كما يلي:

شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران ، 3: 18).

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب ، 33: 40).

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة ، 2: 110).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة ، 2: 183).

وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ (آل عمران ، 3: 97).

[6] الآياتُ الثلاثُ التي تم ذكرها عن سبب خلق الله ، سبحانه وتعالى ، للإنس والجن ، هي كما يلي:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون ، 23: 115).

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿٣٨﴾ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ (الدخان ، 44: 38-39).

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ (الذاريات ، 51: 56).

فيما يلي نَصُّ الحديثِ الذي يلخصُ العباداتِ المفروضةِ الخمس:

عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عن أبيه ، رضي الله عنهما ، أن رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ أبي داود: 4695 ، وأخرجه مسلم: 8 ، والترمذي: 2610 ، والنسائي: 4990 ، وابن ماجه: 63 ، وأحمد: 367 ، باختلاف يسير، وابن منده في الإيمان: 2).

[7] فيما يلي نّصُّ الآياتِ الكريمةِ التي وردتْ بها كلمةُ "اتقوا" بمعنى "تجنبوا":

... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة ، 5: 2).

وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (آل عمران ، 3: 131).

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال ، 8: 25)..

[8] نَصَّ الآياتِ الكريمةِ المشارِ إليها عن المعانيَ الساميةِ لكلمةِ "الإحسان":

إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل ، 16: 90).

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت ، 41: 33).

وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (الإسراء ، 17: 23).

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة ، 2: 195).

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة ، 2: 112).

فَأَثَابَهُمُ اللَّـهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (المائدة ، 5: 85). 

[9]  نَصُّ الآيات السبع التي تقدم أمثلة عملية عن الإحسان:

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة ، 2: 195).

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران ، 3: 134).

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (الأعراف ، 7: 56).

لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (التوبة ، 9: 91).

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (هود ، 11: 115).

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت ، 29: 69)..

[10] نَصُّ الأحاديثِ الشريفة المشار إليها ، والتي تقدم أمثلة تطبيقية على التقوى والإحسان:

عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عن أبيه ، رضي الله عنهما ، أن رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ عَنْ الْإِحْسَانِ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ أبي داود: 4695 ، وأخرجه مسلم: 8 ، والترمذي: 2610 ، والنسائي: 4990 ، وابن ماجه: 63 ، وأحمد: 367 ، باختلاف يسير، وابن منده في الإيمان: 2).  

عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ (و في روايةٍ أخرى: صالحَ الأخلاقِ) (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 45 ، الزرقاني: 184 ، أحمد: 8939).

وعن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "خيرُ الناسِ ذُو القلبِ المخمُومِ واللسانِ الصَّادِقِ ، قِيلَ: ما القلبُ المخمُومِ؟ قال : هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ الذي لا إِثْمَ فيه ولا بَغْيَ ولا حَسَدَ . قِيلَ: فَمَنْ على أثَرِهِ ؟ قال : الَّذي يَشْنَأُ الدُّنيا ، ويُحِبُّ الآخِرةَ . قِيلَ: فمَنْ على أثَرِهِ؟ قال: مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ" (صححه الألباني في صحيح الجامع: 3291 ، وفي صحيحِ الترغيبِ: 2931 ، باختلافٍ في التقديمِ ، وليسَ في المعنى).

وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "لا تحاسَدُوا ، ولا تناجَشُوا ، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا ، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا ، المسلِمُ أخُو المسلِمِ ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ ، ولا يَحقِرُهُ ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ ، دمُهُ ، ومالُهُ ، وعِرضُهُ" (صححه الألباني في صحيح الجامع: 7242 ، البخاري مختصراً: 6064 ، ومسلم: 2564 ، باختلاف يسير).

[11] فيما يلي نص الآيات العشر عن تسخير السماوات والأرض لفائدة الإنسان في الدنيا والآخرة:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (هود ، 11: 7).

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ (الملك ، 67: 1-2).

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل ، 16: 12).

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية ، 45: 13).

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (الرحمن ، 55: 33).

وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران ، 3: 133).

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلً (النساء ، 4: 57).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴿٧﴾ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴿٨﴾ (البينة ، 98: 7-8).

قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّـهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٢﴾ إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ (الجن ، 72: 22-23).

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (النساء ، 4: 56).

[12] فيما يلي نَصُّ الأحاديثِ الشريفةِ الثلاثةِ التي تَمَّ ذِكْرُهَا عَنِ الْجَنَّةِ والنَّارِ:

عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "احتجَّتِ الجنَّةُ والنَّارُ ، فقالَتِ الجنَّةُ: يَدخلُني الضُّعفاءُ والمساكينُ . وقالتِ النَّارُ: يدخلُني الجبَّارونَ والمتَكَبِّرونَ. فقالَ للنَّارِ: أنتِ عذابي أنتقِمُ بِكِ ممَّن شئتُ. وقالَ للجنَّةِ: أنتِ رحمتي ، أرحمُ بِكِ مَن شِئتُ" (حسَّنه الألباني ، عن صحيح الترمذي: 2561 ، البخاري: 589).

عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إذا خلُصَ المؤمنونَ من النَّارِ ، حُبِسُوا بقنطرةٍ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ فيتقاصُّونَ مَظالِمَ في الدُّنيا ، حتَّى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا ، أَذِنَ لَهم بدخولِ الجنَّةِ ، فوالَّذي نفسُ مُحمَّدٍ بيدْه! لأَحدُهُم بمنزلِهِ أدَلُّ منهُ في الدُّنيَا" (صححه الألباني: 658 ، أحمد: 11110 ، البخاري: 486).

عَنْ عُبادةَ بنِ الصامتِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: " مَن شَهِدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسى عبدُه ورسولُه ، وابنُ أَمَتِهِ ، وكلمتُه ، ألقاها إلى مريمَ ، ورُوحٌ منه ، وأنَّ الجنةَ حقٌّ ، وأنَّ النارَ حقٌّ ، وأنَّ البَعْثَ حقٌّ ، أدخله اللهُ الجنةَ – على ما كان من عملٍ – من أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاء" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 6320 ، وهوَ في صحيحِ ابنِ حبانٍ: 207 ، وصحيحِ البخاري: 3435 ، باختلافٍ يسيرٍ).

[13] فيما يلي نَصُّ الآيات الكريمة التي تمت الإشارة إليها عن عباد الله الصالحين وثوابهم في الآخرة:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ ۖ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر ، 35: 15).

لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الحج ، 22: 37).

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان ، 76: 3).

وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (البلد ، 90: 10).

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة ، 2: 30).

مَّا يَفْعَلُ اللَّـهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (النساء ، 4: 147).

قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (الفرقان ، 25: 77).

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّـهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (النحل ، 16: 61).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة ، 5: 54).

[14] فيما يلي نَصُّ الأحاديثِ الشريفةِ عنِ الفئاتِ الثلاثِ مِنَ المؤمنينَ الذينَ يُحُبُّهُمُ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ:

عَنْ سعدٍ بنِ أبي وقاصٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قالَ: "إنَّ اللهَ كريمٌ يُحبُّ الكُرَماءَ ، جوادٌ يُحبُّ الجَوَدَةَ ، يُحبُّ معاليَ الأخلاقِ ، و يكرَهُ سَفْسافَها" (صححه الألباني في صحيح الجامع: 1800).

عن عائشة ، أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ" (حسنه الألباني في صحيح الجامع: 1880).

عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، أن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كان يقول: "إنَّ الخيرَ خيرُ الآخرةِ ، أو قال: اللهمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرةِ ، فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجِرَةِ" (الألباني ، السلسلة الصحيحة: 3198 ، البخاري: 428 ، 7201 ، ومسلم: 524 ، 1805).

[15] فيما يلي نَصُّ الآيات الكريمة التي تتحدث عن تدريب الإنسان في الحياة الدنيا ، لإعداده لسكنى ملكوت الله الواسع في السماوات والأرض ، في اليوم الآخر:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء ، 17: 70).

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِّيُعَذِّبَ اللَّـهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٧٣﴾ (الأحزاب ، 33: 72-73).

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هود ، 11: 61).

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (الأعراف ، 7: 43).

[16] فيما يلي نص الأحاديث الشريفة الثلاثة عن إعداد الإنسان للحياة في الآخرة:

عن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنه ، أنه قال: أخذَ رَسولُ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، ببَعضِ جسَدي فقالَ: "كُن في الدُّنيا كأنَّكَ غَريبٌ أو عابرُ سبيلٍ ، وعدَّ نفسَكَ في أَهْلِ القبورِ (صححه الألباني عن صحيح الترمذي: 2333 ، الزرقاني في مختصر المقاصد: 784 ، وأحمد: 4764).

عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به ، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له" (صححه الألباني في صحيح الجامع: 793 ، مسلم: 1631).

عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "قالَ اللَّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ" (صحيح البخاري: 7498 ، 3244 ، ومسلم: 2824 ، وصححهُ الألباني ، بناءً على صحيحِ الترمذي: 3197 ، الذي اشتملَ في آخِرِهِ على: "وتَصديقُ ذلِكَ في كتابِ اللَّهِ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (السجدةُ ، 32: 17). كما أخرجهُ النسائي ، في السنن الكبرى: 11085 ، وابن ماجه: 4328 ، وأحمد: 9649).

[17] هناكَ العديدُ من المواقعِ التي تقدمُ قوائمَ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، مع بعضِ الشرحِ والتفسير ، وفيما يلي ستٌ منها ، تحتوي على الكتبِ الأربعةِ المذكورةِ ، بالإضافةِ إلى قائمةٍ تُعَرِّفُ بالأسماء:

أولاً ، كتابُ "المقصدُ الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" ، من تأليف أبي حامد الغزالي (المتوفي في عام 505 هجرية \ 1111 ميلادية) ، على الروابط التالية:

المقصد الأسنى شرح أسماء الحسنى : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive

كتاب : المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى (islamicbook.ws)

 

تحميل كتاب المقصد الاسنى في شرح اسماء الله الحسنى - الغزالي - ت الخشت - ط القرآن ل لابي حامد الغزالى pdf (ketabpedia.com)

 

ثانياً ، كتابُ "الأسنى: في شرحِ الأسماءِ الحُسنى" ، الذي ألفهُ محمد بن أحمد القرطبي (المتوفي في عام 671 هجرية \ 1273 ميلادية) ، وهوَ متوفرٌ في مواقعَ عديدةٍ على الشبكةِ العالميةِ ، كما تشيرُ إليهِ الروابطُ التاليةُ:

 

http://www.archive.org/details/asnaa_asmaa_alla

http://www.4shared.com/get/QvcGeWF-/________.html

Quranicthought Top|الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته للقرطبي ( ط – المكتبة العصرية )

ثالثاً ، كتابُ "أسماء الله الحسنى" ، تأليف محمد متولي الشعراوي (المتوفي في عام 1419 هجرية \ 1998 ميلادية) ، على الرابط التالي:

مؤلفات الشيخ محمد متولي الشعراوي : مكتبة المنارة الأزهرية : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archivehttps://books-library.net/free-404520365-download

أسماء الله الحسنى . محمد متولي الشعراوي . مكتبة أبوالعيس (slideshare.net)

رابعاً ، "أسماءُ اللهِ الحُسنى مِنْ كتابهِ وما صحَّ عَنْ نبيِّهِ" ، تأليف يوسف القرضاوي (الذي ولدَ في عام 1345 هجرية \ 1926 ميلادية) ، على الرابط التالي:

كتاب الشيخ يوسف القرضاوي : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive

- يوسف القرضاوي أسماء الله الحسنى (qaradawi.github.io)

خامساً ، "النَّهجُ الأسمى في شرحِ أسماءِ اللهِ الحُسنى"  ، تأليف محمد الحمود النجدي ، إصدارُ مكتبةِ الذهبيِّ ، بالكويت (1406 هجرية \ 1988 ميلادية).

النهج_الأسمى_في_شرح_أسماء_الله_الحسنى_ محمد الحمود النجدي Maktbah.net.pdf | Powered by Box

سادساً ، قائمةُ أسماءٍ بعنوان: "المُوجز ، في أسماء الله الحسنى" ، جمعها وأعدها سامي بن عبد الله عبد الرحمن السنيد (معاصر لنشر هذا الكتاب: 1443 هجرية \ 2021 ميلادية) ، على الرابط التالي:

(come2allah.net)

http://come2allah.com/main_Body.htm#

 

[18] الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه: "اللهم ... أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك ..." صححه الألباني في شرح الطحاوية: 108 والكلم الطيب: 124 ، وأخرجه أحمد: 3712 ، وابن حبان: 972 ، والطبراني: 10/210 و10352 ، باختلاف يسير.

[19] الحديث الشريف الذي رواه أبو هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا" ، بدون ذكر الأسماء ، صححه البخاري: 7392 ، والألباني ، عن الترمذي: 3506 ، وقال عنه أنه حسن صحيح ، وعن ابن ماجه: 3127. وخلاصةُ حكمِ الألباني عليهِ بأنهُ يُصبحُ ضعيفاً بسردِ الأسماءِ.

[20] الحديثُ المنسوبُ إلى أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنه ، الذي أخرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، والذي أُلْحِقَتْ بِهِ قائمةٌ بالأسماءِ التي قيلَ إنها للهِ ، عزَّ وجلَّ ، قد ضَعَّفَهُ الألبانيُ في ضعيفِ الترمذي: 3507 ، وفي مشكاة المصابيح: 2228 ، وفي ضعيف الجامع: 1946 ، وفي هِدايةِ الرُّواةِ: 2228 ، كما ضعَّفَ نفسَ الحديثِ المنسوبِ لعليٍ بنِ أبي طالبٍ ، رضي اللهُ عنه ، في السلسلةِ الضعيفةِ: 2563. وتلكَ القائمةُ كما يلي:

هو اللهُ الَّذي لا إِله إلَّا هو ، الرَّحمَنُ ، الرَّحيمُ ، المَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، المُؤْمِنُ ، المُهيمِنُ ، الْعزيزُ ، الجبَّارُ ، المتكبِّرُ ، الخالِقُ ، البارِئُ ، المصَوِّرُ ، الغفَّارُ ، القهَّارُ ، الوهَّابُ ، الرَّزَّاقُ ، الفَتَّاحُ ، العليمُ ، القابِضُ الباسِطُ ، الخافضُ ، الرَّافعُ ، المُعِزُّ ، المُذِلُّ ، السميعُ ، البصيرُ ، الحَكَمُ ، العَدْلُ ، اللَّطيفُ ، الخبيرُ ، الحليمُ ، العظيمُ ، الغفورُ ، الشَّكورُ ، العَلِيُّ ، الكبيرُ ، الحفيظُ ، المُقِيتُ ، الحسيبُ ، الجليلُ ، الكريمُ ، الرَّقيبُ ، المُجيبُ ، الواسعُ ، الحكيمُ ، الوَدُودُ ، المَجيدُ ، الباعثُ ، الشهيدُ ، الحَقُّ ، الوكيلُ ، القوِيُّ ، المتينُ ، الولِيُّ، الحميدُ ، المُحْصِي ، المُبْدِئُ ، المُعيدُ ، المُحْيِي ، المُمِيتُ ، الحَيُّ ، القيُّومُ ، الواجِدُ ، الماجِدُ ، الواحِدُ ، الصَّمدُ ، القادِرُ ، المُقْتَدِرُ ، المُقَدِّمُ ، المُؤَخِّرُ ، الْأَوَّلُ ، الْآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الباطِنُ ، الوالِي ، المُتَعَاِلي ، البَرُّ ، التَّوَّابُ ، المُنْتَقِمُ ، العَفُوُّ ، الرَّؤوفُ ، مالِكُ المُلْكِ ، ذو الجَلالِ والْإِكرامِ ، الْمُقْسِط ، الْجَامِعُ ، الْغَنِيُّ ، المُغْنِي ، المانِعُ ، الضَّارُّ ، النافِعُ ، النُّورُ ، الهادِي ، البديعُ ، الباقِي ، الوارِثُ ، الرَّشيدُ ، الصَّبورُ.

الدرر السنية - الموسوعة الحديثية - نتائج البحث (dorar.net)

انظرْ أيضاً مقالةَ "أسماءِ اللهِ الحُسنى" ، المنشورةَ على موقعِ "المعرفةِ" ، والتي تتضمنُ مناقشةً لقائمةِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، المنسوبةَ للحديثِ الذي أخرجَهُ الترمذيُّ ، رحمهُ اللهُ. وهي على الرابط التالي:

 

أسماء الله الحسنى - المعرفة (marefa.org)

نَصُّ الرأيِّ الذي قالهُ شيخُ الإسلامِ ، ابن تيمية ، عنْ أنَّ التسعةَ والتسعينَ اسماً لم يردْ في تعيينِها حديثٌ صحيحٌ ، موجودٌ ضمنَ المقالةِ المذكورةِ أعلاه ، على الرابطِ التالي: أسماء الله الحسنى - المعرفة (marefa.org)

وتستندُ المقالةُ إلى مصدرينِ مذكورينِ على موقع "صيد الفوائد" ، وهما كتاب محمد الكوس ، بعنوان: "الوجيز في أسماء الله" (1425 هجرية ، صيد الفوائد saaid.net)  ،  وكتاب محمد بن خليفة التميمي ، بعنوان: "مُعتَقَدُ أهلِ السُّنَةِ والجماعةِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى" (1426 ، صيد الفوائد saaid.net).

ويُمكنُ أيضاً قراءةُ شرحِ الشيخِ ماهر بن ظافر القحطاني لهذا الحديثِ الشريفِ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ، على الرابط التالي:

http://www.al-unna.net/articles/file.php?id=2970

 

[21]  وردَ في الحديثِ الشريفِ سبعةُ أسماءِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، هي المسعِّرُ والقابضُ والباسط ُ والرازقُ والمقدِّمُ والمؤخِّرُ ومقلِّبُ القلوبِ. وقد أخبرنا بها رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلم ، في ثلاثةِ أحاديثَ شريفةٍ. ولم يصفها عليهِ الصلاةُ والسلامُ بأنها من أسماءِ الحسنى ، وإنما وردت في أحاديثِهِ الشريفةِ كصفاتٍ وقُدُرَاتٍ لله ، عزَّ وجل.  وعلى ذلك ، فإنَّ البحثَ لإحصاءِ أسماءِ اللهِ الحسنى هوَ في القرآنِ الكريم ، من غيرِ استنباطٍ ولا تغييرٍ فيها.

 

فعَنْ أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ الله عنه ، أنهُ قال: غَلا السِّعرُ علَى عهدِهِ ، فقالوا : يا رسولَ اللَّهِ ، سَعِّرْ لنا. قالَ: "إنَّ اللَّهَ هوَ المُسعِّرُ القابِضُ الباسطُ الرَّازقُ ، وإنِّي لأرجو أن ألقَى اللَّهَ وليسَ أحدٌ منكُم يطالبُني بمظلَمةٍ في دَمٍ ولا مالٍ" (أخرجهُ الترمذي في سُنَنِهِ: 1314 ، وصححهُ الألبانيُ في غايةِ المرام: 323).

وذكرَ القرضاوي أنهُ ليسَ في الصحيحينِ (أي البخاري ومسلم) مما ليسَ في كتابِ اللهِ ، إلا ثلاثةَ أسماءٍ ، هي "المقدِّم" و "المؤخِّر" ، كما جاءَ في حديثِ ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهما ، و "مُقلِّبُ القلوبِ" ، الذي كانَ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، يدعو به.

فعَنِ أبي موسى الأشعري ، رضيَ الله عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ، كانَ يَدْعُو بهذا الدُّعَاءِ: "... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ ، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنِّي ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 1264 ، وهوَ أيضاً في صحيحِ مسلمٍ: 2719 ، صحيحِ البخاري: 6398 ، باختلافٍ يسير).

وعنْ أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، يُكثرُ أن يقولَ: "يا مقلِّبَ القلوبِ ، ثَبِّتْ قَلبي علَى دينِك." قالوا يا رسولَ اللهِ: آمنَّا بكَ وبِما جئتَ بهِ ، فما تخافُ علَينا؟ فقال: "نعَم ، إنَّ القلوبَ بين إصبَعينِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ يقلِّبُها" (صححهُ الألباني ، في تخريج كتاب السُّنةِ: 225 ، وكذلك في صحيح الترمذي: 2140).

[22]  أوردَ القرضاويُ في كتابهِ قائمةَ ابنِ الوزيرِ ، التي اشتملت على مائةٍ وخمسةٍ وخمسينَ اسماً ، ذكرَ ابنُ الوزيرِ أنها وردتْ كنصٍ صريحٍ في القرآنِ الكريمِ ، دونَ اشتقاقٍ ، ما عدا "الأعز" ، الذي اشتقه مِنَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (المنافقون ، 63: 8). والحقيقةُ أنَّ هناكَ وَاحِداً وعشرينَ اسماً منها لم تَرِدْ نصاً في القرآنِ الكريم ، كما يلي:

فأسماءُ "الحاكمِ" و "الحَكَمِ" و "الأحكمِ" لم تَرِد نصاً في كتابِ الله ، وإنما وردَ الحكيمُ وخيرُ الحاكمينَ وأحكمُ الحاكمين. ولم يَرِدْ اسمُ "الأعلمِ" نصاً ، وإنما وردَ العالِمُ والعلامُ والعليمُ. ولم يَرِدْ "المالِكُ" ، وإنما وردَ مالِكُ المُلكِ ومالِكُ يومِ الدين. ولم يردْ "الرازقُ" ، وإنما وردَ الرزاقُ وخيرُ الرازقينَ. ولم يردْ "الناصرُ" ، وإنما وردَ النصيرُ ونعمَ النصيرِ وخيرُ الناصرينً. ولم يردْ "الأقوى" ، وإنما وردَ القويُّ وذو القوةِ. ولم يردْ "الأعزُّ" ، وإنما وردَ العزيزُ. ولم يردْ "الأقربُ" ، وإنما وردَ القريبُ. ولم يردْ "الفاعلُ" ، وإنما وردَ الفعالُ (فعالٌ لما يريد). ولم يردْ "الأعظمُ" ، وإنما وردَ العظيمُ. ولم يردْ "الشاهدُ" ، وإنما وردَ الشهيدُ. ولم يردْ "الأكبرُ" ، وإنما وردَ الكبيرُ. ولم يصفْ اللهُ ، سبحانه وتعالى ، نفسهُ بأنهُ "الكفيلُ" وإنما وصفهُ بذلكَ الذينَ يحلفونَ بهِ. ولم يردْ "المستمعُ" ، وإنما وردَ السميعُ. ولم يَرِدْ "الرشيدُ" كاسمٍ أو إشارةٍ لله ، عزَّ وجلَّ. ولم يَرِدْ "السريعُ" ، وإنما وردَ سريعُ الحسابِ وأسرعُ الحاسبينَ. ولم يَرِدْ "الكاتبُ" ، وإنما وردَ معناهُ في قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" (الأنبياء ، 21: 94). ولم يَرِدْ "الفاتِحُ" ، وإنما وردَ الفتاحُ.

واشتملتْ قائمةُ ابنِ الوزيرِ أيضاً على العديدِ من الأسماءِ المُشتقةِ مِنْ أفعالٍ منسوبةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى. فمثلاً ، لم يَرِدْ اسمُ "الرافعِ" في القرآنِ الكريمِ ، وإنما وردَ معناه في قولِهِ ، تباركَ وتعالى: " إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (آلِ عمران ، 3: 55). و "رافعكَ" هنا مِثْلُ "متوفيكَ" ، كلاهما فعلانِ مِنْ أفعالِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يجوزُ اعتبارُهما بأنهما مِنْ أسمائهِ الحسنى ، جلَّ شأنهُ.

[23] للمزيد عن تاريخ ونشأة علم النحو العربي ، انظر مقالةَ علي النجدي ناصف ، بعنوان " تاريخُ النحوِّ" ، المنشورة على موقع "الألوكة" ، بتاريخ 20 يناير 2008 ميلادي ، 11 محرم 1429 هجري ، على الرابط التالي:

 https://www.alukah.net/sharia/0/1825/#ixzz76Azrq6ht

وانظر أيضاً مقالةَ ولاء أبو داود ، بعنوان ، "نشأةُ علمِ النحوِّ" ، المنشورة عل موقعِ "موضوع" ، بتاريخِ 11 يناير 2021 ، على الرابط التالي: نشأة علم النحو - موضوع (mawdoo3.com)

[24] الآياتُ الكريمةُ التي مَيَّزَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لفظَ الجلالةِ ، الله ، مَعَ أربعةِ أسماءِ صفاتٍ أخرى ، بأنْ أشارَ إلى نفسِهِ بها ، باستخدامِ الضميرِ "أنا" ، هي كما يلي:

إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه ، 20: 14).

يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (النمل ، 27: 9).

يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (القصص ، 28: 30).

لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (النحل ، 16: 2).

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الحجر ، 15: 49).

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (طه ، 20: 12).

إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء ، 21: 92).

وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون ، 23: 52).

[25]  من مقالة عبد الله معروف: "النحو العربي: نشأته ومدارسه وقضاياه" ، المنشورة على موقع "الألوكة" ، بتاريخ 27 ديسمبر2017 ميلادي ، 8 ربيع الثاني 1439 هجري ، على الرابط التالي:

شبكة الألوكة (alukah.net)

https://www.alukah.net/sharia/0/124121/#ixzz76Fvzm8nR

لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عن اختلاف البصريينَ والكوفيينَ على أصلِ الاشتقاقِ في اللغةِ ، أهوَ الاسمِ أم الفعلِ ، انظرْ مثلاً المقالةَ القيمةَ ، التي كتبها أبو محمد يونس المراكشي ، بعنوانِ: " أصل الاشتقاق هل الفعل أم المصدر؟" ، والتي نُشرتْ على موقعِ "مُلتقى أهلُ اللغةِ لعلومِ اللغةِ العربيةِ" ، في ديسمبر 2013 ، على الرابطِ التالي:

أصل الاشتقاق هل الفعل أم المصدر ؟ - ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية (ahlalloghah.com)

[26] من مقالة حسن مدان: "الصفةُ في اللغةِ العربية ِ، مِنْ منظورِ النحوِ العربيِّ القديم" المنشورة على موقع "الألوكة" ، بتاريخ 23 يناير2019 للميلاد ، 16 جمادى الأول 1440 للهجرة ، على الرابط ِالتالي:

 sefaaarabic (1).pdf

الصفة في اللغة العربية من منظور النحو العربي القديم (PDF) (alukah.net)

[27] يحتوي الجدول الأول على قائمة تضم 151 من أسماء الله الحسنى ، التي تُمثلُ صفاتَهُ وقُدراتَهُ ، والتي أحصاها هذا المؤلف في كتاب الله العزيز. أما الجدول الثاني ، فإنه يحتوي على قائمة تضم 99 من أسماء الله الحسنى ، التي تم استخلاصها من القائمة الأولى ، باستثناء الأسماء المشتقة ، وذلك استجابة لدعوة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، للمسلمين بدراسة كتاب الله ، عزَّ وجل ، وإحصاء أسماء الله الحسنى فيه.   

[28] الإحصائياتُ العدديةُ الواردةُ في هذا الكتابِ ، ن أسماء الله الحُسنى مأخوذةٌ من نتائج البحث في موقع شبكة تنزيل (tanzil.net) ، وكذلك مِنَ: "الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لألْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي ، الذي نشرته دارُ الفكرِ ، في القاهرةِ ، عام 1406 هجرية \ 1986 للميلاد.

[29] تمت الإشارة لكلمة "إله" في القرآن الكريم 17 مرة بصيغة محايدة أو بالعلاقة مع آلهة المشركين ، وذلك في الآيات الكريمة 7: 138 ، 7: 140 ، 20: 97 ، 21: 29 ، 23: 91 ، 23: 117 ، 25: 43 ، 25: 68 ، 26: 29 ، 26: 213 ، 28: 38 ، 28: 88 ، 38: 5 ، 45: 23 ، 50: 26 ، 51: 51 ، 52: 43.

[30] عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا ، ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا ، أَوْ يَعْمَلُوا بهِ" (صحيحُ مسلمٍ: 127 واللفظ له ، صحيحُ البخاريِّ: 5269 ، وصححهُ الألباني ، باختلافٍ يسيرٍ ، بناءً على صحيحِ ابنِ ماجه: 1672 ، وصحيحِ النسائي: 3435 ، وفي صحيحِ الجامعِ: 1730 ، بناءً على روايةِ عنْ عِمرانَ بنِ الحُصينِ ، رضيَ الله عنهُ).

[31] ذكر اسم "الرَّحۡمَـٰنِ" ، سبحانه وتعالى ، 170 مَرَّةً في القرآن الكريم ، جاءَ ذلكَ في الْبَسْمَلِةِ ، التي تُفتتحُ بها 113 سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ (حَيْثُ أنَّ سُورَةَ التوبةِ ليسَ لها بَسْمَلَةٌ) ، وكذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 30 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ (27). ، وجاءَ أيضاً في 47 آيةً ، كما يلي: 1: 3 ، 2: 163 ، 13: 30 ، 17: 110 ، 19: 18 ، 19: 45 ، 19: 58 ، 19 61 ، 19: 69 ، 19: 75 ، 19: 78 ، 19: 85 ، 19: 87 ، 19: 88 ، 19: 93 ، 19: 96 ، 20: 5 ، 20: 90 ، 20: 109 ، 21: 26 ، 21: 36 ، 21: 42 ، 21: 112 ، 25: 59 ، 25: 60 ، 25: 63 ، 26: 5 ، 27: 30 ، 36: 11 ، 36: 15 ، 36: 23 ، 36: 52 ، 41: 2 ، 43: 19 ، 43: 20 ، 43: 33 ، 43: 36 ، 43: 45 ، 50: 33 ، 55: 1 ، 59: 22 ، 67: 3 ، 67: 19 ، 67: 20 ، 67: 29 ، 78: 37 ، 78: 38. وجاءَ هذا الاسمُ بصيغةِ "لِلرَّحۡمَـٰنِ" في تِسْعِ آياتٍ أخرى ، هي: 19: 26 ، 44 ، 91 ، 92 ، 108 ؛ 25: 26 ؛ 25: 60 ؛ 43: 17 ، 81.

[32] أخِذَتْ إحصائياتُ أسماءِ اللهِ الحسنى ، الواردةِ في هذا الكتابِ ، بما في ذلكَ اسمِ "الرَّحِيمِ" مِنْ مصدرينِ ، هما: شبكةُ تنزيل (tanzil.net) وكذلك مِنَ: "الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لألْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي ، الذي نشرته دارُ الفكرِ ، في القاهرةِ ، عام 1406 هجرية \ 1986 للميلاد.

[33] فيما يلي أمثلةٌ على الأشكالِ الثلاثةِ للأسماءِ الخمسةِ ، أيْ ذُو ، وَذِي ، وَذَا ، كما وردتْ في القرآنِ الكريمِ:

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 74).

مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (الْمَعَارِجُ ، 70: 3).

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 87).

[34]  نصُّ الآياتِ الكريمةِ الثلاثِ التي تمتْ الإشارةُ إليها في مَعْرِضِ تخفيفِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، عنْ رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، عندما كذَّبَهُ قومُهُ ، كما يلي:

فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (فَاطِرُ ، 35: 8).

فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (النَّحْلُ ، 16: 82).

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يُونُسُ ، 10: 99).

[35] نصُّ الحديثِ الشريفِ ، الذي يشيرُ إلى ذكرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، فيهِ أنهُ الْمَلِكُ ، في يومِ الدين:

عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: "يأخذُ الجبارُ سماواتِهِ وأرْضَهِ بيدِهِ ، ثُمَّ يقولُ أنا الجبارُ ، أنا الملِكُ ، أينَ الجبارونَ ؟ أينَ المتكبِّرُونَ؟ (أخرجه البخاري: 7412 ، مسلم: 2788 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 8009 ، واللفظ له باختلاف يسير).

[36] نَصُّ الحديثِ الشريفِ عنْ رعايةِ الرَّعيةِ ، كما يلي:

 

عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "كُلُّكُم راعٍ وَكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ. فالإمامُ راعٍ ، ومسؤولٌ عن رعيَّتِهِ ، والرَّجلُ في أَهلِ بيتِهِ راعٍ ، وَهوَ مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ" (صححهُ الألباني ، في تخريجِ مشكلةِ الفقرِ: 93 ، وفي غايةِ المرامِ: 169 ، وأخرجه البخاري: 893 ، ومسلم: 1829 ، باختلافٍ يسيرٍ).

 

[37] نصُّ الحديثِ الشريفِ المشارِ إليهِ ، عن ذِكْرِ اسمِ "الْقُدُّوسِ" في الركوعِ والسجودِ ، كما يلي:

عنْ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ كانَ يقولُ في رُكوعِهِ وسجودِهِ: "سبُّوحٌ ، قدُّوسٌ ، ربُّ الملائِكةِ والرُّوحِ" (صححهُ الألباني ، بناءً على صحيحِ النسائي: 1133 ، وصحيحِ أبي داودَ: 872).

[38] نصُّ الحديثِ الشريفِ المشارِ إليهِ ، عن محبةِ الله ، سبحانهُ وتعالى ، للجمالِ ومعاليَ الأخلاق ، كما يلي:

عَنْ جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ ، يحبُّ الجَمالَ ، و يحبُّ مَعالِيَ الأَخلاقِ ، و يكرَهُ سَفسَافَهَا" (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 1743).

[39] التسبيحُ هوَ التنزيهُ والتقديسُ والتبرئةُ مِنَ النقائصِ ، كما ذَكرَ المفسرونَ الثلاثةَ في تفسيرِهم للآيةِ الكريمةِ 23 ، مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (59) التي تَربُطُ ما بينَ صفاتِ الكمالِ الموجودةِ في أسماءِ اللهِ الحًسنى وبينَ لزومِ تسبيحِ مخلوقاتِهِ لهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بناءً على ذلك. أمَّا نَفْيُ ظلمِ اللهِ للناس ، فقد وردَ ذِكرُهُ في الآيةِ الكريمةِ  44 مِنْ سورةِ يُونُس (10). كما تمت الإشارة إلى تحيةِ اللهِ لعبادِهِ المؤمنينَ "بالسلام" في الجنة ، في الآياتِ الكريمةِ التاليةِ.

إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يُونُسُ ، 10: 44).

سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (يَس ، 36: 58).

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 44).

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (يُونُسُ ، 10: 10).

[40] نصُّ الحديثِ الشريفِ عنْ الدُّعاءِ باسمِ "السلامِ" ، سبحانهُ وتعالى:

عن أمِّ المؤمنينً عائشةَ ، رضي الله عنها ، أنها قالت: كانَ النبيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ، إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ ما يقولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ." (صححهُ الألبانيُّ ، عن صحيحِ النسائيِّ: 1337 ، وعن صحيحِ الترمذي: 298 ، باختلافٍ يسيرٍ في مُقدمةِ الحديثِ).

كما رُويَ هذا الحديثُ الشريفُ عنْ ثوبانٍ ، مولى رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّم ، وصححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4688 ، وعن صحيحِ ابنِ ماجه: 765 ، وعن صحيحِ النسائي: 1336 ، باختلافٍ يسيرٍ في مُقدمةِ الحديثِ.

[41] للمزيدِ منَ التفصيلِ عنِ النفسِ الإنسانيةِ والجزئينِ المكونينِ لها ، أنظرْ الفصلَ التاسعَ ، " الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ."

 

[42]  نصُّ الحديثِ الشريفِ الذي يربِطُ تعريفَ المسلمِ والمؤمنِ بعدمِ إلحاقِ الأذى بالناس ، والحديثِ الشريفِ الذي يُشيرُ إلى أنَّ أعمالَ الخير تُدخِلُ الناسَ الجنةَ ، كما يلي:

عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِم وأمْوَالِهِم" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 6710 ، وبناءً على صحيحِ الترمذيِّ: 2627 ، وصحيحِ النسائيِّ: 5010).

وعن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قال: "يا أَيُّها الناسُ! أَفْشُوا السلامَ ، وأطْعِمُوا الطعامَ ، وصِلُوا الأرحامَ ، وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلوا الجنةَ بسَلامٍ" (الألباني ، صحيح الجامع: 7865).

[43] صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند: 7017 ، وصحح الألباني روايةً أخرى متفقةً معهُ في المعنى لأبي هريرة ، رضي الله عنه ، في صحيح الجامع: 6658 ، بناءً على صحيحِ الترمذي: 2627 ، وروايةً ثالثةً لفضالة ِبن عبيد ، رضيَ اللهُ عنهُ). 

 

[44] أنظرْ نضَّ الحديثِ الشريفِ الذي تمَّ ذِكْرُهُ آنفاً في الفقرةِ الأخيرة مِنْ اسمِ "السَّلَامِ" ، والملاحظةِ المتعلقةِ بها.

 

[45] على سبيل المثال ، انظر المقالة المنشورة باللغةِ الإنكليزيةِ والمعنونة: "أقدمُ تسعِ نسخٍ منَ التوراةِ في العالَم." تذكرُ هذه المقالةُ بأنَّ "العلماءَ يعتقدونَ أنَّ النسخةَ النهائيةَ مِنَ التوراةِ التي لدينا اليومَ قد تمتْ كتابتُها أثناءَ السبيِّ البابليِّ ، أيْ حوالَي 539 قبلَ الميلاد. ولم يتبقَ مِنْ نصوصِ تلكَ النسخةِ إلا بعضِ القطعِ القليلة. أمَّا أقدمُ نسخةٍ كاملةٍ من التوراةِ التي لدينا اليوم ، فإنها تعودُ إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد. 

https://www.oldest.org/religion/torah/

أما كتبُ العهدِ الجديدِ (الأناجيل) ، فقد كتبت باللغة اليونانية ، بينما كانت الآرامية هي اللغة السائدة في فلسطين أثناء حياة المسيح ، عليه السلام ، على الأرض ، وقبل رفعه إلى السماء.

Was the New Testament written in Greek or in Hebrew? | Bible things in Bible ways (wordpress.com)

[46] وردَ اسمُ "الْعَزِيزِ" مُعَرَّفَاً ومُنَكَّرَاً في وسيلة البحث الموجودة في موقع شبكة تنزيل (www.tanzil.net) ، وكذلكَ في "المعجمِ المفهرسِ لألفاظِ القرآن الكريمِ" ، الذي ألفه محمد فؤاد عبد الباقي ، 99 مرةً ، منها 11 مرةً في الإشارةِ لغير الله. وهكذا ، فإن "الْعَزِيزَ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، قد ذُكر في القرآن الكريم مُعَرَّفَاً ومُنَكَّرَاً 88 مرةً.

وردتْ كلمةُ "الْعَزِيزِ" مُعَرَّفَةً ومُنَكَّرَةً 11 مرةً في القرآنِ الكريمِ في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، في الآيةِ الكريمةِ 9: 128 في الإشارة إلى النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وفي 11: 91 عن شعيب ، عليه السلام ، وفي 12: 30 عن امرأةِ العزيز ، وفي 12: 51 عن امرأة العزيز أيضاً ، وفي 12: 78 عن العزيز ، وفي 12: 88 عن العزيز أيضاً ، وفي 14: 20 عن الخلق ، وفي 35: 17 عن الخلق الجديد ، وفي 41: 41 عن الكتاب ، وفي 44: 49 عن الأثيم ، وفي 48: 3 عن النصر لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم.

وأتتْ كلمةُ "العزةِ" ، بمعنى القوة والمنعة والكبرياء لله ، سبحانه وتعالى ، ومنحها للعباد أو منعها عنهم في ثمانِ مراتٍ ، في ستِّ آياتٍ كريمةٍ هي: 2: 206 ، 4: 139 ، 10: 65 ، 35: 10 ، 37: 180 ، 63: 8.

[47] فعن عبد الله بن مسعود ، رضي اللهُ عنهُ ، أن النبيَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ." قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً. قالَ: "إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ. الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ ، وغَمْطُ النَّاسِ" ، أي احتقارهم (صحيح مسلم: 91).

[48] الآياتُ الكريمةُ المذكورةُ ، التي تشيرُ إلى انفطارِ السماواتِ ، هيَ كما يلي:

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (مريم ، 19: 90).

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ (الشورى ، 42: 5).

إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (الانفطار ، 82: 1).

السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (المزمل ، 73: 18).

[49] للمزيد مِنَ التفصيلِ عن الخلقِ الأولِ في الطبيعةِ والخلقِ الثاني في الرحمِ ، انظرْ الفصلَ الرابعَ: "الخلقُ والتطورُ في القرآنِ الكريمِ" ، مِنْ كتابِ المؤلِّفِ: "الإسْلَامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلْبَشَرِيَّة" ، المنشورِ على مَوْقِعِهِ: www.ccun.org

[50] نصُّ الحديثِ الْقُدْسِيِّ ، الذي يُبشرُ بمغفرة الله ، سبحانهُ وتعالى ، للمذنبينَ المستغفرينَ ، كما يلي:

عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "قالَ اللَّهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعَوتَني ورجَوتَني غفَرتُ لَكَ ولا أُبالي ، يا ابنَ آدمَ لو بَلَغَتْ ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولا أبالي ، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقِرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً" (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، بناءً على صحيحِ الترمذيِّ: 3540 ، وأحمد مختصراً بمعناهُ: 13493).

[51] نصُّ الحديثِ الشريفِ ، الذي يُبَشِّرُ بمغفرة الله ، سبحانهُ وتعالى ، للمذنبينَ المستغفرينَ ، والصائمينَ والقائمينَ ، إيمانًا واحْتِسابًا ، كما يلي:

عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" (صححهُ الألبانيُّ ، بناءً على صحيحِ أبي داودَ: 1372 ، وأخرجهُ البخاري: 2014 ، ومسلم: 760).

[52] نصُّ الحديثِ الشريفِ ، الذي يُبَشِّرُ بمغفرة الله ، سبحانهُ وتعالى ، للمذنبينَ المستغفرينَ ، بعد التطهرِ مِنْ ذنوبِهِم وقيامِهِم بالصلاةِ ، تضرعاً إليهِ ، تباركَ وتعالى:

عن أبي بكر الصديق ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "ما من رجلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ، ثُمَّ يصلِّي ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ ، إلَّا غفرَ اللهُ لهُ." ثُمَّ قرأَ الآيَةَ 135 من سورةِ ألِ عِمران (3): "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الترغيبِ: 680 ، وأخرجهُ أبو داودُ: 1521 ، والترمذيُّ: 406 ، والنسائيُّ في السننِ الكبرى: 11078 ، وابنُ ماجه: 1395 ، وأحمدُ: 2).

[53] نصُّ الآياتِ الكريمةِ التي تمت الإشارة إليها ، والتي تشتملُ على الفعلِ "غَفَرَ" في القرآنِ الكريمِ:

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص ، 28: 16).

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (ص ، 38: 25).

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (الشورى ، 42: 43).

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾‏ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٧﴾‏ (يس ، 36: 27)..

[54] نصُّ الآياتِ الكريمةِ التي تذكرُ أمثلةً على مُشتقاتِ الفعلِ "غَفَرَ":

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آلِ عِمران ، 3: 129).

وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء ، 4: 106).

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (مريم ، 19: 47).

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأعراف ، 7: 151).

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (هود ، 11: 90).

أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (الأنفال ، 8: 4).

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‎‎(الأنفال ، 8: 33).

[55] فقد ذُكِرَ اسمُ "الْغَفُورِ" مع اسمِ "الرَّحِيمِ" في ثلاثٍ وسبعينَ آيةٍ منها ، كما وَرَدَ في الآيةِ الكريمةِ 15: 49 ، ومع الحليم (البقرة ، 2: 225 ، 235 ؛ آلِ عِمران ، 3: 129 ؛ النساء ، 4: 100 ؛ المائدة ، 5: 101 ؛ الإسراء ، 17: 44 ؛ فاطر ، 35: 41) والعفو (النساء ، 4: 43 ، 99 ؛ الحج ، 22: 60 ؛ المجادلة ، 58: 2) ، ومع الربِّ ذي الرحمة (الكهف ، 18: 58) ؛ ومع العزيز (فاطر ، 35: 28 ؛ المُلك ، 67: 2) ، ومع الشكور (فاطر ، 35: 30 ، 34 ؛ الشورى ، 42: 23) ، ومع الودود (البروج ، 85: 14).

[56] عن أبي أيوبٍ الأنصاريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، قالَ: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ (لَيالٍ). يَلْتَقِيانِ ، فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا ، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 7660 ، وفي الأدبِ المفرد: 756 ، وبناءً على صحيحِ الترمذي: 1932. كما جاءَ في صحيحِ البخاري: 6077 ، وصحيحِ مُسلمِ: 2560 ، باختلافٍ يسيرٍ بينهم ، على مُسلمٍ أو رَجلٍ أو امرِئٍ ، وعلى يُعرِضُ أو يَصُدُ).

[57] عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قال: "كلُّ بَني آدمَ أَصابَ مِنَ الزِّنى لا مَحالةَ. فالعينُ زِناها النظرُ ، واليدُ زِناها اللمْسُ ، والنفْسُ تَهوَى وتُحَدِّثُ ، ويُصَدِّقُ ذلك ويُكذِّبُه الفَرْجُ" (صححهُ شعيبُ الأرناؤوط ، وأخرجه من طرق البخاري: 6243 ، ومسلم: 2657 ، وأبو داود: 2153 ، والنسائي في السنن الكبرى: 11544 مطولاً بنحوه ، وأحمد: 8598 واللفظ له).

[58] عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ" (صححهُ الألبانيَّ ، بناءَ على صحيحِ ابنِ خُزيمةَ: 2429، وأخرجَهُ أبو يعلي: 2707).

[59] عن جابر بن عبد الله ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليةِ وسلمَ ، قال: "يا أيُّها الناسُ ، إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ. ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ، ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ، ولا لأحمرَ على أسْودَ ، ولا لأسودَ على أحمرَ ، إلَّا بالتَّقوَى. إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ" (صححهُ الألباني في غايةِ المَرامِ: 313 ، وأخرجهُ أبو نعيم في حُليةِ الأولياءِ: 3\100 والبيهقي في شُعَبِ الإيمانِ: 5137).

[60] عنْ أبي برزةَ الأسلميِّ نضلةُ بنُ عُبيدِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ" (صححهُ الألبانيُّ ، عنْ صحيحِ الترمذيِّ: 2417 ، وأخرجهُ الترمذي: 2417 ، والدارميُّ: 537 ، باختلافٍ يسيرٍ ، والبيهقي ُّ ، في المدخلِ إلى السُّنَنِ الكبرى: 494 ، واللفظُ لهُ).

 

[61] فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، "بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (البقرة ، 2: 29) ، وهوَ عَلِيمٌ بما يفعلُ الناسُ مِنْ خيرٍ أوشرٍ (البقرة ، 2:  215 ، 220 ؛ النحل ، 16: 91) ، و "عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (آلِ عِمران ، 3: 119) ، "وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (آلِ عِمران ، 3: 29). وقالَ: "وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ" (الحجر ، 15: 24) ، و "قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ" (سبأ ، 34: 30) ، وهوَ الْأوَّلُ الذي لم يكنْ قبلُهُ شيءٌ (الحديد ، 57: 3) ، "وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" قبلَ خلقِهِ للسمواتِ والأرضِ (هود ، 11: 7) ، (انظرْ أيضاً الملاحظةَ الاستطراديةَ والتوثيقيةَ السادسةَ ، التي تذكُرُ الآياتِ الكريمةَ والأحاديثَ الشريفةَ عن استواءِ اللهِ  ، عزَّ وجلَّ ، فوق مخلوقاتِهِ جميعاً ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضين ، ومَنْ فيها).

[62] بالنظرِ إلى الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَ فيها اسمُ "الْعَلِيمِ" مُعَرَّفاً ، يمكنُ التعرُّفُ على معانيَ عديدةٍ لهُ فيها.  فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْعَلِيمُ لأنهُ الإلهُ (المائدة ، 5: 76) ، الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ وما بينَهُما ومَنْ فيهما (الحجر ، 15: 85-86 ، يس ؛ 36: 81 ؛ الزخرف ، 43: 9 ، 84 ؛ فصلت ، 41: 12) ، وهوَ العليمُ بخلقِ الإنسانِ مِنْ ضعفٍ في الرحِمِ إلى قوةٍ بعدَ الولادةِ ثُمَّ ضعفٍ وشيبٍ قبلَ الموتِ (الروم ، 30: 54) ، وبِمَا يقترفُ الناسُ مِنْ الذنوبِ ، وما يقومونَ بِهِ مِنْ العباداتِ وصالحِ الأعمالِ ، وبما يقولون (سبأ ، 34: 25-26 ، يوسف ، 12: 83 ، 100 ؛ التحريم ، 66: 2 ؛ الأنفال ، 8: 61 ؛ يونس ، 10: 65 ؛ الأنبياء ، 21: 4 ؛ الشعراء ، 26: 220 ؛ العنكبوت ، 29: 5) ، وبما يُسِرُّونَ لبعضِهِم مِنَ الحديثِ (التحريم ، 66: 3) ، وبِمَنْ يخلُدُ للراحةِ أو النومِ منهم (الأنعام ، 6: 13) ، وهوَ الذي عَلَّمَ الملائكةَ ما يعلمونَ (البقرة ، 2: 32) ، وهوَ بعلمِهِ قادرٌ على منحِ البنينِ حتى للعقيماتِ مِنَ النساءِ (الذاريات ، 51: 30) ، وهوَ العليم بحركةِ الشمسِ والقمرِ وما ينتجُ عنْ ذلكَ مِنْ فوائدَ للبشرِ (الأنعام ، 6: 96 ؛ يس ، 36: 38) ، وبالذي اختلفَ عليهِ بنو إسرائيل (النمل ، 16: 76-78) ، وبكتابِهِ الذي أنزلهُ لهدايةِ عبادِهِ (غافر ، 40: 2 ؛ الأنعام ، 6: 115) ، وهوَ السميعُ العليمُ لدعاءِ عبادِهِ ، المستجيبُ لهم (البقرة ، 2: 127 ؛ آلِ عِمران ، 3: 35 ؛ يوسف ، 12: 34 ؛ فصلت ، 41: 36) ، وهوَ العليمُ بأحوالِ عبادِهِ وبكلِّ دابةٍ ، فينزلُ عليهِم رحمتَهُ وحكيمَ أمرِهِ ويرزقُهُم مِن حيثُ لا يحتسبون (العنكبوت ، 29: 5 ؛ الدخان ، 44: 6).

[63] ذُكِرَ اسمُ "الْعَلِيمِ" 128 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً في بعضِها مع اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحُسنى. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، " بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (البقرة ، 2: 29) ، وهوَ "عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (آلِ عِمران ، 3: 119) ، وبما يفعلُ الناسُ مِنْ أعمالٍ (البقرة ، 2: 215). وهوَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 115) ، وشَاكِرٌ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 158 ؛ النساء ، 4: 147) ، وسَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 181) ، وعَلِيمٌ حَلِيمٌ (الحج ، 22: 58-59) ، وعَلِيمٌ حَكِيمٌ (النساء ، 4: 26) ، وعَلِيمًا خَبِيرًا (النساء ، 4: 35) ، وعَلِيمٌ قَدِيرٌ (النحل ، 16: 70).

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 29).

هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (آلِ عِمران ، 3: 119).

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 215).

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 115).

مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (النساء ، 4: 147).

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 181).

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾‏ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾ (الحج ، 22: 58-59).

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (النساء ، 4: 26).

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (النساء ، 4: 35).

 وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (النحل ، 16: 70).

[64] ومن المعاني التي يتضمنها اسمُ "العليمِ" ما جاء في الآياتِ الكريمةِ التي تذكرُ عَلِمَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، باستخدامِ الفعلِ الماضي "عَلِمَ" والفعلِ  المضارع ، "يَعْلَمُ." فَاللَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، "يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ" وما "تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ" و "مَا فِي أَنفُسِكُمْ" و "مَا تُوَسْوِسُ بِهِ" أنَفْسُهُم  و "مَا فِي صُدُورِكُمْ" و "مَا فِي قُلُوبِهِمْ" و " مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ" و "سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ"  و " سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ" و "إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ" و "السِّرَّ وَأَخْفَى" و "خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ" (البقرة ، 2: 77 ، 187 ، 235 ؛ ق ، 50: 16 ؛ آلِ عِمران ، 3: 29 ؛ النساء ، 4: 63 ؛ المائدة ، 5:  99 ؛ النور ، 24: 29 ؛ الأنعام ، 6: 3 ؛ التوبة ، 9: 78 ؛ هود ، 11: 5 ؛ إبراهيم ، 14: 38 ؛ النحل ، 16: 19 ، 23 ؛ الأحزاب ، 33: 54 ؛ طه ، 20: 7 ؛ الأنبياء ، 21: 110 ؛ النور ، 24: 29 ؛ النمل ، 27: 25 ، 74 ؛ القصص ، 28: 69 ؛ الأحزاب ، 33: 51 ؛ يس ، 36: 76 ؛ غافر ، 40: 19 ؛ الفتح ، 48: 18 ؛ التغابن ، 64: 4 ؛ الأعلى ، 87: 7).

"وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ" و "مَا تَفْعَلُونَ" و "مَا تَصْنَعُونَ" (البقرة ، 2:  197 ؛ النحل ، 16: 74 ، 91 ؛ العنكبوت ، 29: 45 ؛ الشورى ، 42: 25). "وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ" (محمد ، 47: 19). و " وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" و عَلِمَ "مَا لَمْ تَعْلَمُوا" (البقرة ، 2: 216 ، 232 ؛ آلِ عِمران ، 3: 66 ؛ النور ، 24: 19 ؛ الفتح ، 48: 27) ؛ و "الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ" (البقرة ، 2: 220). "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ" (البقرة ، 2: 270) ، و "مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ" و "مَا تَكْسِبُونَ" و "مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ" ، "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا" (الرعد ، 13: 42 ، الأنعام ، 6: 3 الأنعام ، 6: 60 ؛ هود ، 11: 6). "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام ، 6: 59). "تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ" (الأنفال ، 8: 60).

وعن المنافقين: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" (التوبة ، 9: 42) ، "وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ" (الحاقة ، 69: 49) ، و "إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ" (العنكبوت ، 29: 42) ، و "اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" (الرعد ، 13: 8) ، و "إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (لقمان ، 31: 34) و "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا (سبأ ، 34: 2 ؛ الحديد ، 57: 4). "وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ" (الحجر ، 15: 24). "وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (آلِ عِمران ، 3: 29 ؛ المائدة ، 5: 97 ؛ الأنبياء ، 21: 4 ؛ الحج ، 22: 70 ؛ الفرقان ، 25: 6 ؛ العنكبوت ، 29: 52 ؛ الحجرات ، 49: 16 ، 18 المجادِلة ، 58: 7 ؛ التغابن ، 64: 4).

وعن الملائكةِ: " وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" و "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ " (المدثر ، 74: 31 ؛ البقرة ، 2: 255 ؛ طه ، 20: 110 ؛ الأنبياء ، 21: 28 ؛ الحج ، 22: 76). وعن يوسفَ ، عليهِ السلامُ: "وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف ، 12: 6 ، 101). وعن الخضر ، عليهِ السلامُ: " وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا " (الكهف ، 18: 65). وعن داوودَ ، عليهِ السلامُ: "وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ" و " وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ" (البقرة ، 2: 251 ، 282 ؛ الأنبياء ، 21: 80). وعن سليمانَ ، عليهِ السلامُ: "عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ" (النمل ، 27: 16). وعن المسيحِ ، عليهِ السلامُ: " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" (آلِ عِمران ، 3: 48 ؛ المائدة ، 5: 110). وعن محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: " وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ" و "وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ"  و ""إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ" (المنافقون ، 63: 1 ؛ النساء ، 4: 113 ؛ المزمل ، 73: 20). وعن القرآنِ الكريمِ: "عَلَّمَ الْقُرْآنَ" و "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ" (الرحمن ، 55: 2 ؛ آلِ عِمران ، 3: 7).

وعن الإنسان: "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" و "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" و‏ "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" و "وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ" (الرحمن ، 55: 4 ؛ العلق ، 95: 4-5 ؛ البقرة ، 2: 282). وقال عن قيامِ الليلِ بانتظامٍ: "الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ " (الأنفال ، 8: 66). "عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (المزمل ، 73: 20).

[65] انظرْ الملاحظةَ الاستطراديةَ والتوثيقيةَ السادسةَ ، التي تذكُرُ الأحاديثَ الشريفةَ عن استواءِ اللهِ  ، عزَّ وجلَّ ، فوق مخلوقاتِهِ جميعاً ، من عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضين.

[66] وردَ اسمُ "السَّمِيعِ الْعَلِيمِ" ، معَ دعاءِ إبراهيمَ وإسماعيلَ ، عليهما السلامُ ، وهما يرفعانِ قواعدَ بيتهِ الحرام (البقرة ، 2: 127) ، ومع ما يقولُهُ الناسُ إذا آمنوا أو كفروا (البقرة ، 2: 137) ، وما قالتهُ امرأةُ عِمرانَ (آلِ عمران ، 3: 35) ، ومعَ قولِ الذين يقولونَ "إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" ويعبدونَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، مع أنهُ لا يملكُ لهم ضَرَّاً ولا نفعاً (المائدة ، 5: 73-76) ، ومعَ الإشارةِ لمخلوقاتِ اللهِ في سكنِها وحركتها (الأنعام ، 6: 13) ، ومعَ تمامِ كلمتِهِ للبشريةِ ، التي لا مبدلَ لها (الأنعام ، 6: 115) ، ومعَ أمرهِ للمؤمنينَ بالجنوحِ إلى السلمِ إذا ما جنحَ لها أعداؤهم (الأنفال ، 8: 61) ، ومعَ التخفيفِ عن الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بألا يحزنَ مما يقولهُ المشركونَ (يونس ، 10: 65-66) ، ومعَ الاستجابةِ ليوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بصرفِ كيدِهِنَّ عنهُ (يوسف ، 12: 34) ، ومعَ علمِ الله لما يُقالُ في السماواتِ والأرضِ (الأنبياء ، 21: 4) ، ومعَ قيامِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وسجودِهِ (الأنفال ، 26: 218-220) ، ومعَ البشرى للمؤمنين الذين يرجونَ لقاءَ ربِّهم بجزيلِ الثوابِ (العنكبوت ، 29: 5) ، ومعَ رزقهِ ، عزَّ وجلَّ ، للدوابِ والناسِ (العنكبوت ، 29: 60) ، ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عند نزغِ الشيطانِ (فصلت ، 41: 36) ، ومعَ إنزالِ القرآنِ في ليلة القدر رحمةَ للعالَمين (الدخان ، 44: 6).

وجاءَ اسمُ "السَّمِيعِ الْبَصِيرِ" ، معَ الإشارةِ إلى الإسراءِ بالنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى (الإسراء ، 17: 1) ، ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ "يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ" (غافر ، 40: 20) ، ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ سماعِ الذينَ "يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ" (غافر ، 40: 56) ، ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" ، وهوَ "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" (الشورى ، 42: 11).

[67] وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ عَلِيمٌ" ، معَ الإشارةِ إلى إنهُ يسمعُ ما يقولُهُ الموصِي عندَ وفاتِهِ ، ويعلمُ ما إذا كان المستمعونَ قد حافظوا على الوصيةِ أم بدلوها (البقرة ، 2: 181) ؛ ومعَ الأمرِ بالبرِّ والتقوى والإصلاحِ بينَ الناسِ (البقرة ، 2: 224) ؛ ومعَ العزمِ بالطلاقِ (البقرة ، 2: 227) ؛ ومعَ القتالِ في سبيلِ اللهِ  (البقرة ، 2: 244) ؛ ومعَ أنهُ لا إكراهَ في الدينِ (البقرة ، 2: 256) ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ آلَ عِمرانَ مِنْ ذريةِ آل إبراهيمَ ، وكلاهما من ذريةِ نوحٍ وآدمَ ، عليهمُ السلامِ أجمعينَ (آلِ عِمران ، 3: 33-34) ؛ ومعَ ذكرِ استعداداتِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، والمؤمنينَ لمعركةِ أحُدٍ (آلِ عِمران ، 3: 121) ؛ ومعَ أنَّ اللهَ لا يُحبُّ "الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ" (النساء ، 4: 148) ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ نزغِ الشيطانِ (الأعراف ، 7: 200) ؛ ومعَ أنَّ اللهَ كانَ معَ المؤمنينَ في قتالِهم للكافرينَ في معركةِ بدرٍ (الأنفال ، 8: 17) ؛ ومعَ الإشارةِ إلى مواقعِ المؤمنينَ والكافرينَ قبلَ المعركةِ (الأنفال ، 8: 42) ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ "اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الأنفال ، 8: 53) ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ الأعرابَ كانوا يتربصونَ الدوائرَ بالمسلمينَ في المدينةِ (التوبة ، 9: 98) ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ الصدقةَ تطهرُ المؤمنينَ وتزكيهم وأنَّ الصلاةَ سكنٌ لهم (التوبة ، 9: 103) ؛ ومعَ التحذيرِ منَ اتباعِ خُطواتِ الشيطانِ (النور ، 24: 21) ؛ ومعَ التخفيفِ عنِ الْقَوَاعِدِ "مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا" (النور ، 24: 60) ؛ ومعَ توصيةِ المؤمنينَ بألَّا يُقَدِّمُوا آراءَهم على أوامرِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ (الحجرات ، 49: 1).

[68] وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ بَصِيرٌ" ، معَ أمرِ اللهِ بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها ، والحكمُ بالعدلِ بينَ الناسِ (النساء ، 4: 58) ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ عندَهُ ثوابُ الدُّنيا والآخرةِ (النساء ، 4: 134) ؛ وبِأَنَّهُ "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" (الحج ، 22: 61) ؛ وبأنهُ "يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ" (الحج ، 22: 75) ؛ وبأنَّ خلقَ الناسِ وبعثَهم يسيرٌ على الله ، كنفسٍ واحدةٍ (لقمان ، 31: 28) ؛ ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (المجادِله ، 58: 1). ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ" (سبأ ، 34: 50). كما جاءَ ذكرُهُ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ "سَمِيعُ الدُّعَاءِ" ، معَ دعاءِ "زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً" (آلِ عِمران ، 3: 38) ؛ ومعَ قولِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" (إبراهيم ، 14: 39).  

[69]  هذا الحديث الشريف هو السابع عشر من "الأربعين" النووية ، والستون في "رياض الصالحين" ، للإمام النووي ، رحمه الله. وأخرجه مسلم: 8 ، وأبو داود: 4695 ، والترمذي: 2610 ، والنسائي: 4990 ، وابن ماجه: 63 ، وأحمد: 367 ، باختلاف يسير، وابن منده في الإيمان: 2. كما صححهُ الألباني في صحيح الجامع: 2672.

[70] وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "خَبِيرُ" ، 23 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، مبيناً أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، خَبِيرٌ بما يفعلُ الناسُ. فجاءَ في الآيةِ الكريمة 24: 30 معَ الفعلِ المضارعِ "يصنعونَ" ، وجاءَ في باقي الآياتِ الكريمةِ معَ الفعلِ المضارعِ "يفعلونَ." والآياتُ الكريمةُ التي وردَ فيها هذا الاسمُ هيَ: 2: 234 ، 2: 271 ، 3: 153 ، 3: 180 ، 4: 94 ،4: 128 ، 4: 135 ، 5: 8 ، 9: 16 ، 11: 111 ، 24: 30 ، 24: 53 ، 27: 88 ، 31: 29 ، 33: 2 ، 48: 11 ، 57: 10 ، 58: 3 ، 58: 11 ، 58: 13 ، 59: 18 ، 63: 11 ، 64: 18.

[71] عنِ المغيرة ِبنِ شعبةٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قال: "قامَ النَّبيُّ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، حتَّى تورَّمَت قدماهُ. فقيلَ لَهُ: قد غَفرَ اللَّهُ لَكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. قالَ: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الترغيبِ: 619 ، وأخرجه البخاري: 4836 ، ومسلم: 2819 ، والنسائي: 1644 ، واللفظ له ، وابن ماجه: 1419 ، وأحمد: 18198 ، والترمذي: 412 ، باختلافٍ يسير. وفي روايةِ مسلم: 2820 ، أنَّ أمَّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، هيَ التي سألتهُ).

[72] عنْ حُذَيْفَةَ بنُ الْيَمَانِ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ صلَّى إلى جنبِ النَّبيِّ ، صلى الله عليه وسلم ، ليلةً. فقرأَ ، فَكانَ إذا مرَّ بآيةِ عذابٍ وقفَ وتعوَّذَ ، وإذا مرَّ بآيةِ رحمةٍ وقفَ فدعا. وَكانَ يقولُ في رُكوعِهِ: "سبحانَ ربِّيَ العظيمِ" ، وفي سجودِهِ: "سبحانَ ربِّيَ الأعلى" (صححهُ الألباني ، في إرواءِ الغليلِ: 333 ، وفي صحيحِ النسائيِّ: 1007 ، واللفظُ لهُ).

[73] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ التي تذكرُ وصفَ موسى ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ الأعلى ، وادعاءَ فرعونَ كذباً بأنهُ الأعلى ، كما يلي:

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴿٦٧﴾‏ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ ﴿٦٨﴾ (طه ، 20: 67-68).

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴿٢٤﴾‏ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ ﴿٢٥﴾‏ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴿٢٦﴾ (النازعات ، 79: 24-26).

[74] الحديثُ الشريفُ الذي رواهُ حذيفةُ بنُ اليمانِ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، عنْ تسبيحِ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في الركوعِ والسجودِ ، صححهُ الألباني ، في إرواءِ الغليلِ: 333.

[75] وبالإضافةِ إلى كونِ "الْعَظِيمِ" مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فقد وردتْ كلمةُ "الْعَظِيمِ" كصفةٍ "لفضلِ" اللهِ ، تباركَ وتعالى ، في ستِّ آياتٍ كريمة ، هيَ: 2: 105 ، 3: 74 ، 3: 174 ، 8: 29 ، 57: 21 ، 62: 4. كما وردتْ كصفةٍ لعرشهِ ، جلَّ وعلا ، في ثلاثِ آياتٍ أخرى ، هي: 9: 129 ، 23: 86 ، 27: 26.

 

[76] مِنْ نِعَمِ اللهِ على خلقِهِ ، أنهُ جعلَ الماءَ متيسراً على هذا الكوكبِ ، حتى تنشأَ الحياةَ وتستمرَّ فيهِ ، كما قالَ ، سبحانهُ وتعالى: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء ، 21: 30). فالماءُ ضروري لنموِّ النباتاتِ ، التي تصبحُ طعاماً للحيواناتِ ، وطعاماً وطاقةً للإنسانِ. وقد لخصَّ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، ذلكَ في الحديثِ الشريفِ الذي يشيرُ إلى أنَّ الماء ، وما ينتجُ عنهُ مِنْ كلأٍ ونارٍ ، حقٌ للناسِ ، ولذلكَ لا ينبغي منعُها عنهُم. فقد روى أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قال: "ثلاثٌ لا يُمنَعْنَ: الماءُ ، والكلأُ ، والنَّارُ" (صححهُ الألبانيُ في صحيحِ الجامعِ: 3048 ، وفي إصلاحِ المساجدِ: 247 ، وفي إرواءِ الغليلِ: 6\8 ، وعن صحيحِ ابنِ ماجه: 2021).

[77] الحديثُ الشريفُ عن كبرياءِ اللهِ وعَظمتِهِ صححهُ الألباني ، في صحيح الجامع: 4311 ، والزرقاني ، في مختصر المقاصد: 736 ، وأخرجَهُ أبو داود: 4090 ، وابن ماجه: 4174 ، وأحمد: 9504 ، والبيهقي ، في معرفة السنن والآثار: 20847 ، باختلافٍ يسير: "قَصَمْتُهُ" ، و "ألقيتُهُ في النارِ" بدلاً مِنْ "قذَفْتُهُ في النارِ."

[78] جاءَ وصفُ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، لِمَلِكِ الرومِ ، هِرَقْلَ ، بأنهُ "عظيمُهم" في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، كما وردَ في صحيحِ البخاري: 2941 ، وصحيحِ مسلم: 1773.

[79] الآياتُ الخمسُ الأخرى التي تذكرُ هذا الاسمَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، هيَ كما يلي:

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (المائدة ، 5: 4).

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿٤٠﴾‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤١﴾‏ (الرعد ، 13: 40-41).

لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (إبراهيم ، 14: 51).

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (النور ، 24: 39).

الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (غافر ، 40: 17).

[80] أنظرْ الفصلَ العاشرِ: "الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، مِنْ كتابِ المؤلفِ: "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، وذلكَ لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عنْ شهادةِ الروحِ على أفعالِ المخلوقاتِ وأقوالِها بالصوتِ والصورةِ ، مِنْ خلالِ الذاكرةِ التي يحتويها كلٌ مِنَ العقلِ والنفسِ وأعضاءِ الجسمِ المختلفةِ ، كالقلبِ والدماغِ والأيدي والأرجلِ.

[81] عَنْ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، قالتْ ، قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "خُلِقَتِ الملائكةُ من نُّورٍ ، و خلق الجانَّ من مارِجٍ من نارٍ ، و خلق آدمَ مِما وُصِفَ لكمْ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 3238 ، وأخرجهُ مسلمٌ: 2996).

[82] أنظر كتابَ أبي حامدٍ الغزالي ، المتوفي عام 505 ه \ 1111 م ، بعنوانِ: "المقصدُ الأسنى في شرحِ أسماءِ اللهِ الحُسنى." وهو منشور على روابطَ عديدةٍ في الشبكةِ العالميةِ ، منها:

تحميل كتاب المقصد الاسنى في شرح اسماء الله الحسنى - الغزالي - ت الخشت - ط القرآن ل لابي حامد الغزالى pdf (ketabpedia.com)

 

[83] نصُّ الآيتينِ الكريمتينِ اللتينِ تشيرانِ إلى كَرَمِ اللهِ على الإنسانِ عموماً ، وعلى أنَّ أتقى الناسِ هوَ أكرَمَهُم عندَ الله ، تبارَكَ وتعالى:

 

فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (الفجر ، 89: 15).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات ، 49-13).

نصُّ الحديثِ الشريفِ الذي يشيرُ إلى أنَّ إكرامَ الضيفِ مِنْ علاماتِ الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ:

عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيكرمْ ضيفَه ، ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذِ جارَه ، ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيقلْ خيرًا أو لِيصمتْ" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ أبي داود: 5154 ، واللفظُ لهُ ؛ وأخرجَهُ البخاري: 6018 ، ومسلم: 47 ، والترمذي: 2500 ، وأحمد: 9967 ، باختلاف يسير، وابن ماجه: 3971 ، مختصراً).

[84] عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، كانَ يدعو ربَّهُ بقولِ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ ابنِ ماجه: 3105 ، مسلم: 2721).

[85] قالَ الألباني ، عنْ حديثِ الاستجابةِ للدعاءِ ، أنهُ حسنٌ صحيحٌ ، في صحيحُ الترمذي: 3573 ؛ وفي صحيحِ الترغيبِ: 1631 ولكن باختلافٍ يسيرٍ ، أي "بإثمٍ" بدلاً مِنْ " بمأثمٍ."

[86] الحديثُ الشريفُ ، عنْ قدرةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، على الإجابةِ لِمَنْ يدعوهُ مِنْ عبادِهِ ، صححهُ الألباني في صحيحِ الجامعِ: 4345.

 

[87] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ التي تذكرُ استجابةَ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لدعاءِ عبادِهِ المؤمنينَ ، كما يلي:

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (آلِ عِمران ، 3: 195).

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (الأنفال ، 8: 9).

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٨٨﴾ الَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾‏ (يونس ، 10: 88-89).

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يوسف ، 12: 34).

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (الأنبياء ، 21: 76).

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (الأنبياء ، 21: 84).

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (الأنبياء ، 21: 88).

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء ، 21: 90).

[88] عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، كانَ يدعو ربَّهُ بقولِ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ ابنِ ماجه: 3105 ، مسلم: 2721).

[89] وردت كلمةُ "نِعْمَ" في ستةٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، هيَ: نِعْمَ الْمُجِيبُونَ (الصافات ، 37: 48) ، ونِعْمَ الْوَكِيلُ (آلِ عِمران ، 3: 173) ،  ونِعْمَ الْمَوْلَى (الأنفال ، 8: 40 ؛ الحج ، 22: 78) ، ونِعْمَ النَّصِيرُ (الأنفال ، 8: 40 ؛ الحج ، 22: 78)  ، ونِعْمَ الْقَادِرُونَ (المرسلات ، 77: 23) ، ونِعْمَ الْمَاهِدُونَ (الذاريات ، 51: 48). كما وردت في مديحِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبديهِ سليمانَ ويونسَ ، عليهما السلامُ ، وللصدقاتِ ، والقائمينَ بأعمالِ الخيرِ ، والمتقينَ ، والثوابِ ، كما يلي:

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص ، 38: 30).

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص ، 38: 44).

إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (البقرة ، 2: 271).

أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (آلِ عِمران ، 3: 136).

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (النحل ، 16: 30).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿٣٠﴾‏ أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴿٣١﴾‏ (الكهف ، 18: 31).

[90] كما أنَّ الفعلَ "وَدَّ" أيضاُ يعني رَغِبَ في أو تمنى حدوثَ شيءٍ لشخصٍ أو جماعةٍ ما. ووردَ ذلكَ في الآيتينِ الكريمتينِ 2: 109 و 3: 69 ، على سبيلِ المثالِ.

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم (البقرة ، 2: 109).

وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ (آلِ عِمران ، 3: 69).

[91] فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يحبُّ المحسنينَ (البقرة ، 2: 195) ، التوابينَ والمتطهرينَ (البقرة ، 2: 222) ، والمتقينَ (آلِ عِمران ، 3: 76) ، والصابرين (آلِ عِمران ، 3: 146)  ، والمتوكلينَ (آلِ عِمران ، 3: 159) ، والمقسطينَ (المائدة ، 5: 42) ، و "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" (الصف ، 61: 4).

[92] حديثُ أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عن محبةِ اللهِ لعبادِهِ ، صححهُ الألباني في صحيحِ الجامعِ: 1705 ، وتكملتُهُ كما يلي:

"وإذا أبغض عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ : إني أُبغِضُ فلانًا فأَبْغِضْه ، فيبغضُه جبريلُ ، ثم ينادي في أهلِ السماءِ : إنَّ اللهَ يُبغِضُ فلانًا فأَبغِضوه ، فيُبغِضونه ، ثم يوضعُ له البغضاءُ في الأرض."

[93] الحديثُ الذي رواهُ النعمانُ بنُ بشيرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عنْ "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ" صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 5849 ، وأخرجهُ البخاري: 6011 ، ومسلم: 2586 ، واللفظُ لهُ.

والحديثُ الذي رواهُ يزيدُ بنُ أسدٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عن حبِّ الناسِ ، صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 180.

[94] فعن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنه ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "قال اللهُ تعالَى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ ، ولِعْبِدي ما سألَ. فإذا قال العبدُ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، قال اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. فَإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذا قَالَ: مَالِكِ يِوْمِ الدِّينِ ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قال: هذا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدَي ، وَلِعَبْدِي ما سألَ. فإِذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ، قال: هذا لِعبْدِي ، ولعَبْدِي مَا سَأَلَ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4326 ، وأخرجهُ مسلم: 395 ، كما أخرجهُ أبو داود: 821 ، والترمذي: 2953 ، والنسائي: 909 ، وابن ماجه: 3784 ، وأحمد: 7291 ، باختلافٍ يسير).

[95] نصُّ الحديثٍ الشريفِ: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا" ، وتوثيقُهُ موجودانِ في الملاحظةِ الاستطراديةِ والتوثيقيةِ 70 ، التي مرَّتْ في آخِرِ اسمِ "الْحَمِيدِ" أعلاهُ.

[96] نَصُّ وتوثيقُ الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنه ، عنْ تحميدِ وتمجيدِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالَى ، في الصلاةِ ، موجودانِ في الملاحظةِ الاستطراديةِ والتوثيقيةِ رقم 93 ، المتعلقةِ باسمِ "الْحَمِيدِ" أعلاهُ.

[97] وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عِشْرِينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ للهِ ، تباركَ وتعالى.   فجاءَ في سياقِ مسائلةِ أهلِ الكتابِ عنْ سببِ كفرِهِم بآياتِ اللهِ ، التي أنزلها على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وأنهُ تباركَ وتعالى شهيدٌ على ما يعملونَ (آلِ عِمران ، 3: 98). وهوَ شهيدٌ على التزامِ الناسِ بتقسيمِ الميراثِ كما أمرَهم به (النساء ، 4: 33) ، وعلى إرسالِ رسولِهِ للناسِ (النساء ، 4: 79) ، وعلى القرآنِ الكريمِ الذي أنزلَهُ عليهِ (النساء ، 4: 166) ، وعلى ما قالهُ المسيحُ ، عليهِ السلامُ ، للناسِ (المائدة ، 5: 117) ، وعلى معاندةِ المشركينَ لرسولهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ (الأنعام ، 6: 19 ؛ يونس ، 10: 29 ، 46 ) ، وعلى إنكارِ الكافرينَ لرسالتِهِ (الرعد ، 13: 43 ؛ الإسراء ، 17: 96 ؛ العنكبوت ، 29: 52) ، وعلى أفعالِ اليهودِ والصابئينَ والنصارى والمجوسِ والمشركينَ (الحج ، 22: 17) ، وعلى آدابِ التعامُلِ معَ أمهاتِ المؤمنينَ (الأحزاب ، 33: 55) ، وعلى أنَّ رسولَهُ لا يسألُ الناسَ أجراً (سبأ ، 34: 47) ، وعلى أنهُ سَيُرِي الناسَ آيَاتِهُ "فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" (فصلت ، 41: 53) ، وعلى زعمِ الكافرينَ بأنَّ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قد افترى الرسالةَ (الأحقاف ، 46: 8) ، وعلى أنهُ "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" (الفتح ، 48: 28) ، وعلى ما يعملُ الكافرونَ (المجادِلة ، 58: 6) ، وعلى انتقامِ الكافرينَ مِنْ أصحابِ الأخدودِ لا لشيءٍ إلا لإيمانِهم بهِ (البروج ، 85: 9).

[98] كما وَرَدَ هذا الاسمُ سِتَّ عِشْرِةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ أيضاً ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ لغيرِ اللهِ تباركَ وتعالى. فجاءَ في الإشارةِ إلى الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في شهادَتِهِ على المسلمينَ وعلى الرُّسِلِ (البقرة ، 2: 143 ؛ النحل ، 16: 89 ؛ الحج ، 22: 78) ، وإلى رُسِلِ اللهِ (النساء ، 4: 41 ؛ النحل ، 16: 84 ، 89 ؛ القصص ، 28: 75) ، وإلى شهيدينِ مِنَ الرجالِ (البقرة ، 2: 282) ، وإلى شهيدٍ عند البيعِ (البقرة ، 2: 282) ، وإلى المتباطئينَ في الخروجِ للقتالِ (النساء ، 4: 72) ، وإلى المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، في شهادتِهِ على أهلِ الكتابِ في الحياةِ الدُّنيا (النساء ، 4: 117) ، وفي شهادتِهِ عليهم يومَ الحسابِ (النساء ، 4: 159) ، وإلى الملائكةِ (ق ، 50: 21) ، وإلى الذين يستمعونَ لكلامِ اللهِ ويشهدوا لهُ بالربوبيةِ والوحدانيةِ (ق ، 50: 37) ، وإلى الإنسانَ الكنودِ لربِّهِ الشهيدُ على نفسهِ بذلكَ (العاديات ، 100: 6-7) ، وإلى أنَّ المشركينَ يعترفونَ في يومِ الحساب أنهُ ليسَ بينهم مَنْ هو شهيدٌ على صحةِ شركِهِم (فصلت ، 41: 47).

[99] نصُّ الآياتِ الكريمةِ الثلاثِ كما يلي:

وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (الطلاق ، 65: 2).

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا (المائدة ، 5: 108).

وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (البقرة ، 2: 283).

[100] عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنه ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "المسلمُ أخو المسلمِ ، لا يخونُهُ ، و لا يكذِّبُهُ ، و لا يخذُلْهُ. كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ : عِرضُهُ ، ومالُهُ ، ودمُهُ. التقوى ها هُنا ، وأشارَ إلى القلبِ. بحسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يَحقِرَ أخاهُ المسلمَ" (الألباني ، صحيحُ الجامعِ: 6706 ؛ صحيحُ الترمذي: 1927 ، باختلافٍ يسير).

[101] وصفَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، رسولَهُ نوحاً ، عليهِ السلامُ ، في القرآنِ الكريمِ بأنهُ "نَذيرٌ مُبِينٌ" في خمسِ آياتٍ كريمةٍ ، هي: هود ، 11: 25 ؛ الشعراء ، 26: 115 ؛ الذاريات ، 51: 50 ؛ الذاريات ، 51: 51 ؛ و نوح ، 71: 2. كما وصفَ رسولَهُ محمداً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أيضاً بأنهُ "نَذيرٌ مُبِينٌ" في سبعِ آياتٍ كريمةٍ ، هي: الأعراف ، 7: 184 ؛ الحجر ، 15: 89 ؛ الحج ، 22: 49 ؛ العنكبوت ، 29: 50 ؛ ص ، 38: 70 ؛ الأحقاف ، 46: 9 ؛ و الملك ، 67: 26.

 

[102] أنظرْ الملاحظةَ الاستطراديةَ والتوثيقيةَ رقم 88 ، لمزيدٍ منَ التفصيلِ عنْ معنى كلمةِ "نِعمَ" واستخدامِها في ستةٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى.

[103] ذَكَرَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، في سبعَ عشرةَ أيةً مِنْ كتابِهِ الكريمِ أنهُ لا الرسولُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ولا غيرُهُ مِنَ البشرِ يُعَدُّ وكيلاً على الناس ، وإنما اللهُ وحدُه هوَ "الْوَكِيلُ" على خلقِهِ. وهذهِ الآياتُ هي: 4: 81 ، 4: 109 ، 4: 132 ، 4: 171 ، 6: 66 ، 6: 107 ، 10: 108 ، 17: 54 ، 17: 65 ، 17: 68 ، 17: 86 ، 25: 43 ، 33: 3 ، 33: 48 ، 39: 41 ، 42: 6 ، 73: 9.

[104] عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ، كانَ إذا أوى إلى فراشِهِ قالَ: "الحمدُ للَّهِ الَّذي أطعَمنا وسقانا وَكفانا وآوانا ، فَكم مِمَّن لا كافيَ لَهُ ولا مُؤوِي" (صححه الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 4689 ، بإضافة "لهُ" ، وفي مختصر الشمائل: 219 ، وفي صحيحِ الترمذي: 3396 ، مسلم: 2715).

[105] عن أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ، قالَ: "المُؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعيفِ ، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِصْ على ما ينفَعُكَ ، ولا تَعجِزْ. فإنْ غلَبَكَ أمرٌ ، فقُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَل. وإيَّاكَ واللَّوَّ ، فإنَّ اللَّوَّ تفتَحُ عمَلَ الشَّيطانِ." (صححهُ الألباني عن صحيحِ ابنِ ماجه: 3379 ، وأخرجهُ مسلم: 2664 ، وابن ماجه: 4168 ، واللفظ له ، وأحمد: 8777 ، والنسائي ، في السنن الكبرى: 10457).

[106] الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عنْ أنَّهُ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" ، صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 5375 ، وأخرجهُ البخاري: 6114 ، ومسلم: 2609.

[107] عن عبد الله بن عباس ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ لهُ: "يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ. إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ. واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ ، لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ. وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ ، لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ. رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ" (صححهُ الألباني ، عن صحيح الترمذي: 2516).

 

[108] عنْ مُعاذٍ بنِ جبلٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قال: "يا معاذُ ! واللهِ إني لَأُحِبُّكَ. أُوصِيكَ يا معاذَ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ أن تقولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ ، وشُكْرِكَ ، وحُسْنِ عبادتِكَ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 7969 ، وفي صحيحِ أبي داودَ: 1522 ، باختلافٍ يسير).

 

 [109] وردَ هذا الاسمُ 43 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، أي "وَلِيُّ" ، بسبعةِ تصاريفَ مختلفةٍ ، هيَ: وَلِيٌّ (20) ، وَلِيَّاً (13) ، وَلِيُّكُم (1) ، وَلِيُّنَا (2) ، وَلِيُّهُ (3) ، وَلِيُّهُم (2) ، وَلِيِّي (2). وجاءَ في 13 مرةً منها في إشارةِ مباشرَةٍ إلى اللهِ ، تباركَ وتعالى (كما جاء في المعجمِ المفهرسِ لألفاظِ القرآنِ الكريمِ ، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي).

 

[110] عنْ أبي ذرٍ الغفاري ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ ، وأمرُك بالمعروفِ ونهيُك عن المنكرِ صدقةٌ ، وإرشادُك الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالِ لكَ صدَقةٌ ، وإماطتُك الأَذى والشَّوكَ والعَظمَ عن الطَّريقِ لكَ صدقةٌ ، وإفراغُك من دَلْوِكَ في دَلْوِ أخيكَ لكَ صدقةٌ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الترغيبِ: 2685 ، وفي صحيحِ الجامعِ: 2908 ، وأخرجهُ الترمذيُّ: 1956 ، وابنُ حبانٍ: 529 ، وابنُ عديِّ ، في الكاملِ في الضعفاءِ: 5\275 ).

 

[111] وَرَدَ اسمُ "النَّصِيرِ" مرتينِ في إشارةٍ مباشرةٍ للهِ ، تباركَ وتعالى ، وذلكَ في آيتينِ كريمتينِ ، هما: النِّسَاءُ ، 4: 45. والْفُرْقٌانُ ، 15: 31. كما وَرَدَ في إحدى عشرةَ آيةً أخرى في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، وهي: النِّسَاءُ ، 4: 52 ، 75 ، 89 ، 123 ، 145 ، 173 ؛ والإسرْاءُ ، 17: 75 ، 80 ؛ والأحْزَابُ ، 33: 17 ، 65 ؛ والْفَتْحُ ، 48: 22.

 

 

[112] أنظرْ تفسيرَ القرطبي للآيةِ الكريمةِ 149 مِنْ سورةِ آلِ عِمرانَ ، في كتابِهِ (الجامعُ لأحكامِ القرآنِ ، الجزءُ الخامس ، مؤسسةُ الرسالةِ) ، وكذلكَ تفسير الألوسي لنفس الآيةِ ، في صفحةِ 300 مِنْ كتابهِ (روحُ المعاني في تفسيرِ القرآنِ العظيمِ والسبع المثاني ، دار إحياء التراث العربي).

 

تفسير القرآن العظيم - ج2 : 3آل عمران - 4النسآء (archive.org)

 

الجامع لأحكام القرآن - ج 5 : آل عمران (archive.org)

 

[113] عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ:  "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 7779 ، وصحيحِ ابنِ ماجه: 3232. واختلفتْ روايتا البخاري: 6133 ، ومسلم: 2998 ، بإضافةِ "واحدٍ" بعدَ "جحرٍ").

 

[114] وردتْ الإشارةُ إلى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "يَفْصِلُ" بينَ الناسِ في يومِ القيامةِ ، أيْ يَحْكُمُ بينهم ، في آيتينِ كريمتينِ ، هما: الْحَجُّ ، 22: 17 و 32: 25 ، كما يلي:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْحَجُّ ، 22: 17).

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 25).

وَوَرَدَ ذِكْرُ "يَوْمَ الْفَصْلِ" في ستِّ آياتٍ كريمةٍ ، هي: الصَّافَّاتُّ ، 37: 21 ، الدُّخَانُ ، 44: 40 ، الْمُرْسَلاتُ ، 77: 13 ، 14 ، 38 ؛ النَّبَأُ ، 78: 17).

هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (الصَّافَّاتُّ ، 37: 21).

[115] أنظرْ الفصلَ السابعَ مِنْ كتابِ المؤلِّفِ "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ "عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟"

[116] الآياتُ الكريمةُ التي تذكرُ لنا أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطِهِ المستقيمِ ، وذلكَ في إشارةٍ مباشِرَةٍ أو غيرِ مباشِرَةٍ إلى عبادِهِ المؤمنينَ:

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (البقرةُ ، 2: 213) ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (النساءُ ، 4: 26) ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (المائدةُ ، 5: 16) ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (الأنعامُ ، 6: 82) ،  ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (الأنعامُ ، 6: 88) ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ (يونسُ ، 10: 9) ، وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (يونسُ ، 10: 25) ، إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (الرعدُ ، 13: 27) ، وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (الحجُّ ، 22: 16) ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ (النورُ ، 24: 35) ، لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (النورُ ، 24: 46) ، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصصُ ، 28: 56) ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ (الزُّمَرُ ، 29: 23) ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشُّورَى ، 42: 13) ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٤﴾‏ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴿٥﴾‏ (مُحَمَّدٌ ، 47: 4-5) ، لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (الفتحُ ، 48: 2) ، وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ‎‎(الفتحُ ، 48: 20) ، وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ‎‎(الْمُدَّثِّرُ ، 74: 31).

[117] الآياتُ الكريمةُ التي تذكرُ لنا أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، لا يهدي ، و يُضِلُّ ، مَنْ يشاءُ مِنَ الناسِ ، وذلكَ في إشارةٍ مباشِرَةٍ أو غيرِ مباشِرَةٍ إلى الكافرينَ ، الذينَ يسعونَ في الأرضِ فساداً وتآمراً على عبادِهِ المؤمنينَ:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيمُ ، 14: 4) ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (النحلُ ، 16: 93) ، أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ (فاطِرُ ، 35: 8) ، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النحلُ ، 16: 104) ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (النساءُ ، 4: 137) ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (النساءُ ، 4: 168) ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (البقرةُ ، 2: 258) ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (البقرةُ ، 2: 264) ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبةُ ، 9: 80) ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (يوسُفُ ، 12: 52) ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزُّمَرُ ، 39: 3) ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (غافِرُ ، 40: 28) ، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ (الجاثيةُ ، 45: 23).

[118] نصُّ وتوثيقُ الأحاديثِ الشريفةِ الثلاثِ ، التي تشتملُ على أدعيةِ الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كما يلي:

عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ يقولُ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ ابنِ ماجةَ: 3105 ؛ وأخرجهُ مسلمُ: 2721).

عنِ الحسنِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قال: علَّمني جدِّي رسولُ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، كلماتٍ أقولُهنَّ في قنوتِ الوترِ: "اللَّهمَّ اهدني فيمَنْ هديتَ , وعافني فيمَنْ عافيتَ ، وتولَّني فيمَنْ تولَّيتَ ، وقني شرَّ ما قضيتَ ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ. إنَّكَ تقضي ولاَ يقضى عليْكَ ، إنَّهُ لاَ يذلُّ من واليتَ ، سبحانَكَ ربَّنا تبارَكتَ وتعاليت" (صححهُ الألبانيُ عنْ صحيحِ ابنِ ماجه: 975 ، وأخرجَهُ أبو داود: 1425 والترمذي: 464 ، والنسائي: 1745 ، وأحمد: 1718 ، وابنُ ماجه: 1178 ، واللفظ له).

وعن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: سألتُ عائشةَ ، رضيَ اللَّهُ عنها: بأيِّ شيءٍ كانَ النَّبيُّ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، يَفتتحُ صلاتَهُ ، إذا قامَ منَ اللَّيلِ؟ قالت: كانَ إذا قامَ منَ اللَّيلِ افتتحَ صلاتَهُ ، فقالَ: "اللَّهمَّ ربَّ جبرئيل ، وميكائيلَ ، وإسرافيلَ ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ ، عالمَ الغيبِ والشَّهادةِ ، أنتَ تحكمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلفونَ. اهدني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ ، إنَّكَ على صراطٍ مستقيمٍ" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ الترمذي: 3420).

[119] للمزيدِ عنْ معنى الموتِ ، انظرْ مناقشةَ المؤلفِ المذكورةِ في الفصلِ التاسعِ ، مِنْ كتابِهِ: "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ."

[120]  فيما يلي نص الحديثين الشريفين عن عظمة آية الكرسي ، لتضمنها لاسم الله الأعظم ، أي الْحَيّ الْقَيْوم:   

 

عن أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، أنه قال ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: "يا أبا المنذرِ! أتَدري أيُّ آيةٍ من كتابِ اللهِ معَك أعظَمُ؟ . قال : قُلتُ : اللهُ ورَسولُه أعلمُ. قال: يا أبا المنذِرِ! أتَدري أيُّ آيةٍ من كتابِ اللهِ معَكَ أعظمُ؟ . قلتُ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قال: فضَربَ في صَدري ، وقال: (واللهِ) لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذرِ! والَّذي نَفسي بيدِه إنَّ لهذه الآيةِ لِسانًا وشَفتيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِندَ ساقِ العَرشِ" (صححهُ الألباني ، في صحيح الترغيب: 1471).

 

عن أبي أُمامة الباهلي ، رضي الله عنه ، أنه قال ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ ، الذي إذا دُعِيَ بهِ أجابَ ، في ثلاثِ سُوَرٍ من القُرآنِ: في البَقرةِ وآلِ عِمْرانَ وطه" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 979).

 

[121]  فيما يلي نص الحديث الشريف عن شفاعة الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، للمؤمنين في يوم القيامة:

 

عن سلمان الفارسي ، رضي الله عنه ، أنه قال ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم (في حديث الشفاعة): "فيسجُدُ ، فينادِى: يا محمدُ! ارفعْ رأسكَ ، سلْ تُعْطَهْ ، اشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ. قال: فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ ما لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ. قال ، فيقولُ: أيْ ربِّ أمَّتي أمَّتِي أمَّتِي ، ثُمَّ يَستأذِنُ في السجودِ ، فيؤذَنُ له. فيسجدُ ، فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ شيئًا لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ ، وينادى: يا محمدُ! ارفعْ رأسَكَ ، سلْ تعطهْ ، واشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ. فيرفعُ رأسَه فيقولُ: ربِّ أُمَّتِي أمَّتِي" (الألباني ، تخريج كتاب السنة: 813 ، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين).

[122]  الآيةُ الكريمةُ التي تشيرُ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأولُ في الوجودِ ، هي: " هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الحديد ، 57: 3).

الآيةُ الكريمةُ التي تشيرُ إلى وجودِ عرشِ الرحمنِ ، قبلَ خلقِهِ للسماواتِ والأرض ، هي: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" (هود ، 11: 7).

فيما يلي نصُّ الأحاديثِ الشريفةِ ، المُشارِ إليها ، عِنْ الكُرسيِّ والعرش:

عَنْ ابنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "الكُرْسِيُّ موضعُ القدمينِ ، والعرشُ لا يقدرُ قدْرَهُ إلا اللهُ تعالى" (قالَ عنهُ الألباني: صحيحٌ موقوفٌ ، في التعليقِ على الطحاويةِ: 36 ، وفي مختصرِ العلو: 45).

وعَنْ عبدِ اللَّهِ بنَ مسعودٍ ، رضيَ اللَّهُ عنْهُ ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قالَ: ما بينَ السماءِ القُصوى والْكرسيِّ خَمسمائةِ عامٍ ، وبينَ الْكرسيِّ والماءِ كذلك ، والعرشُ فوقَ الماءِ ، واللَّهُ فوقَ العرشِ ، ولا يخفى عليْهِ شيءٌ من أعمالِكم (الذهبي ، الْعَرْشُ: 105 ، إسنادُهُ صحيحٌ ؛ ابنُ القَيِّمِ: 435، إسنادُهُ صحيحٌ).

وفي رواية أخرى عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللَّهُ عنْهُ ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قالَ: بين السماءِ الدنيا والتي تليها خمسُمائةِ عامٍ ، وبين كلِّ سماءٍ وسماءٍ خمسُمائةِ عامٍ ، وبين السماءِ السابعةِ والكرسيِّ خمسُمائةِ عامٍ ، وبين الكرسيِّ والماءِ خمسُمائةِ عامٍ ، والعرشُ فوق الماءِ ، واللهُ فوق العرشِ ، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالِكم (ابن باز ، شرح كتاب التوحيد: 389 ، صحيح جيد ؛ ابن عثيمين ، مجموع فتاوى ابن عثيمين: 1125/10 ، موقوف له حكم الرفع).

[123] الحديثُ الشريفُ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، عنْ دُعاءِ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "اللهُمَّ لكَ أسلَمْتُ ، وبِكَ آمنْتُ ، وعليْكَ توكَّلْتُ ..." (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 1309 ، وأخرجهُ مسلم: 2717).

[124] وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ (نوح ، 71: 17-18)..

[125] عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أنه قال ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: "ما بينَ النفختينِ أربعونَ ، ثُمَّ يُنزِلُ اللهُ منَ السماءِ ماءً فيَنبُتونَ كما يَنبُتُ البقْلُ ، وليس مِنَ الإِنسانِ شيءٌ إلَّا يبلَى إلَّا عظْمٌ واحدٌ وهُوَ عَجْبُ الذنَبِ ، منه خُلِقَ ، ومنهُ يُرَكَّبُ يومَ القِيامَةِ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 5585 ، وأخرجهُ البخاري: 4935 ، ومسلم: 2955 ، باختلافٍ يسير).

[126] وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (النساءُ ، 4: 69).

عنْ أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ ، قالَ رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ متى السَّاعةُ ؟ قالَ: "ما أعدَدْتَ لها؟" قال: إنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ. قال: "فأنتَ مع مَن أحبَبْتَ" (صحيحُ ابنِ حبانٍ: 563).

[127] الآياتُ الكريمةُ التي تمتْ الإشارةُ إليها ، عن قدرةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، على إخراجِ الحيِّ مِنَ الميتِ وإخراجِ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، هيَ كما يلي:

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (يونُسُ ، 10: 31).

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (الروم ، 30: 19).

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾‏ (نوحٌ ، 71: 17-18)..

[128] نَصُّ الآيتينِ الكريمتينِ اللتينِ تذكرانِ بأنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما يَكْتُمُونَ وما يَحْذَرُونَ ، كما يلي:

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة ، 2: 72). 

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (التوبة ، 9:  64).

[129] أوصانا الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنْ ندعو ربَّنا ، جلَّ وعلا ، باسمِ "الْقَيُّومِ" ، لأنهُ اسمُهُ الأعظمُ ، الذي إذا دُعِيَّ بهِ أجابَ كما مرت مناقشتهُ مِنْ قبلُ (أنظرْ الملاحظةَ الاستطراديةَ رقم 4).

وعنْ أنسٍ بنٍ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ كانَ معَ رسولِ اللَّهِ ، صلّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، جالسًا ورجلٌ يصلِّي ، ثُمَّ دعا: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنَّ لَكَ الحمدُ ، لا إلَهَ إلَّا أنتَ المنَّانُ ، بديعُ السَّمواتِ والأرضِ ، يا ذا الجلالِ والإِكرامِ ، يا حيُّ يا قيُّومُ. فقالَ النَّبيُّ ، صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: "لقد دعا اللَّهَ باسمِهِ العظيمِ ، الَّذي إذا دُعيَ بِهِ أجابَ ، وإذا سُئلَ بِهِ أعطى" (صححهُ الألباني ، عن صحيحِ أبي داود: 1495 ، وصحيحِ النسائي: 1299 باختلاف يسير).

[130] الآياتُ الكريمةُ التي تمتْ الإشارةُ إليها عن وحدانيةِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، هي كما يلي:

(البقرةُ ، 2: 163 ؛ النساءُ ، 4: 171 ؛ المائدةُ ، 5: 73 ؛ ص ، 38: 65)  ، ولا ثانيَ لهُ في الإلهية (النحلُ ، 16: 51) ، ولا إلهَ غيرُهُ (الأنبياءُ ، 21: 22 ؛ المؤمنونَ ، 23: 91) ، أي أنهُ لا شريكَ لهُ ، وهوَ إلهٌ واحدٌ ، وليسَ ثُنائياً أو ثُلاثياً في طبيعتِهِ (المائدةُ ، 5: 116-117 ؛   النساءُ ، 4: 171). كما أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" (الإخلاص ، 112: 3-4).

[131] نَصُّ وتوثيقُ الحديثِ الشريفِ عن دعوةِ غيرِ المسلمينَ إلى التوحيدِ أولاً ، هوَ كما يلي:

عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: لَمَّا بَعَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إلى نَحْوِ أهْلِ اليَمَنِ ، قالَ له: "إنَّكَ تَقْدَمُ علَى قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتَابِ ، فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إلى أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى. فَإِذَا عَرَفُوا ذلكَ ، فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّهَ قدْ فَرَضَ عليهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في يَومِهِمْ ولَيْلَتِهِمْ. فَإِذَا صَلَّوْا ، فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم زَكَاةً في أمْوَالِهِمْ ، تُؤْخَذُ مِن غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ علَى فقِيرِهِمْ. فَإِذَا أقَرُّوا بذلكَ فَخُذْ منهمْ ، وتَوَقَّ كَرَائِمَ أمْوَالِ النَّاسِ" (صحيحُ البُخاري: 7372  ، ومسلم: 19 ، باختلافٍ يسيرٍ).

[132] نَصُّ الحديثِ الشريفِ عَنِ فضلِ ذِكْرِ توحيدِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، هوَ كما يلي:

عن أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ ، وَهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، في يومٍ مائةَ مرَّةٍ ، كانَ لَهُ عَدلَ عَشرِ رقابٍ ، وَكُتبت لَهُ مائةُ حسنةٍ ، ومُحيَت عنهُ مائةُ سيِّئةٍ ، وَكانَ لَهُ حِرزًا منَ الشَّيطانِ يومَهُ ذلِكَ حتَّى يُمْسيَ ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إلَّا أحدٌ عملَ أَكْثرَ من ذلِكَ" (أخرجَهُ البخاري: 3293 ، وصححهُ الألباني ، عن صحيحِ الترمذيِّ: 3468 ، ولكنْ دونَ قولِ: "يُحيي ويميت").

[133] فضلُ تلاوةِ سورةِ الإخلاصِ أنها تعادلُ ثُلِثَ القرآنِ الكريمِ في المعنى والثوابِ ، وأنها تُوجِبُ الجنةَ:

عن أبي أيوبَ الأنصاري ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "أَيَعْجَزُ أحَدُكُم أنْ يقرأَ ثُلُثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ فإنهُ مَنْ قرأ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ ، في ليلةٍ ، فقد قرأ ليلتَه ثُلُثَ القرآنِ" (صححهُ الألباني ، عنْ صحيحِ الجامعِ: 2663 ، وصحيحِ الترمذي: 2896 ، باختلافٍ يسيرِ).

وعن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قال: أقبلتُ معَ رسولِ اللَّهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فسمعَ رجلاً يقرأُ "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ." فقالَ رسولُ اللَّهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "وجبت." فسألتُهُ: ماذا يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: "الجنَّةُ" (صححهُ الألباني ، عنْ صحيحِ النسائي: 993 وأخرجهُ الترمذي: 2897 ، وأحمد: 10932 ، والنسائي: 994 ، واللفظ له).

[134] من صفاتِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، التي وردت في القرآنِ الكريم ، والتي يمكنُ أنْ تُفَسِّرَ معنى "الصَّمَدِ" ، أنهُ هوَ الدَّائِمُ ، الذي لا يَفْنَى ، لأنهُ "الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ" (الحديدُ ، 57: 3) ، وهوَ "غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (آلِ عِمرانَ ، 3: 97) ، الذي لا يحتاجُ إلى طعامٍ (الأنعامُ ، 6: 14) ، ولا إلى صاحبةٍ ولا ولدٍ (الجنُّ ، 72: 3) ، وهوَ الجامعُ لصفاتِ الكمالِ كلِّها ، تَبَارَكَ اسْمُهُ "ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (الرحمنُ ، 55: 78).

[135] نَصُّ الحديثِ الشريفِ الذي رَوَتْهُ أمُّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيّ اللهُ عنها ، والذي يشتملُ على سؤالِ الخيرِ والتعوذِ مِنَ الشرِّ ، كما يلي:

عنْ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، علَّمَها هذا الدُّعاءَ: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ مِنَ الخيرِ كلِّهِ عاجلِهِ وآجلِهِ ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ ، وأعوذُ بِكَ منَ الشَّرِّ كلِّهِ عاجلِهِ وآجلِهِ ، ما عَلِمْتُ منهُ وما لم أعلَمْ. اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ من خيرِ ما سألَكَ عبدُكَ ونبيُّكَ ، وأعوذُ بِكَ من شرِّ ما عاذَ بِهِ عبدُكَ ونبيُّكَ. اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الجنَّةَ وما قرَّبَ إليها من قَولٍ أو عملٍ ، وأعوذُ بِكَ منَ النَّارِ وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عملٍ. وأسألُكَ أن تجعلَ كلَّ قَضاءٍ قضيتَهُ لي خيراً" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 1276 ، وعنْ صحيحِ ابنِ ماجه: 3116 ، واللفظُ لهُ).

[136] ذَكَرَ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، في كتابِهِ الكريمِ ، أمثلةً على قُدرتِهِ على عذابِ الكافرينَ ، منها ما كانَ بالصيحةِ ، التي عذَبً بها أقوامَ صالحٍ وشعيبٍ ولوطٍ (هودُ ، 11: 67 ، 94 ؛ الحجرُ ، 15: 73 ، 83) ، ومنها ما كانَ بالحجارةِ ، التي عذَّبَ بها قومَ لوطٍ وأصحابَ الفيلِ (هودُ ، 11: 82 ؛ الحجرُ ، 15: 71 ؛ الذارياتُ ، 51: 31 ؛ الفيلُ ، 105: 4). وعذَّبَ بالريحِ عاداً ، قومَ هودٍ ، والمشركين في يومِ الأحزابِ (الأحزابُ ، 33: 9 ؛ فُصِّلَتْ ، 41: 16 ؛ الأحقافُ ، 46: 24 ؛ الذارياتُ ، 51: 41 ، القمرُ ، 54: 19 ؛ الحاقةُ ، 69: 6). وأخذَ قومَ نوحٍ وآلَ فِرعونَ بالطوفانِ (الأعرافُ ، 7: 133 العنكبوتُ ، 29: 14). وأهلكَ بالرجفةِ قومَ صالحٍ وقومَ شعيبٍ وبعضاً مِنْ  قومِ موسى (الأعرافُ ، 7: 78 ، 91 ، 155 ؛ العنكبوتُ ، 29: 37). وخسفَ بالأرضِ قارونَ (القصصُ ، 28: 81) ، وأغرقَ قومَ نوحٍ وفرعونَ وجنودَهُ (يونسُ ، 10: 90 ؛ الدخانُ ، 44: 19 ؛ المؤمنونَ ، 23: 27).

 

[137] فعنْ خبابَ بنِ الأرتِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ، صلى الله عليه وسلم ، قالَ: سألتُ ربِّي ، عزَّ وجلَّ ، فيها (في الصلاةِ) ثلاثَ خصالٍ فأعطاني اثنتينِ ومنعني واحدةً. سألتُ ربِّي ، عزَّ وجلَّ ، أنْ لاَ يُهلِكنا بما أَهلَكَ بِهِ الأممَ قبلَنا ، فأعطانيها. وسألتُ ربِّي ، عزَّ وجلَّ ، أنْ لاَ يُظْهرَ علينا عدوًّا من غيرِنا ، فأعطانيها. وسألتُ ربِّي أنْ لاَ يُلبسنا شيعًا ، فمنعنيها (صححهُ الألباني ، عن صحيح النسائي: 1637).

[138] الحديثُ الشريفُ الذي رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، والذي كان رسولُ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، يَدَعُو بهِ حين يُمْسِي وحين يُصْبِحُ: "اللهم إني أَسْأَلُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ ..." ، صححهُ الألباني في مشكاةِ المصابيحِ: 2334  ، وفي صحيحِ الأدبِ المفردِ:  912 ، وصحيحِ الترغيبِ: 659 ، وعن صحيح أبي داود: 5074 ، وصحيح ابن ماجه: 3135 ، باختلافٍ يسيرٍ بينِها.

[139] نصُّ الدُّعاءِ الذي توجَّهَ بهِ إبراهيمُ ، عليهِ السلامُ ، إلى ربِّهِ كما يلي:

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٧٨﴾‏ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴿٧٩﴾‏ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠﴾‏ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴿٨١﴾‏ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴿٨٢﴾‏ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿٨٣﴾‏ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴿٨٤﴾‏ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿٨٥﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 78-85).

[140] عن عوف بن مالك الأشجعي ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال في الركوعِ في صلاةِ الليلِ: "سُبحانَ ذي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ" (صححهُ الألبانيُّ عن صحيحِ النسائي: 1048 ، وقالَ إنَّ إسنادَهُ صحيحٌ في صفةِ الصلاةِ: 146 وحَدَّثَ بهِ في صفة الصلاةِ أيضاً: 133 ، وفي تخريجِ مشكاةِ المصابيحِ: 843 ، باختلافٍ يسيرٍ).

[141] بيَّنَ لنا القرآنُ الكريمُ معنى هذا الاسمِ "نِعْمَ الْمَاهِدونَ" ، منْ خلالِ بعضِ اشتقاقاتِ الفعلِ "مَهَدَ" ، التي جاءتْ في أربعةَ عشرَ آيةً منهُ. وذُكِرَ "الْمَهْدُ" كأولِها ، في الإشارةِ إلى كلامِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، للناسِ وهو ما زالَ في الْمَهْدِ. والمعنى هنا أنهُ كانَ في سريرِ الطفولةِ المُبَكِّرَةِ ، الذي يحميه ويوفرُ لهُ الأمنَ والاطمئنان (آلِ عِمرانَ ، 3: 46 ؛ المائدةُ ، 5: 110 ؛ مريمُ ، 19: 29). وجاءَ نفسُ المعنى بالإشارةِ إلى الأرضِ التي جعلَها اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، للإنسانِ "مَهْدَاً" و "مِهَاداً" ، أي  جعلَها آمِنةً وسهلةً ومريحةً ، ويتوفرُ فيها ما يحتاجهُ الإنسانُ لِنِمُوِّهِ وازدهارِهِ ، مِن طعامٍ وشرابٍ ومصادرَ طبيعيةِ (طه ، 20: 53 ؛ الزخرفُ ، 43: 10 ؛ النبأُ ، 78: 6). كما تمتْ الإشارةُ إلى جهنمَ على أنها "بِئْسَ الْمِهَادِ" للكافرينَ ، أي بِئْسَ المكانِ والقرارِ والمثوى لهم (البقرة ، 2: 206 ؛ آلِ عِمرانَ ، 3: 12 ، 197 ؛ الأعرافُ ، 7: 41 ؛ الرعدُ ، 13: 8 ؛ ص ، 38: 56). وقالَ لنا رَبُّنَا ، جلَّ وعلا: "وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ" (الرومُ ، 30: 44) ، أي أنَّ مَنْ يقومُ بصالحِ الأعمالِ إنما يُمَهِّدُ لنفسهِ ويُعِدُّ لها الثوابَ الذي وعدَهُ اللهُ بهِ في الآخِرَةِ. وقالَ أيضاً: " وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا" (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 14) ، أي أنهُ مَهَّدَ للإنسانِ أمورَهُ في الحياةِ الدُّنيا ، فجعلها ميسرة ومهيأةً له ، حتى يرى أيشكرَ أم يكفرَ بِنِعَمِهِ عليه (النملُ ، 27: 40).

[142] عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ لفاطمةَ ، رضيَّ اللهُ عنها ، قولي: "اللَّهمَّ ربَّ السَّماواتِ السَّبعِ وربَّ العرشِ العظيمِ ، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ ، مُنْزِلَ التَّوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ العظيمِ. أنتَ الأوَّلُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ ، وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ ، وأنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ ، اقضِ عنَّا الدَّينَ ، وأغنِنا منَ الفقرِ" (أخرجهُ ابنُ ماجه: 3831 ، وصححهُ الألباني ، عن صحيحِ ابنِ ماجه: 3104).

[143] انظرْ نصَّ الحديثِ الشريفِ في الملاحظةِ رقم 138 ، التابعةِ لاسمِ "الأوَّلِ."

 

[144] انظرْ نصَّ الحديثِ الشريفِ في الملاحظةِ رقم 138 ، التابعةِ لاسمِ "الأوَّلِ."

 

[145] انظرْ نصَّ الحديثِ الشريفِ في الملاحظةِ رقم 138 ، التابعةِ لاسمِ "الأوَّلِ."

 

[146] انظرْ نصَّ الحديثِ الشريفِ في الملاحظةِ رقم 138 ، التابعةِ لاسمِ "الأوَّلِ."

[147] نصُّ الحديثِ الشريفِ عنِ تَنَزُّلِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، إلى السماءِ الدُّنيا ، كما يلي:

عنْ أبي هُريرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ ، قالَ: "يتنزَّلُ ربُّنا ، تبارَكَ وتعالى ، كُلَّ ليلَةٍ إلى السماءِ الدنيا ، حينَ يَبْقَى ثلُثُ الليلِ الآخِرِ ، فيقولُ: مَنْ يدعوني فاستجبْتُ لَهُ ؟ مَنْ يسألُني فأعطَيْتُهُ؟ مَنْ يستغفِرُنِي فأغفرَ لَهُ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 8021 ، وأخرجهُ البخاري: 7494 و 6321 ، ومسلم: 758 ، باختلاف يسير: فأسْتَجِيبَ له ، فَأُعْطِيَهُ ، بدلاً مِنْ فاستجبْتُ لَهُ ، فأعطَيْتُهُ).

[148] نَصُّ الحديثَينِ الشريفَينِ المذكورَينِ ، عنِ الْبِرِّ ، كما يلي:

عَنِ النواسِ بنِ سمعانٍ الأنصاريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ ، والإِثْمُ ما حاكَ في صدْرِكَ ، وكرِهْتَ أنْ يَطلِعَ عليه الناسُ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 2880 ، وكذلكَ في صحيحِ الأدبِ المفردِ: 226 ، ولكنْ بذِكْرِ "نفسِكَ" بدلاً مِنْ "صَدْرِكَ." وأخرجَهُ مسلمُ مختصَرَاً: 2553 ، وأحمدُ: 17668 ، واللفظ له).

عَنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "إنَّ الصِّدْقَ يَهدِي إلى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهدِي إلى الجنةِ ، وإنَّ الرجُلَ لَيْصْدُقُ ، حتى يُكتَبَ عند اللهِ صِدِّيقا. وإنَّ الكَذِبَ يَهدِي إلى الفُجُورِ ، وإنَّ الفُجُورَ يَهدِي إلى النارِ ، وإنَّ الرجُلَ لَيكذِبُ حتى يُكتَبَ عند اللهِ كَذَّابًا" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 1665 ، وأخرجَهُ البخاري: 6094 ، ومسلمُ: 2607 ، باختلافٍ يسيرٍ).

[149] عنِ ابنِ عبَّاسٍ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنهُ قالَ: كانَ النَّبيُّ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، يَدعو: "ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ ، وانصُرني ولا تنصُرْ عليَّ ، وامكُر لي ولا تمكُر عليَّ ، واهدِني ويسِّر هدايَ إليَّ ، وانصُرني على من بغَى عليَّ. اللَّهمَّ اجعلني لَكَ شاكراُ ، لَكَ ذاكراً ، لَكَ راهباً ، لَكَ مِطواعاً ، إليكَ مُخبتاً (أو مُنيباً). ربِّ تقبَّل توبتي ، واغسِل حَوبتي ، وأجِب دعوتي ، وثبِّت حجَّتي ، واهدِ قَلبي ، وسدِّد لِساني ، واسلُل سخيمةَ قَلبي" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الأدبِ المفردِ: 516 ، وعن صحيحِ أبي داود: 1510 ، ببعضِ الاختلافِ بينهما).

اسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي ، أي أخرِجْ مِن قَلْبي الحِقْدَ والغِلَّ والحسدَ والغِشَّ.

[150] الآياتُ الكريمةُ المُشارُ إليها ، والتي تتضمنُ قبولَ التوبةِ ، هي كما يلي:

أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (التوبةُ ، 9: 104).

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (الشورى ، 42: 25).

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساءُ ، 4: 17).

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساءُ ، 4: 92).

[151] نَصُّ الآيتينِ الكريمتينِ المذكورتينِ عنْ عدم قبولِ التوبةِ ، كما يلي:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (آلِ عِمرانَ ، 3: 90).

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (النساءُ ، 4: 18).

[152] نَصُّ الحديثينِ الشريفينِ المُشارِ إليهما ، عنِ التوبةِ ، كما يلي:

عنْ أنسٍ بنِ مالكٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "اللهُ أشَدُّ فرَحًا بتوبةِ عبدِه مِن أحَدِكم يستيقظُ على بعيرِه أضلَّهُ بأرضٍ فَلاةٍ" (صحيحُ ابنِ حبَّانٍ: 617 ، وصححهُ الألباني مطولاً ، في صحيحِ الجامع: 5033 و 4595 و 7097 ، وأخرجهُ مطولاً أيضاً مسلم: 2746 ، وأحمد: 18423).

عنْ أبي بكرٍ الصديقِ ، رضيّ اللهُ عنهُ ،أنهُ قالَ لرسولِ اللهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: علِّمني دعاءً أدعو بهِ في صلاتي. قالَ: "قلِ اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نَفسي ظُلمًا كثيرًا ، ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ ، فاغفرْ لي مَغفرةً مِن عندِكَ ، وارحمني ، إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 4400 ، وعن صحيحِ ابنِ ماجه: 3108 ، واللفظُ له ؛ وعن صحيحِ الترمذي: 3531 ، وعن صحيحِ النسائي: 1301 ، وأخرجهُ البخاري: 6326 ، ومسلم: 2705).

[153] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ ، التي ذُكِرَ فيها اسمُ اللهِ "الْعَفُوِّ" مُنَكَّرَاً ، كما يلي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (النِّسَاءُ ، 4: 43).

ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (الْحَجُّ ، 22: 60).

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾‏ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾‏ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٩٩﴾‏ (النِّسَاءُ ، 4: 97-99).

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 2).

لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴿١٤٨﴾‏ إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴿١٤٩﴾ (النِّسَاءُ ، 4: 148-149).

[154] نَصُّ الحديثِ الشريفِ ، المتضمنِ لدعاء العفوِ ، كما يلي:

عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ، رضيَ اللهُ عنها ، أنها قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ ، أرأيتَ إن عَلِمْتُ أيُّ لَيلةٍ لَيلةُ القَدرِ ، ما أقولُ فيها؟ قالَ: "قولي اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كَريمُ ، تُحبُّ العفوَ ، فاعْفُ عنِّي" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامع: 4423 ، ولكنْ بالاقتصارِ على الحديثِ ، بدونِ ذِكْرِ المناسبَةِ. كما صححهُ بناءً على صحيحِ الترمذي: 3513 ، واللفظُ لهُ ، وصحيحِ ابنِ ماجه: 3850 ، 3119. وأخرجهُ النسائيُّ في السننِ الكبرى: 7712، وأحمد 25495). 

[155] عنْ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "من كان معه فضلُ ظهْرٍ فليعُدْ به على مَنْ لا ظهْرَ ، لَه ومن كان له فضلُ زادٍ فليعُدْ بِهِ على مَنْ لا زاد له." قال: فذكر مِنْ أصنافِ المال ما ذكر حتى رأيْنا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ منَّا في فضْلٍ (صححهُ الألبانيُّ ، في تخريجِ مُشكلةِ الفقرِ: 111 ؛ وفي صحيحِ الجامعِ: 6497 ؛ وعنْ صحيحِ أبي داودَ: 1663 ؛ كما أخرجهُ ابنُ حَبَّانٍ: 5419 ؛ وأبو يعلي: 1064).

[156]  عَنْ عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ ، قالَ ، قُلتُ لأَبِي ذرٍّ الغفاري ، رضيَ اللهُ عنهُ: لو رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ، لَسَأَلْتُهُ. فقالَ: عن أيِّ شيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قالَ: كُنْتُ أسْأَلُهُ هلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ أبو ذَرٍّ: قدْ سَأَلْتُ ، فقالَ: "رَأَيْتُ نُوراً" (صحيح مسلم: 178 ، واللفظُ لهُ ، وكذلكَ الترمذي: 3282 ، وأحمد: 21392. وصححهُ الألباني في تخريج كتاب السُّنَّةِ: 441 ، باختلافٍ يسيرٍ في المُقَدِّمَةِ ، وباتفاقٍ على كلمتي الحديثِ).

[157] وَرَدَ ذِكْرُ شجرةِ الزيتونِ في ستِّ آياتٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ ، هيَ: الأنْعَامُ ، 6: 99 ، الأنْعَامُ ، 6: 141 ، النَّحْلُ ، 16: 11 ، النُّورُ ، 24: 35 ، عَبَسَ ، 80: 29 ، التِّينُ ، 95: 1.

[158] يهدي الله ، سبحانه وتعالى ، لنوره من يشاء ، خاصة أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات (4: 175 ، 10: 9) ، ويتبعون رضوانه (5: 16) ، وينوبون إليه (42: 13) ، فيهديهم بإنارة السبل لهم بنوره ، سبحانه وتعالى. لكنه لا يهدي الظالمين (2: 258) ، والفاسقين (5: 108) ، والكافرين (2: 264) ، والذين يصرون على الكفر (39: 3) ، كما يلي: 

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (النساء ، 4: 175).

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 16).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ  (يُونُسُ ، 10: 9).

اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشُّورَى ، 42: 13).

وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 258).

وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 108).

وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 264).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزُّمَرُ ، 39: 3).

[159] الحديثُ الشريفُ الذي يذكُرُ أنَّ اللهَ ، عزَّ وَجَلَّ ، "حِجَابُهُ النُّورُ" ، صححهُ الألبانيُّ ، عنْ صحيحِ ابنِ ماجَه: 195 ؛ وأخرجَهُ مُسْلِمٌ: 179 ، وأحْمَدُ: 19632.

[160] عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا ، وفي لساني نورًا ، وفي بصري نورًا ، وفي سمعي نورًا ، وعن يميني نورًا ، وعن يساري نورًا ، ومن فوقي نورًا ، ومن تحتي نورًا ، ومن أمامي نورًا ، ومن خَلْفي نورًا ، واجعلْ لي في نفسي نورًا ، وأَعظِمْ لي نورًا" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 1259).

وفي روايةٍ أخرى أيضاً عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "اللهم اجعلْ في قلبي نورًا ، و في سمعي نورًا ، و عن يميني نورًا ، و عن يساري نورًا ، و فوقي نورًا ، و تحتي نورًا ، و أمامي نورًا ، و خلفي نورًا ، و أعظِمْ لي نورًا اللهم اجعلْ لي نورًا في قلبي ، و اجعلْ لي نورًا في سمعي ، و اجعلْ لي نورًا في بصري ، و اجعلْ لي نورًا عن يميني ، و نورًا عن شمالي ، و اجعلْ لي نورًا من بين يديَّ ، و نورًا من خلفي ، وزِدْني نورًا ، و زِدْني نورًا ، و زِدْني نورًا (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الأدبِ المفردِ: 536 و 696 ؛ وأخرجهُ البخاري: 6316 ، ومسلم: 763).

[161] عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "يقولُ العبدُ : مالي ، مالي ، وإِنَّما لهُ مِنْ مالِهِ ثلاثٌ: ما أكل فأفْنَى ، أو لبِسَ فأبْلَى ، أو أعْطَى فأقْنَى. وما سِوَى ذلِكَ ، فهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ للناسِ" (صححهُ الألباني ، في صحيحِ الجامعِ: 8133 ، وفي تخريجِ مشكلةِ الفقرِ: 113، باختلافٍ يسيرٍ ، وأخرجهُ مسلمُ: 2959).

[162] فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 17).

And no self (part of a soul) knows what has been hidden for them, of comfort for eyes as a reward for what they used to do (Al-Sajda, 32: 17).

عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: " قالَ اللهُ تعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4307 ، و صحيح ابن ماجه:  3510 ، وفي صحيحِ الترغيب ، بروايةِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ: 3766. وأخرجهُ مسلمُ: 2824 ، والبخاري: 7498).

[163] ذُكِرَ الفعلُ "أنْزَلَ" والفعلُ "نَزَّلَ" ومُشْتَقَّاتُهُما 293 مَرّةً في القرآنِ الكريم ، منها 291 مَرَّةً في الإشارةِ إلى اللهِ ، تباركَ وتعالى ، كما جاءَ في الصفحاتِ 694-698 ، مِنْ "الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لألْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي ، الذي نشرته دارُ الفكرِ ، في القاهرةِ ، عام 1406 هجرية \ 1986 للميلاد. أما المرَّتانِ الأخريانِ ، فقد جاءتا في الإشارةِ إلى يوسفَ ، عليهِ السلام (يوسف ، 12: 59) ، وفي الإشارةِ إلى مَنْ ادَّعَى قائلاً: "سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ" (الأنْعَامُ ، 6: 93).

[164] نُصُوصُ الآياتِ الكريمةِ المُشَارِ إليها ، والتي تتضمنُ الفعلَ "أنْزَلَ" ومشتقاتِهِ هيَ كما يلي:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يُوسُفُ ، 12: 2).

أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 114).

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 3).

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 136).

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴿١٢٣﴾‏ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿١٢٤﴾ (آلِ عِمْرَانَ ، 123-124).

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 57).

قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 115).

ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (التَّوْبَةُ ، 9: 26).

أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾‏ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴿٦٩﴾ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 68-69).

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْحَدِيدُ ، 25:57).

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (الزُّمَرُ ، 39: 6).

[165] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ ، وَفِيهِ (ومنهُ) يُرَكَّبُ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4508 ، وفي صحيحِ النسائي: 2076. وأخرجهُ البخاريُّ: 4935 ، ومسلمُ: 2955 ، و 5254 ، باختلافٍ يسيرٍ).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا ، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ" (صحيحُ مسلم 14/ 201 ، رقم 5255 و 2955).

[166] أشارَ عادلُ السعديُّ وأسامةُ عبدُ اللهِ إلى أنَّ الباحثَ الألمانيَ هانس سبيرمان كانَ أولَ مَنْ بحثَ في موضوعِ "عَجْبِ الذَّنَبِ" ، أو "الْعُصْعُصِ" (the primitive streak, or the coccyx bone) ، ووصفهُ بأنهُ "الْمُنَظِّمُ الأولُ." ووجدَ هوَ وشركاؤهُ في البحثِ أنهُ لا يندثرُ بالسحقِ أو الغليِّ ، وأنهُ ينمو إذا ما تَمَّ زرعُهُ في أحدِ الأجنةِ. وفي عام 1935 ، نالَ سبيرمان جائزةَ نُوبِلْ على اكتشافِهِ "ْلِلْمُنَظِّمُ الأولُ."

وقد حاولَ بعضُ الباحثينَ الصينيينَ أن يُدَمِّرُوا "عَجْبَ الذَّنَبِ" كيميائياً ، باستخدامِ أقوى الأحماضِ الحادةِ ، وبالحرقِ ، وبالسحقِ ، وبتعريضهِ لمختلفِ أنواعِ الأشعةِ ، لكنهم اكتشفوا أنَّهُ لا يندثرُ بكلِّ هذهِ الوسائلِ. كما حاولَ الباحثُ اليمنيُّ عثمانُ جيلان ، ومعهُ الشيخُ عبدُ المجيدِ الزنداني ، أن يُدَمِّرُوهُ بحرقِهِ ، باستخدامِ بندقيةِ غازٍ ، لمدةِ عشرِ دقائقٍ. ثُمَّ أخذوهُ إلى باحثٍ في جامعةِ صنعاءَ ، وهوَ صالح العولقي ، الذي اكتشفَ أنهُ لم يتأثَّرْ بالحرق. ولمزيدٍ مِنَ التفصيلِ ، انظرْ المصدرينِ التاليينِ:

http://www.answering-christianity.com/coccyx_miracle.htm  

 

http://www.jameataleman.org/main/articles.aspx?article_no=1165

[167] عًنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قال ، كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا معاشِي ، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتي الَّتي فِيهَا معادِي ، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لي مِن كُلِّ شَرٍّ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ:  1263، وأخرجهُ مسلمُ في صحيحهِ: 2720).

[168] اتفقَ العلماءُ على أنَّ أكثرَ مِنْ 90% مِنَ الحديدِ الموجودِ في الأرضِ لهُ وَزْنٌ ذَرِّيٌّ يُقَدَّرُ بحوالي 57 تقريباً ، كما جاءَ في المصدرِ التالي:

More than 90% of iron in Earth have the two atomic masses of 57Fe: 56.935 392(2) and 58Fe: 57.933 274(3).

Atomic Weight of Iron | Commission on Isotopic Abundances and Atomic Weights (ciaaw.org)

[169] لمزيدٍ مِنَ الأمثلةِ على الإعجازِ العدديِّ في القرآنِ الكريمِ ، انظرْ الفصلَ الثالثَ مِنْ كتابِ المؤلف ،                                            "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بِعُنْوانِ: "الدَلِيلُ العِلْمِيُ عَلَى وِجُودِ الله ، وعَلَى أنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ رِسَالَتُهُ لِلْبَشَرِيَّةِ."

[170] عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الأدبِ المفردِ: 989 ، وفي صحيحِ الجامعِ: 5375. وأخرجَهُ البخاريُّ: 6114 ، ومسلمُ: 2609).

[171] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ المذكورةِ عنِ الذينَ توعدَهم اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ في الدنيا والآخِرَةِ ، كما يلي:

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 56).

وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (فَاطِرُ ، 35: 10).

الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (ق ، 50: 26).

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا ﴿٨﴾‏ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴿٩﴾‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ (الطَّلَاقُ ، 65: 8-10).

[172] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ المذكورةِ عنِ العذابِ ، كما يلي:

وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (الإسْرَاءُ ، 17: 59).

مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 147).

مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسْرَاءُ ، 17: 15).

 [173] بَيَّنَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بشاعةَ وفظاعةَ الذنوبِ التي نهانا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عنْ ارتكابِها ، وذلكَ منِ خلالِ وصفةِ لِما شاهدَهُ في رحلةِ الإسراءِ والمعراجِ. فقالَ بأنَّهُ رأى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُوم النَّاس وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضهمْ ، وهم لَهُمْ أَظْفَار مِنْ نُحَاس ، يَخْمُشُونَ بِهَا وُجُوههمْ وَصُدُورهمْ. ورأى الَّذِينَ يَأْتُونَ الْحَرَام وَيَتْرُكُونَ الْحَلَال ، وهم يأكلونَ لحوماً نتنةٍ. ورأى الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ ، وهم يُقْطَع مِنْ جُنُوبهمْ اللَّحْم ، فَيُلْقَمُونَهُ. ورأى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا ، تُفْتَح أَفْوَاهُهمْ ، فَيُلْقَمُونَ جَمْر مِنْ نارٍ ، يَخْرُج مِنْ أَسَافِلهمْ. ورأى الزانيات من النساء ، يُعَلَّقْنَ بِثَدْيِهِنَّ. ورأى الزُّناةَ مِنَ الرجالِ والنساءِ ، وهم يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ نَيِّءٍ خَبِيثٍ وَيَدَعُونَ النَّضِيجَ الطَّيِّبَ. ورأى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ، وبُطُونَهمْ أَمْثَالَ الْبُيُوتِ ، كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدهمْ خَرَّ. ورأى الَّذِينَ يَتَثَاقَلُونَ عَنْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ، تُرْضَخ رُءُوسهمْ بِالصَّخْرِ. ورأى الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَات أَمْوَالهمْ ، يَأْكُلُونَ الضَّرِيع وَالزَّقُّوم وَرَضْف جَهَنَّم وَحِجَارَتهَا. ورأى الذينَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيق فَيَقْطَعُونَهَا ، كَخَشَبَة عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ وَلَا شَيْء إِلَّا خَرَقَتْهُ. ورأى الرَّجلَ الذي عَلَيْهِ أَمَانَاتٍ للنَّاسِ ، لَا يَقْدِر عَلَى أَدَائِهَا ، وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَحْمِل المزيدَ عَلَيْهَا ، ممثلاً بِرَجُلٍ قَدْ جَمَعَ حُزْمَة عَظِيمَة لَا يَسْتَطِيع حَمْلهَا ، وَهُوَ يَزِيد عَلَيْهَا. ورأى خُطَبَاءَ الْفِتْنَةِ ، تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ ، كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ. ورأى الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ، ثُمَّ يَنْدَم عَلَيْهَا ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدّهَا ، مُمَثَلاُ بِجُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُج مِنْهُ ثورٌ عَظِيمٌ ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَلَا يَسْتَطِيعُ ذلكَ. وسَمِعَ جَهَنَّمَ تَقُولُ: "يَا رَبّ اِئْتِنِي بِمَا وَعَدْتنِي. فَقَدْ كَثُرَتْ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي ، وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي ، وَضَرِيعِي وَغَسَّاقِي وَعَذَابِي. وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي وَاشْتَدَّ حَرِّي ، فَائْتِنِي بِمَا وَعَدْتنِي." وسَمِعَ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، يقولُ: "لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ ، وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ."

انظرْ الفصلَ الثالثَ والْعِشْرِينَ مِنْ كتابِ المؤلف: "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بِعُنْوانِ: "الإسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ: رِحْلَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ لَيْلاً إلَى بَيْتِ المَقْدِسِ ، وَصُعُودُهُ إلَى السَّمَاءِ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ."

AlــJazeerah Arabic Home Page   الصفحة العربية لمركز معلومات الجزيرة

Islam, God's Message of Guidance to Humanity

 Prophet Mu'hammed's Night Journey and Ascent to Heavens, Al-Isra Wal Mi'raj

[174] الحديثُ الشريفُ الذي رواهُ أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عنِ "الْمُؤمِنِ الْقَوِيِّ" ، صححهُ الألباني عن صحيحِ ابنِ ماجه: 3379 ، وأخرجهُ مسلم: 2664 ، وابن ماجه: 4168 ، واللفظ له ، وأحمد: 8777 ، والنسائي ، في السنن الكبرى: 10457.

[175] عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ، رضيّ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: بينَما نحنُ معَ رسولِ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، في سفَرٍ ، إذ جاءَ رجلٌ علَى ناقةٍ لَه ، فجعلَ يصرِّفُها يَمينًا وشِمالًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: "مَنْ كانَ عندَهُ فضلُ ظَهْرٍ ، فليعُدْ بهِ علَى مَن لا ظَهْرَ لَه. وَمَنْ كانَ عندَهُ فَضلُ زادٍ ، فليَعُدْ بهِ علَى مَن لا زادَ لَه. حتَّى ظننَّا أنَّهُ لا حقَّ لأحدٍ منَّا في الفَضلِ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ أبي داودَ: 1663 ، وأخرجَهُ أبو داودُ ، وأبو يعلى: 1064 ، وابنُ حبانٍ: 5419).

[176] مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النَّحْلُ ، 16: 96).

[177] عَنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "ثلاثٌ أُقسِمُ عليهِنَّ: مَا نقَصَ مالٌ قطُّ من صدقةٍ ، فتصدَّقُوا. ولا عَفَا رجلٌ عن مَظلمةٍ ظُلِمَها إلا زادَهُ اللهُ تعالَى بِها عِزًّا ، فاعفُوا يزِدْكمُ اللهُ عِزًّا. ولا فتَحَ رجلٌ على نفسِهِ بابَ مَسألةٍ يَسألُ الناسَ إلا فتَحَ اللهُ عليه بابَ فقْرٍ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 3025 ، وأخرجَهُ أحمدُ: 1674 ، والبزارُ: 1032 ، وأبو يعلي: 849).

[178] "أثبتت الدراسات الحديثة أن السماء بناء محكم ،‏ تملأه المادة والطاقة ،‏ ولا يمكن اختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح فيه.‏" وفد أصبح من الثابت أيضاً "أنَّ كل جرم متحرك في السماء مهما كانت كتلته محكوم بكل من القوي الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره الي التحرك في خط منحن يمثل محصله كل من قوي الجذب والطرد المؤثرة فيه ،‏ وهذا ما يصفه القران الكريم بالعروج." أنظرْ المصدر التالي ، لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ:

"مِنْ آياتِ الإعجازِ العلمي: السماءُ في القرآنِ الكريمِ" ، تأليف زغلول النجار ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، الطبعةُ الرابعةُ ، 1428 ه \ 2007 م ، ص 407-409).

ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون،‏ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (znaggar.com)

Travel in space is curved. The travel path bends as a result of the gravitational relationship with the sun. In addition, the light of distant stars is often bent in many directions enroute to Earth.

artificial satellite - Why does a spacecraft use a curved orbit to go to its destination, instead of traveling in a straight line? - Space Exploration Stack Exchange

 

 

[179] قَدَّمُ المفسرونَ الثلاثةُ ، الطَبَرِيُّ والْقُرْطُبِيُّ وابنُ كَثِيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً عنْ جهودهِم في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ ، تفسيراتٍ عديدةٍ للآيةِ الكريمةِ العاشرةِ مِنْ سورةِ فاطِرِ (25). ومِنْ بينِ هذهِ التفسيراتِ ، أنَّ المقصودَ "بِالِكَلِمِ الطَّيِّبِ" هُوَ الذِّكْرُ والدُّعَاءُ وتِلاوَةُ الْقُرْآنِ الِكَرِيمِ ، وأنَّ ذِكْرَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ ، وأنَّ كلماتِ الذِّكْرِ هذهِ تَصْعَدُ لِتَصِلَ إلى الْعَرْشِ. وهناكَ ، فإنها تَذْكُرُ اسمَ مَنْ يقولُها ، كما ذَكَرَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

فَعَنْ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "الذين يَذكُرونَ مِن جَلالِ اللهِ ، مِن تَسبيحِةٍ ، وتَحْمِيَدةٍ ، وتَكبيرِةٍ ، وتَهْلِيلَةٍ ، يَتعاطَفنَ حولَ العَرشِ ، لهنَّ دَويٌّ كدَويِّ النَّحلِ ، يُذكِّرْنَ بصاحِبِهنَّ. ألَا يُحِبُّ أحدُكم أنْ لَا يَزالُ له عندَ اللهِ شيءٌ يُذَكِّرُ به؟"  (صححهُ شعيبٌ الأرناؤوطِ ، في تخريجِ الْمُسْنَدِ: 18362 ، وأخرجَهُ ابنُ ماجَه: 3809 ، وأحمدُ: 18362 ، واللفظُ لهُ).

أمَّا بالنسبةِ لتفسيرِ قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" ، فقد ذكروا أنَّ المقصودَ بذلكَ هو العباداتُ المفروضةُ ، والطاعةُ لأوامرِ اللهِ ، أيْ أنَّ العملَ الصالحَ هو الذي يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ويَجْعَلُهُ مقبولاً عندَ اللهِ.

[180] الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هُرَيْرَةَ وأبو سعيدٍ الخُدريِّ ، رَضِيَ اللهُ عنهُما ، عن عُرُوجِ الملائكةِ إلى رَبِّهِم بأعمالِ عبادِهِ ، صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 8019 ، وعنْ صحيحِ النسائيِّ: 484. وأخرجَهُ مسلمُ: 632 ، والبخاريُّ: 555 ، واللفظُ له.

[181] نُصُوصُ الأحاديثِ الشريفةِ ، الْمُشَارِ إليها ، عِنْ الكُرسيِّ والعرشِ ، موجودةٌ وموثقةٌ ، في الملاحظةِ الاستطراديةِ والتوثيقيةِ رقم 122 ، الْمُلْحَقَةِ باسمِ "الْحَيِّ" (98).

فقد رَوَى ابنُ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القدمينِ ، والْعَرْشُ لا يقدرُ قدْرَهُ إلا اللهُ تعالى." وفي روايةٍ لابنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ "ما بينَ السماءِ القُصوى والْكرسيِّ خَمسمائةِ عامٍ ، وبينَ الْكرسيِّ والماءِ كذلكَ. والعرشُ فوقَ الماءِ ، واللَّهُ فوقَ العرشِ ، ولا يخفى عليْهِ شيءٌ من أعمالِكم." وفي رواية أخرى لَهُ ، أنَّهُ "بينَ السماءِ الدُّنيا والتي تليها خمسُمائةِ عامٍ ، وبين كلِّ سماءٍ وسماءٍ خمسُمائةِ عامٍ ، وبين السماءِ السابعةِ والكرسيِّ خمسُمائةِ عامٍ ، وبين الكرسيِّ والماءِ خمسُمائةِ عامٍ ، والعرشُ فوقَ الماءِ ، واللهُ فوقَ العرشِ ، لا يَخفى عليهِ شيءٌ من أعمالِكُم."

 

[182] جاءتْ كلمةُ "الْعَرْشِ" ، في القرآنِ الكريمِ ، في سَبْعِ آياتٍ ، تُشِيرُ إلى استواءِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، على الْعَرْشِ ، بعدَ خَلْقِهِ للسماواتِ والأرضِ. وهذهِ الآياتُ الكريمةُ هِيَ: الأعْرَافُ ، 7: 54 ؛ يُونُسُ ، 10: 3 ؛ الرَّعْدُ ، 13: 2 ؛ طَهَ ، 20: 5 ؛ الْفُرْقَانُ ، 25: 52 ؛ السَّجْدَةُ ، 32: 4 ؛ الْحَدِيدُ ، 57: 4.

 

كما جاءتْ في سِتِّ مَرَّاتٍ في الإشارةِ إلى أنهُ ، سُبْحَانَهُ وتَعَالَى ، هو رَبُّ الْعَرْشِ (الأنبياءُ ، 21: 22 ؛ الزُّخرُفُ ، 43: 82) ، والذي وَصَفَهُ أيضاً بِالْعَظِيمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 129 ؛ الْمُؤمِنُونَ ، 23: 86 ؛ النَّمْلُ ، 27: 26) ، والْكَرِيمِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 116).

[183] أنظرْ نَصَّ الحديثِ الشريفِ ، الذي رواهُ النُّعمانُ بنُ بشيرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عن ذِكْرَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ ، وذلكَ في الملاحظةِ التوثيقيةِ رقم 179 ، الملحقةِ باسمِ "ذِي الْمَعَارِجِ."

[184] عِنْ أنَسٍ بنِ مالكٍ ، رَضِيّ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ الله ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، سمع رجلًا آخرَ يقول في تشهُّدِه: اللهم إني أسألُكَ بأنَّ لكَ الحمدُ ، لا إلهَ إلا أنتَ ، وحدَكَ لا شريكَ لكَ ، المنَّانُ ، يا بديعَ السماواتِ والأرضِ ، يا ذا الْجَلالِ والإكْرَامِ ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ ، إني أسألُكَ الْجَنَّةَ ، وأعوذُ بِكَ مِنَ النارِ. فقالَ النبيُّ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لأصحابِه: "تدرونَ بِمَ دَعَا ؟ قالوا : اللهُ ورسولُهُ أعْلَمُ . قالَ: والذي نفسي بِيَدِهِ ، لقد دَعَا اللهَ باسمِهِ العظيمِ (وفي رِوَايةٍ: الأعظمِ) ، الذي إذا دُعِيَ بِهِ أجَابَ ، وإذا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" (صححهُ الألبانيُّ ، في التَّوَسُلِ: 31 ، وعَنْ صحيحِ النِّسَائِيِّ: 1299).

[185] عِنْ أمِّ المؤمنينَ ، عائشةَ ، رَضِيّ اللهُ عنها ، أنَّ رسولَ الله ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ إذا سلَّمَ ، قالَ: "اللَّهمَّ أنتَ السَّلامُ ، ومنكَ السَّلامُ ، تبارَكْتَ يا ذا الْجَلالِ والإِكْرَامِ" (صححهُ الألبانيُّ ، عنْ صحيحِ أبي داودَ: 1512 ، وصحيحِ النسائيِّ: 1337 ، باختلافٍ يسيرٍ في التقديمِ للحديثِ).

وفي رِوَايةٍ أُخرَى ، رَوَى ثَوْبَانُ ، رَضيَ اللهُ عنهُ ، وهُوَ مَوْلَى رسولِ اللهِ ، أنَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ إذا انصرفَ مِن صلاتِهِ ، استغفرَ ثلاثَ مرَّاتٍ ، ثُمَّ (كانَ) يقولُ: "اللَّهمَّ أنتَ السَّلامُ ، ومنكَ السَّلامُ ، تبارَكْتَ يا ذا الْجَلالِ والإِكْرَامِ" (صححهُ الألبانيُّ ، عَنْ صحيحِ ابنِ ماجه: 765).

[186] نَصُّ الحديثينِ الشريفينِ ، عنِ الأعمالِ التي يَرْفَعُ اللهُ بِها درجاتِ عبادِهِ ، كما يلي:

عن ثوبانَ وأبي الدرداءِ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "عليك بكثرةِ السجودِ ، فإنك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعَك اللهُ بها درجةً ، و حطَّ بها عنك خطيئةً" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4050 ، والسيوطي ، في الجامعِ الصغير: 5484 ، ومسلم: 488 ، الذي أورد التقديمَ للحديثِ).

وعن أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "ألا أدلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ؟" قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قالَ: "إسباغ الوضوءِ على المكارهِ ، وكثرةُ الخُطى إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ ، فذلكم الرِّباطُ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 2618 ، وعن صحيحِ الترمذيِّ: 51 ، باختلافٍ يسيرٍ).

[187] مَصْدَرُ هذهِ الإحصائياتِ هوَ: "الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لألْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي. دارُ الفكرِ ، القاهرةُ ، مصر ، 1406 ه \ 1986 م (التأليف والمراجعة النهائية: 1364 ه \ 1945 م).

جاءَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، 84 مَرَّةً بصيغة "رَب" ، المُضافةً إلى اسمٍ آخر ، مثلِ "الْعَالَمِينَ" (42 مَرَّةً) ، و "السَّمَاوَاتِ والأرْضِ" (13 مَرَّةً) ، و "الْعَرْش" (5 مَرَّات) ، و "مُوسَى وهَارُونَ" (3 مَرَّات) ، و "آبَائكُم الأوَّلِينَ" (3 مَرَّات) ، و "الْمَشَرِق والْمَغَرِب" (مَرَّتَان) ، و "الْمَشَارِق والْمَغَارِب" (مَرَّتَان). وجاء مَرَّةً وَاحِدَةً مُضَافَاً لِكُلٍّ مِنْ: كُلِّ شَيءٍ ، الأرْضِ ، السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ، هَذَا الْبَيْتِ ، هَذِهِ الْبَلْدَةِ ، غَفُور ، رَحِيم ، الْعِزَّةِ ، الشِّعْرَى ، المَشَارِق ، الْمَشْرِقَيْنِ ، الْمَغرِبَيْن ، الْفَلَقِ ، النَّاسِ.

[188] نُصُوصُ الأحاديثِ الشريفةِ ، الْمُشَارِ إليها ، عِنْ الكُرسيِّ والعرشِ ، موجودةٌ وموثقةٌ ، في الملاحظةِ الاستطراديةِ والتوثيقيةِ رقم 122 ، الْمُلْحَقَةِ باسمِ "الْحَيِّ" (98). كما تمتْ الإشارةُ إليها في الملاحظةِ رقم 181 ، الْمُلْحَقَةِ باسمٍ "ذِي الْعَرْشِ" (136).

[189] أنظرْ نَصَّ الحديثِ الشريفِ ، الذي رواهُ النُّعمانُ بنُ بشيرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عن ذِكْرَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ ، وذلكَ في الملاحظةِ التوثيقيةِ رقم 179 ، الملحقةِ باسمِ "ذِي الْمَعَارِجِ" (135).

[190] نَصُّ الآيتينِ الكريمتينِ ، عنْ واجبِ الْمُؤمِنِ في تجنبِ كُلَّ ما يؤدي إلى تطاولِ الكفارِ على اللهِ ،سبحانهُ وتعالى ، وآياتِهِ الكريمة ، كما يلي:

وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (الأنْعَامُ ، 6: 108).

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... (النِّسَاءُ ، 4: 140).

[191] لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذهِ الفقرةِ المتعلقةِ بِنَجٍمِ الشِّعْرى ، أنظرْ المصدر التالي:

Andrei, Florin. 2022. “Sirius B: How to see Sirius’ companion.” Published at Earth Sky website, on March 15, 2022, at: EarthSky | Sirius B: How to see Sirius’ companion

[192] لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذهِ الفقرةِ المتعلقةِ بِنَجٍمِ الشِّعْرى ، أنظرْ المصدر التالي:

Esa Hubble 2005. “The Dog Star, Sirius A, and its tiny companion.” Published at the Esa Hubble website, on December 13, 2005, at: https://esahubble.org/images/heic0516a/

[193] لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذهِ الفقرةِ المتعلقةِ بِنَجٍمِ الشِّعْرى ، أنظرْ المصدر التالي:

Croswell, Ken. 2005. “The life and times of Sirius B: Sirius, the brightest star in the night sky, used to be even brighter.” Published on July 27, 2005. The life and times of Sirius B | Astronomy.com

 

[194] لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذهِ الفقرةِ المتعلقةِ بِنَجٍمِ الشِّعْرى ، أنظرْ المصدرينِ التاليينِ:

Freudenrich, Craig. “The Death of a Star: How Stars Work.” The Death of a Star - How Stars Work | HowStuffWorks

Al-Kattab, ‘Hussain A’hmed. 2015. “The Scientific Miracles in the Holy Quran: Verse 53: 1 (By the Star when it Falls).” Published at:

"وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ": الإعْجَازُ الْعِلْمِيُّ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ" ، تأليف حسين أحمد الكتَّاب ، موقعُ فُصِّلَتْ ، بتاريخِ 15 يوليو\ تموز 2015.

والنجم إذا هوى، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم – موقع فصلت لـ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وبالحقائق العلمية (fussilat.org)

[195] نَصُّ الحديثِ الشريف الذي رواهُ أبو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، رَضِيَّ اللهُ عنهُ ، عَنْ حَمْدِ اللهِ على نِعَمِهِ التي لا تُحْصَّى ، وخاصةً بعدَ تناوُلِ الطعامِ ، كما يلي:

عَنْ أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، رَضِيَّ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليِ وسَلَّمَ ، كانَ إذا رُفِعتْ مائدتُهُ قالَ: "الْحَمْدُ للهِ حَمْدَاً كَثِيرَاً طَيِّبَاً مُبارَكَاً فِيهِ ، الْحَمْدُ للهِ الَّذي كَفَانَا و آوانَا ، غَيْرَ مُكْفِيٍّ ولا مَكْفُورٍ ، ولا مُوَدَّعٍ ، ولا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، رَبَّنَا" (صَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ ، في صَحِيحِ الْجَامِعِ: 4731 ، وصَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ: 3456 ، بِرِوَايَةٍ مُخْتَصِرَةٍ).

[196] تَوَسَّعَ ابنُ كثيرٍ في موضوعِ الْجِنِّ ، في الجزءِ الأولِ مِنْ كتابِهِ: "الْبِدَايَةُ والنِّهَايَةُ" أمَّا عنْ نُصُوصِ الآياتِ الكريمةِ ، المُشارِ إليها ، عنْ طبيعةِ الْجِنِّ ، وعنْ تكليفِهِم بالعبادَةِ وتحري الرُّشْدِ ، وعقابِ مَنْ كفرَ منهم ، فهيَ كما يلي:

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 76).

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴿٢٦﴾‏ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ﴿٢٧﴾‏ (الْحِجْرُ ، 15: 26-27).

وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (الرَّحْمَنُ ، 55: 15).

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56).

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا (الأنعامُ ، 6: 130).

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾‏ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾ (الْجِنُّ ، 72: 14-15).

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٤٠﴾‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ (سَبَأُ ، 34: 40-41).

[197] نُصُوصُ الآياتِ الكريمةِ ، المُشارِ إليها ، عنْ وصولِ الْجِنِّ لملامَسَةِ السماءَ الدنيا ، وعنْ عدمِ السماحِ لهم باستراقِ السمعِ لِما يجري فيها ، كما يلي:

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 33).

يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 35).

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿٨﴾‏ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴿٩﴾ (الْجِنُّ ، 72: 8-9).

وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (الْجِنُّ ، 72: 12).

[198] نُصُوصُ الآياتِ الكريمةِ ، المُشارِ إليها ، عنْ وجودِ بعضِ الْجِنِّ على الأرض ، في الإشارةِ إلى تسخيرِهِم لخدمةِ سُلَيْمَانَ ، عليهِ السلامُ ، وفي الإشارةِ إلى استماعِ نَفَرٍ منهم لآياتٍ مِنً القرآنِ الكريم ، في أولِّ الدعوةِ ، بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ ، كما يلي:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (سَبَأُ ، 34: 12).

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (النَّمْلُ ، 27: 17).

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣٨﴾‏ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿٣٩﴾‏ (النَّمْلُ ، 27: 38-39).

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ (النَّمْلُ ، 27: 40).

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴿١﴾‏ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾ (الْجِنُّ ، 72: 1-2).

 [199]هناكَ شروقٌ وغروبٌ للشمسِ على الْقَمَرِ ، كما هوَ الحالُ على الأرض. لكنَّ الفرقَ يَكْمُنُ في أنهُ يُمْكِنُ رؤيةُ نُجُومٍ أخرى معَ الشمسِ ، في نهارِ القمرِ ، وذلكَ لأنَّ الْقَمَرَ ليسَ لهُ غلافٌ جويٌ ، كما هوَ الحالُ حولَ الأرضِ. ويدورُ الْقَمَرُ حولَ محورِهِ ، كالأرضِ أيضاً ، مما يَنْتُجُ عنهُ الشهرُ الْقَمَرِيُّ ، الذي يبلغُ حوالي 29 يوماً أرضياً. وذلكَ يعني أنَّ هناكَ حوالي أسبوعينَ بينَ شُرُوقِ الشمسِ على القمرِ وغُرُبِها عنهُ ، مِنْ أيةِ نُقْطَةٍ على سَطْحِهِ.

Sunrise and sunset from the moon | Space | EarthSky

في عامِ 2020 ، أعلنت وكالةُ الفضاءِ الأميركيةِ ، ناسا ، اكتشافَ الماءِ في الأماكنِ التي تتعرَّضُ لضوءِ الشمسِ على سطحِ الْقَمَرِ. وأظهرتْ البياناتُ المستقاةُ مِنْ مركزِ سوفيا لِلمُلاحظةِ أنَّ الماءَ موجودٌ في فُوِّهَةِ بُرْكَانِ كلافيوس ، وبكمياتٍ تُقَدَّرُ باثنتي عَشَرةَ أونصةً مِنَ الماءِ في كُلِّ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ التُّرابِ ، هُناكَ. وأظهرَ هذا الاكتشافُ أنَّ الماءَ يُمْكِنُ أنْ يتوزعَ على سطحِ الْقَمَرِ ، بصفةٍ عامةٍ ، وحتى في الأماكنِ التي تَرَى ضُوءَ الشمسِ ، وليسَ فقط في المناطِقِ الباردَةِ والمُظلِمَةِ مِنْهُ.

Water on the Moon | Inside & Out – Moon: NASA Science

هناكَ خُططٌ لإقامةِ الإنسانِ على سَطْحِ الْقَمَرِ قريباً. فقد أعلنتْ وكالةُ الفضاءِ الأميركيةِ ، ناسا ، أنَّ الهدفَ مِنْ رَحَلاتِ أرتَميس هوَ استكشافُ المزيدِ مِنَ المعلوماتِ عنْ سطحِ الْقَمَرِ ، وذلكَ بإنشاءِ أوَّلِ محطةٍ دائمةٍ لحياةِ الإنسانِ على الْقَمَرِ. وسيكونُ أولُ الرُّوَّادِ امرأةً ، ورجلاً مِنْ أصولٍ أفريقيةٍ.

NASA Artemis

[200] تُعْتَبَرُ شَمْسُنَا واحدَةً مِنْ حوالي مائةِ بليون نجمٍ ، تدورُ حولَ مركزِ مَجَرَّتِنَا ، المعروفةِ باسمِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ ، والتي يبلُغ قُطرُها حوالي مائةَ ألفِ سنةٍ ضوئيةٍ. وتتناثرُ هذهِ النجومُ في نمطٍ يُشبِهُ المروحةِ ، على أربعةِ أذرعٍ للمجرةِ ، نعيشُ في واحدٍ منها ، على بُعدِ ثلثي المسافةِ التي تبدأُ منْ مركزِها. وتُعَدُّ مجرتُنا واحدَةً مِنْ بلايينِ المجراتِ في ملكوتِ اللهِ العظيمِ ، التي يحتوي بعضُها على ملايين النُّجُومِ ، ويحتوي أغلبُها على البلايين منها. والاعتقادُ السائدُ بينَ العلماءِ أنَّ معظمَ النجومِ في مَجَرَّتِنَا لها كواكبُ تدورُ حولَها. وقد تَمَّ اكتشافُ الآلافَ منها ، بينما هناكَ آلافٌ أخرى تَمَّ التعرُّفُ عليها ، بانتظارِ التأكُّدِ مِنْ اكتشافِها.

Overview | Beyond Our Solar System – NASA Solar System Exploration

 

[201] تقرير وكالة الفضاء الأميركية ، ناسا ، حول اكتشاف المجموعة الكوكبية تْرَابِسْتْ 1 (TRAPPIST 1) موجود على الرابط التالي:

 

https://www.nasa.gov/press-release/nasa-telescope-reveals-largest-batch-of-earth-size-habitable-zone-planets-around 

 

[202] نَصُّ الحديثِ الشريفِ المذكورِ ، عَنْ أنْ يكونَ المؤمنُ مُوقِناً بإجابةِ رّبِّهِ لهُ عندَ الدُّعاءِ ، كما يلي:

عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "ادعوا اللهَ وأنتم مُوقِنونَ بِالإجَابةِ ، واعلَموا أنَّ اللَّهَ لا يَستجيبُ دُعاءً مِنْ قلبٍ غافلٍ لاهٍ" (حَسَّنَهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 245 ، وهدايةِ الرُّواةِ: 218 ، وعَنْ صحيحِ التِّرْمِذِيِّ: 3479 ، واللفظُ لهُ ، والبزَّارِ: 10061).

[203] نَصُّ الحديثِ الشريفِ المتضمنِ لدُعاءِ الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قبلَ الصلاةِ ، كما يلي:

عن أمِّ المؤمنينَ عائشة ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ ، وابنِ مسعودٍ ، وواثلةَ بنِ الأسقعِ ، رضيّ اللهُ عنهم أجمعينَ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كان إذا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قال: "سُبْحَانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ ، و تَبارَكَ اسْمُكَ ، و تَعالَى جَدُّكَ ، ولا إلهَ غيرَكَ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 4667، وصحيحِ ابنِ ماجه: 664. وأخرجَهُ أبو داودَ: 776 ، والترمذيُّ: 243 ، وابنُ ماجَه: 806 ، واللفظ ُلهُ).

[204] نَصُّ الآيةِ الكريمةِ التي يأمُرُ فيها اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، المؤمنينَ الاستعاذَةَ بِهِ مِنَ الشيطانِ الرَّجِيمِ ، كما يلي:

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأعْرَافُ ، 7: 200).

نَصُّ الحديثِ الشريفِ ، الذي يأمرُ فيهِ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أحَدَ الصحابَةِ (والمؤمنينَ) بقراءةِ المعوذَتَيْنِ بعدَ كُلِّ صلاةٍ ، كما يلي:

عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ: "أمَرَنِي رسولُ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنْ أقرأَ المعوذَتَيْنِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ" (صححهُ الألبانيُّ ، في هِدَايَةِ الرُّوَاةِ: 929. وأخرجَهُ أبو داودَ: 1523 ، والترمذيُّ: 2903 ، والنسائيُّ ، في الْمُجْتَبَى: 3 \ 68 ، معَ اختلافٍ يسيرٍ).

[205] هناك اتفاق على أن العالِم الأميركي ، إدوين هَبِلْ ، هو أول من كتب عن توسع الكون ، بابتعاد أجزائه عن بعضها البعض بسرعة فائقة ، كما شهدت بذلك مطبوعة مكتبة الكونغرس ، على الرابط التالي:

   https://www.loc.gov/rr/scitech/mysteries/universe.html

وقد قدم مايك وول شرحاً موجزاً لنظرية هَبِلْ مع إيضاح سمعي وبصري ، على الرابط التالي:

https://www.space.com/35459-universe-expanding-faster-hubble-constant.html

كما قدم آخرون شروحاً لقانون هبل ونظريته على الكثير من الروابط الأخرى ، مثل:

http://www.physicsoftheuniverse.com/topics_bigbang_expanding.html

http://www.atnf.csiro.au/outreach/education/senior/cosmicengine/hubble.html

[206] وردتْ جملةُ "لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" ، التي تتضمنُ أحدَ أسماءِ اللهِ الحُسنى "إلَهَ" ، والضميرَ العائدَ على لفظ ِ الجلالةِ ، "هُوَ" ، في 29 آيةٍ مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ ، هيَ: 2: 63 ، 2: 255 ، 3: 6 ، 3: 18 ، 4: 87 ، 6: 102 ، 6: 106 ، 7: 158 ، 9: 31 ، 9: 129 ، 11: 14 ، 13: 30 ، 20: 8 ، 20: 98 ، 23: 116 ، 27: 26 ، 28: 70 ، 28: 88 ، 35: 3 ، 39: 6 ، 40: 3 ، 40: 62 ، 40: 65 ، 44: 8 ، 59: 22 ، 59: 23 ، 64: 13 ، 73: 9.

الآياتُ الكريمةُ التسعُ ، التي يعودُ فيها الضميرُ "هُوَ" إلى أسماءٍ أخرى للهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هِيَ: 2: 163 ، 9: 31 (إلَه) ، 6: 106 ، 44: 8 ، 73: 9 (رَب) ، 3: 6 (العزيز الحكيم) ، 13: 30 (الرحمن ، الرب) ، 40: 65 (الحي) ، 40: 3 (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ ).

[207] الحديثُ الشريفُ الذي رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عَمروٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، عًنْ أهميةِ "لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ" ، صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الأدبِ المُفرَدِ: 426. وأخرجَهُ أحمدُ: 6583 ، واللفظ له ، والبزارُ ، كما في "كشفِ الأستارِ" ، للهيثمي: 2998 ، والحاكمُ: 154 ، مختصراً ، باختلافٍ يسيرٍ.

 

[208] أنظر البحث القيم الذي نشره د. محمد بن عبد الله المقشي ، بعنوان: "القولُ في بعضِ صفاتِ اللهِ تعالى كالقولٍ في البعضِ الآخرِ" ، في "الألوكةِ الشرعيةِ" ، بتاريخ 2\4\1439 هجرية ، 21\12\2017 ميلادية ، والذي استعرضَ فيه أقوالَ وشروحَ وتفسيراتِ علماءِ الأمةِ في القرونِ المختلفةِ ، في موضوعِ صفاتِ اللهِ الجسديةِ ، سبحانهُ وتعالى ، والذي يمكنُ قرَاءَتُهُ على الرابط التالي:

 

https://www.alukah.net/sharia/0/123931/#ixzz6xlGDHqLL

 

القول في بعض صفات الله تعالى كالقول في البعض الآخر (alukah.net)